مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 410 حزيران 2005
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

يا ويلتي ليتَكِ ـــ شعر: منير محمد خلف- سورية

لو فتَّحتْ قلبي يداكِ‏

وصرتِ عنواناً لمرحلتي الجديدةِ،‏

لو منحْتِ شفاهَ روحي‏

خدَّكِ المعسولَ بالتّفّاحِ‏

لو فَتَحَتْ أصابعُكِ الحميمةُ جلّ صوتي‏

أو تركتِ أصيصَ وهجكِ في يديَّ‏

ولو سكبتِ الأمنياتِ على ضفافي‏

أو حملْتِ جراحيَ الأولى بمجدكِ،‏

أو أنرْتِ مدائنَ الأشواقِ في قفصِ ارتباكي‏

أو ضفْرتِ حدائقَ النارنجِ‏

في قعر اكتئابي‏

أو رحمْتِ زجاجَ قلبي في يديكِ‏

وصنتِ مبتدأ الكتابِ‏

وكلَّ أركانِ الترابِ.‏

آه..‏

على قلبي،‏

عليَّ..‏

رأى هواهُ مُزمّلاً‏

بقطيع رحلته،‏

وعاد إلى صباهُ‏

لكي يرى فجراً صلاةَ صِلاَتِهِ‏

وحدودَ مأتمِهِ‏

مخافةَ أن تهاجَر من غلالاتِ النخيلِ‏

فتاةُ فكرتِهِ،‏

يظلُّ طوال حسرتِهِ‏

يطاردُ نفسَهُ‏

ويُغلِّقُ الأحلام في وجهي،‏

يخنجرُ ذكرياتي في صميم القتلِ‏

يحصدُني بلا دمعٍ،‏

ويترك ما تبقّى من مرايايَ‏

انتظاراً عاقراً‏

مابين أمنيتي ومقبرتي‏

وتاريخي الجديدِ‏

وكل أشكالِ الغيابِ.‏

لو قلتُ:‏

يا نفسي!‏

كفاكِ تشرّداً.. وتمزّقاً‏

فتهيّئي وتجمّلي‏

كي تدخلي جنّاتِ قلبي‏

كي تصيري لؤلؤاتٍ‏

ينهمْرنَ على يبابي.‏

الآن وقتُكِ‏

كي تُعيديَ لي حياتكِ أو حياتي‏

أو تكوني قربَ صوتي‏

تاجَ نور‏

أو غزالاً من يقينٍ‏

يستفزُّ جموحَ قلبي،‏

ولتصيري بردَ ناري‏

وابتهالَ الأتقياءِ‏

وحفنةَ الرّؤيا‏

قميصاً من ذكاء الرّوحِ‏

يهمي فوق إكليل الحياةِ‏

ليستعيدَ تراثَ يعقوبَ القديمَ‏

وشهدَ حزنٍ أخضر النظراتِ‏

خالصة لسرٍّ ضائعٍ‏

كي تمطرَ الأقمارُ‏

فوق جبين قلبي‏

وامتداداتِ الخرابِ.‏

ماذا يحلّ‏

بمُدمنِ الأحزانِ‏

إنْ هطلَ الظلامُ‏

على ربيع فؤاده الملغومِ‏

بالياقوتِ والنهوندِ‏

ماذا‏

قد يحلّ بعاشقٍ‏

هَوَتِ النياشينُ الفريدةُ‏

من سماء كلامِهِ‏

نجماً..‏

فنجما.‏

ماذا يحلُّ‏

بقبّراتٍ من ضياءٍ‏

كنَّ قد جهّزْنَ أعشاشَ البكاءِ‏

على ثمار رحيلهِ،‏

واستوطنتْ كالذكرياتِ‏

على حدودِ صداكِ‏

يا لحناً..!‏

يهيلُ عليَّ أفواجَ الهبوبِ‏

ويستعيرُ الدمعّ من قلبي‏

لأشهدَ آخرَ العنقودِ‏

مأتميَ الأخيرَ‏

على تخومِ ولادتي.‏

ماذا‏

يحلّ بهنَّ‏

هنّ القبّراتُ الراكعاتُ الساجداتُ‏

القاطناتُ بكل أجزائي‏

وهنَّ السابحاتُ القانتاتُ‏

الذائباتُ بذكرِ حسنكَ يا إلهي‏

هنَّ.. هنَّ الحاملاتُ..‏

الرّافعاتُ شموخَ حزني‏

وانتخابي..‏

ماذا سأُسقِطُ‏

من سطوحِ الخيبةِ الكبرى‏

سوى راياتنا النكراءِ‏

من تاريخ أحلامٍ‏

تمطّتْ فوق أشرعةِ الرجوعِ‏

إلى بدايةِ كذبةٍ.‏

..حمَّلْتِنا يا ريحُ غربتَنا‏

وحقلَ غيابنا،‏

أطفأتِ قنديلي الصغيرَ‏

وغربلَتْ أصنافُ قسوتِكِ الطفولةَ..‏

والهوى والأرجوانَ‏

وزيزفونَ الرّوحِ‏

كم أرّقْتِنا يا ريحُ‏

كم ذُبلتْ رياحيني‏

على أغصانِ صوتكِ‏

كم تعذَّبْنا‏

وكنّا قابَ محتاجَينِ‏

من بعضٍ وأدنى‏

هل سأُسقِطُ..‏

أم سأَسقُطُ‏

كي ألمَّ خسائري الأولى‏

وأصعدَ نحو أمنيةٍ بعيدَهْ؟‏

يا ويلتي‏

يا ليتَ قلبكِ‏

لو تجاملني الحدائقُ‏

أو أحلَّ الوصفُ فيكِ‏

صهيلَ روحي.‏

.. من يديكِ الغيمُ‏

يُرسلُ نصفيَ الموّارَ‏

يخفي فائضَ الأسرار‏

يخنقني،‏

يهزُّ البوحُ أعناقَ النخيلِ‏

فيسقط الثمرُ البهيُّ،‏

.. بأي دمعٍ‏

تختمُ الأيدي براري النقعِ‏

كيف تقودُني الأيامُ‏

نحو سحابةٍ مرَّتْ عليَّ‏

بأحلك الأمطارِ‏

كيف تعلَّمتْ لغةَ التخاذلِ‏

حاملاتُ النبْضِ‏

كيف تنازلتْ‏

عن سرِّ روحي‏

عن بداياتي‏

وعن شهدِ اكتئابي.‏

رحلتْ حمائمُ فرحتي‏

وبقيتُ وحدي‏

أحمل الذكرى‏

كسيرَ القلبِ‏

مشغولاً بما لم يأتِ بعدُ‏

..أنا المرائي كلّها‏

أستقبل الأحزان من جهةِ الوصولِ‏

ومن جهاتٍ‏

ما تعوّدْنا اقتفاءَ هوائها‏

قبل الرحيلِ،‏

نسيتُ أني لم أكن غيري‏

فكيف الخوف يفتك بانبعاثي؟..‏

كيف لم أنسَ انطلاقةَ نكستي‏

وأنا أحوِّمُ فوق صوتكِ!؟‏