|
||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
وظيفة القصيدة العمودية المعاصرة ـــ عبد اللطيف محرز- سورية أمهد لموضوع البحث بالملاحظات الثلاث التالية: الملاحظة الأولى: الشعر موهبة ذاتية، تعبر عن الكينونة الإنسانية للشاعر روحاً وقلباً وإحساساً. ونماذج الشعرية العربية موجودة ( بالقوة ) في أعماق كل شاعر أصيل . وهي قادر على إخراجها إلى دائرة (الفعل) وفاقاً لحالته الوجدانية . فيكتب بالعمود حيناً وبالتفعيل أحياناً وبالنثر الشعري في بعض الأحايين. الشاعر الأصيل يعيش أساليب شعره العربي بصورة عفوية يحياها تكاملياً وإيجابياً وليس تناقضياً. الملاحظة الثانية : الحداثة ليست في الأنموذج الشعري الذي يكتب به الشاعر بل هي في الروح والفكر والرؤيا. وبالرغم من بعض السمات المشتركة عالمياً للحداثة، فإن لكل أمة حداثتها التي تنطلق من صيرورتها التاريخية وخصوصيتها الحضارية الملاحظة الثالثة: الشعر في هذه الأيام، يعاني من كساد عام. وهذه الحالة تعود لعوامل متعددة على صعيد الفكر والسياسة والاجتماع. ولكنْ ممَّا لا شك فيه أنًّ للمتسللين إلى ساحاته وخاصة الحديث فيها، دوراً ما في هذا الكساد . وقد لاحظت الروائية المبدعة (غادة السمان) كثرة المتجهين بلا دراية لكتابة الرواية، فصاحت غاضبة : ( إنهم يخرّبون الرواية كما خرّبوا الشعر ) بعد هذه الملاحظات أعود إلى موضوعنا فأقول: ليس هناك من وظيفة فنية خاصة لكل نموذج من نماذج الشعر . بل هناك وظيفة واحدة للشعر بمختلف نماذجه . وهذه الوظيفة تحددها الحياة بما تستنبته في نفس الشاعر من المشاعر الشعر هو الشاعر نفسه، هو التعبير الفني عن عواطفه ومشاعره وأفكاره. وكما يسعى الفلاح إلى تخمير العنب بغية تقطيره خمراً ، تتوقف جودته على نوعية العنب من جهة، وعلى مقدرة الفلاح على فن التخمير والتقطير من جهة أخرى. هكذا يفعل الشاعر: يخّمر في روحه ولا شعوره عنا قيد الآلام والآمال، والعواطف والأفكار،ثمَّ يقطرّها بيراع إبداعه شعراً . وعلى نوعية المشاعر وأصالتها، وعلى مقدرة الشاعر في استخدام التقنية الشعرية، تكون قيمة الشعر ودرجة تأثيره في استخدام التقنية الشعرية، تكون قيمة الشعر ودرجة تأثيره سلباً وإيجاباً . لقد آن لنا أن نتجاوز القشور الخارجية للشعر بألوانها المتعددة كي نغوص في تياره العميق، وعندئذ سنرى أنه ينطلق من منبع واحد ويتغذى من فصيلة دموية واحدة، ويتجه نحو وظيفة واحدة هي الإفصاح الفني عمَّا يختمر في الوجدان من عناقيد الزمان. وقد تختلف هذه التعبيرية الفنية لنماذجنا الشعرية ، في تجلياتها وتأثيراتها في نفوس الآخرين. وفي هذا المجال لا تزال قصيدة العمود كما أرى هي الأقرب للوجدان الشعبي -إن أوزان شعرنا العربي بما تكتنزه من أنفاس تراثنا الأدبي قد أصبحت كما يقول أحد النقاد، كالموسيقا الإنشادية القومية، لفئات واسعة من جماهيرنا. تألفها، تحبها، وترتاح لسماعها، اللهمّ إذا توهجت بالإبداع. ومن هنا كان للقصيدة العمودية خصوصية مميزة في مهماتها الأدبية، ومرتكزاتها الاجتماعية، وأشير إليها كما يلي: أولاً: المهمة التراثية: قصيدة العمود حاضنة إبداعية لتراث الشعر العربي على امتداد عصوره . وهي العين الساهرة التي تقرأ أجيالنا من خلالها كنوز الشعرية العربية. إنها أصالة العرب في ديوانهم . ولكنها الأصالة التي لا تتنكر للحداثة، بل تتقدم معها ومن خلالها إلى الآفاق المستقبلية الواحدة. -الأصالة والحداثة مفهومان متكاملان، ولا يمكن أن يقفا متعارضين ومتنافرين، إلاّ على مزابل الأدب الرخيص. الأصالة هي الحفاظ على الأصل على الهوية والتراث. هي أن يبقى الشاعر في إطار الجاذبية الحضارية لأمته .يستهدي بالنقاط المضيئة في تاريخها، ويغسل روحه في شلاّل إشعاعها. والحداثة هي التطور والتجدد و السير صعوداً مع الحياة . هي الاستحمام الدائم بأنفاس الفجر المتجدد الدائم . -الشاعر الأصيل هو الذي ينغرس في تراث أمته، دون أن يتجمد فيه يطوّره ويتطوّر من خلاله إنه يسعى دائماً لتحديث الأصيل من جهة وتأهيل الحديث من جهة أخرى. وستبقى قصيدة العمود ، بهذا الفهم، قيثارة شعرية تتناقلها أجيالنا. وإذا ما وُجد بين الحداثى من يشكك في مصيرها المستقبلي فهو مخطئ لأنَّ حديقة الشعر تتسع لكافة الأزهار . ولا يخطر ببالي أن قصائد المتنبي وحِكَمَهُ الشعرية ستذبل يوماً ما على شفاه الناس -الأوزان الخليلية، بتفعيلاتها العروضية، تشكل النوتة الموسيقية والأبجدية الفنية لشعرنا العربي. وهذه النوتة، وتلك الأبجدية ليستا أوعية قديمة غير صالحة لخمرة الحداثة، كما يحلو للبعض أن يقول . إنها نسيج بدئي في يد الشاعر يخيط منها ثوباً جديداً لروحه المتجددة في إطار حداثته المتجددة. -إن بعض النقاد يسيئون إلى روح الشعر حين يقيمون الجدران الكاتمة بين نماذجه، فيباعدون في مجال الإبداع الشعري بين موسيقاه الداخلية والخارجية . فللعمود موسيقا الآذان وللشعر الحديث سمفونية الوجدان وكأن نبضات الشعر العمودي قد انطفأت داخلياً، ورعشات الحديث قد تجمّدت خارجياً . يفعلون ذلك وهم لا يدركون أن موسيقا الشعر ما هي إلا تموجات النفس و الروح تسيل في شرايين الحروف والكلمات. وما هي إلاّ اختلاجة الحروف والكلمات تترقرق في ينبوع القلب. ليست موسيقا الشعر إلا جوهر الشاعر ملحَّناً، وضمير الحياة منغَّماً عندما تستقطب كيان الشاعر حالة الإبداع الفني، يتوهج شعوره بعفوية الخلق ، عبر كلمات وحروف تتماوج في ارتعاشات من ألق الروح والقلب والعقل لا بصورة منفصلة ، بل عبر توحد الصميمية الإنسانية في جدلية الخلق الإبداعي. -إن قصيدة العمود تشكل تحدياً جدياً للشعراء في هذه الأيام. فهي من أصعب النماذج والإجادة في مجالها، والتجديد في آفاقها لا يبلغها إلاّ ذوو المواهب المتميزة لا يتغلب على صعوبات نظامها الصارم، بقافيتها الواحدة، وبيتها ذي التفاعيل المتوازنة، إلا الشعراء الذين يمتلكون ثقافة واسعة، ودراية شاملة بقواعد اللغة العربية وأسرارها، إن العزف على وتر العمود هو الأصعب لأنَّ أي خلل في الأوزان يخدش مباشرة خميرة الوجدان وهذا ما جعل المتشاعرين يهربون للنماذج الأخرى. ومن المؤسف أنهم يجدون في المشرفين على إدارة الإعلام والثقافة في بلادنا من يروّج لهم بضاعتهم المزجاة. -من قصيدة العمود تطور التفصيل فكانت قصيدة التفعيلة. وعلى حين غفلة جاءت قصيدة النثر المتمردة ودخلت بجرأة ميدان الشعراء، فارضة نفسها بحكم الأمر الواقع. لقد ولدت قصيدة النثر سفاحاً على فراش الشعر، ولكنها تفتَّحت عن فتاة جميلة وجذابة فماذا يمكن أن نفعل بها؟ لا بدَّ من الاعتراف بها أيها السادة. لا بدَّ من إيقاف ذلك الجدل العقيم حول مشروعيتها الشعرية لا بد من قبولها وفاقاً لمنطق الحياة الذي لا يجيز وأد البنات . ولكن علينا أن نضع لها قانوناً فنياً دقيقاً كي لا تسمح للمراهقين من التسلل إلى ساحة الشعر من تحت ثيابها. وكي لا تسفر عن وجهها إلا للشاعر الذي يتمكن من تشكيل مزيج خاص من الألفاظ والتراكيب والصور والأخيلة يكون له إيقاع متميز يغني عن موسيقا الشعر في تفعيلاته المعروفة. -إن قصيدة العمود تسعى نحو الحداثة، بل تستنجد بالمبدعين كي يملؤوا رئتيها بالهواء الجديد، وهي تقول لهم : لا تخافوا من القافية واستمعوا لمن يقول فيها:
-وقد أثبت العمود لشعراء الحداثة أنه قادر على حمل رؤاهم وتعابيرهم الحديثة. فلنستمع إلى أدونيس وهو يقول من خلال مهياره الدمشقي:
ثانيا: قصيدة العمود تشارك غيرها في مهمات الفاعلية الشعرية: إذا كانت المهمة التراثية تخص قصيدة العمود لوحدها، فإن هذه القصيدة تشارك في جميع المهام المتولدة عن فاعلية الشعر بجميع نماذجه، وسأقصر حديثي هنا على ثلاث منها كما يلي: آ- مهمة التعبير عن الهم القومي: إن قصيدة العمود لا تزال الأقدر تعبيراً عن الالتزام القومي ، والأعمق تأثيراً في الساحة الاجتماعية. وقد أثبتت هذه القصيدة عبر تاريخها ومن خلال المبدعين في ساحتها، قدرتها على تحريك الجماهير. ومن كان يظن أن الشاعر العباسي ابن الرومي سيشارك في معارك المقاومة الفلسطينية من خلال بيته الشهير:
حيث راحت سلطات الاحتلال الصهيوني تلاحق هذا البيت الذي رفعه الثوار شعاراً لهم ، وتجهد لمحوه عن الجدران، عن الشفاه، من الصدور ولكن هيهات . وهذه الميزة لقصيدة العمود، جعلت بعض شعراء الحداثة يلجؤون إليها أحياناً للتعبير عن همومهم القومية. -فالشاعر محمد عمران ، وهو من أعمدة الشعر الحديث كتب بعد عودته من رحلته الاستشفائية إلى الهند قصيدة عمودية منها هذه الأبيات :
-وكتب الشاعر محمد علي شمس الدين ، وهو شاعر حداثي معروف ومرموق ، قصيدة عمودية عن المقاومة في الجنوب اللبناني، منها هذه الأبيات:
ب- مهمة التعبير عن ألق الأعماق، وتوهج الروح الخلاّق، وخاصة في الإطار الصوفي. وتبقى المبدعات من العموديات، هنَّ السابقات في هذا المجال، فلنستمع إلى بدوي الجبل في هذه الأبيات :
ج- مهمة التعبير عن بعض المناسبات في الحياة، وخاصة في رثاء من مات: وهذا ما جعل أدونيس يخلع ثوب حداثته في رثاء صديق لوالده، حيث كتب قصيدة عمودية منها هذه الأبيات:
ثالثاً: المهمة المعيارية: وهذه لا تزال مهمة افتراضية، محتملة، وقد أشار إليها الدكتور محمد نويهي في كتابه قضية الشعر الجديد) . حينما طرح على نفسه هذا السؤال : ( كيف ندرأ عن الفن الجديد خطورة المتسللين إليه لا عن موهبة إبداع. بل طلباً للسهولة والتحلل من القواعد؟ ) وأجاب كما يلي: ( نستطيع التخفيف من ذلك إذا توافقنا على هذه القاعدة النقدية وهي أن لا تقبل في الفن الجديد قبولاً مبدئياً إلا فناناً يثبت أولاً أن لديه القدرة على إتقان القواعد الكلاسيكية في نظم الشعر9 -وقد أشار إلى هذه المهمة المعيارية قبل النويهي الشاعر عبد الباسط الصوفي /رحمة الله/ كما نقل عنه الأديب الناقد محيي الدين صبحي في كتابه ( الشعر طقس حضارة) . فقد ورد في الصفحة /77/ من هذا الكتاب ما يلي : (كان لي صديق شاعر محلّق هو عبد الباسط الصوفي يرحمه الله. عشت معه تجربة شعر التفعيلة منذ أن ورد إلينا من العراق إلى أن فشا أمره وذاع . وكان عبد الباسط يقول لي: إن تكسير البيت إلى تفعيلات إصلاح عروضي مقبول بشرط ألا يستعمله إلا شاعر أهدر المقيّد بعدد من التفعيلات والمختوم بقافية واحدة. يكبح جماح الدفق اللفظي الذي يغري به النظم على تفعيلة واحدة. وقد أثبتت الأيام صدق فراسته. هذا ما قاله الدكتور محمد النويهي، وما أشار إليه الشاعر الصوفي، ولو عملنا بهذا وجعلنا من إتقان العمود شرطاً للانتساب إلى جمعية الشعر لخففنا الكثير من هموم الشعر وآلام الشعراء . الآن وبعيداً عن هذه النصيحة النويهية، والفراسة الصوفية، وانطلاقاً ممَّا نحن عليه، أتمنى على المستحدثين من شعراء الحداثة، أن يتمرنوا على النظم العمودي، حتّى ولو لم ينشروا ما يكتبونه. أقترح عليهم أن يمارسوا التمارين الشعرية على حبال العروض وأوزان الخليل ، وسيشعرون بأن تقنيتهم الشعرية، ستزداد قوة وصلابة حتّى وهم يمارسون حداثتهم. -وختاما أقول : (الشعر ديوان العرب) وبما أن هذا الديوان يرتكز أساساً على قصيدة العمود، فهي التربة الوجدانية لتراثنا، و الجذر التاريخي لأصالتنا، وعلى هذا الجذر العمودي انطلاقاً منه يجب أن تنمو نماذجنا الشعرية الأخرى في مجال التحديث : ( كزرعٍ أخرج شطأه، فآزره، فاستغلط، فاستوى على سوقه يعجب الزّرّاع ...) صدق الله العظيم . ولنعترف أخيراً بهذه المقولة: لا حديث ولا قديم في الشعر، فالشعر الحق هو حديث أبداً ، مهما امتدًّ به الزمان. -ويسعدني أن أختم بهذا الدعاء الشعري الرقيق، والطليق والعميق للشاعر المبدع عمر أبي ريشة: ربّ طوّقتَ مغانينا جمالاً وجلالا ونثرتَ الطيب فيهنَّ، يميناً وشمالا وتجلَّيتَ عليهنَّ، صليباً وهلالا ربّ هذي جنّة الدنيا، عبيراً وظلالا كيف نمشي في رباها الخضر، تيهاً واختيالا وجراح الذلّ نخفيها عن الناس احتيالا؟ رَدَّها قفراءَ، إن شئت، وموّجها رمالا نحن نهواها على الجدب إذا أعطت رجالا | |||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||