مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 410 حزيران 2005
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

حضور قصيدة النثر في المشهد الشعري السوري ـــ فوّاز حجّو- سورية

استطاعت قصيدة النثر خلال القرن العشرين أن تؤكد حضورها وتتخذ لها موقعاً على خارطة الشعر العربي جنباً إلى جنب مع الأشكال الشعرية الأخرى، وأصبحت جزءاً لا يتجزأ من حركة الحداثة أو حركة الشعر العربي المعاصر. وخلال مسيرتها وسيرتها مرّت بأطوار، وواجهت تحديات، ودخل كتابها في معارك أدبية، وصراعات عنيفة، وكانت في معظمها رافضة ومرفوضة، ووُجِّهت لأصحابها اتهامات خطيرة وصلت إلى حدّ العمالة والخيانة. وأحيطت بهالة من الشبهات وردّت الصاعَ صاعين،وقاوم أنصارها بكل شراسة،ولم يتورّعوا عن مواجهة التهمة بالتهمة، وكانت ردود الفعل عنيفة من كلا الجانبين. وما زالت بين الحين والحين تثار مثل هذه الخلافات، وهي في أصلها صراع بين القديم والجديد، ولها في تاريخنا الأدبي مثل..‏

وإذا أردنا أن لا نبتعد كثيراً يمكن أن نقول إنَّ ما واجهته قصيدة التفعيلة ذات يوم من تحدّ واستهجان ورفض عادت لتواجهه قصيدة النثر بشكل أعنف وأشرس. وإذا كان الوزن يشفع لقصيدة التفعيلة، فإن قصيدة النثر لا شافع لها. وإذا كانت قصيدة التفعيلة قد انتزعت الاعتراف بها وأصبحت ذات شرعية في ديوان العرب فإن قصيدة النثر مازال يعدّها بعضهم غير شرعية، ويرفض الاعتراف بها وليس ذلك من قبل كُتاب القصيدة ذات الشطرين فحسب بل من قبل كُتّاب قصيدة التفعيلة، وقد يكون ذلك بسبب ضيق الأفق وقد يكون سببه الكيدية وعداوة الكار وغير ذلك من الأسباب... وقد نفاجأ بين الحين والآخر ببعض الذين كانوا يناصبونها العداء ويهاجمونها بلا هوادة يعودون لكتابتها، والأمثلة على ذلك كثيرة، وقد نجد بين النقاد من كان لا يعترف بشرعيتها من موقعه الأكاديمي فإذا به بعد حين يغير رأيه ويعود إلى جادة الاعتراف بها، وقد يبين سبب تغيير رأيه، وقد يتجاهل ذلك، ويكفي أن نشير إلى الدكتور نعيم اليافي الذي أنكرها ذات يوم وعاد ثانية ليعترف بها من جديد. وقد وجدنا بين الشعراء من تحمس لها في بداياتها أو بداياته وكتبها وأصدر فيها مجموعة إلا أنه عاد ثانية وأقلع عن كتابتها لمدة تصل إلى ربع قرن أو تزيد، ومنهم من عاد ثانية ليكتبها بعد طول غياب، ومن الشعراء الذين كتبوها في وقت مبكر الشاعر مصطفى أحمد النجار إذا أصدر مجموعة في مطلع الستينات 1963م بعنوان (شحارير بيضاء) وتوقف عن كتابتها وفي الآونة الأخيرة عاد ليكتبها وينشر قصائده فيها، وهو الآن يستعدّ لإصدار مجموعة في قصيدة النثر وربما أكثر، وذلك بعد مرور أربعين عاماً على مجموعته الأولى.‏

أما الشاعر ممدوح السكاف فقد كتب الشعر المنثور في النصف الثاني من الخمسينات ونشره في الصحافة، ثم كتب قصيدة النثر في السبعينات ونشر قصيدة مطولة في ملحق الثورة الثقافي عام 1977م، إلا أنه لم ينشر في دواوينه الثمانية إلا قصيدة التفعيلة والقصيدة ذات الشطرين، أما في ديوانه التاسع والأخير فيخصصه لقصيدة النثر، ويصدر في منشورات اتحاد كتاب العرب عام 2003م، وهو بعنوان (الصومعة والعنقاء).‏

أمّا الشعراء الذين كتبوها وأقلعوا عنها نهائياً نذكر منهم الشاعر عبد الرزاق معروف الذي أصدر في السبعينيات مجموعة (انفجار) وعاد ليكتب قصيدة التفعيلة والقصيدة ذات الشطرين.‏

أما أولئك الذين خاضوا هذا الغمار ولم يقترفوا إثم الخوض فيه مرة أخرى فنذكر مثالاً عليهم أنور محمد الذي كتب الشعر المنثور في السبعينات وأصدر مجموعة (لحظة لم تولد بعد) وكانت بالنسبة إليه خاتمة المطاف، وقد توجّه إلى الكتابة في الصحافة بعيداً عن خطوط التماس مع الشعر. وهناك من يرى نفسه أنه قد تورّط في كتابة هذا اللون الغريب، ثم أعلن توبته من اقتراف هذا الإثم، ولم يعد إليه أبداً، وذلك بعد أن تبيّن له أن أصحابه لهم ارتباطات بجهات مشبوهة، ولن نذكر اسم هذا، خشية ردود الفعل التي لا تحمد عقباها، ومنهم من كتبها عن غير قناعة، ولم يقدم على مثل هذا اللون من الكتابة، إلا ليثبت لغيره أنه قادر على كتابته، أو على الأقل ليؤكد أنه غير عاجز عن ذلك، وليثبت بالمقابل أن من يستطيع كتابة القصيدة العمودية أو قصيدة التفعيلة لا يصعب عليه كتابة قصيدة النثر لأنَّه برأيه هو الأسهل، ولماذا لا يفعل ذلك ويجرب حظه في الحراثة في هذا الحقل، أليست قصيدة النثر حقلاً من حقول التجريب كما يقولون؟ وهكذا فإن الإقدام على كتابة الشعر المنثور أولاً، وقصيدة النثر ثانياً، يكون تارة عن قناعة وسابق إصرار، وتارة يكون اعتباطياً وكأنها تقليعة لا تختلف عن آخر الصرعات التي نراها في عالم الأزياء، وهذا ما يوصلنا إلى الحديث عن جيل الشباب الذي يتعامل كثير منهم مع قصيدة النثر كما يتعامل مع التقليعات وهذا الأمر له خطورته وعواقبه التي تنعكس سلباً على المنجز الشعري في قصيدة النثر... ويمكن أن نقول إن توجّه جيل الشباب إلى كتابة قصيدة النثر ظاهرة صحّية، وهو كسب حقيقي لهذه القصيدة، وعلينا أن نعزّزه ونوجهه التوجيه الصحيح لكي لا يقع في التطرّف،مما يجعل هذه الظاهرة الصّحّيّة تنقلب إلى ظاهرة مرضية، وبالتالي تنعكس سلباً على سمعة قصيدة النثر.‏

ولعل أخطر ما ينحرف بهذه الظاهرة عن جادة الصواب ظنُّ بعض الشباب أن الكتابة في قصيدة النثر أسهل الطرق للفوز بلقب شاعر، وهنا تكمن الخطورة التي تطبع قصيدة النثر بالاستسهال والافتعال وتوقعها في الضحالة والركاكة والرداءة... ومثل هؤلاء الشعراء الشباب ينساقون وراء قناعتهم الخاطئة ويصمّون آذانهم عن كل الآراء الحصيفة التي من شأنها أن تصحح لهم مسارهم الخاطئ وتعيدهم إلى الطريق السديد.‏

وإذا كان حضور قصيدة النثر بين جيل الشباب كسباً حقيقياً لقصيدة النثر، فإن قصيدة النثر اجتذبت إليها الصوت النسائي فكان أيضاً من المكاسب التي حققتها قصيدة النثر في المشهد الشعري، ويمكن أن نذكر عشرات الأصوات النسائية التي برزت في هذا المشهد وبرّزت في كتابة قصيدة النثر، ونذكر من هذه الأصوات النسائية سنية صالح وغادة السمان وعائشة أرناؤوط ودعد حداد ودعد قنواتي وأمل جر‍ّاح ومرح البقاعي وهدى النعماني ووصال سمير ونادية الغزي ثم نذكر بعد ذلك بعض الأصوات التي ظهرت في التسعينيات مثل ليلى مقدسي وغادة فؤاد السمان وأنيسة عبود وفادية غيبور وفريال سالم مكارم ومها بكر وميادة لبابيدي وانتصار سليمان وغالية خوجة وليلى أورفه لي وذكرى حاج حسين ونضال نجار وأديل برشيني وغيرهن...‏

وكان نتيجة ذلك أن ارتفعت وتيرة حركة النشر وظهرت عشرات المجموعات الشعرية التي تتفاوت في سوّيتها الفنية. ومنها ما يضاف إلى الكم ومنها ما حقق سوية فنية عالية يرقى إلى أفق الإبداع الحقيقي. ويكفي أن نشير إلى أن الشاعرة سنية صالح اختيرت مؤخراً لتكون من أهم الشعراء العرب الذين أدرجت أسماؤهم في قائمة الإصدارات المختارة في (كتاب في جريدة) الذي أصدر عدداً من الدواوين الشعرية الهامة لتعميم الثقافة في عدد من العواصم التي اشتركت فيها كبرى الجرائد لإصدار هذا المشروع الثقافي الهام.‏

قصيدة النثر وتعدد التسميات:‏

لقد كانت التسمية لهذه القصيدة ذات إشكالية كبيرة وما زالت تثير ردود الفعل بين رافض ومُقرّ وما اختلفوا في شيء كما اختلفوا في تسميتها.. ولن نخوض في هذا الخلاف، ولسنا مع مزيد من المفاهيم الجديدة والمصطلحات العديدة لهذا الجنس الأدبي أو الشكل الشعري، كما لا أتوقع أبداً في المستقبل أن يكون هناك إجماع على تسمية واحدة، ويكفي أن نرصد بعض التسميات التي ارتآها الشعراء وصدَّروا بها مجموعاتهم الشعرية، فمنهم من اكتفى بكلمة شعر ومنهم من اختار كلمة (قصائد) ولعل أولهم سنية صالح التي سمّت مجموعتها (قصائد) وآخرهم ذكرى حاج حسين التي سمَّت هي الأخرى مجموعتها (قصائد).‏

وهناك من اختار التسمية الأكثر شهرة فوضع تحت عنوان مجموعته (قصائد نثر)، وإنَّ ما (يشبه هذا المصطلح ما وَسَمَت به جمانة طه مجموعتها (لك أغني) بـ(صور وجدانية)، وهناك تسمية ترددت لدى بعض الكتاب مثل محمد ياسر شرف الذي كان أول من اقترحها وهي (نثيرة شعرية) وجمعها (نثائر)، ثم وجدناها في كتاب (معجم كُتّاب سورية) لأبي الفتح، وهناك من فضّل أن يسميها (تأملات شعرية) وهذا ما جاء على أغلفة أربع مجموعات شعرية لمأمون الجابري هي:‏

(خربشات على جدار قلب أصفر، رحيل القوارب، وجه البحيرة، وكما الريح لا تأتي). وبعض الشعراء سماها(نصوص شعرية) كما نرى في مجموعة (الدفتر البري لأعشاب البحر) لبديع صقور، أما ليلى أورفه لي فكتبت على غلاف مجموعتها (الرحيل في العيون الخضر): (خواطر شعرية)، في حين نجد ميشيل أديب يسمي مجموعته (أيتها الريح): (كتابات بأسلوب الفن الثالث) ويعلق على تلك التسمية بقوله: "إذا كان الشعر هو الفنّ الأول، والنثر هو الفن الثاني، فلتكن تسمية هذا اللون الجديد، الذي خرج عن أصول فنّي الشعر والنثر (الفن الثالث) "وأظن أنه في هذه التسمية لا يبتعد كثيراً عن تسمية توفيق الحكيم التي اقترحها ذات يوم وهي (اللغة الثالثة) التي هي بين بين للتوفيق بين اللغة العربية الفصيحة واللغة المحكية. وبعض الشعراء اختار تسمية جديدة لنصوصه فجاءت على النحو التالي: (نصوص تشكيلية) وهو إبراهيم الجرادي في مجموعته(رجل يستحم بامرأة) كما يعود ليسميها (قصائد تشكيلية) أما مجموعته (عويل الحواس) فهي على حدِّ تسميته: (ريبورتاجات شعرية) في حين نجد إبراهيم عباس ياسين في مجموعته (رسائل الحب والوحشة) يسميها (قصائد منثورة).‏

ولكي لا نطيل نكتفي بذكر بعض التسميات التي رافقت المجموعات الشعرية والتي صدرت في سورية مؤخّراً، ومنها: (نصوص)، (كتابات)، (كتابة)، (كتابة)، (إبداع)... وإن هذه التسميات وضعها أصحاب المجموعات بمحض اختيارهم بينما نجد بعض المجلات في سورية ولبنان تضع تحت عنوان قصيدة النثر تسمية (نص) وهذا ما وجدناه في مجلة (الموقف الأدبي).‏

أما كلمة (كتابة)، و(كتابات) فتسرّبت من الصحافة اللبنانية وخاصة مجلة (كتابات معاصرة) التي اقترحها أدونيس، أما كلمة (إبداع) فتسربت من المغرب العربي، وهناك من هرب من كل التسميات، واكتفى بعنوان مجموعته الشعرية مثل فرات إسبر في مجموعة (مثل الماء لا يمكن كسرها)، وليلى مقدسي في مجموعة (لغة الجمر) وفايز مقدسي في مجموعة (الحياة السحرية) ومثل هذه المجموعات لا تعرف أنها مجموعة شعرية إلاَّ بعد تصفحها.‏

وهناك من أطلق تسميات ساخرة على قصيدة النثر فسماها (شثر) و(نعر) وهذه التسمية منحوتة من كلمتي شعر ونثر.‏

وإن مثل هذا التعدّد في التسميات لهذا الشكل من الشعر الجديد وقد يعكس قلقاً وحيرة وقد يشير إلى الحرية والتعددية وعدم الركون إلى الثبات. وإذا كان مؤشراً للخلاف حول قصيدة النثر فماذا نقول عن الخلاف الذي ما زال قائماً حول القصيدة العربية التي عرفت منذ العصر الجاهلي فتارة هي القصيدة العمودية وتارة القصيدة الكلاسيكية وتارة القصيدة الخليلية وتارة القصيدة الأمّ، ومرّة هي على نظام البيت ومرة ذات الشطرين ومرة هي القصيدة المقفاة والأستاذ محمد كمال يسميها القصيدة النظامية، والدكتور نذير العظمة يسميها القصيدة الموحَدّة الوزن والقافية (لا العمودية) وسبق أن سمعنا الأستاذ رضا رجب يسميها مع من سماها بالقصيدة العربية الأصيلة فالخلاف ليس قائماً حول قصيدة النثر وتسميتها فقط، فها هي القصيدة الضاربة في أعماق التاريخ العربي ما زال الخلاف قائماً على تسميتها.. ولا ننسى أن قصيدة التفعيلة سميت أيضاً بالقصيدة الحرة أو بالشعر الحر ولكن الخلاف حول تسميتها كان أقل حدّة وتسمياتها كانت محدودة.‏

حضور قصيدة النثر في الحرم الجامعي:‏

كثيراً ما ووُجهت قصيدة النثر وتواجَه بالرفض من قبل القائمين على تدريس الأدب العربي في كليات الآداب في سورية وغيرها من الأقطار العربية، وكثيراً ما يتحفظ هؤلاء على الاعتراف بها، ويحولون دون دخولها إلى الحرم الجامعي. وبما أن طالب الأدب العربي لا يدرس الأدب العربي الحديث إلا في السنة الأخيرة فإنه قد تطبّع على حب الأدب القديم والتعصب له حتى ما إذا جاءت سنة التخرج فإنه يدرس فيها الأدب العربي الحديث على امتداد قرن كامل، ويكون نصيب قصيدة النثر لا يتجاوز التعريف بها. فلا تدرس إلا لماماً. وهي حين تُدرس أو تدرّس تقدَّم على أنها الحلقة الأخيرة من حلقات الشعر الحر، وينصرف البحث إلى نشأة الشعر الحر وما رافقه من ملابسات وما عالج دارسوه من قضايا كما فعلت نازك الملائكة في كتابها المشهور (قضايا الشعر المعاصر) ويهتم الأدب في هذا المضمار بريادة الشعر الحر وصلته بالشعر الغربي، وتقدم أهم النماذج الشعرية عليه وفي مقدمتها (قصيدة المطر) لبدر شاكر السياب وتدرس دراسة تطبيقية وافية ويكون نصيب قصيدة التفعيلة في هذه الحالة كبيراً بينما لا يكاد يذكر نصيب قصيدة النثر هذا إذ لم تذكر بالسوء وتُتّهم بشرفها الأدبي، وهناك مشكلة في منتهى الأهمية في دراسة قصيدة النثر وهي مشكلة عدم إدراجها في علم العروض فكما هو معروف أن دراسة موسيقى الشعر العربي تقوم على دراسة علم العروض الذي يدرس بحور الشعر العربي التي اكتشفها الخليل بن أحمد الفراهيدي، ومؤخراً أضافوا إليها دراسة عروضية جديدة ألحقوها بالعروض العربي وهي دراسة شعر التفعيلة كما وضعت قواعده نازك الملائكة، وهذا ما جعل لقصيدة التفعيلة موضع قدم في علم العروض، فأصبحت جزءاً من موسيقى الشعر العربي، في حين بقيت قصيدة النثر خارج نطاق البحث العروضي وذلك بسبب عدم توفر فراهيدي جديد يكتشف إيقاعات قصيدة النثر ويلحقها بشقيقتها قصيدة التفعيلة التي راحت تمخر عباب بحور الشعر، في حين بقيت قصيدة النثر على الشاطئ وهي تنظر إلى سفينة الشعراء التي أقلّت شقيقتها وتركتها وحدها.‏

وعودة إلى الحرم الجامعي الذي يكيل بمكيالين لنرى كيف حاول أن يكفّر عن ذنبه، وراح يعيد الاعتبار إلى قصيدة النثر يوماً بعد يوم ومن أمثلة هذا التوجه الجديد ما نجده في بعض المواقف الفردية من قبل أساتذة الجامعة في كليات الآداب في سورية في تناول قصيدة النثر بالدرس على نطاق ضيق فأخذت تتسلل بعض النصوص من قصيدة النثر وتضاف إلى النماذج الشعرية التي توضع بين أيدي طلاب السنة الرابعة في كلية الآداب في قسم اللغة العربية كما نجد بعض الدراسات التي تدرج قصيدة النثر ضمن الحداثة الشعرية أو حركة الحداثة التي لا ترى بدّاً من تناول قصيدة النثر لأنها لا تنفصل عن هذه الحركة.‏

كما نجد بعض الدراسات الأكاديمية لطلاب الماجستير والدكتوراه تتناول إحدى الظواهر الشعرية المعاصرة أو الاتجاهات الفنية والجمالية في الشعر العربي المعاصر فيكون لقصيدة النثر نصيب في هذا البحث، وهكذا فقد أخذت الجامعة تعيد الاعتبار لهذه القصيدة شيئاً فشيئاً بعد أن تبوّأت قصيدة النثر وشعراؤها مكاناً مرموقاً في المشهد الشعري السوري خلال النصف الثاني من القرن العشرين.‏

حضور قصيدة النثر في حركة النشر:‏

إن حركة النشر لقصيدة النثر بمجموعات شعرية تحديداً لهو مؤشر له دلالته فيما يتعلق بحضور هذه القصيدة في المشهد الشعري في سورية... وإذا كنا لا نملك إحصائية دقيقة لما نشر من مجموعات شعرية في هذا الشكل الشعري فإنه يمكن أن نذهب إلى ما نشر من مجموعات في قصيدة النثر خلال نصف قرن بات يشكل كمَّاً كافياً من حيث الكم على الأقل للدلالة على ظاهرة شعرية أصبح لها وجودها الذي لا ينكر، وهي بذلك تستحق الدرس والتقييم، فإذا ما وجدنا ضمن هذا الكم الكبير كمية ذات نوعية جيدة يصبح لزاماً علينا أن نعيد النظر في موقفنا من هذه القصيدة وندرسها بعيداً عن المواقف المسبقة وردود الفعل الانفعالية. ويمكن أن نقول إن ما نشرته وزارة الثقافة في سورية يشكل كماً لافتاً للنظر، وهي بهذا التوجه تكون قد أفسحت المجال للتجارب الشعرية في قصيدة النثر للظهور وتأكيد الحضور. وتكاد تكون قصيدة النثر في منشورات الوزارة قد بلغت أعلى نسبة إذا ما قورنت بالأشكال الشعرية الأخرى، وضمن سلسلة الشعر العربي في هذه المنشورات تعرفنا على عدد كبير من شعراء قصيدة النثر، وفي هذا تشجيع كبير لهؤلاء الشعراء وخاصة الشباب منهم، أما ضمن منشورات اتحاد الكتاب العرب فالنسبة تنخفض قياساً لنسبة ما نشر ضمن منشورات الوزارة، وأظن أن أسهم قصيدة التفعيلة مرتفعة أكثر إذا ما قورنت بأسهم قصيدة النثر.‏

وإذا عدنا إلى منشورات اتحاد الكتاب العرب في أي عام من الأعوام وجدنا ما نشر من مجموعات في قصيدة التفعيلة يتفوق على ما نشر في قصيدة النثر والقصيدة العمودية مجتمعتين، هذا مع الإشارة إلى أن عدداً غير قليل من المجموعات الشعرية تضم بين دفتيها أكثر من شكل شعري، ولهذا نجد في المجموعة الواحدة قصيدة التفعيلة إلى جانب قصيدة النثر، أو القصيدة العمودية إلى جانب قصيدة التفعيلة. بقي أن نقول إن حركة النشر لقصيدة النثر كانت في معظمها على نفقة الشعراء الخاصة، لإشهار ذواتهم وإظهار نتاجهم، وهذا ما يدفعهم إلى اللجوء إلى دور النشر الخاصة، وتكبد تكاليف النشر الباهظة التي قد تصل إلى مبلغ 25 ألف ليرة سورية لإصدار مجموعة شعرية واحدة، وهذا ما يشكل عائقاً أمام من لا يملك هذا المبلغ مما يحول دون نشر كثير من المجموعات الأخرى التي لم ترَ النور بعد.‏

ويمكن أن نقول أيضاً إن ما نشر من مجموعات شعرية نثرية ضمن هذه القنوات الثلاث يشكل نسبة لا بأس فيها، وهي بحاجة إلى متابعة وغربلة من قبل النقاد.‏

ونحن لا ننكر وجود تجارب متواضعة في هذا الكم، ولا نعدم وجود نماذج رديئة، وبالمقابل فإن هذا الكم يمكن أن يفرز نماذج جيدة. وإن حركة النشر في النهاية تؤدي إلى تراكم، وكلما ازداد التراكم أصبحت عملية المتابعة أصعب. وفي المحصلة لا مفرّ من الفرز والغربلة لتمييز الغث من السمين. للوقوف على ما يتصف بالنوعية ضمن هذا الكم وتراكماته.‏

حضور قصيدة النثر في الصحافة السورية:‏

لا شك في أن الصحافة السورية تعاقب عليها عدد كبير من رؤساء التحرير ومحرري الصفحات الثقافية، وذلك خلال نصف قرن من القرن المنصرم. وهذا أمر طبيعي. وفي كل الأحوال يمكن أن نقول إن نصيب قصيدة النثر من النشر في الصحافة السورية بشكل عام جيد، وقد فتحت لها أبواب النشر على نطاق واسع. ومن يجد باباً مغلقاً هنا يجد باباً مشرعاً هناك، بل يمكن أن نقول إن القائمين على هذه الصحف انحازوا في معظمهم إلى هذا الشكل الشعري وشجّعوه تشجيعاً منقطع النظير إلى حدّ أن كثيراً منهم كان يوصد الأبواب أمام القصيدة العمودية عن سابق إصرار ويفتحها أمام الشعر الحديث بشكليه الجديدين، مما جعل كثيراً من النماذج الهابطة تجد لها مكاناً في الصحافة، وهذا ما انعكس سلباً على سمعة الصحافة من جهة، وسمعة الشعر الحديث من جهة ثانية. وقد بلغ حداً متدنياً حتى بات مجالاً للتندّر، والصحافة في هذا الشأن تتحمل المسؤولية كاملة، فهي قادرة على حجب صوت شعري وإشهار صوت آخر.. وحين تُظهر الصوت الموهوب تكون قد أدت رسالتها، أما حين تظهر الصوت الضعيف وتروّج لـه تكون قد أضرت به قبل غيره. والتشجيع شيء والترويج للرداءة شيء آخر.. وحين تفتقد المعايير الصحيحة في النشر تصبح الصحافة عرضة للفوضى، ولا يعرف النموذج السقيم من النموذج الصحيح، وهذا ما حدث بالفعل، وخاصة فيما يتعلق بالشعر الحديث الذي تحول إلى لعبة بأيدي من يتقن فن اللعب، وعندئذ لا نسأل لماذا فقد الشعر جمهوره.‏

حضور قصيدة النثر في المنابر الثقافية:‏

نقصد بالمنابر الثقافية هنا تلك المنابر التي يتم فيها قراءة الشعر، وفي هذه المنابر التي يحضرها بعض المتابعين، أي على نطاق ضيق، كثيراً ما تخسر قصيدة النثر الجولة، وذلك لأن المنبر، وبالتالي الجمهور، غالباً ما يحتاج إلى شعر منبري جماهيري، وهذا ما تفتقر إليه قصيدة النثر، هذا بالإضافة إلى أن قصيدة النثر على الأغلب كتبت لتقرأ أكثر منها لتلقى على منبر، وهذا لا ينفي وجود بعض الاستثناءات النادرة.‏

ويمكن أن نقول إن كثيراً من نتاجات الشعراء في قصيدة النثر قد فرّطت بما يسمى التوصيل واستهان شعراؤها بملكة الإلقاء التي تلعب دوراً في التأثير بالجمهور، هذا بالإضافة إلى مسألة الغموض الذي يصل إلى حد الإبهام، كل ذلك شكل قطيعة بين قصيدة النثر والمتلقي الذي يستمع إلى إلقائها من قبل شاعر يواجه الجمهور وقد تخلى عن كثير من أسلحته. وزاد الطين بلّة حين فرط بعناصر أخرى كان أولى به أن يوليها أهميته.‏

فقصيدة النثر التي تجردت من الموسيقى الخارجية وأدارت ظهرها للغنائية واستهانت بالتوصيل وتقنعت بالضبابية وأهملت جاذبية الإلقاء وقعت بالركاكة وراحت تستعلي على الجمهور كيف يمكن لها أن تحقق حضوراً مرموقاً على المنابر؟!‏

حضور قصيدة النثر في حركة النقد الأدبي:‏

إن أي مذهب أدبي أو ظاهرة من ظواهره أو شكل من أشكاله يحتاج إلى مواكبة نقدية ترصد مسيرته وتساهم في انتشاره. وإن ظهور قصيدة النثر في الخمسينات وما سبقها من إرهاصات للشعر المنثور كانت قد ظهرت في مطلع القرن العشرين، وما كان من ظهور حركة الشعر الحر في الأربعينات، كل ذلك رافقه مواكبة نقدية على صعيدي التنظير والتطبيق.. وإن مواكبة حركة النقد الأدبي لقصيدة النثر منذ البدايات إلى اليوم، ساهم في تأكيد حضور هذه القصيدة في المشهد الشعري محلياً وعربياً. فبعد أن ظهرت التجربة الرائدة لمحمد الماغوط في كتابة قصيدة النثر في الخمسينات من خلال ديوانه الأول (حزن في ضوء القمر) الذي صدر في بيروت 1959م. سارعت خزامى صبري وكتبت عنه مقالاً نشر في مجلة (شعر) في صيف 1959م. وإنّ تجمّع مجلة (شعر) تبنى قصيدة النثر ودافع عنها، وكان لهذه المجلة وجماعتها دور كبير في ترسيخ أقدام قصيدة النثر وتأكيد حضورها في حركة الشعر المعاصر.‏

وكان ليوسف الخال أولاً ولأدونيس ثانياً الدور الأكبر في انتشارها في لبنان أولاً ثم في سورية وبقية الأقطار العربية ثانياً.. وقد أطلقت تسمية (قصيدة النثر) لأول مرة من قبل أدونيس عام 1959م، يوم نشر دراسة بعنوان (محاولة في تعريف الشعر الحديث) في مجلة (شعر) صيف 1959م قد ضمها إلى كتابه (زمن الشعر) ثم نشر دراسة أخرى في مجلة (شعر) في ربيع 1960م بعنوان (في قصيدة النثر) معتمداً على كتاب "سوزان برنار" الذي صدر في باريس عام 1959م بعنوان (قصيدة النثر منذ بودلير إلى أيامنا) ثم خطا خطوة هامة لينتقل من التنظير إلى التطبيق فأصدر ديوانه المعروف (مفرد بصيغة الجمع) الذي خصصه لقصيدة النثر وهكذا أخذت الدراسات النقدية تتابع مسيرة قصيدة النثر خطوة خطوة مؤرخة وموثقة لها من جهة ومنظّرة ودارسة لها من جهة أخرى.‏

وبالمقابل فإن هناك دراسات نقدية تناولت إنجازاتها من وجهة نظر مخالفة، ويكتنف هذه الدراسات الرفض والاستنكار والاستهجان، وفي مقدمة هذه الدراسات دراسة نازك الملائكة التي نشرتها في الآداب في نيسان 1962م بعنوان (قصيدة النثر) ثم ضمتها إلى كتابها (قضايا الشعر المعاصر) وبعد ذلك تلاحقت الدراسات التي نشرت في الصحافة أولاً ثم ظهرت في كتب ثانياً. ومن الكتب التي خصصت لدراسة قصيدة النثر نذكر على سبيل المثال:‏

1-قضايا الإبداع في قصيدة النثر ليوسف حامد جابر –دمشق 1991م.‏

2-قصيدة النثر العربية (الإطار النظري) لأحمد بزون –بيروت1996م.‏

3-الشعر يكتب اسمه لمحمد جمال باروت –دمشق 1981م.‏

وهناك كتابان سيصدران أحداهما للدكتور أحمد زياد محبك حول قصيدة النثر في التسعينات والآخر لفائز العراقي حول تجربة قصيدة النثر عند محمد الماغوط.‏

وهناك دراسات كثيرة تخللت الكتب النقدية التي درست حركة الشعر الحديث والمعاصر وحركة الحداثة الشعرية، وهي إلى جانب ما نشر في دراسات في الصحافة أكبر من أن تحصى وقد جمع بعضها في كتاب (نظرية الشعر) في الجزء الخامس المؤلف من قسمين خاصين بمرحلة مجلة (شعر) الذي صدر ضمن منشورات وزارة الثقافة بدمشق لمحمد كامل الخطيب.‏

وسنكتفي بذكر بعض أسماء الباحثين والنقاد الذين درسوا جانباً من جوانب قصيدة النثر في سورية: الدكتور خليل الموسى، الدكتور سعد الدين كليب، مصطفى خضر، الدكتور نزار بريك هنيدي، مجمد عزام، إسماعيل عامود، مصطفى أحمد النجار، محمد بسام ساعي، آصف عبد الله، كمال جمال بك، الدكتور نذير العظمة، كمال خير بك، وكاتب هذه السطور.‏

وإذا رحنا نعدد أسماء الدارسين ونحصي كل من كتب عن قصيدة النثر سنقف على جانب هام من حضور القصيدة في المشهد الشعري السوري.‏

حضور قصيدة النثر في الترجمة المعاكسة:‏

إذا كانت حركة الترجمة من الآداب العالمية إلى اللغة العربية قد نقلت لنا كثيراً من النماذج الشعرية في قصيدة النثر، فقد آن الأوان لقصيدة النثر ا لعربية أن تترجم إلى الآداب العالمية الأخرى للإطلاع على المستوى الذي بلغته هذه القصيدة خلال نصف قرن.‏

وإذا حاولنا أن نرصد حركة الترجمة لهذه القصيدة فإننا نجد بعض الترجمات الهامة التي قام بها بعض الأفراد هنا وهناك. واللافت للنظر أن قصيدة النثر في معظم الترجمات التي تمت ترجمت هذه القصيد جنباً إلى جنب قصيدة التفعيلة، كما نجد الشعراء السوريين الذين ترجمت لهم كانوا جنباً إلى جنب الشعراء العرب وخاصة اللبنانيين والعراقيين. وكانت هذه الترجمات تارة على شكل نماذج مختارة، وتارة أخرى على شكل مجموعات كاملة. ونذكر على سبيل المثال لا الحصر الترجمات التالية:‏

1-أنطولوجيا الشعر العربي الحديث الذي قامت بترجمته إلى الإنكليزية د. سلمى الخضراء الجيوسي. وصدر عن دار PENGUIN لندن. وضمت هذه الترجمة عدداً من الشعراء العرب ومن ضمنهم السوريين الذين يكتبون قصيدة التفعيلة وقصيدة النثر.‏

2-ملف أوربي خاص عن الشعر العربي الحديث في مجلة "أوروبا" الصادرة في باريس. وقد قامت بترجمة قصائده الشاعرة اللبناينة فينوس خوري. ويتضمن الملف قصائد لشعراء من لبنان وسورية والعراق هم: أدونيس ومحمد الماغوط ونزار قباني ويوسف الخال وأنسي الحاج وشوقي أبو شقرا وبول شاوول وبدر شاكر السياب وعبد الوهاب البياتي وعبد القادر الجنابي. وهناك ترجمات أخرى لعدد من الشعراء الذين ترجمت لهم بعض النصوص أو مجموعات نذكر:‏

د. نذير العظمة، د. أحمد عادل قرجولي، د. محمد فؤاد، فايز المقدسي، سمير طحان، محمود علي السعيد، عائشة أرناؤوط وغيرهم.‏

رهان قصيدة النثر في الوقت الراهن:‏

إذا كانت قصيدة النثر قد حققت حضورها في المشهد الشعري السوري، فإن هذا الحضور يجعلها مدعوة إلى المحافظة عليه، وهذا أصعب من تحقيق حضورها. ومن أجل المحافظة على هذا الحضور ليبقى حضوراً باهياً إلى جانب الأشكال الشعرية الأخرى، فإن هذا الأمر يستدعي جهوداً مضاعفة من قبل كل من يكتب قصيدة النثر من الشعراء، سواء من اختص بها أو من يكتبها إلى جانب بقية الأشكال الشعرية. وإن حضورها مرهون بدخول شعرائها في الرهانات التالية:‏

1-رهان على الجودة أو الإجادة، وهذا يعني الحرص على التجديد والابتكار والإضافة النوعية. ومن أجل هذا فإن الشعراء الذين يكتبون قصيدة النثر مدعوون إلى متابعة تطور الحركة الشعرية على كل الأصعدة المحلية والعربية والعالمية.‏

2-رهان على البقاء والاستمرارية، وذلك يستدعي إثبات الوجود بجدارة في المشهد الشعري، وذلك لأن وجود قصيد النثر مازال يواجه تحديات وهذه التحديات تجعل كتابها في صراعٍ لا بقاء فيه إلا للأقوى، وإلا للأصلح من الأشكال الشعرية المختلفة.‏

3-رهان على وجود شعراء كبار يكتبون قصيدة النثر كما هو الحال في صفوف الشعراء الكبار الذين يكتبون قصيدة التفعيلة والقصيدة العمودية. وإذا كانت قصيدة النثر قد استهوت عدداً غير قليل من الشعراء الرواد الكبار الذين كتبوها من الرعيل الأول في سورية مثل: علي الناصر وأورخان ميسر وخير الدين الأسدي ومحمد الماغوط وأدونيس وسليمان عواد وإسماعيل عامود ونذير العظمة ونزار قباني ومحمد عمران ونزيه أبو عفش وسليم بركات وسنية صالح ومحمود السيد وغيرهم فإن قصيدة النثر مدعوة أيضاً في هذه المرحلة لاستقطاب شعراء آخرين لهم حضورهم المتميز لينهضوا بكتابة قصيدة النثر بسوّية فنية توازي وتتجاوز تجربة الشعراء الرواد.‏

4-رهان على التوصيل والتواصل مع المتلقي وإنهاء القطيعة التي عمقت الهوة بين الشاعر والقارئ. وهذا الأمر يستدعي إعادة النظر في مسألة التوصيل بشكل جدّي، وليس من مصلحة قصيدة النثر أن تظل (رافضة ومرفوضة).‏

5-رهان على كسب الإعلام بكل قنواته إلى جانب قصيدة النثر، والتفكير الجدي بدخول عصر الإنترنت من أوسع أبوابه وذلك من أجل الانتشار والخروج من عنق الزجاجة بعد أن استفحلت أزمة الشعر بشكل عام.‏

6-رهان على كسب المستقبل، ولا يعني ذلك القفز على الحاضر بحجة الكتابة للمستقبل، وإنما يعني تجاوز الكتابة الاستهلاكية السريعة، وكتابة شعر قادر على البقاء والخلود.‏

7-رهان على جذب جيل الشباب إلى جانب قصيدة النثر لا ليكتبها فحسب بل ليتذوقها أيضاً.‏

8-رهان على كسب النقد والنقاد إلى جانب قصيدة النثر، وليس من مصلحة أي شكل من أشكال الشعر أن يتنكر لدور النقد والنقاد في رواج الأجناس الأدبية وخاصة المستحدثة منها.‏

9-رهان على التأصيل والحفاظ على الهوية، ومن المغامرة التي لا تحمد عواقبها أن تقطع القصيدة جذورها وتصلها بتربة غير تربتها.‏

10-رهان على الخصوصية والتميز بعيداً عن كل أشكال الاستلاب والتبعية وإذا كانت محاكاة التراث غير مقبولة، فإن المحاكاة غير مقبولة حين تتجه إلى الأشكال الغربية الوافدة.‏

11-رهان على العالمية، والوصول بقصيدة النثر إلى الآداب الإنسانية عن طريق الترجمة المعاكسة، فقد آن الأوان لقصيدة النثر العربية أن تجد طريقها إلى كل اللغات العالمية الحية، وإن بعض الترجمات التي حدثت لبعض المجموعات والنماذج الشعرية على نطاق ضيق بحاجة إلى توسيع ومضاعفة لتشمل كثيراً من النماذج الناضجة التي تستحق الترجمة.‏

12-رهان على الاستقلالية، ونقصد به المحافظة على شكل قصيدة النثر وعدم الذوبان في الأشكال أو الأجناس الأخرى بحجة كتابة (نصوص) متمردة على التجنيس. وهذا ما يحفظ لقصيدة النثر شخصيتها المستقلة.‏

وفي الختام نقول إن هذه الرهانات ليست خاصة بقصيدة النثر فحسب، بل هي تخص كل الأشكال الشعرية التي تتنافس في المشهد الشعري وتحاول أن تؤكد حضورها وتفوقها وإن كانت قصيدة النثر هي الأولى بكسب هذه الرهانات، وقد تكسب جولة، وقد تخسر أخرى، وفي كل الأحوال ينبغي أن تبقى في حالة استنفار دائمة كما لو أنها في معركة حقيقية من معارك صراع البقاء.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244