|
||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
في جماليات البنية الإيقاعية لقصيدة التفعيلة ـــ د.ثائر زين الدين- سورية بدأت حركةُ التجديد الشعري، أو مَا عُرفَ بالشعر الحُرّ في سوريا، في أواخر الخمسينيّات من القرن الماضي؛ أي بعدَ عشر سنواتٍ تقريباً من انطلاقِها في العراق ومصر؛ هذا إذا أهملنا بعض المبادرات الفرديّة في سوريا، كما هو الحال عند علي الناصر في ديوانِهِ (الظمأ)، الصادر في حلب، عام 1931، وقد عزا بعض النقّادِ هذا التأخرَ إلى انشغالِ الشاعر السوري بالمسألةِ الفلسطينيّة، التي اتخذت مجرىً جديداً عام 1948، فوجَدَ هذا الشاعر نفسه يغوصُ في خضّم هذهِ القضيّة وما انبثق عنها من نزوحٍ فلسطينيٍ وأحداث دمويّة(1). ولكنّ الشعراء السوريين سارعوا إلى تبنّي المولود الجديد ورعايته، فإذا بهِ ينمو عندهم بسرعةٍ وبثقةٍ، ويكتسبُ من الصفات والملامح ما لم يكن لَهُ من قبل، ومَردُّ ذلك إلى أن البيئة والتُربةَ السوريتين كانتا جاهزتين وناضجتين لاستقبالِ هذا الفَرس الجديد... هذا الفرس الذي سينمو بفعلِ ثلاثة مؤثّرات: "أوّلها هضم التُراث ثمّ تجاوزه، والإضافة إليه، وثانيها: التأثّر بالثقافة الوافدة بصفتها ثقافة إنسانيّة، ثُمَّ الاستقلال عنها، وإغناؤها، وثالثها الاستجابة لحاجات الواقع في التصوير وفي التعبير"(2). والآن وقد تجاوزتِ التجربةُ في سوريا عقدها الرابع... أينَ هي من البداية؟ أين أصبحتِ القصيدةُ الحديثة، التي أرادَ لها أصحابُها ألا تكونَ مجرّد شكلٍ من أشكال التعبير، بل شكلاً من أشكال الوجود(3).. القصيدة الرؤيا.. المتمرّدة على الأشكال والطرق الشعرية القديمة(4)؟ القصيدة الشبكة؛ وليست الخيط الواحد.. المتلألئة والثقيلة كذبيحة!... القصيدة الرافضة التي تطرَحُ الأسئلة، ولا تتكلم على العالم، بل تتكلّم العالم(5)؛ انطلاقاً من لغةِ التساؤلِ والإشارة والتغيير، تلك اللغة التي يجب أن تقول ما لم تتعوّد على قولِهِ؟! لقد استطاعت حركةُ الشعر الحديث ـ كما عَبّر د. نعيم اليافي ـ أن تُبدِّلَ وجهَ النظريّة الشعريّة النقديّة من خلالِ جملة نتائج هي: "أولاً ـ ليسَ ثمّةَ من موضوعات خاصة بالشعر أو بالنثر، فما يكسبُ الموضوعَ شعريته أو نثريّتَه هو طريقةُ رؤيتهِ أو مُعالجتِهِ. ثانياًـ ليسَ ثمّةَ مفردات خاصة بالشعر أو بالنثر، فما يجعلها شعريّةً أو نثريّةً هو وجودها في علاقةٍ أو نسقٍ. ثالثاً ـ ليسَ الوزن العروضي التقليدي هو أساس التفريق بينَ الفنينِ فحسب، بل هو ـ إلى جانب عناصر أُخرى مكوّنة لشعريّة النص ـ الإيقاع الشعوري الداخلي والخارجي بوصفِهِ مفهومَاً مُتَغيّراً يرتبطُ بالمعيار الزماني (الأذن) مثلما يرتبطُ بالمعيار المكاني (البصر)"(6). لكن هذهِ النتائج ـ وغيرها جاءت حصيلة صراعٍ عنيفٍ مع جملةِ تحديّاتٍ خاضت حركة الشعر الحديث غمارها؛ منها: تحديّات على صعيد البنية الإيقاعيّة والموسيقيّة... وعلى صعيد الصورةِ الفنيّة، واللغةِ، والتراثِ، ومعمار القصيدة، وتشكيلها، وتجديد مضامينها وما إلى ذلك. وفي هذهِ المساحةِ وهذا الزمن المخصصين لي في هذهِ الندوة حسبي أن أتحدّثَ عن شيءٍ من الإنجازات الجماليّة على صعيدِ البنيةِ الإيقاعيّة لقصيدةِ التفعيلة دون سواها، وفي القطر العربي السوري بالتحديد انسجاماً مع عنوانِ الندوةِ، مع علمي أن تناول جماليات قصيدة التفعيلة لا يمكن أن يكونَ شاملاً وجامعاً، إلا إذا مَسَحَ كامل الأرض العربيّة التي نشأت القصيدةُ فيها وتطوّرت وتلوّنت في أفيائِها، وتحتَ شموسِها! وتنوّعت بتنوّعِ بلدانِها، ومشارِبِ شُعرائِها ومواهِبهم ومصادِرِهم! ممّا لا شك فيه أن مسألةَ أوزان القصيدة الجديدة، وإيقاعاتِها، وموسيقاها على العموم هي إحدى أهم المسائل التي واجهت شعراء التفعيلة ونقّادها، منذُ البداية، حتّى إن نازك الملائكة اعتبرت الشعرَ الحُرَّ "ظاهرةً عروضيّةً قبلَ كل شيء، ذلك أنَّه يتناول الشكل الموسيقي للقصيدة، ويتعلّق بعدد التفعيلات في السطر، ويُعنى بترتيب الأشطر والقوافي وأسلوب استعمال التدوير والزحاف والوتد وغير ذلك، ممّا هو قضايا عروضيّة بحتة"(7)، ولقد قعّدت نازك الملائكة الأصولَ الإيقاعيّة للشعر الحُرّ فحصرتها في التفعيلة، وربطت بشدّة بينَ هذهِ الظاهرة والشعر العربي القديم، مُحذّرة من الخديعة التي قد ينجرُّ إليها الشعراء الجُدد، تحتَ وهم الحريّة، فتسوّغُ لهم نفوسهم الخروج على ما تقبلُهُ الأذن العربيّة والعروض المعروف.. حتى إن الشاعرة حددّت البحور التي يمكن أن يستقيمَ عليها الشعر الحر، فأكّدت على البحور "الصافية"، ذات التفعيلة الواحدة المكرّرة في كل شطر (الكامل ـ الهزج ـ الرجز)، أو البحور "الممزوجة"، أي التي تتنوّع تفعيلاتُها، على أن تتكرّر إحدى التفعيلات (السريع والوافر)، وقد أرادت الملائكة من ذلك التأكيد على قاعدة عروضيّة يجب أن تُلتَزم في الشعر الحُر؛ مفادها عدم تنوّع التفعيلات في الوزن الواحد حتى لا ينتقل الشاعرُ من بحرٍ إلى آخر، ممّا يؤدي إلى ضربِ "وحدة التفعيلة"، التي قامَ على أساسها الشعر الحرُ. وفي كل الأحوال فقد انطلقَ هذا الشعرُ الجديدُ ليكسرَ رتابةَ البيت التقليدي، ذي الهندسةِ الرتيبةِ المعروفةِ مسبقاً، وطرحَ عوضاً عنه مفهومَ السطر الشعري؛ فأصبحتِ الأسطرُ مرتبطةً ارتباطاً حميميّاً بالإيقاع الداخلي لنفس الشاعر، بكلِ ما فيها من حركاتٍ وسكناتٍ؛ من فوراتٍ وتدفّقاتٍ عاطفيّة، أو لحظاتِ هدوءٍ وصفاء، وبالتالي راحت هذهِ الأسطرُ تقصُرُ أو تطولُ بناءً على ذلك، وتَمَّ التعامُلُ مَعَ القوافي بصورةٍ جديدة، لا عهدَ للشعر العربي بها من قبل، ممّا يجعلُنا نتناولها لاحقاً بشيءٍ من التفصيل، وكانَ من شأن الشعراء السوريين ألا ينصتوا لتعليمات نازك أو غيرها في مجال موسيقى قصيدة التفعيلة... فقد انطلق ماردُ الإبداع من قمقمهِ، وأصبَحَ من المُحال إعادتُهُ إليه! أوّلاً ـ في الإيقاع الخارجي لشعر التفعيلة: أضَعُ هذا العنوان الفرعي مع علمي أن من غير الممكن أن نفصل بين الإيقاع الخارجي والداخلي للقصيدة، لأنَ هذين المفهومين من التداخل والتمازجِ بمكان، بحيث نعجزُ موضوعيّاً عن الفصل بينهما، لكنني أفعلُ ذلك لتيسير تناولِ ظاهرة الإيقاع في هذا النمطِ من الشعر. آـ الإيقاعُ العروضي: يؤكّد د. أحمد بسام ساعي أن لواءَ هذا الشعر بدأ بحملِهِ في سوريا صنفانِ من الشعراء: "صنفٌ تمرّسَ بالشعر الخليلي، ثُمّ وجَدَ هذا الشعر الجديد مُتنفَّساً لإيقاعاتِ نفسه الحديثة، وهذا فوقف من الشعراءِ هو الذي استطاعَ بعد ذلك ـ على الأغلب ـ أن يمشي بخطى ثابتة أكثر في أرض الشعر الحديث. وصنفٌ آخر من الشعراء فتحوا أعينهم على هذا النوع الجديد (السهل) ـ فيما يظهر لأوّل وهلة ـ فوفّقَ قِلّةٌ منهم بالسير فيه، وخبطَ كثيرونَ في متاهاتهِ من غير تَمرّس لغوي أو عروضي سابق، فكان إسفافٌ وسقوط"(8). ومع أن الناقد يعودُ بعد كلامِهِ السابق لرصدِ جملة من الأخطاء العروضيَّة لعددٍ من شعراء الفريق الأوّل، إلا أن كلامه يبقى صحيحاً ودقيقاً على الأغلب. لقد حاوَلَ هؤلاء الشعراء أن يستثمروا الطاقات الإيقاعيّة الكامنةِ في بحور الشعر التقليديّة، من خلالِ منح التفعيلة حُريّةَ الانتشار على مساحة القصيدة، لكنّهم ظَلّوا ـ في البدايةِ ـ مشدودينَ إلى العروض الخليلي! وبقيت التفعيلةُ المُفْرَدة أسيرةَ ما قبلِها وما بعدها من تفعيلات؛ بمعنى آخر: بقيت هذهِ التفعيلةُ أو تلك بنتَ بحرِها نفسه، وتخضعُ في حُرّيتها إلى كثيرٍ من قواعدِهِ الموسيقيَّة... ولقد كانَ بإمكانِ الدارسِ أن يعيدَ كثيراً من قصائدِ تلكَ المرحلة إلى نظام البيتِ، بإعادةِ ترتيب الأسطر وبلا كبير عناء(9). لنقرأ مثلاً هذا المقطع من قصيدة "طوق الياسمين" للشاعر نزار قبّاني وهي على الأرجح مكتوبة عام 1956: "شكراً... لطوقِ الياسمينْ وضحكتِ لي.. وظننتُ أنك تعرفينْ معنى سوار الياسمينْ يأتي بهِ رجلٌ إليكِ ظننتُ أنكِ تدركينْ"(10). نشاهدُ في هذا المقطع بل في القصيدة كلها مدى ارتباط الشاعر بعروض الخليل؛ القصيدةُ تسيرُ على (الكامل) بصورةٍ مُثلى، وتحافظُ على نظام تقفيةٍ صارم، يعتمدُ قافيةً واحدة، ورويّاً واحداً، وحتى ظاهرة التدوير تبدو محدودةً جداً، مع مُحافظةٍ شديدة على قانوني "الوقفة الدلاليّة" و"الوقفة العروضيّة"، مما يعكسُ تشبثاً شديداً بخصوصيّات نظام البيت وينطبقُ القولُ على عديدٍ من النصوص المكتوبةِ في تلك المرحلة وربّما على بعض نصوص شعراء اليوم، لنقرأ مثلاً هذا المقطع من قصيدة (اللُقيا) للشاعر محمّد عمران: "والبراري صفحاتٌ من كتابْ قلّبتهُ الريحُ يقراهُ القمرْ يتملّى، كصبيٍ، بالصورْ والبراري رقدتْ دونَ ثيابْ وحدَهُ يذهِلُهُ العُريُ القمرْ واجماً تصلبُ عيناهُ السحابْ والبراري صهواتٌ من جيادْ تمتطيها الريحُ من وادٍ لوادْ"(11). وإلى جوار هذهِ النماذج تظهرُ نماذجُ أخرى يلجأُ أصحابُها إلى التدوير العروضي، في محاولة منهم لتخفيف حدّةِ إيقاع البحور، ولتحقيق "تلوين البناء الموسيقي للقصيدة العربيّة الحديثة، ولإحداثِ شيء من الخضخَضة لنبضها الإيقاعي"(12) المستقر وربّما الراكد؛ وكأنهم بذلك يكرّسون "السطر الشعري بوصفِهِ بديلاً مهيمناً للبيت الشعري التقليدي، ومن ثمّ اقتراح جملة شعرية كبرى تنتظم النص بدل الجملة المتفرّقة داخله"(13). ولقد رصدَ الباحثونَ أنماطاً عديدةً من التدوير سمَّاها أحدهم(14): التدويرَ المتقطّع، والتدوير المستمر، وفَصّل آخر فحدَدَ منها: التدوير الجُملي والمقطعي والكُلّي(15)، وقد استعملَ الشاعر السوري هذهِ الأنماط جميعاً. لنقرأ المقطع التالي من قصيدة "هذا هو الدمُ... شخصيّاً" للشاعر مصطفى خضر: "تلكَ قافلةٌ من بحور الخليلْ تتحوّلُ راحلةً من قنابِل أم هجرةٌ ثانيةْ تتقمّصُ في خرقة الزاويةْ خنجراً وثنيّاً، كتاباً غريباً، وطيراً أبابيلَ... هذي الصناديقُ مملوءةً بمتاع الرحيلْ والعظامُ التي ارتعشتْ عَلّها تتحرّكُ تنتظرُ الريّ تحت سماءِ الخليلْ"(16). هنا نلاحِظُ التدويرَ الجُملي بين الأسطر: الثاني والثالث ـ الخامس والسادس ـ الثامن والتاسع، وهو تدويرٌ على مستوى الجملة الشعريّة ينتهي بانتهائِها، ثُمّ يأتي سطر لا يرتبطُ معَ ما يتلوهُ بهذهِ العلاقة (الأسطر 1، 4، 6)، لتأتي بعد ذلك جملةٌ شعريةٌ تتطلّب تدويراً يربطُ بين سطرين متتاليين؛ وهكذا تصبحُ القصيدة كلها مجموعةً من الجمل التي تخضعُ للتدوير، تتخلّلها جمل غير مدوّرة، وكل ذلك يخضعُ لضرورات تجربة القصيدة نفسها. وفي قصيدة محمّد عُمران "الدخولُ بين الوردةِ والدم"، نجدُ تدويراً مقطعيّاً يربطُ جُمَلَ المقطع(2) حتّى نهايته: "بين رأسي وبين التدلّي على الحبلِ فسحَةُ نُضجِ السنابِلِ (يا شمسُ قيُظَكِ) يومئُ لي الحقلُ: لم يروني مطرٌ والسنابلُ تخفضُ أعناقَها في اعتذارٍ هي المقصلهْ"(17). وقد يستخدم الشاعر السوري التدوير الكُلّي، في محاولةٍ منهُ للقضاء على إحساسنا بمرجعية هذهِ القصيدة إلى بحرٍ معيّن، أو تفعيلة بعينها، أو يفعل ذلك راغباً في خلق إيقاعات سريعة متدفّقة، ولا سيّما عند استخدام الحوار في القصيدة؛ وعندما تكون القصيدة ملحميّة، لقد وظّفَ أدونيس هذا النمطَ من التدوير في بعض نصوصه، وكذلك فَعَلَ فايز خَضّور، لكننا سنجدُ سيطرةً كاملةً لهذا النظام على قصائد بمجمَلِها عِند الشاعر العراقي حسَب الشيخ جعفر(18). ب ـ أنماط التقفية: لعلَّ من أهم ما يميّز قصيدة التفعيلة، غياب النظام الموحّد للقافية، دون أن ينطوي ذلك على إهمال القافية، أو النزوع إلى الفوضى، صحيحٌ أنها أصبحت متحرّرة من النظام الصارم والثابت؛ لكنّها "أصبحت أكثر ارتباطاً بالمستويين: التعبيري؛ لأن الشاعر يتصرّف بالقافية وفقَ طبيعة رؤيته الشعريّة الخاصة، والدلالي؛ نظراً لما لها من علاقة وثيقة الصلة بالمعنى(18)"، إن الشاعر الحديث ـ على العموم ـ ظَلّ متمسِّكاً بالقافية، إلا أنَّه أعادَ توظيفها لتلعبَ ـ ليسَ دوراً نغميّاً فحسب ـ بل دوراً دلاليّاً وبنائيّاً على مستوى القصيدة كُلِّها، وقد أدرَكَ في الآنِ نفسه أن استخدام القافية لذاتِها ولغايةٍ تطريبيّة محضة سيقودُهُ ـ ككثيرٍ من الشُعراء القُدامى ـ إلى الإخفاقاتِ والعثرات، ولن يُسْهِمَ الأمرُ في بناء معمار القصيدة ونسيجها الداخلي، بل سيوقِعُهُ في الاقحامِ والافتعال؛ وعليهِ فقد وَعى: أن القافية "إذا ما استُخدمت استخداماً خَلاّقاً فإنها لا تصبحُ جزءاً لا يتجزّأ من بنية القصيدة فحسب، بل مظهراً من مظاهر حداثتها أيضاً، وهي بوضعها المجرّد ليست شرطاً لتوفير فرص نجاحٍ كبيرة للبناء الفنّي الجديد، كما أنّ إهمالها ليسَ مدعاةً للحداثة، لأنّ هذا يتوقّفُ على عناصر بنائيّة كثيرة أُخرى، وما القافية في حالةِ غيابها أو ضرورة وجودها سوى عنصر واحد من هذهِ العناصر"(19). ولقد استعمَلَ الشاعرُ السوري أشكالاً عديدةً من القوافي وأسهَمَ في توليدها و تطويرها فرأينا ما أسماهُ النقدُ فيما بعد: القوافي المتوالية والمتعانقة والمتقاطعة والمستقلّة(20). أو ما أطلقَ عليهِ بعضهم تسمية القوافي البسيطة والمركّبة والداخليّة والخارجيّة وما إلى ذلك، وسأتناول أدناه أشكالَ التقفيّة في قصيدة التفعيلة في سوريا مستفيداً من بعض الأشكال التي رصدها د. محمد صابر عبيد، في كتابهِ: "القصيدة العربيّة الحديثة". 1ـ التقفية السطريّة الموحّدة والمتنوّعة: وهي امتدادٌ لأسلوب التقفية في القصيدة التقليديّة، لكن القافية هنا تأتي في نهاية السطر الشعري، وليس البيت، وقد رأينا تجارب كثيرة أصر أصحابُها على إقفالِ أسطرها كافةً، أو معظمِها بقافيةٍ موحّدة لغاياتٍ تطريبيّةٍ محضة أو انقياداً وراء العادةِ في الشعر التقليدي، ونَوّعَ بعضهم في التقفية السطريّة هرباً من الرتابةِ، ومن الأمثلةِ الكثيرةِ على هذا النمطِ من التقفية المقطع التالي من قصيدة نزار "النقاط على الحروف": "لا تكوني عصبيّةْ!! لا تثيريني بتلكَ الكلماتِ البربريّهْ ناقشيني بهدوءٍ ورويّهْ من بنا كانَ غبيّاً يا غبيّهْ انزعي عنكِ الثيابَ المسرحيّهْ وأجيبي من بنا كانَ جبانا؟ من هو المسؤولُ عن موتِ هوانا؟"(21). والمقطع التالي من "لوحة الغيْبَة" لمحمد عمران، حيث يعَمدُ إلى التنويع الغَزير والتكرار: "أسمعُ سيغاتا/ تئنُ تحتَ الخيلْ/ تحتَ حطامِ الليلْ/ ألمحُ سيغا/ مبتورةَ الساقينْ/ تزحَفُ حَدَّ العينْ/ أشمُّ سيغاتا/ مجمرةً للدمعْ/ تموتُ مثلَ الشمعْ"(22). وقد تأتي التقفيةُ السطريّةُ متقاطعةً، ومرسومةً بهندسةٍ واعية، كقول محمد عمران في قصيدة لوحة الماضي: "وتحتَ كآبةِ القمرِ/ تعرّتْ خيمةٌ سمراءْ/ ووجهٌ من دمِ الزَهَرِ/ من الحاكورةِ الحمراءْ/ سرتْ عيناهُ في خفِر/ على أرجوحةٍ خضراءْ/ وقصر الضوءِ في سَكَرِ/ يتعتِعُ: أينها لمياءْ؟"(23). 2ـ تقفية الجملة الشعرية الموحّدة والمتنوّعة: الجملة الشعريّة مصطلح قدّمتهُ حركة الشعر الحديث، وكرّستهُ، "والجملة الشعريَّة في دلالتها المصطلحيّة بنية مكتفية بذاتها، وقد تتكوّن من سطر أو مجموعة سطور شعريّة، واستقلاليتها ليست استقلاليّة دلاليّة، بل استقلاليّة موسيقيّة؛ إذ إنّها تعتمد على الدفقة الشعوريّة التي تتناسب في طول موجتها مع الموقف النفسي والعاطفي والفكري للتجربة الشعريّة من جهة، ومع طول النفس عند الشاعر من جهةٍ أخرى، لذلك فقد تكون الجملة الشعرية طويلة وقد تكون قصيرة"(24). ولنقرأ قصيدة "الوعل" للشاعر بيان الصفدي كنموذجٍ على هذا الشكل من التقفية: "كم مضى!/ كم مضى من ليالٍ نَعُدُّ خرائِبَها/ وتُعَدِّدُ فينا المنافي/ وتقذفُنا عبرَ كُلِّ الحدودْ!/ كم مضى من شميم النهاراتِ!/ كُنّا نراها مواعيدَ تبتَلُّ بالوردِ والأغنياتِ/ وأشياءَ كُنّا نباركها بالسجودْ/ إن كأسي دَمٌ/ والموائدُ صَخْرٌ يُكسِّرُ أحلامَنا/ والزمانُ الذي بيننا/ لم يعدْ غابةً تتلهَّبُ فيها مجامِرُ أرواحِنا/ نحو ذاك الفضاءِ الودودْ/ الحروفُ سكاكينُ في القلبِ/ ذكرى الذي مَرَّ سيفٌ/ يُقطّعُ أنفاسَ هذا النشيدِ/ البعيد البعيدْ/.. لم يعدْ ذلكَ الوعلُ مندهشاً/ باندلاقِ اللذائذِ في السهلِ والوعرِ/ ما عادَ يُطلِقُ ساقيهِ للريح/ ما عادَ يذهبُ للنبعِ مَعْ رفقةٍ/ ها هو الوعلُ/ ـ كَسّرَ قرنيهِ في الدَّغلِ/ يُطلقُ آخِرَ أنفاسِهِ/ موحشاً.../ ووحيدْ"(25). إن هذا النمط من التقفية أكثر فنيّةً وأعمق أثراً من النوع السابق.. وهو يقلّلُ من تواتر القافية، ويخففُ من رتابتها، ولا سيّما لو جاءَ متنوّعاً ولم يلتزم روّياً واحداً، كما هو الحالُ مثلاً في قصيدة نزيه أبو عفش "القلعة" التي نقرأُ فيها المقطع التالي: "لم ألوّث يدي بالوحولِ/ ولم تلوِ قامةَ روحي الكنوزُ/ لم تدنّسْ في صلواتُ الذينَ يجيزونَ ما لا يجوزُ/ لم يزلْ سارقو عُمرنا/ يضرمونَ الحرائقَ في لغتي ويُثيرونَ في الكلماتِ القرفْ/ لم أزلْ شاعراً يا أبي/ لم أزلْ قادراً/ أن أقيسَ المسافةَ بين الرضا والترفْ/ لا تنمْ يا أبي/ أو.. فنمْ/ أنتَ قلعتَنا/ أنتَ سور فضائِلنا الباقياتْ/ أنتَ عَلّمتنا/ أن نحبَّ الحياةَ/ ونأكُلَ لُقْمَتنا بشرفْ"(26). وقد يمزجُ الشاعرُ السوري بينَ شكلي التقفية السطريّة، والجملة الشعريّة، وهذا ما نجدهُ عند معظم الشعراء السوريين المعاصرين، وسنجدُ نفراً غير قليل منهم ينوّعُ في استخدام هذين النمطين فتأتي القوافي متنوعةً أو متقاطعةً أو حُرّةً وما إلى ذلك: في مُحاولاتٍ حثيثَة لإضفاءِ أبعاد دلاليّة هامة على البُعد الإيقاعي المباشر للقافية. 3ـ التقفية المقطعيّة: ممّا لا شكَ فيه أن نظام التقفية في قصيدة التفعيلة ينتقلُ يوماً بعد يوم من مرحلةٍ معيّنة إلى أخرى أكثر غنىً، وربّما تعقيداً... بفعلِ تطوّر التجربة النابع من عوامل عديدة بعضُها داخلي يصدرُ من عمق تجارب الشاعر الحديث الشخصيّة، وبعضها خارجي يأتي من سعة إطلاع هذا الشاعر على شِعر الشعوب الأخرى. لقد استخدم عديدٌ من شعراء الحداثة نظامَ التقفية المقطعي كخطوةٍ أرقى من الخطوات السابقة مع أن استخدامهم هذا النمط جاءَ بطبيعة الحال متفاوتاً؛ فمنهم من فعَلَ ذلكَ رغبةً في كسر العادةِ وفي إحداث تلوينٍ موسيقي جديد، دونَ كبيرِ تدخلٍ للوعي، ومنهم من فَعَلَ ذلك مُدركاً أن دور القافية في الشعر أكثر أهميةً وعُمقاً وغموضاً من دورها الإيقاعي المباشر؛ فسعى إلى غرضِهِ "بوعيٍ تركيبي واضح، تحققُ بهِ القصيدة مهمّة شعريّة أكبر من مُجرّد كسر جمود ورتابة القافيّة الموحَّدة"(27). إن هذا النمط من التقفيّة يُستخدَمُ في القصائد الطويلة، التي يقسِّمُها الشاعر إلى مقاطع عديدة؛ مُستخدماً الترقيم أو النقاط أو النجوم أو سواها من الوسائل، ومن خلال نماذج الشعر السوري الحديث؛ يمكن أن نرصَدَ ثلاثة أشكال تنتمي إلى هذا النمط هي: الشكل الأوّل: يستفيدُ فيه الشاعرُ من نمط التقفيةِ السطريّة، وتقفية الجملة الشعريّة في كُلِّ مقطعٍ على حدة، على أن تنظِمَ المقطع الواحد قافية أساسيّة خاصة به، وربّما أكثر، كما هو الحال عند نزار قبّاني في مجموعةٍ كاملة عنوانُها "كتاب الحُب ـ 1970"، وهي عمليّاً قصيدة واحدة، مؤلّفة من مقاطع قصيرة نسبيّاً مُرقّمة، عددُها اثنان وخمسون مقطعاً، جاءَ في التاسعِ منها: "لو كنتِ يا صديقتي بمستوى جنوني رميتِ ما عليكِ من جواهرٍ وبعتِ ما عليكِ من أساورٍ ونمتِ في عيوني"(28). وفي المقطع الثالث عشر يقول: أكرَهُ أن أُحبَّ مثلَ الناسْ أكرَهُ أن أكتُبَ مثلَ الناسْ أودُّ لو أنّ فمي كنيسةً وأحرُفي أجراسْ"(29). أما في المقطع السادس عشر فيقول: "حُبّكِ يا عميقةَ العينينْ تطرّفٌ تصوّفٌ عبادهْ حبّكِ مثلَ الموتِ والولادةْ صعبٌ بأن يُعادَ مرّتينْ"(30). وقد استخدمَ أدونيس هذا النمطَ في قصيدتِهِ "ريشة الغراب"، حيثُ قَسّم القصيدة إلى أربعة أنماط مُرقّمة بأرقام لاتينيّة؛ نقرأ ثانيها وهو الأقصر: "في سرطانِ الصمتِ في الحصارِ/ أكتبُ أشعاري على التُرابِ/ بريشة الغُرابِ/ أعرفُ، لا ضوءَ على جفوني/ لا شيءَ إلا حكمةَ الغُبارِ/ أجلسُ في المقهى مع النهارِ/ مع خشبِ الكرسي/ وعقب اللفافة المرمي/ أجلسُ في انتظارِ/ موعديَ المنسي"(31) ولقد استخدم أدونيس في القصيدة كُلِّها عشرةَ قوافٍ، جاءت متواترةً مُتراصةً وفقَ المخطط التالي(32): المقطع الأوّل: أ أ ب ب ج د ح د أ أ هـ ج ج هـ و هـ و المقطع الثاني: هـ ز ز هـ هـ ج ج هـ ج المقطع الثالث: ح ب ب ح د د ح ط المقطع الرابع: ي ي هـ ك ك ك هـ هـ ك ممّا جَعَلَ د. محمد صابر عبيد يقول: إن ثمّةَ "كثافة كبيرة للتقفيات في القصيدة بحيث لا تختلف عن (التقفية السطريّة الموحّدة)، إلا بأنها منوّعة، إذ أن التقفية تكاد تتحقق في كل سطر من سطور مقاطع القصيدة الأربعة، فضلاً عن تكرار عدد لا بأسَ بهِ من التقفيات (...)، وهذا يقودُ بالضرورة إلى التقليل من فُرصِ نجاح الاستخدام التقفوي المركّب في القصيدة، إذ جاء الكثيرُ من التقفيات زائداً ومقحَماً، ولا يمتلك أي مبرر شعري، سوى تحقيق التوافق الإيقاعي المجرّد مع مثيلاتهِ في القصيدة"(33)، لكن علينا في الوقت نفسه، حين نضع هذه الملاحظة أن ننتبه إلى تاريخ كتابة هذهِ القصيدة، وإلى الغايات التجريبيّة الظاهرة فيها رغبةً في خلقِ بنية إيقاعيّة مختلفة عمّا عهدناه!، وسنجد عموماً هذا النمط عند فايز خضّور في قصائد كثيرة منها "مزارع العّليق"(34) وعند مصطفى خضر في قصيدة "فرضيّات مختلفة" من ديوانه "حجارة الشاعر"(35)، وعند غيرهما. الشكل الثاني: يتحرّرُ الشاعرُ فيهِ على الأغلب من نمط التقفية السطريّة، ولكنّهُ يبقى مُلتزماً بتقفية الجملة الشعريّة، مع عدم الإصرار عليها أو الإكثار من استخدامِها، ويختمُ الشاعرُ المقطع بقافية خاصة.. ستكون هي ذاتها قافية للمقاطع الأخرى من القصيدة... وكأن قافية المقطع في هذا الشكل حَلّت محل قافية البيت في القصيدة التقليديّة، وهذا ما يفعلُهُ عبد القادر الحصني في قصيدة "الضجيج" المكوّنة من خمسة مقاطع تفصلُ بينها نجوم وتربطها جميعاً خمس قوافٍ بعضها مُكرّر (الخروجُ ـ الضجيجُ ـ الضجيجُ ـ خليجُ ـ الضجيجُ) يقول في المقطع الأوّل: "ثقيلاً يمرُّ الضجيج/ يرجُّ النوافذَ والعتباتِ/ ويُلقي بكلكلِهِ فوق صدرِ الهواءِ/ ويرمي بأنقاضِهِ في المكانِ/ فيصعبُ فيه الدخولُ/ ويصعبُ منهُ الخروجُ"(36). وقد نلتمس للشاعر العُذر في تكرار كلمة (الضجيج) قافيةً لثلاثة مقاطع من أصل خمسة، إذا حملنا ذلك على محمَل التكرار الفنّي، ضمنَ ما يمكن اعتبارُهُ تكراراً للازمة معيّنة لتشكّل بمستوياتِها الإيقاعيّة والدلاليّة محوراً رئيساً من محاور القصيدة، وعنصرَ ارتكازٍ وتمحور يعكسُ بصورةٍ أو بأخرى حالةً نفسيّةً وجدانية للشاعر نفسه!. ويمكن أن نقولَ ما يشبهُ ذلك عن قصيدة "الشَبه: مرثيّة النفس".. للشاعر نزيه أبو عفش المكوّنة من عدّة مقاطع، تارةً يفصِل بينَها بنقاط (.. .. ..)، وأخرى بنجم (*) غير أن الشاعر في هذا النص لا يحافظ على قافية واحدة لمقاطع القصيدة كلُها، فهو يستخدم على التتالي القوافي التالية (أهلي ـ أتيتْ ـ البيتْ ـ يشبهني ـ مشيت ـ بميتْ ـ ميتْ ـ بكيتْ)، ويكرّر لازمتين تتواتران في القصيدة كُلها ـ الأولى: "حيثُ مشيتْ" والثانية ـ "شخصٌ يشبهني"، ولكنَّهُ يبدو حُرّاً تماماً في استخدام القوافي، عازفاً في الوقت نفسه، عن استخدام التقفية السطريّة تماماً.. بل وينسى ـ إلى حدٍ بعيد ـ تقفية الجملة الشعريّة، ليستعيض عنهما بتقفية المقطع، كما يفعل مثلاً في هذا المقطع: "شخصٌ يُشبهُني../ قالَ: اتبعني. فمشيتْ/ وجعلتُ أعدُّ خطاهُ/ كي أنسى خوفي/ فالتفتَ إليَّ على عجلٍ، وتفرّسَ فيَّ كانَ صياحاً يخرجُ منّي/ قلتُ: فهل تَسْمَعُ شيئاً؟/ قال أنينَكَ/ قلتُ: فماذا تُبْصِرُ.؟/ قالَ: شقاءَكَ في الأرضِ، وخوفَك من نسياني/ ثُمَّ توقّفَ قُدّامي../ وتنهّدَ/ قلتُ: لعلّكَ تشكو من ألمٍ؟/ قالَ: أنا لا أشكو بل أنتْ/ قلتُ: لعلّكَ ترغبُ أن أحمِلَ عنكَ إذن بعضاً ممّا تحمِلُ/. قالَ: احملني.. (...) قلتُ: ضعيفٌ... (وأشرتُ إلى رأسي، كي يعرفَ أني مصدوعٌ كالعادةِ...)/ قال: احملني باللهِ عليكْ/ فهممتُ بهِ أحمِلُهُ/ فتَبّخَر من بين يديّ كخيطِ دخانٍ أبيضَ... فشممتُ روائحَ نفسيَ فيهِ../ صحتُ بهِ: يا هذا/ يا أنتَ،/ أنا،/ يا ابن أبي/ يا صاحبَ قلبي وثيابي وفمي... يا أنتَ/ توقّف حُبَّاً باللهِ.. لكي /أبصرني أكثرَ فيكَ/ توقّف يا صاحبَ نفسي كي أعرفَ أني لستُ بميتْ"(37). الشكل الثالث: يقومُ على الحريّةِ الكاملة من تقفية السطر الشعري، أو تقفية الجملة الشعريّة، مع الإبقاء فقط على قافية تختم المقطع الشعري، وقد تكون القوافي موحّدة أو متنوّعة؛ وكمثالٍ على هذا النوع يمكن أن أشير إلى قصيدة (قبل المطر) لنزار بريك هنيدي، وهي مكوّنة من خمسة مقاطع جاءت قوافيها كما يلي: (القمرْ، الشررْ، الصورْ، الوترْ، المطرْ). وسوى ذلك لن نجدَ في القصيدة كلها قافيةً أخرى، لنقرأ المقطع الأوّل: "لا بُدَّ من همسٍ يفوحُ/ على ضفافِ الصمتِ/ فلنفتحَ نوافذنا قليلاً/ هَلْ بردتِ؟/ تدّثري بردائنا المرميِّ/ فوقَ رصيفِ قلبينا/ ألا تتذكّرينَ سطوعَ شمسِ العُريِ/ قولي أيّ شيءٍ/ ليسَ لي أن أُشْعِلَ الفجرَ/ الذي يغفو على شفتيكِ/ لكنّي/ أحبُّ على جذوعِ الليلِ أسئلتي/ لينفطرَ القمرْ"(38). ويستخدم ثائر زين الدين النمطَ نفسه في قصيدة "هذا الصباح"(39)، ويفَعَل بيان الصفدي الأمر ذاته في قصيدتِهِ "عشب أخضر"(40).. وسنجد نماذج تنتمي إلى هذا النمط عند عددٍ محدودٍ من شعراء العقدين الماضيين في سوريا. 4ـ غياب القافية: انقسمَ الشعراءُ الروّادُ فريقين بشأن حضور القافية وغيابها في قصيدة التفعيلة؛ فوجدنا نازك الملائكة مثلاً تُصرُّ على وجود القافية، لأن هذا الشكل من الشعر ـ من وجهةِ نظرنا ـ يعتمدُ في بنائِهِ الإيقاعي عليها بشكلٍ خاص، ويجعل الجمهور قادراً على التقاط النغم الذي يُعتبرُ خفيفاً قياساً لنغم القصيدة التقليديّة(41)، ورأى آخرون أن بالإمكان التخلّي عنها، لأنّها ليست شرطاً جامعاً مانعاً لنجاح البناء الفنّي لقصيدة التفعيلة، وفي كلِ الأحوال لا ريبَ أنّ على الشاعِرِ أن يعوّضَ غيابَ التفعيلة، ولا سيّما أننا نتعامَل مَع أذن اعتادت وجود القوافي خلالَ مئات السنوات... بل لعلّ التخلّي عن القافية لا يعني بأيةِ صورة من الصور "توفير السبيل الأسهل للشعر، بل على العكس إنّه يعني إيجاد شروط أدنى وأصعب إيجاد اللغة الشعريّة المطلوبة، لغة الإيقاع والموسيقى الداخليّة للقصيدة، وهذهِ اللغة الجديدة للشعر تقضي على التلهّي بالاحتفال الموسيقي الخارجي لتنكب على البناء المحكم للقصيدة بعد أن تتعطّل ازدواجيّة الشكل والمضمون ليتّحد الاثنان في وحدة عضويّة متكاملة"(42). ولقد أدركَ الشاعر السوري الحديث كل ذلك منذُ أواخر الستينيّات؛ فقرأنا لشعراء ذلك الجيل قصائد تغيبُ فيها القافية، أو في جزءٍ منها، كما هو الحال عند فايز خضّور في المقطع الأوّل من قصيدة "بثور على خارطة القلب"(43)، وعند محمّد عُمران في "الحركة الثانية" من قصيدة "مرفأ الذاكرة الجديد"، أو في قصيدة "الدخول بين الوردةِ والدّم"(44)... ومع أن شعراء التفعيلة السوريين قد عادوا في عشر السنوات الأخيرة إلى التمسّك بالقافية، وبعضهم راح ينظم القصيدة التقليديّة، ويرصّع بنماذِجِها مجموعاتِهِ التفعيليّة... إلا أن إيقاعَ غياب القافية ظَلّ يُغري عدداً غير قليلٍ من شُعرائنا فها هو نزيه أبو عفش في قصيدتهِ "ما يشبه كلاماً أخيراً" ـ وهي قصيدة يمزجُ فيها نمطي قصيدة التفعيلة والنثر ـ يورِدُ مقاطع كاملة مُفعّلة دون قافية(45).. وتأتي عدّة قصائد في مجموعة وفيق سليطين الأخيرة "معاكسة لأوابد الضوء" خالية من القوافي(46) والحالةُ ليست خاصةً بهذين الشاعرين بل نجدها عند عددٍ غير قليل من شُعرائنا. ج ـ في المزج الموسيقي: كنتُ قد أشرتُ سابقاً إلى أن مارد التجديد في الشعر العربي الحديث، قد خرجَ من قمقم التقليد والتبعيّة، وما عادَ بإمكان الوصايا والتعليمات، التي حاولَ بعضُ الشعراء الروّاد أو النقّاد إطلاقها أن تُعيدَهُ إلى موضِعِه... فالشاعِرُ العربي الحديث بعامة، والسوري بشكلٍ خاص راحَ يعمل بشكلٍ دؤوب على خلقِ إيقاعاتٍ لنصوصِه... هاجسُهُ الجمال على الأغلب... وقد رأى بعض الشعراء المُغامرين أن التفعيلة ـ في هذا الشكل الجديد من الشعر ـ وإن تحرّرت من قيد البيت التقليدي، إلا أنّها ظلّت أسيرةَ علاقاتِهِ وقوانينه، فسعى إلى فصم هذه العلاقات، واستبدال تلك القوانين، بأُخرى لا تقومُ على الرتابة.. بل على حريةٍ خاصة بالنص نفسه، تأخذُ مشروعيتها من حساسيّة الشاعر، ومن خصوصيّة التجربة في كل نصٍ على حدة... وقد أكّد د. أحمد بسّام ساعي إن أوّل نموذجٍ من الشعر السوري المُعاصر يقوم على ما ذكرنا هو قصيدة "ميسلون" لعلي الناصر، وقد صدرت في ديوانِهِ "الظمأ" عام 1931 في حلب. في هذهِ القصيدة يستخدمُ الشاعر تفعيلتي (فاعلاتن، فاعلن) "من غير أن يتقيّد بعددٍ معيّن أو مكان مُحدد لأيٍّ منهما، فهو يُكرّرُ (فاعلن) في الشطر الواحد أكثر من مَرَّة، وقد يأتي بها أوّل الشطر أو آخره أو وسطه، وكذلك الأمر مع (فاعلاتن)(47) وبالتالي سيجد القارئ أمامَهُ نَصّاً لا علاقة له ببحر الرمل، الذي أُخذَت منه التفعيلتان السابقتان، إلا إذا مررنا بِسَطْرٍ أو أكثر مما يخضع لتكرار هاتين التفعيلتين كما عهدناهما في الرَمَل؛ لكنَّ التجربة الأكثر وعياً وقصداً ستأتي عام 1973، حين يُصدر فايز خضّور ديوانَهُ "أمطار في حريق المدينة"، ويقدّم لَهُ داعياً إلى تحرير التفعيلة الواحدة دون الوقوع في قصيدة النثر، وإلى الدخول في عُمقِ "لغزِ التفعيلةِ المربوط، والتركيب الذري لها"(48)، ثُمّ يرفد المقدّمة ببعض النصوص التي استطاع فيها أن يحقق ما دعا إليه (أصداف البحر الميّت، بثور على خارطة القلب). ويمكن أيضاً أن ننظُرَ إلى ظاهرة المزج الموسيقي عند الشعراء السوريين المُعاصرين انطلاقاً من فهمنا السابق لهاجسِ كلٍ منهم في خلق قيم موسيقيّة جديدة مواكبة لتنوّع التجارب الجديدة على الصعيد الشخصي والوطني والقومي.. ومن خلال النصوص التي بين يديّ يمكن أن أصنّف هذهِ الظاهرة في ثلاثةِ أصناف: 1ـ المزج العروضي: يقومُ هذا النوعُ من المزج على تداخلٍ عروضي بين بحرين أو أكثر؛ ولعلَّ من أهم المبرّرات الفنيّة لهذا المزج "انتقالَ الشاعر ـ بخاصة في القصيدة الطويلة ـ من موقفٍ شعوري إلى آخر"(49)، ومن حالةٍ وجدانيةٍ أو نفسيةٍ أو معنويةٍ ما إلى سواها، ولقد عَمِلَ بعضهم على تقنينِ هذا الانتقال، وتقعيده؛ فرأى عز الدين إسماعيل إن "الانتقال من سطرٍ مؤسسٍ على تفعيلة إلى سطرٍ آخر مؤسسٍ على تفعيلة أخرى، لا يمكن تحقّقه وقبوله إلا في الحالات التالية: 1ـ أن يكونَ السطر الجديد بدايةً لمقطعٍ جديد من القصيدة. 2ـ أو أن يُعبّر هذا السطر عن انتقالٍ في الموقف الشعوري. 3ـ فإن لم يكن هذا ولا ذاك، فيتحتّم عندئذٍ أن تكونَ هناك (علاقة تداخل) بين التفعيلة المستخدَمة في السطر الأوّل، والتفعيلة المستخدمة في السطر الذي يليه، على أن يدخُل في اعتبار الشاعر استغلال هذهِ العلاقة فنيّاً"(50). وظلَّ معظمُ الشعراء السوريين أمناءَ لهذا القانون سواء قرؤوه عند عزّ الدين إسماعيل أم لا... فها هو ذا ممدوح عدوان في قصيدته "هواجس الموت الصحراوي"(51)، المؤلّفة من ثمانية مقاطع تفصل بينها نجوم (* * *) يستعمل المتدارك والمتقارب كما يلي: المتقارب ـ المتقارب ـ المتدارك ـ المتدارك ـ المتقارب ـ المتدارك ـ المتدارك ـ المتدارك. ويفعَلُ علي كنعان الأمر ذاته في كثيرٍ من قصائده، ففي "أعراس ماجنة"(54)، المكوّنة من ستّة مقاطِع مُرقّمة ينتَقِلُ على التتالي بينَ البحور التالية: المتدارك ـ المتقارب ـ الرجز ـ المتدارك ـ الرمل ـ المتدارك. أمّا فؤاد كحل فيبدأُ قصيدتَهُ: "باقةٌ للوداع الأخير"(53) على الرجز، في المقطع الأوّل، ثُمّ ينتقل إلى المتقارب، الذي تبقى تفعيلتُهُ مستمرةً خلالَ أحدَ عشرَ مقطعاً. ويمزجُ فايز خَضّور بين الرمل والمتدارك في قصيدةٍ واحدة عنوانُها "إيقاعان في صرخةٍ واحدةٍ، لكن المزج يأتي منسجماً مَعَ ما طرحَهُ عزّ الدين إسماعيل، بل لقد مهّدَ الشاعِرُ لفعلتِهِ هذهِ من خلالِ العنوانِ نفسه، ثُمّ جاءَ الانتقالُ من الرَمل إلى المتدارك مدروساً؛ فابتدأ من أوّل سطرٍ جديد وعلى شكلِ مقول القول: "لا تلومي القافلهْ/ اخلعي لونَ الحدادْ/ حُلمُكِ المأمولُ، مقتولٌ، وقتّالوهُ يغزونَ البلادْ/ شيّعي الجرحى بوردٍ، لا زوردٍ، أيِّ عُشبٍ، عَنْبرٍ، رملٍ، رمادْ/ واستشيري السابلهْ: /(إنّها الحربُ لا تسألي الأمكنهْ/ باطئي خطوكِ الفاجعيَّ/ المسافاتُ موؤدَةٌ/ والمحطّاتُ نائيةٌ، والدموعُ جمارٌ، يهونُ حيالَ لظاها العمى... الخ)(54). أما أدونيس فلا يخضعُ لناظمٍ أو ضابطٍ في عمليّة المزج؛ الذي قد يأتي في المقطع نفسهِ وربّما في الجملة الشعريّة نفسها، والسطر الشعري الواحد، كما هو الحالُ في قصيدتِهِ الشهيرة "مقدّمة لتاريخ ملوك الطوائف"، التي ألقاها في المُلتقى الشعري الأوّل ببيروت عام 1971؛ في هذهِ القصيدة تأتي اللازمة: "وجهُ يافا طفلٌ ـ هل الشجرُ الذابلُ يزهو؟ هل تدخُلُ الأرضُ في صورة عذراءَ؟ ـ من هُناكَ يرجُّ الشرقَ؟ جاءَ العصفُ الجميلُ ولم يأتِ الخرابُ الجميلُ ـ صوتٌ شريدُ..."(55) وفقَ (الخفيف التام)، ثُمَّ يتمُّ المزجُ بين المتدارك والمتقارب، ثُمَّ يأتي مقطَعٌ يلتزِمُ الرجز، فالرَمل، ثُمّ عودة إلى المتدارك، فالمتدارك ممزوجاً مع المتقارب، ثم عودة إلى المتدارك، فالرجز، فالرمل(56)، فالخفيف، فالسريع وهكذا، وممّا لا شكَ فيه أن تعدّد هذه البحور في القصيدة الملحميّة الطويلة وتمازجها بهذهِ الصورة إنّما يعني بشكلٍ من الأشكال "تعدُّد وسائل التعبير عن التجربة المعقّدة المتشابكة، التي يعيشُها شاعِرُنا المُعاصر، إذ أنّ أولى موجبات هذا التعدّد هو الاتجاه الذي تشهدُه القصيدة العربيّة الحديثة نحو البنية الدراميّة، وما يتطلّبُهُ ذلك من حركات موسيقيّة مختلفة ومتباينة، قادرة على التعبير عن طبيعة الصراع والتعقيد الذي تنطوي عليهِ تجارب الشاعر"(57). 2ـ مزجُ نظامي التفعيلة والبيت: لعلَّ الأمرَ قد بدأ عفويّاً... فالشاعرُ الذي أرادَ أن يتخلّص من النظام التقليدي، لم يستطع أن ينّظفَ قصيدتَهُ المبنيّة على أساس السطر الشعري من بقايا النظام القديم، ولم يستطع أن يُجبرَ أذنَهُ المُدرّبة لأكثر من ألفي عام على إلقاء كل مَتاعِها في بضع سنوات ولهذا كُنّا نجدُ في قصائد التفعيلة للشعراء الروّاد وشعراء المنعطف الأوّل هذا البيتَ أو ذاك... كما نجد ـ على السبيل المثالِ لا الحصر ـ عند ممدوح عدوان في ديوانِهِ الأوّل "الظل الأخضر"، قصيدة "في الطريق"(58)، أو عند غيره من شعراء الستينيّات، لكن الشاعر السوري وفي غمرةِ بحثهِ الدائم عن سُبلِ تطوير نصِّهِ وإغنائِهِ موسيقيَّاً... انتبَهَ إلى أن نظام البيت ـ من خلالِ غنائيّتِهِ العالية ـ يمكن أن يكونَ أداةً موسيقيّةً من أدواتِهِ في بناءِ نَصِّهِ الجديد؛ القائم على الموسيقى المُركّبة غير البسيطة تقودُهُ في ذلك بعض التجارب السابقة في العراق ومصر(59)، ومن ذلك تجربة أدونيس في قصيدتِهِ "مجنونٌ بين الموتى"(60)، وفايز خضّور في مجموعة قصائد منها: "بثورٌ على خارطة القلب" ـ المقطع(2)، و"انكسارات قاتمة" ـ مقطع (الشهيد)(61)، و"إنجيل النهار" ـ المقطع (29)(62)، وحتّى في ديوانِهِ الأخير "عُشبها من ذهب"، المقطع السادس من قصيدة تحملُ العنوان ذاتَه، لكنّ خضّور ـ وفي كل مَرّة استخدمَ فيها نمطي الشعر المذكورين ـ رأيناهُ يفصل بينهما ضمن قصيدة مؤلّفة من مقاطع مُرقّمة أو بلا ترقيم، ولم يعمل أبداً على خلقٍ تداخلٍ بينهما في جسدٍ واحدٍ، وهذه مسألة سنجدها موجودة عند الجيلين التاليين من الشعراء السوريين ومنهم: فؤاد كحل، عبد القادر الحصني، ثائر زين الدين، نزار بريك هنيدي، إبراهيم عَبّاس ياسين، كمال جمال بك، علاء الدين عبد المولى، محمّد وليد المصري، عبد النبي التلاوي(62)، سامر فهد رضوان.. بعضهم سيأخذ التقنيّة كما هي، وبعضهم سيطوّرها ويرتقي بها. 3ـ المزج بينَ شعر التفعيلة والنثر: سنفهَمُ هذهِ الخطوة أيضاً من منظار بحث الشاعر العربي المُعاصر عن نُظم جديدة للكتابةِ الشعريّة فهوَ ضد كل ما يستقر ويُصبح مألوفاً، ألم يقل أدونيس منذ زمن: "الشعرُ التجريبي العربي هو وحَدَهُ الشعر الجديد، إنّه أولاً ليسَ مُتابعةً ولا انسجاماً ولا ائتلافاً، وإنّما هو على العكس، اختلافٌ (.....) وتحرّكٌ دائمٌ في أفق الإبداع: لا منهجيّة مُسْبَقة، بل مفاجآت مستمرّة"(63)، وانطلاقاً من هذا البحث الدائم، والتجريب، وجدنا شاعِرنا يهتدي إلى شكلٍ جديدٍ من أشكال المزاوجة الموسيقيّة شكلٍ يقوم على مزج الشِعر بالنثر في النص الواحد، شكلٍ يحاول أن يقدّم بنية إيقاعيّة فسيفسائيّة ويكسر في الوقت نفسه هيمنة الإيقاع العروضي الواضح في النص القائم على التفعيلة... وسنجدُ لكلِ شاعرٍ ممّن ذهبوا هذا المذهب مبرّراتِهِ الفنيّة والمعنويّة، "إذْ إنّ لكل تجربة في ذلك قانونها الخاص، فقد يأتي في بعض الأحيان مُعادلاً موضوعيّاً لحالة نفسيّة معيّنة تهيمن على التجربة، وقد يأتي انسياباً لتداعي المعاني، محققاً في ذلك هدفي القطع والوصل في بنية القصيدة الإيقاعيّة، أو تعبيراً عن الدراميّة والخطابيّة المُباشرة"(64)، وقد يعكسُ رغبةً خالصةً في التجريب لأجل التجريب وينطوي على إخفاقٍ شعري لا ريب فيه. ولقد عرفنا عدداً غير قليل من شعراء العربيّة المُعاصرين استخدمَ هذهِ التقنيّة ومنهم: فدوى طوقان، وسعدي يوسف، ومحمود درويش، وسميح القاسم، ومحمّد عفيفي مطر وآخرون. ومن الشعراء السوريين أدونيس ونزيه أبو عفش ومحمّد عمران وعبد الكريم الناعم وإبراهيم الجرادي وكمال جمال بك وآخرون، لكن هؤلاء ـ على الأغلب ـ فَصلوا الجزءَ الموزون على المنثور بطريقةٍ أو بأخرى (التقطيع، الأقواس، السطر الأبيض، النقاط، الخط المائل)(65) فنزيه أبو عفش في قصيدتِهِ الطويلة "ما يشبه كلاماً أخيراً" المكوّنة من تسعة مقاطع والتي يطغى عليها الجزء النثري، نراهُ يلجأ إلى التفعيلة في الجزء الثاني من المقطع الرابع، وفي المقطع الثامن، الذي يأتي موزوناً كلّه.. ثم يتلوه التاسع وهو نثري، وقد مَيّز الشاعر الجزء الموزون من المنثور بوسيلتين؛ الأولى: بالفصلِ بينَهما بنجم (*)، والثانية: بأن جَعَلَ نوعيّة الخط مختلفة؛ وهو بذلك يُمهّد للانتقال من شكلٍ إلى آخر كي لا يأتي الأمرُ مفاجئاً أو صادماً... وسنجدُ فنيّاً ما يُبرّر هذا الانتقال؛ فالمقطع الرابع (بل الجزء الأوّل منه) يطغى عليهِ السردُ والتفسير دونَ الإخلال بأدبيّته: "ولأنني كنتُ وحدي... فلقد تأمّلت في الظلام كأنني/ أُصلّي، وبما يكفي لأعرف أن كل شيء قد صار ورائي/ ولم يعدْ لي ما آمل فيهِ غير النوم والنسيان/ صرتُ أعدُّ على أصابعي مقدار ما فاتَ من جنونٍ، وما بقي/ من آفاتِ قلبْ؛ فيما الأصدقاءُ يُعاتبونني على يأسٍ لم يكن/ من صُنعي.. الخ)(66). وحين ينتهي هذا المقطع النثري، الذي يوصل الشاعر إلى حالةٍ تستدعي إيقاعاً أكثر وضوحاً وقوّة، إلى حالةٍ غير وصفيّة أو سرديّة، بل مشحونة عاطفياً، ومبنيّة على وضعٍ نفسيٍ قلق، نجد الشاعر ينتقل إلى "التوقيع"، فيقول: "قلتُ: يا ربُّ أينَ قميصي/ وأين حذائي، وسَلّة خبزي، /وما وُعِدَ الودعاءُ بهِ من نبيذٍ وقمحٍ؟/ قلتُ: أينَ طريقي.. لأعْبُرَ منهُ إلى مُدنٍ غير هذي/ وأهل سوى هؤلاءِ/ وقبرٍ أقلُّ ظلاماً؟.. الخ"(67)، بعد ذلك تأتي مقاطعُ نثريّة تُراكِمُ على الحالة، وترتفعُ بالقصيدة وصولاً إلى ذروتها؛ فإذا بالشاعر يرجعُ هنا إلى نظام التفعيلة، ليحققَ غنائية عالية وعذبة في المقطع الثامن؛ غنائيّة تُنادي بالحياة، بكل ما فيها حتى جحيمها، تمجّد الحياة وتلعن اليأس والقنوط: "سنحبُّ الحياةَ إذاً.. سنحبُ الحياةْ/ وسنلعنها حين نقنَطُ../ ثُمّ نتوقُ إليها مؤبّدةً كظلامِ الطواغيتِ/ خادعةً كالعدالةِ/ عمياءَ كالحُبِّ،/ فاتكةً كقلوبِ النساءِ../ ومالحةً كالنشيج/ سنرجُمُ أبراجها بالدموعِ إذا أخلفت موعداً/ ثُمّ نركَعُ تحتَ شبابيكها كالمجانين نسألها الصفحَ/: يا للحياةْ/ كيفَ تُفلِتُ مِنّا../ فلا يتبّقى لنا من فضائِلها غير لسعةِ خيباتِها/ والدخان الذي يتصاعدُ من ثكناتِ الطغاةْ"(68). إنّ هذا التنوّع الإيقاعي أكسبَ القصيدةَ ديناميكيّة من خلالِ التباطؤ والتسارع النابعينِ من عِدّة مصادر أهمّها اختلاف إيقاع شعر التوقيع عن إيقاع النثر... وتباين إيقاعات السرد والحوار والوصف في القصيدة، وما يشبه جدل الموقف الفكري والصراع بينَ اليأس والتفاؤل والموت والحياة في المقاطع المختلفة، وهو ما يمكن أن نسمّيه (إيقاع الأفكار) إن صحَ التعبير! كل ذلك سما بالقصيدة إلى غاياتِها السامقة. ثانياً ـ في الإيقاع الداخلي لقصيدة التفعيلة: يؤكّد الشاعرُ العربيُ الحديث على مفهوم الإيقاع الداخلي في الشعر، وإن كان يربط هذا المفهوم بقصيدة النثر أكثرَ من غيرها.." إن التعبيرَ الشعري الجديد ـ كما يرى هذا الشاعر ـ تعبيرٌ بمعاني الكلماتِ وخصائصِها الصوتية أو الموسيقيّة"، والشكل الشعري الجديد هو "عودة إلى الكلمة العربيّة ـ إلى سحرها الأصلي، وإيقاعها وغناها الموسيقي والصوتي" فالشاعرُ الحديثُ إذاً يتجاوزُ القريض بوصفِهِ "قواعد ومقاييس، كانت جميلة وضروريّة في حينها، إلى الأساس الذي انبثقَ منهُ"، أي إلى "الكلمة العربيّة وإيقاعها، فالشكل الشعري الجديد يتكوّن الآن بدءاً من الكلمة العربيّة وإيقاعها، لا بدءاً من القريض"(69)، فالموسيقى وفق هذا الرأي تتأتّى من "إيقاع الجملة، وعلائق الأصوات والمعاني والصور، وطاقة الكلام الإيحائيّة، والذيول التي تجرُّها الإيحاءات وراءَها من الأصداء المتلوّنة المتعدّدة"(70). وسيذهبُ بعضهم إلى أن مصدر الموسيقى في الشعر ليسَ التفعيلة وأنواع تشكيلها فقط "بل أجزاء أخرى تبدو بالنسبة لقصيدة النثر أكثر أهميّةً منها لقصيدة التفعيلة، ومن هذهِ الأجزاء التي يجري توقيعُ الموسيقى بها: 1ـ التركيب اللغوي حين ينتظم في أنساق من الموازنات والتقطيع. 2ـ التكرار وفق أشكال موظّفة لتأديةِ دلالتها. 3ـ التوزيع والتقسيم على مستوى جسم القصيدة، بهدفٍ دلالي مُحدّد. 4ـ التوقيع على جرس بعض الألفاظ المعجميّة والموازاة بين حروفِها(71). وعليه فمن الواضح أن الإيقاع الداخلي في الشعر الجديد، يقومُ على خلقِ "التناسُق بين أجزاء القصيدة في حركةِ بنائِها نحو التكامُل، وهذا الانسجامُ يكونُ بين الألفاظ من حيث تجانس حروفِها، وبين الصور التي يخلقها الشاعر، ممّا يُعطيه تفرّداً، وهذه الألفاظ وهذهِ الصور تنمو في القصيدة بتكنيكٍ خاص، بحيث تكون متجاوبة مع المعنى الذي يريدهُ الشاعر، والتجربة التي يريدُ الإفصاح عنها"(72). والحقيقة إن نظرة شاملة إلى هذا المفهوم تجعلنا ندرك أنه حصيلة تركيبيّة ائتلافيّة من جملة مكوّنات؛ بعضُها ذو مصدرٍ صوتي يتأتّى من إيقاع الحروف، في حال تشابهها أو اجتماعها أو تكرارها أو افتراقِها، وحالات حركات المد المختلفة المتكرّرة، وعلاقة المفردات نفسها داخل الجملة الواحدة تجانُساً أو تضاداً أو تكراراً، والتراكيب اللغويّة والصياغات ضمن النص، وبعضُها الآخر، ليسَ صوتيّاً ولكنّهُ يقومُ على الإيقاع المتولّد من طريقة بناءِ الصورة الشعريّة والرمز، وتوارد الأفكار، وأساليب بناء النص، وأدواتهِ وتنوّعها من استفهامٍ ونداءٍ وتعجّبٍ وتمنٍّ وما إلى ذلك، بالإضافة إلى المزج بين الشعر والنثر في النص الواحد وما يترتّب عند ذلك من إيقاعات داخليّة متباينة تفرضها خصوصيّة هذين الجنسين... لقد أولى الباحثونَ مفهومَ "الإيقاع الداخلي" في الشعر الحديث اهتماماً كبيراً، وصدرت في ذلك دراسات كثيرة، لكنّها "ما زالت بعيدة بعض الشيء عن تحقيق إنجازات واضحة ومتميّزة، وذلك لأن الإيقاعَ الداخلي خلوٌ من المعياريّة، لكونِه يعتمد على قوانين النفس الفرديّة، لا الجماعيّة، أي أنهُ شخصي ومتغيّر"(73)، ولعلَّ من الظلم بمكان أن ننسبَ للشعر الحديث توظيف الإيقاع الداخلي، ونعتَبِرَهُ واحداً من إنجازاتِهِ الجمالية الخاصة، دون أن ننتبه إلى أنَّ الكثير من نصوص شعرِنا القديم الباهرة انطوت على تعالُقٍ وامتزاجٍ مُذهلين بين الموسيقى الجاهزة (موسيقى البحر)، والموسيقى الداخليّة(74). مَعَ أنَّ أصحاب هذهِ النصوص ما كان يخطر ببالهم أنَّهم يؤسسونَ لِما سنسمّيه إيقاعاً داخلياً أو موسيقى داخليَّة. وسنجدُ من النصوص المُعاصرة ما يحققُ موسيقى داخلية عفويّة لافتة، لم يقصد الشاعِر إلى خلقِها.. لكنّها جاءت انطلاقاً من طبيعتهِ الخاصة، وطريقة تعامله مع المفردات الأقرب إلى نفسه وشخصيّته. لنقرأ كمثالٍ على ذلك مقطعاً للشاعر عبد القادر الحصني يحملُ عنوان "الوردة": "صديقتي الوردَةُ في أصّيصها الجميلْ/ تسألُني عن اسمِ من أُحبُّ، ثُمَّ تستحي/ فيستحي ندىً على أوراقِها، يكادُ من سؤالها يسيلْ/ سمّيتُ باسم من أحبُّ، واستدرتُ نحوها/ أودُّ لو أستُرُ بالهُدبينِ عُريَ قلبِها/ وبوحُها بأنني أقربُ من بقربها/ حَدَّثتُها عن ظلّها الظليلْ/ وعن أريجٍ أسمرٍ يميلُ إذْ تَميلْ/ وحينما غضضتُ طرفي، شَفَّ من بحيرتي عينيَ/ ظلٌ أَحْمَرٌ،/ كأنَّهُ تُرابُها البليلْ"(75). حين نقرأ المقطع السابق نشعرُ بوجود أنغام خفيّة، ليس مصدرها موسيقى الرجز الخارجيّة، وحين نبحثُ عن ذلك المصدر نجدُهُ في تكرار مجموعة من الحروف بشكلٍ كثيف قياساً إلى بقيّة حروف العربيّة، التي يتكوّنُ منها النص. لقد تكرّرت السين والصاد أربع عشرةَ مَرّة، واللام ـ 17 مَرّة، والراء= 12 مَرّة، والهاء = 11 مرة، والحاء 10 مرّات. وبالتالي لو رسمنا خارطةً لتواترِ هذهِ الحروف، في سطور النص فستبدو كالتالي: "ص ـ ر ـ ص ـ ص ـ هـ ـ ل/ س ـ س ـ ح ـ س ـ ح/ س ـ ح ـ ر ـ هـ ـ س ـ هـ ـ س ـ ل/ س ـ س ـ ح ـ س ـ ر ـ ح ـ هـ/ س ـ ر ـ ل ـ هـ ـ ر ـ ل ـ هـ/ ح ـ هـ ـ ر ـ ر ـ هـ/ ح ـ هـ ـ ل ـ هـ ـ ل ـ ل/ ر ـ س ـ ل ـ ل/ ح ـ ر ـ ح ـ ر/ ل ـ ح ـ ر/ ر ـ هـ ـ ل ـ ل". إن تكرار هذه الحروف الذي جاءَ عفويّاً، وخلالَ مسافاتٍ زمنيّة قريبةٍ جداً، على مستوى السطر الشعري الواحد من جهة، وضمن النص كلّه من جهة أخرى، نتجَ عنهُ تكثيف صوتي أغنى الإيقاع، وحين ننتبه إلى أن الحروف التي تواتَر تكرارها: بعضُها شديدُ الهمسِ كالهاء، وبعضُها حلقي لهوي هامس أيضاً كالحاء، بالإضافة إلى حرفي السين والصاد وهما حرفانِ مهموسان، ثمّ تأتي الميم وهي تنطوي تحت ما يُسمّى حروف اللين... نلاحِظُ الطبيعةَ الموسيقيّة الهامسة الليّنة الهادئة، التي تسيطرُ على النص، والتي لا يُعكّرُها إلا قليلاً حرفُ الراء المهجور، الذي يتكرر اثنتي عشرةَ مرَّة، والذي أفادَ هنا فكرة تواصل الحالة واستمرارها وصولاً إلى خاتمتِها "وحينما غضضتُ طرفي، شَفَّ من بحيرتي عينيَ/ ظلٌ أحْمَرٌ/ كأنَّهُ ترابُها البليلْ"، هذا إذا أخذنا بنظريّة ابن جنّي في القيمة التعبيريّة للحرف الواحد. وليسَ مثلُ هذا الانسجام الموسيقي وقفاً على عبد القادر الحصني، لكننا نجدهُ عند عددٍ قليلٍ من الشعراء السوريين(76)؛ وضمن هذا السياق لا بُدَّ من التأكيد على تجربةِ الشاعر فايز خَضّور، الذي احتفى بشكلٍ لافتٍ بموسيقى النص الداخليّة... ولا شكَ عندي أن الأمرَ بدأ عفوياً ونابعاً ـ كما رأينا عند عبد القادر الحصني ـ من خصوصيّة الشاعر وطبيعتِهِ الجوّانية الخاصة بإيقاعاتِها كُلّها.. وهذا ما نلمِسُهُ على سبيل المثال لا الحصرـ في المقطع الأوّل من قصيدةٍ مُبكّرة "بثورٌ على خارطةِ القلب"، رغمَ غياب القافية تماماً، وتنضيد الكلام بطريقةِ النثر: "هيئي لغةَ النومِ: أقبلتُ أحبو على قصبِ الموتِ ـ خاصرتي هشّةٌ ـ/ والعظامُ خواءٌ مُريحٌ لذبحك... ظهري ندوبٌ من السعي.../ صدري، خناجرُ للخدشِ.. كوني نياشينَ للفتحِ. مُدّي/ السريرَ احتفاءً بتشريف كونٍ هشيمٍ، تمرّسَ بالدفنِ. أتلفتُ إرثَ الطفولةِ.. حُبّي ولاءكِ نبعاً أُجاجاً "هو الملحُ، ذرّةٌ/ لونٍ أليفٍ" معي كفن الصلبِ، خَزّاً دمقساً، وشاهدةً نُهِبَتْ/ خلسةً، من نحيب العشيّاتِ الخ..."(77). أما سبب هذا الإيقاع الخبيء في النص فهو تكرار الحروف التالية بشكل متواتر حتى لا يكاد سطر يخلو من بضعة حروفٍ مُتشابهة: الهاءُ تكرّرت 19 مَرّة وقد افتتحت النصّ وقفَلته من خلال مفردتين: (هيّئي) و( ولولَهْ)، التاء تكرّرت 36 مَرّة، الشين 11 مَرّة، السين والصاد 22 مَرّة، الخاء 14 مَرّة والحاء 12 مَرّة. ولو أخذنا مقطعاً آخر لخضّور من قصيدة "حصار الجهات العشر"، وهي حديثة نسبيّاً (1991 ـ 1992) قياساً للقصيدة السابقة، لرأينا إصرارَهُ السابق نفسه على خلقِ إيقاعٍ داخليٍ قويٍ في النص لكن المسالة هنا تصبُحُ أكثرُ وعياً وتصميماً مسبقين. لنقرأ: "مهمومَةٌ كانت بأكفان الزفافْ: رتقاً وفتقاً، واستشاراتٍ لمنطوق المرايا، والشقيقات الحيارى، والرفيقات الغيارى. والرضا النبوي من شيخ السُّكارى: كُلَّما أغضى، وأغلقَ راعشاً بالقهرِ، ساقيةَ العفافْ..!"(78). في هذا المقطع الذي لا يزيدُ عددُ كلماتِهِ عن 24 كلمة، ثمّةَ أشكالٌ متعدّدة لخلقِ إيقاعاتٍ إضافيّة ترتفعُ بالحالةِ الموسيقيّة للنص، بالتعاونِ مع تفعيلةِ الكامل، التي لم تأتِ صحيحةً إلاَّ مَرّةً واحدة أو اثنتين. في هذا المقطع يتمُّ تكرار الحروف التالية: الفاء ـ سبعَ(7) مَرّات، القاف ـ 9 مَرّات، الميم 7 مَرّات الراء 10 مَرّات. ثُمَّ تأتي مجموعة من المفردات المتجانسة صَرفيّاً وصوتياً: (شقيقات، رفيقات، استشارات)، (حيارى، غيارى، سكارى)، (زفاف، عفاف)، وهناكَ زُمْرَةٌ من المفردات تجمَعُ إلى التجانسِ الصوتي تضاداً في المعنى (رتقاً، فتقاً)، ثُمّ ننتبهُ إلى أن بعض الجُمل بنيت بصورة متناظرة صوتياً، وعلى شيءٍ من التوازي (أكفان الزفاف، ساقية العفاف) (الشقيقات الحيارى، الرفيقات الغيارى)، ثُمّ تأتي حروف المد الكثيفة في هذا المقطع. إن كل هذه الرسائل في البناء الموسيقي الصوتي والمعنوي لهذا المقطع تفسّر لنا إحساسَنا الجميل والغريب بالانسجام الموجود فيه، ويمكننا أن نعمِمَ ما قلناه على معظم نصوص خَضّور ويبقى الأمرُ كذلك حتى نصلَ تجربتَه المعروفة بـ (الجيميّة)، أو (الحلم الثاني) من "حصار الجهات العشر"، التي سأقتطفُ منها مقطعاً صغيراً: "جبلٌ رجيمٌ وجهها. اسفنجُها جللٌ على جوع البنفسج. صولجان جريمةٍ /جَهّارةِ الأجراسِ. فرجُ جحيمها لجبٌ. لجوجٌ لُجُّهُ الجمريُّ/ جبّارٌ، جمامُ الجورِ، جائِحُ موجها جَعْدٌ لجينُ جُمانِها/ وجمالُها جَرفٌ جهيمٌ. والجنايَةُ جُبُّها المجهولُ: سنجقُ جؤذرٍ/ جِلْفٍ، وجبّاناتُ أجيالٍ، من الجوريِّ والجُرذانِ والمرجانِ/ جنّاتٌ جَرى (جنّانُها) جنبي: تجرّأ واجتنى من جامِحِ/ الخلجانِ جوهَرَها ومُعْجَمَها الجنينَ، جرايةً للتاجِ، جاريةً..."(79). وهنا لن نختلفَ مع من رأى إن إبداعَ خضّور قائمٌ على بُعدي الجمالية الشعرية: ـ الموسيقى/ والعمارة الدقيقة، مُضافاً إليهما خصوصيّة نوعيّة هي التنامي دَمجاً للوصف السكوني بالوصف الحركي(80) بل لعلنا أشرنا إلى ذلك في غير موضع.. لكنَ من يقرأ هذا النهر الهادر من الجيمات المتلاحقة والمرصوصة خلفَ بعضها، وفي كُلِّ كلمة على امتدادِ القصيدة كلها؛ ما عدا المقطعين الصغيرين في بداية القصيدة وخاتمتها يدركُ مقدار القصد والاصطناع والتعمّل في اجتلابِ المفردات ـ مع معرفتنا بغنى معجم الشاعر ـ ... حتى لقد أصبحَ إيقاعُ الجيم يُثقِل على أذن القارئ كالطبل الذي ـ بَدَلَ أن يضبطَ إيقاع المعزوفة ـ ينفردُ بالعزفِ ويسكتُ العودَ والكمان والقانون وما إلى ذلك... بل لقد أجبرت الجيمُ الشاعرَ على استخدام بعض المفردات، التي ما كانَ لَهُ أن يستخدمها في الحالةِ العاديّة: لوحشيتها، وعدم مُلاءمتها السياق كمفردتي "سنجق، جُؤذر"، وكقولهِ: "جمّعتُ جهودَ جُمجمتي" فلولا الجيم لما استخدم الشاعرُ كلمة جمجمتي هُنا؛ ولاستبدالها بمفردة أكثر دلالةً، وأقرب لما يريد التعبيرَ عنه، والأمرُ نفسه يصدُقُ في قولِهِ: "أجبن من جراءِ جزيرةٍ عجميّةٍ"... إن هذه التجربة تعكس بصورةٍ واضحة رغبةَ خضّور بخاصة، والشاعر السوري بعامة في تطوير البنية الموسيقيّة لقصيدة التفعيلةْ؛ سواء كانت التجربة ناجحة أم فاشلة بنسبةٍ أو بأخرى. ومن التجاربِ الطريفة في هذا السياق قصيدة "أبجديات"(81) للشاعر مُوفق نادر، المُكوّنة من أحَد عشر مَقطعاً، والتي اتخذَ الشاعرُ فيها من الأحرفِ الأبجديّةِ عناوينَ للمقاطع فجاءت كما يلي (أ ـ ب ـ ب ـ ج ـ د ـ هـ ـ و ـ ز ـ ح ـ ط ـ ي)، افتتحَ الشاعرُ القصيدةَ بمقطعٍ صغيرٍ لا عنوان لَهُ أرادَ لَهُ أن يكونَ مَدْخِلاً يُفضي إلى المقاطع التي ذكرتُها: "طالعٌ من مساءٍ حزينٍ/ ومن لُغةٍ مقفَلَةْ/أعدُّ أصابِعَ أحبابيَ النائمينَ/ على شفةِ المقصلَةْ/ أهجّي لهم دَمَهُم أغنياتٍ/ وأتلو دموعَهُمُ المُرسَلَةْ...". إذاً فالمقاطِعُ القادمة هي من قبيل تهجئة دَمِ الأحباءِ أغنياتٍ... ومن قبيل تلاوةِ دموعِهِم وقد نَدَبَ الشاعِرُ نفسَه لهذِهِ المهمّةِ الصعبة.. فَرَاح في بعضِ المقاطعِ يتحدّثُ بلسانِ راوٍ يصف واحداً من أولئكَ الأحباب، وتارةً تقمصّ هذه الشخصيّة أو تلك وتحدّث من داخلها وبلسانِها، لكن ما يعنينا هنا أكثر من غيرهِ موسيقى القصيدة اللافتة... التي حققت شيئاً من الهارموني بوسيلتين واضحتين. أولاًـ وجود قافية واحدة ربطت المقاطع كُلّها ما عدا الأوّل الذي كتبناهُ أعلاه... فجاءت القوافي كما يلي: (الضيّقِ، النقيْ، المظبقِ، المورقِ، المقلقِ، نلتقي، الأزرقِ، ترتقي، تقي، المُطلَقِ، نقي، مونَقِ، المورِقِ، الشقي، المرهَقِ، جلّقِ، الأخرقِ)، وكنّا نرى الشاعر يقفل المقطع بواحدة من القوافي السابقة، وقد لا يكتفي بها فتأتي هذهِ القوافي الموحّدة، داخل المقطع نفسهِ إلى جوارِ غيرها من القوافي الخاصة بكلِ مقطعٍ على حدة والتي تشكل أنغاماً خاصة بالمقطع ذاتِهِ ستشكّلُ مع الوسيلة الثانية التي اتبعها الشاعر ما يشبِهُ في الموسيقى معزوفةً جانبيّة أو تقسيماتٍ أو ربّما عزفاً منفرداً على آلةٍ ما... لفترة زمنيّة محدّدة يتلوها التحام بجسد السيمفونيّة الكبرى. ثانياً ـ الوسيلة أو التقنية الثانية تقومُ على اعتمادِ عنوان المقطع ـ وهو أحد الحروف الأبجديّة ـ وحدةً نغميّة تتكرّرُ بكثافةِ في جسد المقطع المعني على غرار "جيم" فايز خضّور، ولكن بكثافةِ أقل بكثير لنقرأ مثلاً المقطع ذا العنوان (ز): زجاجاتُ خمرٍ عتيقٍ/ تُصفُّ على المائدةْ/ زفيرُ الزبائِنِ/ زغرودةٌ كسرتْ حاجزاً من رذاذٍ كثيفٍ/ وحطَّتْ على جبهةٍ باردةْ/ ثيابُ النساء اللواتي صعِدنَ/ إلى حلبةِ الرقصِ/ زادت بياضَ اليقينِ/ وزلزلتِ الفئةَ القاعدةْ/ قليلٌ من الخمرِ يكفيْ/ لتهتزَّ أردافُ هذا الزمانِ الزنيمِ/ ويدخُلَ في حُلُمٍ مونقِ". لقد تكرّرَ ورودُ (الزاي) إحدى عشرة مَرّة في هذا المقطع الصغير، وتكرر حرف (الألف) اثنتين وثلاثين مرّة في المقطع المعنون بـ (أ)، وتكرّرت (الباءُ) ستَ عشرةَ مَرّة في المقطع (ب)، وهكذا ممّا مَنَحَ هذهِ المقاطع حالةً موسيقيّة تبعثُ على الانسجام والراحة في كل مقطعٍ على حدة... ثُمَّ تأتي القافيّة الموحّدة، التي تربطُ المقاطع كلها في جسدِ القصيدةِ الواحدة... التجربةِ من الناحية الموسيقيّة جميلة وتحتاجُ إلى وقفةٍ أطول... لكنّكَ قد تجدُ في هذا المقطع أو ذاك مفردةً واحدة (أو جملةً) اضطُرَّ الشاعرُ لاستخدامِها طمعاً بمزيدٍ من النغم على حساب المعنى.. كأن يقولَ في المقطع (ج): "جفا ودّهُ، واستعاذَ بجيشِ الجوى كي ينامْ جبالٌ تراخَتْ على حُلْمِهِ فاستفاقَ يُجرجِرُ رجلينِ من حجرٍ وعظامْ..." فمن ذا الذي يمكن أن يخطرَ ببالهِ أن يستعيذَ "بجيش الجوى" كباعثٍ على النومِ أو مساعدٍ على الكرى، ومن معاني الكرى ـ كما لا يخفى على الشاعر ـ: ضيقُ الصدر ومرضهُ. أو اشتداد الوجد من عشقٍ أو حزن... الخ، وهو يبعثُ بالتالي على الشهدِ والقلقِ والتوتر. ومن ذلك أيضاً جُملة جاءت في المقطع (ب): "وبقايا سرابٍ من الحُلْمِ/ قَطّرها تحتَ خابيةٍ من دموع الكلابْ"، ففي حالةٍ أخرى ما كان لموّفق نادر أن يسمَحَ للمفردةِ أن تقودَه طمعاً بنغمتها على حسابِ أشياء أخرى قد لا تقل أهميّة عن الموسيقى. ولقد استخدم الشاعرُ السوري المُعاصر وسائل كثيرة لإغناء نصِّهِ موسيقيَّاً، منها ما ذكرناه ومنها القوافي الداخليّة، وضروب التكرار المختلفة: من تكرار مفردةٍ بعينها، إلى تكرار جملة كلازمة تبدأُ مع بداية النص وتستمر في جوانبهِ، إلى التكرار الدائري أو الهرمي المتدرّج وما إلى ذلك. ثالثاً ـ في الإيقاع الناجم عن التشكيل البصري: أولت قصيدةُ التفعيلة اهتماماً كبيراً لشكل توضّع الكلمات على الورق، ولعلاقةِ هذهِ الكلمات ـ بألوان حبرها المختلفة ـ مع بياض الصفحةِ المحيط بها، بل لعلَّ نظراً غير قليل قد انتبه إلى التأثير الهام الذي يلعَبُهُ تنضيدُ الكلام ورسمُهُ على "حركة الدلالة التي يسعى إليها الشاعر ويريد أن يؤكّدها في العين والأذن"(83)، لننظر ـ على سبيل المثال ـ إلى مقطعٍ صغيرٍ من قصيدة "لهب الجنون" للشاعر فؤاد كحل: "... فالأفئدةْ:/ ولَهٌ يُحطِّمُ في المدى بالموتِ شكلَ وجودِهِ ويعودُ يبحثُ عن صدى خلفَ اكتمالِ حدودِهِ ويظلُّ فيضُ الروحِ يَسبَحُ في النصوص الموجزهْ"(84). إن طريقة التدرّج الانسيابي الهابط إلى أسفل، للكلمات الواصفةِ لحالةِ فيضِ الروح السابح في النصوص إنّما جاءت لتصوّر بصريّاً تلكَ السباحة، ويعرفُ من مارسَ السباحةَ والغطس كيف ينسابُ جسد السبّاح في الماء تماماً كما رسمت الكلمات، وصولاً إلى عمقٍ ما، ثُمّ يرتفعُ الجسدُ إلى أعلى الماء. لقد حاولَ الشاعرُ أن يصفَّ الكلمات بصورةٍ تخدمُ المعنى... وهو بتوزيعِهِ الكلمات على النحو السابق وعدم وضعها على سطرٍ واحدٍ؛ إنّما فرضَ على قارئِهِ طريقةً من القراءة تمتازُ بالبطءِ نسبيَّاً؛ البطء الذي تسببهُ حركةُ العين في الانتقال من سطرٍ إلى آخر... وعليهِ فقد فرضت علينا هذهِ الكتابة رقماً انسيابياً هادئاً.. كالسباحةِ الهادئةِ ذاتها. ومن الشُعراءِ من يتصرّف بطريقةِ كتابةِ الكلمات لتخدمَ غاياتٍ موسيقيّة ودلاليّة يسعى إليها؛ من ذلك قطعُ الكلمة ومطُّها... وفصلُ أحرفِها عن بعضها بنقاطٍ، مما يفرضُ علينا طريقةَ قراءةٍ مختلفةً، عمّا لو كانت الكلمةً موصولة الأحرفِ، لننظر إلى المقطع التالي للشاعر عبد الكريم الناعم من قصيدة "قراءة في عيني أمّي": "... (إنّي أذكُرُ عينا أُمّي سربُ يمامْ إني أكتبُ.. تحرسنُي عيناها حين أنامْ عينا أمي سربُ يمامْ، سربُ يما....... مٍ سر.... بُ... يـ... مـ... ـا... مْ"(85). إن تقطيعَ كلمتي "سرب يمام" بالصورةِ السابقةِ لم يذكّرني ـ ضمن سياق النص ـ إلا بترديد الطفل الذي تنوّمُهُ الأمُ عبارةً ما (غالباً تتعلّق بها)، إنَّهُ يذكرُ العبارةَ في البداية كاملةً مُتصلةً، ولكنَّهُ شيئاً فشيئاً يمطُ حروفَها... ويُقطّعُها، حتى لا يبقى منها إلا الحرفين الأوّل والأخير ثم الأخير فقط... ثمّ يغفو، وظنّي أن الشاعر أراد أن ينقل إلينا هذهِ الفكرة.. فهو كالطفل هنا يرددُ "عينا أُمِّي سربُ يمام"، ثم يكتبُها.. وبعد ذلك يوحي إلينا أن "عينا الأم" تعويذةٌ تحرسُهُ حين ينام.. ونفهم بعد قليل ـ من طريقة الكتابة: التي تفرض علينا قراءةً مشابهةً ـ أن الشاعرَ هنا يتقمّصُ ذلك الطفلَ (الذي كَانَهُ) ويرددُ العبارةَ بطريقتِهِ، وسلطانُ النومِ يغلقُ أجفانَهُ شيئاً فشيئاً.. ومن الشعراء السوريين المُعاصرين من يَعْمدَ إلى التأكيد على جُمْلةٍ ما أو أكثر بتمييزها؛ من خلالِ كتابتها بخطٍ عريضٍ أو كثيفٍ لغاياتٍ فنيّة مختلفة؛ إحداها إيقاعيّة.. كما فَعَلَ محمد علاء الدين عبد المولى في قصيدتِهِ "يوميّات ليست نسبيّة، لكائنٍ ليسَ مطلقاً"(86)، التي يفتتحها باللازمة: "أنا كائنٌ لا يُطاق"، المكتوبة بخطٍ عريض.. على السطرِ الأوّل.. ثُمَّ تتالى السطور بخطٍ أقّل عرضاً، حتى يختِمَ المقطع الأول باللازمةِ نفسها، لكنَّه يوزّعها هذهِ المرّة على ثلاثةِ أسطر وبخطٍ عريض... ونلاحظ أنَّ الشاعر سيؤكد على هذه الجملة أينما جاءت في القصيدة، وكأنها خُلاصةُ ما يريدُ قولَه، عَبْرَ سيرةٍ ذاتيّةٍ تمتدُ على مساحةِ أكثر من خمسٍ وعشرين صَفحةً... وبالتالي نرانا كُلّما وصلنا إلى هذهِ الجملة فرضت علينا صوتاً أعلى.. وتأكيداً على الحروف أشد.. وفي المحصلّة إيقاعاً أكثرَ قوّةً ودوّياً... وتأكيداً معنوياً على الفكرة! وممّا تجبُ الإشارةُ إليهِ في هذا السياق، أن لعبة الأبيض والأسود، أو الأبيض والأزرق(87)، قد استهوت شاعِرنا الحديث؛ فأمعنَ في الإفادةِ منها، ومن وجودِ البياضِ "كمساحةٍ من الصمتِ الدال والموقّع في الآن ذاته"، وحتى لو كانَ البياض صمتاً "فإن هذا الصمت ليس مُحايداً، ولا يَدلُّ على مطلقيّته، إنَّه صمتٌ واردٌ في سياقٍ شعري، سواء أكان هذا البياض مؤكّداً بنقط، أو مفروضاً من خلالِ تموقع النص في الصفحة"(88). لقد استخدمَ الشاعرُ البياضَ فاصلاً بين فضاءٍ معنويٍ وآخر... أو فضاءٍ موسيقيٍ وآخر... أو في آخر السطر الشعري، أو في الجملةِ الشعريّة الواحدة ليقُصي عُنصراً منها عن الآخر، ويضعَ القارئ في حالة استفهام وبحثٍ عن الأسباب.. وما إلى ذلك؛ ويُعتَبرُ أدونيس أحدَ الأساتذة في استخدام البياض والسواد والتشكيل البصري للنص من خلالِ جُملةِ أساليب منها: ـ التأكيدُ على مفردةٍ أو جُملة معيّنة (أو أكثر) بتمييزها من حيث مقياس الخط، وهذا ما يفعله في معظم نصوصِه؛ وكمثال على ذلك نأخذ قصيدتَهُ "هذا هو اسمي" من مجموعةٍ تحملُ العنوانَ نفسَه، فنجدُهُ يؤكدُ على جُملةٍ يُسّميها لافتة تتكرّرُ على امتداد القصيدة: "قادرٌ أن أُغيّرَ: لَغْمُ الحضارةِ ـ هذا هو اسمي"(89)، كما سيكتبُ مجموعة من الأسماء بخطٍ أكثفَ من غيرها من المفردات. مثل: "روما ـ نيرون ـ علي (عشر مرّات أو أكثر) ـ دمشق ـ الشام ـ بغداد ـ المتنبيّ ـ امرؤ القيس ـ الحلاّج..."؛ ممّا يستوجب منا التوقّفَ والانتباه والتأمّل. وقد أخذ عنهُ بعض شعراء الأجيال اللاحقة هذهِ التقنيّة، كما شاهدنا عند محمّد علاء الدين عبد المولى أعلاه. ـ يستخدم أدونيس البياض بطرق عديدة: منها أن يأتي في النص نفسه وبين مفرداته، وكأنَّهُ نقطة، أو فاصلة، تقتضي التوقّف القصير أو الطويل، كما جاءَ في المقطع الأوّل من القصيدة التي أشرتُ إليها: "ماحياً كُلَّ حكمةٍ هذهِ ناريَ ... دخـلتُ إلـى حـوضـكِ * * * أرضٌ تدور حوليَ أعضاؤكِ نيلُ يجري طفونا ترسّبنا * * * تقاطعتِ في دمي قَطَعَتْ صدركِ أمواجي انهصَرْتِ لنبدأْ: الخ"(90). وقد يأتي البياضُ فاصلاً كبيراً بين مقطعٍ وآخر في القصيدة. وأحياناً بين جملةٍ مستقلّةٍ وأخرى، ممّا يجعلنا على ثقةٍ من رغبةِ الشاعر في تحطيم التقاليد البصريّة، التي ألفها سواء في الشعر التقليدي أم في قصيدة التفعيلة، التي استكانت إلى شكلٍ مُحددٍ مألوف. وقد يوزّعُ أدونيس الكلمةَ حروفاً على السطر، مما يعني ـ ضمن ما يعنيه ـ نغماً مُختلفاً عند قراءتها؛ نغماً يميلُ إلى البطء والانسياب والهدوء(91)، وقد يملأ المساحة البيضاء بين مفردةٍ وأخرى بإشاراتٍ دالة كأن يكتب: دائماً كانَ بيننا مسافة قُلنا يمحوها اللهبُ الذي نُسّميهِ الحُب"(92) فالسهمُ هنا، الذي يشيرُ إلى المسافةِ نفسها، زادَ المساحةَ البيضاء دلالةً، وربطَ بين المسافةِ من جهة وزعمِ الشاعر ومن يُخاطبُهُ بأنها يمكن أن تُمحى بالحبُ. ـ وقد يستخدمُ أدونيس ما يمكن أن نُسميّه تقنيّة الإطار، أو الأيقونة: بحيث يؤطّر نصاً صغيراً ما.. داخِلَ النص الكبير؛ فيبرزُهُ بصورةً ما لأهميّتِهِ المعنويّة أو سوى ذلك وسيرتقي بهذهِ التقنيّة إلى تقسيم الصفحة إلى عدّة مساحات، كما فَعَلَ في "الكتاب"(93)، حيث رأينا الصفحة مقسومة إلى أربعةِ أحياز، أوّلها في الوسط، وهو مستطيلٌ على طول الصفحة يضمُّ المتن الأساس للنص، ويقسَمُ بدورِهِ إلى جزءين علوي وسفلي، الكلام في ثانيهما مكتوبٌ بخطٍ أعرض، والنص ضمن المتن الأساس موقّعٌ، الجزءُ الأيمنُ من الصفحة منظومٌ أيضاً ولكنّهُ مكتوبٌ بخطٍ أصغر قياساً للمتن؛ وهو يضمُّ كلامَ الرواة الذين ينضحون من التاريخ العربي والإسلامي لإضاءة المتن الأساس، الجزءُ الأيسرُ من الصفحة مكتوبٌ بخطٍ أصغر من سابقِهِ، مما يوحي بأنَّهُ الأقل أهميّة في الصفحة، وهو يضمُّ كلاماً نثريّاً، ويلعبُ دور الهامش في تقديم الشروحات عن هذهِ الشخصيّة أو تلك، ممّن يردُ ذكرُهم في الحيّز الأيمن من الصفحة. إن تقسيمَ الصفحة بالصورة السابقة إلى أربعةِ فضاءات، يقتضي قراءةً جديدة تقومُ على ترتيبٍ خاص في تقديم وتأخير هذا الحيّز عن ذاك، وفي قراءةِ هذا الجزء والقفز إلى الهامش أحياناً، ثم العودة إلى الراوي.. وما إلى ذلك ممّا يُلغي الاطمئنان والهدوء عند القارئ، ويدخله في حالةٍ من القلق والانتباهِ المتوقّد، ويفرض عليه إيقاعاً جديداً في التعامل مع نصٍ جديد. وقد بدأ قراءُ الشعرِ يُلاحظون في الفترةِ الأخيرة أنّ البياضَ أصبحَ نهماً جداً في نصوصِ عديدٍ من شُعرائنا؛ إنَّهُ يلتهمُ السواد بشراهة.. حتى أصبحتَ أحياناً ترى الشاعِرَ يتركُ الصفحةَ كُلها، ويسطرُّ جملةً أو سطراً أو اثنين في أسفلها.. وتحاول أن تجدَ سبباً لذلك فلا تجد إلاّ لعبةً شكلانيَّةً لا خلفها ولا بعدها، ومن هنا تأتي ضرورة التأكيد على أن "الاهتمام بالشكل البصري يبقى منقوصاً، ما لم يقترن بالكلام وعلاقته بالسياق"(94). الهوامش والإحالات: (1) أنظر: حَنّا عبّود، النحل البرّي والعسل المُر، وزارة الثقافة السورية 1982، ص202. (2) د. نعيم اليافي، معجم البابطين للشعراء العرب المعاصرين، م6، الكويت، 1995، ص285. (3) أدونيس، زمن الشعر، ط2، دار العودة، بيروت 1978، ص147. (4) نفسه، ص9. (5) نفسه، ص148 ـ 149. (6) د. نعيم اليافي، (سابق)، ص 286. (7) نازك الملائكة، قضايا الشعر المعاصر، بيروت، ط5، 1978، ص69. (8) د. أحمد بسّام ساعي، حركة الشعر الحديث في سوريا/ من خلال أعلامِه، دمشق، دار المأمون، 1978، ص55. (9) انظر: د. أحمد بسام ساعي، (سابق)، ص57. (10) نزار قبّاني، الأعمال الشعريّة الكاملة، ج2، ص323، بيروت. (11) محمّد عُمران، الأعمال الكاملة، وزارة الثقافة، 2000، ص51 ـ 52. (12) د. علي جعفر العلاّق، مجلّة الأقلام، العدد 11 /12، 1987، ص103. (13) حاتم الصكر، ما لا تؤدّيه الصفة، بحث مُقدّم لمهرجان المربد العاشر، 1989، ص19 ـ 20. (14) انظر: د. أحمد بسام ساعي (مصدر سابق). (15) انظر: د. محمّد صابر عبيد، القصيدة العربيّة الحديثة، اتحاد الكتاب العرب، دمشق 2001، 164 ـ 175. (16) مصطفى خُضر، أدباء مكرّمون 14، اتحاد الكتاب العرب، دمشق 2004، ص106. (17) محمد عمران، مجموعة "أنا الذي رأيت ـ 1978"، الأعمال الكاملة، ج1، وزارة الثقافة 2000، ص361. (18)انظر قصيدتَهُ: "التحوّل" ـ الأعمال الشعرية الكاملة ـ الصفحات 357 ـ 362، دار الشؤون الثقافية العامة بغداد، 1985. (19) د. ناصر علي، بنية القصيدة في شعر محمود درويش، المؤسسة العربيّة للدراسات والنشر، بيروت 2001، ص277 نقلاً عن محمّد كنوني، "اللغة الشعريّة"، دار الشؤون الثقافية، بغداد 1997، ص85. (20) انظر: د. علي (المصدر السابق)، ود. عز الدين إسماعيل في كتابه "الشعر العربي المُعاصر"، (مصدر سابق) ود. أحمد بسام ساعي (سابق) وغيرهم. (21) نزار قبّاني، الأعمال الكاملة، سابق، ص542. (22) محمّد عُمران، الأعمال الشعرية الكاملة، الجزء الأوّل، وزارة الثقافة السورية، 2000، ص63. (23) نفسه، ص 59. (24) د. محمد صابر عبيد، سابق، ص 105. (25) بيان الصفدي، جنّة صغيرة، وزارة الثقافة السوريّة، دمشق 2002، ص 21ـ 22. (26) نزيه أبو عفش، هكذا أتيت.. هكذا أمضي، دار الكلمة للنشر، بيروت 1989، ص29. (27) د. محمد صابر عبيد، (سابق)، ص 117. (28) نزار قبّاني، الأعمال الشعرية الكاملة، (سابق)، ص 742. (29) نفسه، ص 746. (30) نفسه. (31) أدونيس، الآثار الكاملة، م1، ط1، دار العودة، بيروت 1971، 491. (32) انظر: د. محمد صابر عبيد، سابق، ص 120. (33) نفسه، ص 121. (34) فايز خَضّور، ديوان فايز خضّور، وزارة الثقافة السوريّة، 2003، ص8. (35) انظر: أدباء مكرّمون، مصطفى خضر، اتحاد الكتاب العرب، دمشق، ص114 ـ 123. (36) عبد القادر الحصني، ينام في الأيقونة، دمشق 2000، ص79. (37) نزيه أبو عفش، ما يشبه كلاماً أخيراً، دار المدى، دمشق 1997، ص 15 ـ 16. (38) نزار بريك هنيدي، الرحيل نحو الصفر، اتحاد الكتاب العرب، دمشق 1998، ص65. (39) ثائر زين الدين، في هزيم الريح، وزارة الثقافة السوريّة، دمشق 2003، ص31. (40) بيان الصفدي، جنّة صغيرة، وزارة الثقافة السورية، دمشق، ص41 ـ 42. (41) نازك الملائكة، قضايا الشعر المعاصر، مكتبة النهضة، ط2، 1965، 164 ـ 165. (42) أمين ألبرت الريحاني، مدار الكلمة، دار الكتاب اللبناني، بيروت، 1980، ص 183 /نقلاً عن د. محمد صابر عبيد، (مصدر سابق). (43) فايز خَضّور، ديوان فايز خَضّور، وزارة الثقافة، سابق، ص 182. (44) انظر: محمّد عُمران، الأعمال الشعريّة الكاملة، وزارة الثقافة، ج1، ص 359 ـ 360. (45) انظر: نزيه أبو عفش، ما يشبه كلاماً أخيراً، (سابق)، ص44 ـ 45 ـ 46. (46) انظر: وفيق سليطين، مُعاكسة لأوابد الضوء، دار كنعان، دمشق 2004، الصفحات (5 ـ 13)، (70 ـ 71). (47) د. أحمد بسام ساعي، الشعر السوري المعاصر، من خلال أعلامِه، دمشق، دار المأمون، ص 67 ـ 69. (48) فائز خضور، مقدمة "أمطار في حريق المدينة"، دمشق 1973. (49) د. عز الدين إسماعيل، الشعر العربي المُعاصر ـ قضاياه وظواهره الفنيّة والمعنويّة، منشورات جامعة البعث، حمص، مغفل التاريخ، ص 100. (50) نفسه، ص102. (51) ممدوح عدوان، وهذا أنا أيضاً، اتحاد الكتّاب العرب، دمشق، 1984، ص27 ـ 40. (52) علي كنعان، أطياف من لياليها، دار عطيّة، لبنان، 1998، ص54 ـ 60. (53) فؤاد كحل، (54) فايز خضّور، ديوان فايز خَضّور، (سابق)، ص 335. (55) أدونيس، وقتٌ بين الرماد والورد، الآثار الكاملة، ج2، ص581 ـ 611. (56) لمزيد من التفصيل انظر: د. أحمد بسام ساعي، حركة الشعر الحديث في سوريا، (سابق) ص123 ـ 141. (57) د. محمد صابر عبيد (سابق)، ص 214. (58) انظر: ممدوح عدوان، الظل الأخضر، وزارة الثقافة، دمشق 1967، ص 35 ـ 41. (59) انظر: بدر شاكر السيّاب، الديوان: قصيدة (ليلى)، دار العودة، بيروت، ص 720 ـ 723 وأحمد عبد المعطي حجازي في قصيدتهِ (الرحلة ابتدأت) و(رثاء المالكي)، ديوان حجازي 284 ـ 306. (60) انظر: أدونيس، الآثار الكاملة، مجنون بين الأموات، م1، دار العودة، بيروت، ص273. (61) فايز خضور، ديوان فايز خضّور، (سابق)، الصفحات 183، 334، 378 وغيرها. (62) انظر على سبيل المثال لا الحصر الأعمال التالية لبعض هؤلاء الشعراء: ـ عبد القادر الحصني، "ماء الياقوت"، قصيدة "لها كل هذا الفناء"، ص 49. ـ نزار بريك هنيدي، "الرحيل نحو الصفر"، قصيدة "السيرة الزرقاء"، ص 49 ـ 62. ـ علاء الدين عبد المولى، "تراجيديا عربيّة"، الصفحات 25 ـ 26. ـ ثائر زين الدين، "في هزيم الريح"، قصيدة "صرخة عبيد بن الأبرص"، ص 96 ـ 100. ـ سامر فهد رضوان، "تشكيلات لمولد الحصار"، قصيدة "حيفا وأسطورة الوصول"، ص 23 ـ 24. (63) أدونيس، زمن الشعر، دار العودة، ط2، بيروت 1978. (64) د. محمّد صابر عبيد، سابق، ص 224 ـ 225. (65) يمزجُ كمال جمال بك بين شعر التفعيلة والنثر في مجموعتِهِ "مرثية الفرات العتيق" ـ اتحاد الكتاب العرب 2000 في قصيدتين "أصداء جهات الخراب" ص 58 ـ 65، و"كائنات قصب السُكّر" ص34 ـ 37، حيث يفصلُ بين النمطين باستخدام (/..) ومن بداية السطر، أما محمّد عُمران فيستخدم الأقواس الكبيرة [...] حيث يأتي الجزء النثري بينُهما، كما في قصيدتين حملتا عنوان "غناء" من مجموعتِهِ "الأزرق والأحمر"، دمشق 1984. (66) نزيه أبو عفش، ما يشبه كلاماً أخيراً، ص 42. (67) نفسه، ص 44. (68) نفسه، ص 53 ـ 54. (69) أدونيس، مقدّمة للشعر العربي، دار العودة، ط1، بيروت 1971، ص 116. (70) نفسه، ص 114 ـ 115. (71) د. يُمنى العيد، في معرفة النص، منشورات دار الآفاق، بيروت 1983، ص 98/ نقلاً عن د. ناصر علي، بنية القصيدة في شعر محمود درويش، المؤسسة العربيّة للدراسات والنشر، بيروت، عُمّان 2001 ص (246 ـ 247). (72) نفسه، ص247. (73) حاتم الصكر ومحمّد مفتاح أحمد/ نقلاً عن د. محمد صابر عبيد، سابق، ص 60. (74) انظر: (75) عبد القادر الحصني، ينامُ في الأيقونة. (76) انظر على سبيل المثال: مجموعة "في هزيم الريح"، وزارة الثقافة (سابق) ص 31 ـ 33. في قصيدة "أحبك الآن" يتكرر حرف الحاء 22 مَرَّة، والهاء 26 مَرّة في نصٍ عدد مفرداته 82 كلمة، ومطلعه "أحبّكِ في هذهِ اللحظةِ الحاضرهْ". (77) فايز خَضّور، الديوان (سابق)، ص 182. (78) نفسه، ص 563. (79) نفسه، 540. (80) انظر: سلمان حرفوش: إطلالات نقديّة، اتحاد الكتاب العرب، دمشق 2000، ص48. (81) موفّق نادر، قصيدة (أبجديات)، الموقف الأدبي، العدد 374، حزيران 2002، دمشق، ص109 ـ 112. (82) انظر لمزيد من التفصيل "محمد صابر عبيد، القصيدة العربيّة الحديثة (سابق) ص 182 ـ 212. (83) د. نعيم اليافي، مقال: "التجريب في قصيدة التفعيلة"، مجلّة الموقف الأدبي، العدد 374، حزيران 2002، ص 15. (84) فؤاد كحل، مجهولة الينابيع، اتحاد الكتاب العرب، دمشق، 2003، ص114. (85) عبد الكريم الناعم، احتراق عَبَّاد الشمس، اتحاد الكتاب العرب 1984، ص 36. (86) محمّد علاء الدين عبد المولى، عَرّاف الجحيم، وزارة الثقافة، دمشق 2000، ص 119 ـ 143. (87) انظر: مجموعة مُكاشفات العارف، للشاعر شاكر مطلق، وهي مجموعة مكتوبة بالأزرق السماوي لغايةٍ فكريّة. (88) عبد السلام المسّاوي، البنيات الدالة في شعر أمل دنقل، اتحاد الكتاب العرب (سابق)، ص 40. (89) أدونيس، الأعمال الشعرية الكاملة، م2، دار العودة، ط5، بيروت، 1988، ص 268 ـ 287. (90) أدونيس، الأعمال الشعرية الكاملة، م2، دار العودة، ط5، بيروت، 1988، ص 268 ـ 287. (91) نفسه، انظر ص 511: "أ و ر ف ي و س/ أ د و ن ي س" (92) نفسه، ص 598. (93) أدونيس، الكتاب (أمس المكان الآن)، دار الساقي، ط1، 1999. (94) د. نعيم اليافي، الموقف الأدبي، (سابق)، ص 20. |
|
| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |