مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 410 حزيران 2005
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

كوكبُ الرّماد ـــ شعر: محمود حامد- فلسطين

حتّى أتيتِ، فقلتُ: مَنْ‏

في الغيدِ أنتِ!!؟،‏

وَمَنْ تُراكِ بغابةِ الأسماءِ!!؟‏

عُصفورةٌ حَطَّتْ على الشُبَّاكِ ذاتَ مساءِ‏

كيف استفاق على صباكِ القلبُ،‏

فاض على سريرِ العين وَجْهُكِ،‏

قلْتُ: وَجْهٌ في الأهِلَّةِ قادمٌ،‏

أو رعشةٌ فاضت بها كفُّ النَّدى‏

فصحتْ طيورُ الرُّوح،‏

قام العُشْبُ يضحَكُ في سريرِ الماءِ.‏

*‏

حَتى أتيتِ، فقلتُ: لولا ضحكةٌ‏

في الصُّبْح فاتنةٌ لَما‏

أيقظتِ في الرَّملِ الحياةَ،‏

ولا صحا فجرُ النَّخيلِ‏

على أسى الصَّحراءِ.‏

*‏

أَتُرى ستصعدُ بي إليكَ،‏

وكيف تحملني سماءٌ من دَمٍ‏

تكتظُّ بالقتلى،‏

وتوشكُ أن تغصَّ بشاهداتِ قُبورنا!!؟‏

في كُلِّ شاهدةٍ ممالِكُ من كواكِبَ،‏

كلما يصحو بجمرتهِ الرَّمادُ،‏

وكلما خرجت من الحزنِ البلادُ،‏

نقولُ: وَدَّعْنا زمانَ الموتِ،‏

واختصرَ الطَّريقُ جنازةً،‏

ومشى بنهرِ الوَرْدِ نَهْرُ دماءِ‏

*‏

حَتى أتيتِ،‏

فقلتُ: أيَّةُ رعشةٍ‏

في الحُلْم تنبضُ، ثمَّ تنهضُ،‏

ثمَّ تصعدُ من رمادِ الرُّوح فيضَ بهاءِ!!؟‏

قمراً بكتهُ العينُ لحظةَ وَجدها، فبكى‏

فسالَ بهاؤهُ الفضيُّ في الأرجاءِ‏

ثمَّ اشتهتهُ على الصَّبابةِ وردةٌ‏

قتلتهُ بسمتُها، فذاب بها على استحياءِ‏

فبكتْ عليهِ، وها هُما‏

يتجاورانِ بدوحةِ الأشلاءِ.‏

*‏

عُصفورةٌ حَنَّتْ على عُصفورها‏

مَضَيا قُبيلَ الفجرِ، آخِرُ ضحكةٍ‏

قد خلَّفاها ما تزالُ نديَّةً‏

فوق السِّياج...،‏

وشهقةُ المنديلِ تتركُ في الأصابعِ‏

أجملَ الأشياءِ‏

تلويحةً تمشي بكفِّ الصُّبْحِ،‏

تُغريهِ فيضحكُ،‏

تستفيقُ على ابتسامتهِ الشُّموسُ،‏

وَكُلَّما أغرتهُ أكثرَ فاض نهرُ ضياءِ.‏

*‏

عيناكَ، والشباكُ يغفو حالماً‏

حَتَّى إذا‏

رَسَمَتْكَ كفُّ الحُلْمِ في مرآتِها‏

قمراً يُشاغبُ بابتسامتهِ المُثيرةِ‏

ضَجَّتِ المرآةُ، فانكسرت من الضَّوضاءِ.‏

وطني على شباكها، ودمي،‏

وَعُمْرٌ من رسائِلَ،‏

وانتظارٌ في المناديلِ الحزينةِ،‏

والعذاباتُ التي تُدمي،‏

وآخِرُ قُبلةٍ فوق السِّياجِ مُعَلَّقَةْ‏

كانت تُضيءُ بوجدِ لهفتها على الشُبَّاكِ‏

راعفةَ الجناحِ، مُمزقةْ.‏

وطني على شبَاكها، ودمي،‏

وعُمْرٌ من رسائِلَ مُرهقةْ.‏

وحبيبةٌ لم تكسرِ الأيَّامُ في مرآتِها‏

حُلُماً يجيءُ،‏

يَمُرُّ طائِرُها على الأحبابِ مِنْ‏

منفى إلى منفى فيحملُ‏

ما تبوحُ بهِ الحبيبةُ، والرَّسائِلُ، والنَّوافِذُ‏

من كتابِ الذكرياتِ، وما تبقَّى‏

من رمادِ الزَّنبقة.‏

راحتْ تُطوقنا دماً،‏

أرأيتِ نكهةَ وردةٍ‏

عند انبثاقِ العِطْرِ منها... هكذا‏

كان الكلامُ يسيلُ من بين الأصابع كُلَّما.‏

راحت تُطوقنا بوجدٍ حارقٍ، أو كُلَّما‏

رَفَّت على الشَّفتينِ آهٌ‏

في الصَّميمِ، مُؤرقة.‏

*‏

يَوْمٌ يَمُرُّ، ولا أراكِ،‏

أقولُ: يَوْمٌ ليس يُعنيني بما‏

يأتي بهِ...،‏

أو يذهبُ‏

يَوْمٌ يُساوي العُمْرَ،‏

كُلَّ العُمْرِ لَوْ‏

خطرتْ على شُبَّاكِ عُمري زينبُ‏

وأقولُ: أقربُ في الجوارِ:‏

دمي لقلبي إِنَّما‏

هي أقْرَبُ.‏

ما حَطَّ فوق ذُرا نخيلي وَجْهُها‏

إلا وقلتُ: كأنَّما‏

هذا الذي يأوي لداري كوكبُ‏

هي ذلكَ البُستانُ يحملُ‏

من صباباتي الكثيرَ؛ وَكُلَّما‏

هَبَّتْ عليهِ الرِّيحُ‏

فاضَ بهِ النَّسيمُ الأعذبُ‏

تُلقي رسائِلها بكفِّ الرِّيحِ،‏

تكتبُ للذين تُحبّهم...‏

تعبتْ على شُباكها زيتونةٌ‏

لا رَدَّ تلويحُ اليَدَيْنِ لها الأحِبَّةَ‏

في قطارِ الأمنياتِ،‏

ولا تَرُدُّ الرِّيحُ شيئاً يُكتبُ‏

وكأننا حُلمانِ تفصلُ هذهِ الأسلاكُ بينهما:‏

فمتعبةٌ تنامُ على انكسارِ جناحِها‏

في الأمنياتِ، ومتعبُ‏

أرأيتِ ما سكبتهُ كَفَّانا حرائِقَ‏

من لهيبِ الوَجْدِ،‏

تشتعلُ السُّفوحُ بوردها،‏

حتَّى كأنَّ الأرضَ من دمنا حدائِقَ تُسكبُ.‏

*‏

تطويكَ تحتَ جناحِها‏

تلكَ الغماماتُ الشَّريدةُ في مَمالِكِها‏

وتصعدُ فوق، ما رَسَمَ الخيالُ،‏

وفوق ما تمشي إليهِ الرِّيحُ في أحلامِها‏

تنأى، فتحملني الظُّنونُ إليكَ هَلْ‏

يصبو لغيري طيرُ روحي،‏

ما أظنُّ، ولا يميلُ العُشبُ عن وَطنٍ لآخَرَ،‏

ذاك ما رَسَمَتْهُ فاتحةُ الهديلِ على‏

شفاهِ يَمامِها.‏

كُنَّا إذا‏

ما سَرَّبَتْ عَنَّا حديثاً‏

قُبَّراتُ القَلْبِ، نَكتمُ سِرَّنا عنها،‏

فتوشك أن تنامَ على أساها،‏

كيف مالَ القَلْبُ عنها‏

حين أنْكَرْنا وِشايَتَها بِعَذْبِ كلامِها!!؟‏

تنأى، فأصعدُ خَلْفَ ظِلِّك‏

أيُّها القَمَرُ المشاغِبُ ها أنا‏

خلعتني أحزانُ السُّفوحِ على الظَّما‏

أمشي إليكَ كعشبةٍ في السَّفحِ‏

لاهثةٍ وراءَ غمامِها‏

حَتَّى تضيقُ الأرضُ عنها خطوةً‏

حملتْ أنينَ الرَّملْ،‏

تذبحهُ الظهيرةُ في الهجيرِ فيشتكي‏

حَتَّى إذا انكسرتْ على‏

بابِ الظَّهيرةِ رعشةٌ‏

من ذلك الظمأ القتيل على الرِّمالِ‏

بكت ففارَ الغيثُ في كفِّ السَّما‏

لكَ أيُّها الوطنُ المعلقُ في رموش العَيْنِ، حيثُ تكونُ، دِفءُ سلامِها.‏

سيظلُّ يذبحني إليكَ الوَعْدُ‏

ما رَفَّتْ على الشُبَّاكِ آخِرُ ضحكةٍ‏

في ثغركَ الدَّامي، وما‏

ألْقى إليَّ مِنَ الأسى المنديلُ‏

أتُراكَ تذكرُ ما تُخَلِّفُهُ الشَّوارعُ بيننا‏

من ذكرياتٍ، ما تُلَمْلِمُهُ المفارقُ‏

من حكاياتِ المساءِ،‏

وما تُثرثرهُ الطُّيورُ على امتدادِ الأرصفة‍‍؟‏

أتراكَ تذكرُ‍‍؟ كيف لا‏

والدَّرْبُ مُشتعلٌ بنا، مشغولُ!!؟‏

ـ أتُراكَ تذكرُ!!؟‏

*إنَّها أشياؤنا: فنجانُ قهوتنا،‏

وضَجَّةُ ذلكَ الصَّمْتِ المُريبِ، وَوَرْدَةٌ‏

نامت على ما ثَرْثَرَ القنديلُ‏

أشكو إليكَ على الصَّبابةِ ما يُثيرُ فتشتكي‏

أني بحبكَ مُسرفة‏

حَتَّى إذا اكتملَ المساءُ على الهِلالِ‏

مَرَرْتَ فوق وسادتي‏

فهمستُ: هذا مُسْتَحيلٌ‏

كيف يحملُكَ المساءُ على الحقيقةِ:‏

أنْتَ أنتَ!!؟ وكيف تُوشِكُ‏

أن تُعانقني، وأنتَ قتيلُ!!؟‏

يبدو بأني مُنذُ غُرْبَتِكَ الأخيرةِ،‏

حيثُ يفصلُنا السِّياجُ، وحيثُ تفصلُنا المقابِرُ والدَّمُ‏

أهْذي فلا أدري غِناءً، أو بُكاءً ما يبوحُ بهِ الفمُ!!؟‏

وتضيعُ آخِرُ خطوةٍ مني، فينكرني الطريقُ إليكَ، وهو طويلُ.‏

*‏

يُلقي إليَّ الحُلمُ كوكبَهُ الأخيرَ، أقولُ:‏

كُلُّ كواكبِ الدُّنيا رمادْ‏

ماذا سيبقى!!؟‏

حين تنشغلُ البلادُ بحزنِها،‏

وتموتُ في الشَّفةِ ابتسَامَاتُها،‏

وتنكسرُ الملامحُ في العبادْ!!؟‏

ماذا سيبقى!!؟‏

حين يُنكركَ الأحبَّةُ،‏

واليماماتُ الشَّريدةُ في القصائِدِ،‏

والتُّرابُ المُستهامْ!!؟‏

ماذا سيبقى حين ينكسرُ الكلامْ‏

في العينِ، في الشَّفةِ الذَّبيحةِ،‏

حين تُنكركَ القصيدةُ،‏

حين تُنكركَ الأصابعُ،‏

لم تُعودْها كتابةَ ما تُحِبُّ،‏

وحين تُنكركَ الشَّوارعُ،‏

لم تُعودها قراءةَ ما تُحِبُّ،‏

وحين يُنكرُ ما ستكتبهُ المدادْ!!؟‏

لا شيءَ يبقى...‏

غَيْرُ أوهامِ انتظارٍ‏

في الشَّبابيكِ الحزينةِ،‏

قُلْتُ: يَوْماُ... رُبَّما‏

يلتمُّ شَمْلُ الغائبينَ، ونلتقي‏

حين الطَّريقُ دَمٌ،‏

وحين الأمنياتُ هي البلادْ.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244