|
||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
دراسة موجزة لأهم المسارات الفكرية لشعر التفعيلة في سوريا خلال فترة التسعينات ـــ لينا حمدان- سورية غريبة تلك الحياة التي لا تؤمن بالأدب روحاً ومرآة ونبضاً. وغريبة تلك الأقلام التي لا تنبض بروح الأمة.. ولا تكون مرآة عصرها. واليوم ونحن نمعن النظر بما جاء من سطور أدبية في صفحة من عمر سورية عبر شعر التفعيلة خاصةً.. هذا الشعر الحديث التسمية والنشأة.. نحاول ـ ولعلها تنجح المحاولة على تواضعها ـ بأن نلقي إضاءة ما على أهمية الدور الأولي لهذا الشعر وفي هذه المرحلة الحاسمة من عمر سورية حصراً وتحديداً مرحلة التسعينات من القرن العشرين. فما هي أهم وأوضح المسارات الفكرية لقصيدة التفعيلة في هذه الفترة الزمنية الصاخبة؟ سؤال يفرض نفسه، وبصراحة مهما اتسعت الإجابة لابد ستكون موجزة لأن حصرها غير ممكن ولا سيما إن أخذنا بعين الاعتبار مساحة الورق والوقت المناسبين لمثل هذه الدراسة. ولأن الفكر هو ابن التجربة والظروف كان لابد من محاولة ترتيب ما جاء من فكر، وما شغل الساحة الأدبية في مرحلة الحروب والانكسارات.. وطغيان المادة.. والتداخل الثقافي وضياع الفرد عبر دوامة الاختناق بالآخر. أتراه يصح أن نبدأ من الذات.. ومنها ننطلق إلى العالم المحيط. إذاً.. المسار الوجداني هو أول ما يستوقفنا في هذه الدراسة. هذا المسار المعبر /دائماً وأبداً/ عن عمق وصدق أية تجربة عبر العمر الأدبي لأي شاعر وفي كل زمان ومكان. الوجدان: عنوان كبير لتفاصيل حارة تتداخل في ثنايا خلايانا.. وتتردد لاهثة عبر سطورنا لحظة بلحظة. هل نقول الحب! هذا الإحساس النوراني الذي يضيء عيوننا فنرى، ودروبنا فنخطو.. وآفاقنا فنسمو. وما أجمل أن نبدأ بالتصعيد الروحي في عالم الحب لنحلِّق مع شاعرنا "تميم صائب" فيما جاء بصفحة من كتابه /حزة السكين/ ص 18: فنعتذر/ عما رأينا ذلك المساء/ في لحظة انطلاقنا إلى مجاهل السماء/ الله.... والملائكة/ الأوجه الفقيرة الملعونة المباركة الجدول الذي على ذراعنا أراد أن ينام... فنعتذر عن رؤية الكلام. هذه شفافية ليس لنا في هذا المجال الضيّق أن نبدي رأياً فيها، إنما نحن نحسّ بها.. وكأنها الحب الأول بما فيه من طعم الصفاء الروحي ونكهة الصدق الأبدي، وهاهو الشاعر الدكتور "نزار بريك هنيدي" في كتابه /الرحيل نحو الصفر/ ينطق الحب الأول عبر صفحاته: ص 76. أحلق في فضاء سقيفة /شهدت حماقاتي/ وأخفت أول الهمسات /والرعشات/ واحتفظت /بسر اللطخة الحمراء/ في عنقي. أكانت تلك حالة عبثية من طفولة الحب؟ أم هو حب الطفولة...! سنكبر، لابد سنكبر عبر الأيام والتجارب لنخطّ من حروف ذاكرتنا ضياء الماضي.. وتداعي الصور العاطفية الحارة، ولا يخجل الشاعر ـ الذي يحق له ما لا يحق لسواه ـ من عرض حالة الحب الجسدي الذي لابدّ يغني الحياة بالذكرى الحارّة المتجددة... يقول الشاعر "شوقي بغدادي" في /شيء يخص الروح/ ص 60: كانت يداي على يديك/ وكنت أعزف فوق بشرتك الطرية/ بعض ما فوّتُ من ماضي الزمان/ وكنت ترتعشين/ ثم تخاطرين بلمسة / كي تخطفي بعض الفتات من الزمان.. ولعله الحب الأجمل ذلك الذي يتوسع ويتوسع حتى يشمل الوطن.. فإذا الحبيبة هي الأرض.. وضحكتها ربيع المدن.. وألمها وجع العواصم.. وصحوة الحياة فيها.. يقول الشاعر "ياسر الأطرش" في /قلبي رغيف دم مستدير/ ص 12: وأنا أحبك /حين يضحك ياسمين دمشق/ وحين تهطل فوق بغداد القنابل/ بغداد منك وأنت مني/ فلنحاول أن نغني كي يظلّ غناؤنا.. معنا يقاتل. والسؤال الآن.. أيكون الحب للصبيّة المشتهاة فقط؟.. أيختصر الوجد على حدود العلاقة ما بين ذكر وأنثى؟!.. ولأن الإجابة أكبر.. وأقوى.. وأعمق نحن نسمع صوت الشاعر "عبد القادر الحصني" يحب المدينة التي نشأ فيها.. ويعلن انتماءه ووده الذي لا يزول...... ويقول: في /ماء الياقوت/ ص 9: وأنا مفرد مثل قلبي و(حمص) التي أيقظتني على الحب والله. لمّا تزل في السماء/ تذوب حناناً. ونكبر.... ويشغلنا العمر... إنما لنعيش مرة بعد مرة في حالة حب، ولنتجدد من جيل لجيل عبر أولادنا... وأحفادنا... فهذا هو صوت الشاعرة "دعد قنواتي" /في حكايات شهرزاد الحمصية/.. ص 106 ينبض بحب من نوع آخر.. حب لحفيدها الذي تنتظره على أبواب الحياة عظيماً: "بورك الإسكندر المخبوء في أثواب طفل" والحنين إحساس تميز به الإنسان، وما يزال يطغى في نفوس الشعراء. الحنين هذه الكلمة التي تحمل سراً متجدداً من المشاعر العميقة.. العميقة، أشياء كثيرة يحنّ إليها الواحد منّا.. الأهل.. الوطن.. الماضي.. الذكريات.. الطفولة.. وها نحن نسمع صوت الشاعر "تميم صائب" يحنّ إلى ماضي الطفولة البريء: في /حزة السكين/ ص 86: نعم ما نزال/ نخبئ طفلاً جميل الشراسة فينا ينتّف من شعرنا شيبه/ في الليالي الطوال.. ومن ذكريات الطفولة يلتقط الشاعر د. نزار هنيدي/ الرحيل نحو الصفر/ص 74: وأرشف من سماء الحارة الطينية/ الفرح الذي مازال/ يسبح في الهواء/ معلقاً/ في ذيل طائرة من الورق.. وفي حالة من الأسى ينعطف الشاعر ليندم على ما فات ـ وكثيراً ما نندم على ما فات ـ يقول "تميم صائب" /حزة السكين/ ص 93: سندرك وقت المساء/ بأنّا تركنا الصباح.. وحيداً يلمّ الجراح/ وحيداً.. وليس لديه من القوت.. في آخر العمر/ غير ندامتنا.../ وانكسار العيون كل ما مرّ يشعرنا بفرح الحب ممزوجاً بألم المعاناة.. البعد.. التذكّر.. ومن ثم الحزن والرغبة بالبكاء. بكيت من سعادتي/ بكيت من تعاستي/ بكيت من ضجر/ هو البكاء وحده/ يوحد المشاعر /ويجمع البشر. إنما للحزن صوت مبدع وحرقة مضيئة.. فلطالما الشاعر منّا رحّب بالمعاناة والألم.. إن كان ذلك يضيء فيه إشراقاً ووجوداً يقول: "علاء الدين عبد المولى" في /مراثي عائلة القلب/.. ص108 أنا حين أبكي.... أرتقي... أنا حين أحزن.... أمتلئ وأنا النداء على الحياة/ أنا النشيد المنطفئ. * * * ولأن الإنسان ابن المجتمع الذي يعيش فيه، والشاعر هو حبر هذا المجتمع، سيتضح ويكبر المسار الاجتماعي على صفحات شعرائنا... جيل التسعينات بقوة وجلاء. ولعلهم الشباب أول من يطالعنا بهمومه في أجواء هذا المجتمع، ولعله همّ المستقبل والبناء وافتقاد موضع القدم للشاب الطموح وهو ما يدفعه إلى الرحيل... ربما الهروب ربما البحث عن الغد.. إنما في كل الأحوال هو يفتقد التوازن في الغربة والهجرة.. ويقول "د. ثائر زين الدين" /في هزيم الريح/ ص 17.. إلى أين تخرج في غفلة الكون/ يا نيزكاً تائهاً في الفضاء/ خشيت عليك دوار الرجاء/ سراب المفازات والنفط/ ما عاد في الأرض أهلون/ حتى التراب النحيل يفر من الكفّ/ يسحبه الآخرون كشرشف عرسِ. لساني عليك وروحي معك... فهل أستطيع ـ إذا بعثرتك الهموم الصغيرة ـ أن أجمعك؟ وكثر الشعر الذي تناول هروب الشاب من ظروف البلد الحرجة وبحثه عن الاستقرار ولو في غربة موحشة.. يقول د. ثائر زين الدين ـ في هزيم الريح ص 53. سأهرب/ ما حاجتي لملاعق من فضة/ حينما يكسر الذل نابي؟ وما حاجتي لمغاسل من ذهب حين أبصق فيها دماً؟ وكأني بالشاعر يحس ويرى ويعيش حالة الضرورة من السفر بعيداً رغم الألم والمعاناة لأنه اختيار صعب إنما قرار لابد منه. ولعله أصعب من هذا وذاك أن يضيع الإنسان في وطنه، ويبحث عن ذاته فلا يجدها، فتكون غربة مضاعفة ـ يقول الشاعر "عبد السلام محاميد" في كتابه وجهك الصبح وعيناك البلاد / ص 53: يا امرأة الليل المسكون بأحزاني/ من ذا.. من ذا ينزع عني أقنعتي ويراني/ .. من ذا يعرفني/ يعرف صوتي/ لو ضيّعت أنا وجهي/ وزماني.. ما عاد زماني؟ ونرى المسار الاجتماعي في شعر التفعيلة عبر التسعينات في سوريا يتطرق بوعي لمسألة شديدة الحساسية والأهمية ـ ألا وهي تعدد المذاهب الدينية وتنافرها، وما تحمله من أثر مؤلم ومؤذ لحياتنا فهاهو الشاعر "تميم صائب" في /حزة السكين/ ص 24 يقول بسخرية وألم.. لنعتذر/ فنحن لاجئان.. لاجئان/ ولا يصح أن نسيء للمذاهب الدينية/ لأن أكبر الأخطاء / أن ننفخ الروح بداخل الأشياء/ كما فعلنا ذلك المساء. وتتجاوب الأقلام الشفافة الواعية معلنة الرفض لهذا التخلف القبلي الجاهلي والذي يسيء لحاضرنا ويعرقل أي تقدم ممكن. يقول الشاعر "محمد حمدان" في /صلاة للبحر الأحمر/ ص 75: عيون أحبتي الموتى /تشاطرني احتمالات البكاء على قبائلنا/ فمازلنا نقاتل بعضنا بعضاً/ غساسنة... مناذرة فريق من بني عبس/ وآخر من بني ذبيان. ومن البديهي ألا يذكر المجتمع إلا ويكون للمرأة حضور متميز وقوي ومن البديهي أن تعرف المرأة ـ أكثر من سواها ـ التعبير عن حاجاتها.. وعواطفها بدقة ووضوح وجرأة نسمعها من صوت الشاعرة "فادية غيبور" في /مزيداً من الحب/ ص 90.. هو أنت /جئت إلى تخوم الحلم بعد الأربعين/ من أين جئت ولك معابري مرصودة/ أتراك من صدري خلقت ومن دمي/ بعد احتوائك فيهما هذي السنين. والمرأة هي العنصر الأقوى إنما الأضعف اجتماعياً وهموم الجسد لطالما كبلتها حسب معطيات القيد الاجتماعي والأعراف السائدة وكأنها الشاعرة "فاديا غيبور" في /مزيداً من الحب/ ص 92 تقدم شكوى أو ترفع دعوى على هذا القيد الجسدي ـ تقول: عدت دفليات الطفولة.. أسرعن /نحو جسور اليفاعة/ أغلقن باب الغوايات. بيني وبينك مذ أعلنت ساعة القوم أني /حملت هموم الأنوثة فوق حدود الجسد. السؤال الآن هل استطاع الشعراء أن يتفهموا طبيعة المرأة.. أو يشرحوا ما هي؟ الشاعرة "ابتسام صمادي" في /ماس لها/ ص 7 تحاول أن تقول شيئاً يشرح هذه الطبيعة. أنا لا أحبذ أن أكون النهر/ كي لا أحتوي في ضفتين وأود لو أغدو التدفق عينه/ كي لا أكرر مرتين. ولأن المجتمع حاول تحجيم المرأة قديماً ولأن الأجيال توارثت الكثير من المفاهيم وتبنت الحفاظ عليها.. نجد الشاعرة ابتسام صمادي تواجه تهم المجتمع بقوة وشجاعة ولا تنفيها إنما تعتبرها بمثابة الوسام المتميز إمعاناً في التحدي وإثبات الوجود: لا ضير إن كنا الإناء لنحتويك /فكل ماء كنته إن كنت ماء/ نعطيه شكلاً. هذه القوة الحلوة التي تتحدى بها الشاعرة سطوة المجتمع وضغوطه تشعرنا بوعي المرأة وقوة حضورها في هذا الزمن اللاهث والمكبل بالإرهاق والعمل خارج وداخل المنزل وبأعباء لا تكاد تنتهي فهي التي تصرخ بنفاذ صبر على تهميشها واختصارها بآلة مصمتة في نظر الرجل: وفي الليل يريد جليسة حلوة/ تؤانسه.. تحدثه../ معطرة مزينة كما الورد/ سأبذل كل ما عندي/ فلا تأمر.. ولا تنفر وحاول أن ترى جهدي/ أنا روح ولا أمشي كما الروبوت عن بعد. وكما المسار الاجتماعي للشعر يفتح أبواباً كبيرة مغلقة كذلك المسار أو الهمّ السياسي. فقد انشغل الشعراء في هذه المرحلة بالنظر والتمعن بما يجري، وما كان يجري خافياً على احد إنما جرأة النقد ووضوح الرؤية هذا ما يتميز به الشاعر عامة أرى السلاطين يعطون أحفادهم مدناً/ مثلما تمنح الأم طفلتها شكل أردافها. والسخرية المرة تملأ فم شعراء السياسية وهم كثر، ومنهم من يقف منبهاً.. هازئاً.. ناقداً: لا تقربوا الخليفة/ معجبة بألسن الكتاب والأصابع النحيفة/ قطته الأليفة. وفي عالم السياسية المربك في هذه البلاد وهذه الأعوام يصبح احتمال الانخراط في ممالئة الحاكم والبوح له بالأسرار أو العمل سراً بكتابة التقارير عن أفراد الشعب أمراً مألوفاً عادياً يعبر عنه الشاعر بسخرية: تعلمت أصابعي أن تفرز القديم والجديد/ في القصائد المنسية المنحولة/ تعلمت أصابعي أن تمسخ الإنسان قرداً/ يألف الحبال والنط مع الغناء أو بدونه/ فيمّحي من صلبه الإخصاب والفحولة مستقبل الرجال في يديّ/ دفاتر الرجال في يديّ. ولأن العداوة السياسية تكون من الداخل والخارج نرى وعي الأديب يدعو للمس الجرح وإعلان كلمة الحق. حيث يرى الشاعر "محمد حمدان" في صلاة للبحر الأحمر ص 71 أنه: مضى زمن الهنود الحمر يا وطني/ أتى زمن الهنود السمر/ .. من عرب.. وممن يقرأ القرآن. والسياسة في عالمنا العربي تتصل عادة بمديح الحكام للتقرب منهم أو لأسباب أخرى إنما الشاعر الحديث كأنه لا يكتب شعراً حديثاً فقط بل يخطو خطواً حديثاً وكأن حرية شعر التفعيلة تأبى أن تكبل بذكر الأسماء أو الخضوع لها ومن هنا نقلب صفحة السياسة إلى مساحة أوسع ومدار أعم وأسهل في مدارات الشعر الحديث ألا وهو الوطن والقومية والمسار الوطني والقومي لا يقف عنده حدود الأسماء والأشخاص بل يكبر ويكبر ليشمل الأرض بأسمائها فتكون المدن حاضرة في ذهن الشاعر وقاموسه.. المدن بكل ما تعنيه من مفهوم البقاء والحضور الدائم والوجود فها هي بيروت وقد كتب العديد في الزملاء الشعر عنها وبعدة مواقف ومجالات. فشاعرنا "غسان حنا" في /الدخول في الزمن/ ص 76 يقول عن بيروت.. بيروت خابية من الآجر تختزن العصور لخمرة الوعد الإلهي المؤجل بالخراب اللانهائيّ/ الملطف والمتوّج بالقيامة. والوطن صار ملكاً لأسماء الشهداء، هم من دفعوا دمهم ثمناً حقيقياً لحريته، ولابدّ للشعراء من تخليد أسماء أولئك الشهداء وما أكثرهم. فهذا "بسام حمودة" /في الباب وجه السنبلة/ ص 56: فاستراح المجد إذا ألفى الحياة تهتف: المجد حميدة ولأن المناسبات الوطنية والقومية كثيرة وذكرى الحروب أو البطولات أو الخيانات.. والانكسارات كثيرة سنسمع أصوات الشعراء تتعالى وتكثر في رصدها أو تخليدها فالشاعر الزميل "صالح سلمان"/ للصهيل طقوسه أيضاً/ ص 14 يقول في تشرين تشرين ما كنت الخريف بأمة.. حين استفاقت من كراها/ لا ولا كنت الموات/ بل العطاء على ثراها. ويتطرق شعراؤنا بحذر ووعي حثيث لدعوات السلم المزعوم في عالمنا العربي فيقول "مفيد خنسة" في /الدخان/ ص 37: ضل تابوتنا قبره في الحديث عن السلم ثم غوى/ أي سلم تريدون أن يتدلى../ وأي النجوم هوى. هذا ومن المؤكد أننا لا يمكن أن نقول الوطن.. إلا وتقاذفتنا حجارة الأطفال في شوارع فلسطين وهي القضية الأم في الشعر القومي السوري والعربي. يقول الشاعر "محمد حمدان" في /صلاة للبحر الأحمر/ ص 9: مباركة كل تلك العيون التي استيقظت في كروم الحجارة مقدسة كل تلك البطون التي أنجبتكم وفي كفكم حزمة من حجارة. ولأن الحجر هو جسم جامد يأخذ روحه من قبضة اليد التي تناولته إذاً نفهم إرادة الإنسان في المواقف القومية والرغبة الصادقة بالفعل المؤدي إلى تحقيق حرية الوطن وإنقاذ قلب فلسطين من هذا اللهاث الحارق. يقول الشاعر "إبراهيم ياسين: في /شموس في المنفى/ص 87: ولكني أنا الحجر الفلسطيني أعرف أن أطياراً من الأضواء وجهتها البلاد وأن ناراً سوف تكتسح الرماد وليس بين القلب والوطن المعبأ بالندى إلا دقائق من دم حر وتكتمل القيامة/ فانتزعت خطاي من وحل الخرائط/ وانتميت إلى الدماء. فالصحو إذاً هو الحل حسب رؤيا الشعراء.. والمقاومة لابد الأسلوب الوحيد للبقاء. يقول "إبراهيم ياسين" في /شموس في المنفى/ ص 112: خفق الطفل على سطح ترابيّ فوافته تخوم ملء كفيه/ تبدى ضاحكاً مثل قمر وأضاف: السر، أعني كلمة السر: حجر!! ولعله أجمل الشعر الوطني والقومي ما حمل أنفاس التحريض والدفع الحثيث ليكون الإنسان إنساناً والوطن وطناً. يقول "محمد حمدان" في /صلاة للبحر الأحمر/ ص 16: متى تتفجر كل البراكين في الأنفس الساكنة؟ متى يستعير محيط السكون المدمى حجر؟! ومن هنا تنطلق الكلمة لتصبح بركاناً ثورة.. وحرية قامة. ومعاً مازلنا نقلب أوراق الشعراء في التسعينيات من عمر سورية في شعر التفعيلة تحديداً وننطلق إلى مسار آخر يشمل الحياة ويتسع للإنسانية على اختلاف حقولها.. إنه المسار الإنساني ففي هذا الشعر والذي يتبدى لنا جلياً في معظم الصفحات وعند معظم الأسماء من الشعراء نتدرج ليواجهنا أول الأبواب في هذا السمار ألا وهو غربة الإنسان عن ذاته، فيلتقي الشعراء في مجالات الوحدة الموحشة والضياع الإنساني والصخب القادم من الداخل والخارج معاً، فهذا الشاعر "غسان ونوس" في /تضاريس على أفق شاحب/ ص 36 يقول: زماناً أتيت/ وأشرعت حلم انتمائي / بكيت وأسلمت عيني صوب المدى المستباح فأنكرتني برغم حروفي وصوتي.. ندوبي /نتوءات روحي/ صلاتي/ علاماتي الفارقة. كل المرايا لها انعكاس إضاءة، ولكل السطوح وجوه لها خلفية، وهاهي الوجوه المضيئة للمرايا تتحدث وتسطع بالطموح الإنساني ويتمثل ذلك بما يقوله الشاعر د. "نزار هنيدي" في/ الرحيل نحو الصفر/ ص 13: منذ البداية كان في أعماقه/ مهر جموح لا يكفّ عن الصهيل وفراشة حمقاء/ لا تهوى سوى لمح الجمال ولا تخبأ في جفون المستحيل ومن الأمل القابع فينا رغم كل الظلمات يقول الشاعر د. "نزار هنيدي" في /الرحيل نحو الصفر/ ص 61: لم أطفئ يوماً قنديلي وبقيت أعانق آلامي/ وأعيد حراثة أحلامي كي أكتبها/ بمداد البرق/ على حبات القمح/ وأذروها/ في كل مدى ولأن إرادة الإنسان هي سر استمراره، وهي الأقوى والأبقى، سينطلق صوت هذه الإرادة بقوة الإيمان التي تضيء صدر الحياة، تقول الشاعرة "فاديا غيبور" /مزيداً من الحب/ يا أيها الإنسان/ أنت الساعد الحاني على وجع البلاد فابدأ نشيدك/ من نهوض الأرض تمطرها السماء بغيمة وردية فتغل مثل حمامة برية/ في صدرك الموسوم بالحب المقدس بالمواويل التي/ تنسال من شفتيك إذ يأتي الحصاد. إذاً إرادة الحياة هي الأقوى وحب الحياة هو الباقي فينا مبدأ، ودافعاً لنا لهذا البقاء. يقول الشاعر "ياسر الأطرش" في /وقلبي رغيف دم مستدير/ ص 10: سنحب ما دمنا نعيش، ونعيش ما دمنا نحب.. سنظل نكتب فوق أسوار الحياة ـ لنا إلى أيامنا الخضراء درب ونظل نزرع في حقول اليأس أرجلنا لتنبت تحت أرجلنا مسافات وعشب ونظل نرسم ضحكة الأطفال.. حتى يضحك الأطفال نستجدي العواصم والقرى حتى يصير لكل عاصمة مكان حجارة الطرقات.. قلب وفي المسار الإنساني للشعر السوري آمال وآلام، والألم كثيراً ما امتزج بحالة الموت وموقف الرثاء، ولعله أقوى وأجمل وأصدق الرثاء ما كان حميماً وقريباً كما جاء عند الشاعرة "ابتسام صمادي" في رثاء شقيقتها في /ماس لها/ ص 34: لو كنت /آه كم (يمرمر) قول كنت لو كنت يا رؤيا انتبهت لا يأخذ الباري الأحبة دون أن يرضى المعذب أو ذووه شفقة أنا ما قبلت.. علام من دوني قبلت؟! هل نقول أن عذابات افتقاد الأحبة فتح أبواب الحوار ما بين أن يكون الإنسان مسيراً أم مخيراً في هذه الحياة1 لقد كثرت الآراء وتناقضت وهاهو شاعرنا "شاكر مطلق" يرجح أن الإنسان مسير لا مخير فيقول في /مكاشفات العارف/ ص 62: إنها الأيام دارت/ ككؤوس في يدينا فاستدرنا واستدارت... ومضينا. إذاً وكأننا لا حول ولا قوة لنا في تقدير المصير أو تقريره ويعيش الإنسان على حلم يراه ويتمنى أن يكون، يقول "علاء الدين عبد المولى" في /على ضريح السراب/ ص 143: لو كان لي حق التدخل في الطبيعة لقطعت نسلهم جميعه واخترت من نبع نطاف الكائنات وأعدت تشكيل الحياة. وكلما توغلنا في إنسانية الإنسان وجدناه يرفض مادية العالم المحيط، ويتعالى عن التعامل الحسي مع الأشياء ويرى هذه العلاقة مع المادة دونية وضعفاً ولاسيما عندما تطغى هذه المادة وتكاد تخنق أنفاسنا. يقول الشاعر "غسان حنا" في /الدخول في الزمن/ ص 47: هذا زمان النفط فاملأ راحتيك من التراب رئتيك من عشق الهضاب هذا زمان الاختزال/ لملم ضلوعك واتحد أو عصر تفييل النميلة/ فقل الحقيقة واقتصد. ومن قبيل قول الحقيقة لابد أن تستوقفنا مشاهد الجمال من حولنا فيكون للوصف باب واسع أو مسار واضح في قصائد الشعراء واهتماماتهم. والموصوفات كثيرة، والجمال متنوع، والشاعر أكثر الناس تأثراً وانسجاماً مع هذا الجمال في الطبيعة والحياة.. من بحر.. وخضرة.. من مشهد الغروب.. والربيع.. والأنهار.. وغيرها. فالطبيعة حافلة بالصور وهاهو الليل يطل إلينا مع الشاعر ياسر الأطرش: والليل طفل ما له أم ولا وطن/ يسافر كي يعود إلى السفر الليل قلب من مطر/ نغفو عليه ولا ينام الليل.. طول الليل/ يدعو.. أن على الناس السلام. ولأننا لا يمكن أن نطوي صفحة الوصف قبل أن يطل وجه المرأة من عيون الشعراء... متألقاً.. مبتسماً.. ناطقاً بالإبداع، إبداع خالق السماء، وإبداع الشاعر في الأرض. يقول الشاعر "عبد القادر الحصني" في /ماء الياقوت/ ص 66 هذه الواقفة هناك وضحكتها قمر أحمر مكسور نصفين على فنجان القهوة.. لكن لا أحد منهن يراها أقسم: شفتاها متعبتان وعيناها ناعستان ويسود مناطقها المجتاحة بالفيضان هدوء /كهدوء البركان/. باب الوصف واسع ومتنوع، لكننا سنوجز ونكتفي بما مر لنفتح لمسارات الشعر طريقاً آخر.. ننتقل عبره إلى ما لجأ إليه الشعر لتأكيد نفسه، لإيضاح فكره، معتمداً على أساطير قديمة قرئت وحفظت فكانت أساساً وانطلاقاً للكثير من القيم والقناعات والمفاهيم ومن ذلك ما ذكر عن جلجامش، وعشتار وأوذيس.... وما تأثر بالقرآن الكريم ولاسيما عن بداية الخلق وقصة آدم وحواء. يقول الشاعر هاجم العيازرة في مدنه النائمة مسكينة/ طردته وتذكرة الرحيل تمزقت والجرح ينزف في الدروب جسدان من لحم ترابي وصلصال... وماء. هو فكر فلسفي أو فلسفة للوجود طرقها الإنسان الشاعر عبر تأملاته ليكون خلقاً وتكويناً، ولطالما انشغل الإنسان بسر البداية، ومآل هذا الكون... وهؤلاء البشر. سؤال تتعدد الإجابات عليه عبر صفحات الشعراء، ولا جواب استقر عليه الجميع أو اعتمدوه قراراً، يقول "غسان حنا" في /أوراق اعتماد/ ص 90 باحثاً عن سر الوجود: هل تعلمين حبيبتي: أن الذي صاغ الوجود برمزه السري شاعر؟ ويقول الشاعر "نزار بريك هنيدي" في تفسير بداية الخلق: ربما خلق الكون/ من شهقة/ فطرت كبد العدم هو تصور جميل للخلق والخالق، وكأن للموت أيضاً حضوراً قوياً في فلسفة الوجود، فهو السر الأبدي المستعصي على الفهم.... يقول "غسان حنا" في أوراق اعتماد: إن الذي يموت في بساطة يمتلك الزمان كان أبي هذا الذي قد مات كل شيء فيه.... وبقي الإنسان. وكثيراً ما اكتشف الشاعر عبثية الحياة، وعدم جدواها والمضي الأكيد إلى الوحدة والفراغ والتلاشي في بحور العدم. يقول د. "ثائر زين الدين" في /هزيم الريح/ ص 5 وحدي أتيت، وسوف أذهب، لن يرافقني صديق أو حبيب أو ولد يا أيها الحلم القصير تمر سهماً طائشاً/ فتظن أنك قد قبضت على الأبد/. كل ما استوقفنا سابقاً هو من قبيل المحاولة المتواضعة لترتيب فكر الإنسان وتحديداً الإنسان الشاعر في الزمن الحديث من عمر سورية. كل ما سبق قدم عبر صفحات أدبية متنوعة وغنية، فيها خصوبة المرحلة وإبداع الزملاء وكأننا إن وصلنا إلى خلاصة الخلاصة نجد المسار الأدبي تحديداً له جدارة البحث والاهتمام وفيه التنوع والرصد للحظة الإبداع حسب رؤيا الشاعر "تميم صائب" / في حزة السكين/ ص 63 قد تجيء/ في الطريق إلى الصمت أو في الكلام فكرة فتضيء/ كل هذا الظلام والشاعر الحقيقي يؤمن بالشعر والكلمة ويقتنع بفعالية ما يبدعه من قصائد، وبقاء هذا الإبداع بعد غياب مبدعه، بما يثبت ديمومة الشعر بعد رحيل الإنسان. "هاجم العيازرة" في /مدنه النائمة/ يقول: غداً/ يجرح البرق خاصرة الغيم والليل يرحل وتبقى القصائد متكأً/ يبعث الروح في جسد من دخان فالقصيدة الباقية هي الملاذ إذاً وهي الشيء الوحيد الأكيد.. بها نرتاح... وإليها نهدأ.. ونشعر بالأمان والاطمئنان، يقول د. "نزار هنيدي"/ الرحيل/ ... ص 78 على سجادة الأيام/ أرمي جذوة القلق/ فهل تبقي لنا الأيام متسعاً /سوى الورق؟!. بالقصيدة نلوذ، وبها نؤمن، والكلمة روح القصيدة، والكلمة كانت البدء. يقول د. "نزار هنيدي": منذ البداية/ كان يبحث عن سبيل/ ليقول ما يحيا/ ويحيا ما يقول فاستلّ مجداف الكلام من الصدى ومن الركام وراح يبحر في شرايين الوجود/ ميمماً/ شطر الأصول. ومن الأسماء التي استوقفت شعراءنا عبر التاريخ العربي والإنساني العديد مثل: عروة بن الورد /نيرودا/ أبو ذر الغفاري/ لوركا/ الذي يقول فيه الشاعر "صالح سلمان" في /الصهيل/ لوركا... من فوح شعرك/ غنائك يستقيم الوزن في لغتي/ وأرتشف الرحيق هكذا هو الشعر يعيش فينا ويتكون كطفل جنين ثم ينمو ويولد ويكبر ليكون القصيدة التي نحبها وتحبنا، لنكون شيئاً ما مؤثراً في مسارات الحياة. قد نكون هذا الشيء المؤثر.. قد نكون ماءً.. قد نكون تراباً.. أو غربة لا حدود لها نحسها ترصد دمنا وخلايا الجسد. يقول الشعر "علاء الدين عبد المولى" /على ضريح السراب/ ص 22 الحبر أغرقني/شربت صدى مخيلتي/ وتابعت السفر فوجدتني في الريح ملقى كالحجر. ترى.. وفي هذه العجالة....أيصح أن نقول أوجزنا أهم المسارات الفكرية لقصيدة التفعيلة في سورية عبر السنوات العشر الأخيرة من القرن العشرين؟ هل يمكن لهذا الإيجاز أن يلقي ضوءاً، ولو مجرد ضوء يغري بالتوجه إليه، للتوغل أكثر، لقراءة المزيد وإنصاف الشعراء الذين لم يحضرنا ذكر أسمائهم أو الاستعانة بقصائدهم عذرنا في ذلك ضيق المتسع زمناً ومكاناً. أيكفي شرف المحاولة؟. |
|
| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |