|
||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
عدنان خضر... وإيقاع العُمر القصير قراءة في ديوان (أغنيات مجرَّحة) ـــ يوسف مصطفى- سورية من قرية /المُسقُس/ صافيتا، ومن بينِ بيوتِها الترابية في أربعينياتِ القرن الماضي... من أفياءِ أشجارِ الزيتون، وظلال الصخور البيضاء والسَّوداء... من بين أكواخ الفلاحين، وحُداءِ معاولهم، ورجع صِداها في الحقول القريبة للقرية، وللقلب... من بينِ مواويلِ العتابا، وحكايات الأمَلِ، ودفءِ مواقدِ الحطبِ في شهر كانون... من إيقاعِ التلاوات القرآنيةِ في تلك البيوتِ الريفيَّة. البسيطةِ العامرةِ بالكثير من الإيمان. من رمادِ تلك المواقدِ الطينيَّة في تلك البيوتِ المتواضعةِ... من دروب القريةِ، ومسافاتِها عن صافيتا... من ثانويةِ صافيتا، وإيقاعِ دروس معلميها... من الجهدِ، والعَرقِ، وسَهرِ الليالي، وقراءةِ الشِّعرِ العربي... من موهبةٍ شِّعرية بدأت مُبكرةً. كانت قصائُدها تُلقى على الدروبِ، وعلى مسامع مجموعةِ الزملاءِ الطَّلبةِ. من هذا والكثير غيره، خرج /عدنان خضر/، وخرجت معه ومَضاتُ العُمرِ القصيرِ لتسجل شاعريةً مبكرةً. وديباجةً شعريَّةً أنبأَتْ بمخزون شعري أصيل، وبنائيةٍ شعريةٍ متقدمةٍ. ولغةٍ حَمَلتِ المتانةَ، والكثيرَ من المعرفةِ القاموسيَّةِ باللفظِ، وببعضِ أسرار جمال العربيةِ وتدفقِها... خرجَ عدنان خضر، وملامحُ النهوض القومي، وآمالُ تطلع الشبابِ العربي في أُفقه ومخيِّلته، وتعبيراته، ومثالية التأمّل بمجتمع تقلُّ تناقضاتُهُ وتخضَّرُ أمانيَّهُ الوطنيةُ والقوميةُ، والاجتماعيةُ، والطبيعيةُ، لكن لم يَطُلِ الحُلُمُ الورديُّ. المُثقَلُ بأعباءِ الحاجةِ، والتَّوقِ لحياةِ أفضلَ، لتأتي نكسةُ عام /1967/ وما تلاها في المشهد العربيِّ من سلسلةٍ انكساراتٍ وتداعيات، ورماديَّةٍ. بَدَت واضحةً في مساحاتِ الزَّمنِ العربيّ، وفي حقول الشَّوكِ الواسعةِ التي قال فيها الشَّاعر حامد حَسن:
لن أطيلَ عن الدُّخولِ في مقاربةِ بعضِ شعر /عدنان خضر/، وبين يديَّ ديوانه /أغنياتٌ محرَّجةٌ/ وهو عمله الشِّعريُّ الثاني بعد ديوانه الأول /ظلال/. صدر ديوان /أغنيات محرَّجة/ عام 1987 عن دار مجلة الثقافة في دمشق، بلغَ عدد صفحاته /مئة واثنتين وعشرين/ صفحةً من القطع الصغير، وعددُ قصائده /ستٌ وثلاثون/ قصيدةً... توزَّعت قصائده بين" الوطنيّ، والقوميّ، والوجدانيّ، لكن أيضاً حَضَرت قصائدُ الانكسار، والحزن الدَّفين، والشكوى، ولاحَت الوَمَضات الفلسفية، والاجتماعية، بين ثنيَّات قصائدِه وأبياتِه. يبدأُ الدّيوان بالإهداء التالي: (إلى رفاقِ الدَّرب في: العُري... والكفاحِ... والحبِّ)... ثلاثةُ أقانيمَ رئيسيَّةٍ، ينضَوي تحتها عديدٌ من العناوين الفرعيَّةِ، فرفاق /العُري/ هم أصدقاءُ المعاناةِ بالمعنى الطبقي والاجتماعي، وبمعنىً آخر ربَّما أرادَه الشَّاعرُ هو: الوضوح، والمكاشفة، والشَّفافية، وخلعُ أرديةِ الزَّيف... أما رفاقُ الكفاح منهم رفاق الدَّربِ في الإبداع، والعَطاء، والإنتاج. إنَّها الأيدي الشَّريفةُ المناضلةُ في سبيل وطنٍ يحلمُ به الشاعر، أما الحبُّ فهو العنوانُ الثالثُ لإهدائه، فلا حياةَ ولا عملَ، ولا مجتمعَ، بدون الحبِّ، وصفاءِ النَّفس، ومعرفة الآخر، والتعاونِ معَه... وتطهيرِ القلبِ من الأحقادِ والأضغانِ... عناوينُ الإهداءِ إنسانيَّةٌ، ووطنيَّةٌ قوميَّةٌ، واجتماعيَّةٌ سلوكيَّةٌ قيميةٌ. في تقديمه لديوانِه، يشيرُ الشَّاعر /عدنان خضر/ لعددٍ من المعاني الهامةِ: منها (أنَّ الحديثَ عنِ الشِّعر، أصعبُ من مزاولتهِ، وفي تقديري لكتابتِه)، كما يشيرُ إلى اختلاطِ أوراق الشِّعر وكثرةِ ما يُكتبُ وما يُقالُ. ويُعتبرُ أنَّ هذا الزمنَ الشِّعريَ هو (زمانُ مخاضٍ) ربَّما يستقرُّ على ولادةٍ جديدةٍ. (لن تلبسَ العباءةَ، ولن ترطُنَ بالعجمةِ)، وهنا يعني أنَّ الجديد الشّعري لن يكون هو القديم، ولن يكون /الغربةَ الشِّعريَّةَ/ لدرجة التَّغريب والعُجمةِ... يتابع أنَّ ديوانه /أغنياتٌ مجرَّحةٌ/ هو: امتداد طبيعي لديوان /ظلال/ الصادرُ عام /1971/ لكنَّهُ عتبةٌ جديدةٌ. وسقفٌ آخرُ، يَصعَدُ إليه يقول: (أميلُ إلى التوازن... فلا يستخفُّني الفَرحُ، ولا يهدُّني الحزن)... في نصِّه الشّعري يقول: (لم أعنَ بخلق القصيدة الكليَّةِ، التي تعقُد بينَ الألفاظِ علاقاتٍ غريبة. تخرج بها عن حيَّزِ الواقع... فتنقطع الأسباب بيني وبين عصري، فلا أمثِّلُ إلا نفسي،... لن ألبَس عباءَة الأعشى. ولا ركبتُ حصانَ امرئِ القيس، ولا تقلَّدتُ سيفَ المتنبّي. يشيرُ في مقدمته إلى قصيدة /جَذوةَ الإصرار/ وأنَّ مَقلعَها تراثي، وكذلك مفرداتُها وديباجتُها. ولم يمنعها ذلك من أداء غرضها: السياسي، الوطني، والقومي، والاجتماعي، كذلك يشير /عدنان خضر/ إلى مسألة: (المواءمةِ، والتسَاوقِ، والتناغم بين الألفاظِ في خلقِ الصُّورةِ، وسلامة اللَّغةِ، وتماسكِ المفردات والتعبير). التَّدفقاتُ الشِّعرية عند /عدنان خضر/ هي استجابةٌ لدوافعَ نفسية، وإحساسٍ داخلي. حملت مقدمة الشَّاعر: عناوينَ معرفيَّةً هامةً في مذهبهِ الشِّعري، وما يبغيه، عامةً، فيما يعني له الشِّعر، ومن أيِّ المواقع. وبأيَّة أدواتٍ يتحرّك. في تقديري توحي المقدمةُ بوعي أدبي، لموقع الشَّاعر، ولطبيعةِ إدراكه لدورِ الشِّعر. وموقعِه، وبنائيتهِ وفنِّهِ، وكحكم عامٍ أسبقُ بهِ قراءة النُّصوص... لكنَّهُ في الأساس مُستنتجٌ من قراءةٍ متأنيَّةٍ لنصِّ /عدنان خضر/. أقول: كلُّ نصوص /عدنان خضر/ هي نصوصٌ مشغولٌ عليها. وتنمُّ عن جهدٍ وإعمالٍ فكريٍّ، ورويَّةٍ فنيَّةٍ، واهتمامٍ انتقائي. بمسألةِ اللفظِ، فهو شاعرٌ يهتمُّ /بالصَنعَة الشِّعرية/ لكن تماسك الجملةِ الشِّعريةِ لديهِ. وإيقاع اللفظ غالباً في مكانه. واختيارَه للمفردات. وطريقةَ رسم الصورة، وآليَّة الاقتراب من موضوعه... نمَّتْ جميعُها عن شاعريَّةٍ تسكنُ داخلهُ... ومُقارباتٍ صادقةٍ أراد نقلها، وإيصالها في متنه الشِّعري... من موقعه الداخلي، ومن حيثيَّات إيمانهِ بالقضايا العَّامةِ، وصدقِ مقاربتها. في مساحة القصائد تناوبتْ قصائدُه بين: القصائد القصيرة، والمتوسطة، والطويلة. وكلٌّ أدَّت غَرضَها... وعَبرها حملَ غايتَهُ، وأوصلَ رسالتهُ، أو بعضَ رسائلِهِ، أو عديدَ الموضوعات والصُّور، والانتقالاتِ، لكن غالباً في فضاء الغرضِ الواحدِ الذي هو العنوانُ العريضُ للقصيدة. يقول /عدنان خضر/ في بعض تداعياته القوميَّةِ قصيدةً قصيرةً بعنوان /بطاقة/: نَيسانُ أغنيةٌ مجنَّحةُ الرّؤى... ريَّا الأريجْ نُيسانُ... غارُ الفَتحِ... يعلو غُرَّةَ الصُّبحِ الوَهيجْ شُدَّ الجناحُ إلى الجناحِ... من المحيط إلى الخليجْ طبيعةُ الخطاب هنا طبيعةٌ قوميةٌ، فنيسانُ شهر الأعيادِ الوطنيَّةِ والقوميَّةِ، فيه عيدُ الجلاء /17 نيسان 1946/ وفيه ميلادُ البعث /7 نيسان 1947/، وهما محطتان أساسيتان في الحياة الوطنية، والقومية لسوريةَ العربيةِ... لم تَغِب نفحاتُ الربيعِ عن هذه الومضةِ الشِّعريَّةِ. فنيسانُ أغنيةٌ ربيعيةٌ مجنَّحةٌ، تحملُ في عطرِها ندى أريج الزَّهر وفوحِ شذاه... العناوينُ الأخرى في النصِّ هي مألوفةٌ ومتداولةٌ /غارُ الفَتح/ والغارُ دائماً رمزُ النَّصر. ورمزُ الفتوحات حتّى في التاريخ العالمي، والحديثُ عن /الفجرِ الجديدِ/ لغةٌ شاعت في كلِّ الخطاب الشِّعري القوميِّ في القرن الماضي. من بَدوي الجبل، إلى عمر أبي ريشة، إلى سليمان العيسى... إلى كلّ الشُّعراء الذين نظَموا القصيدة الوطنيَّة، والقوميَّة، نداءً للوحدة العربية، وللأماني القوميَّةِ... مفرداتُ: الجناح ـ المحيط ـ الخليج ـ سادت. وتحدَّث بها الجميع من موقع الأماني والأحلام، وليس من موقع ما هو متحقق... فالمسافة كانت كبيرةً دائماً بين نبض الشَّارعِ وأمانيهِ، وبين مصالحِ النظامِ العربيِّ ومؤادَّهُ وما يريدُ. القصيدة الثانيةُ في الديوانِ هي بعنوان /ولادَة/ يقول: مِن صخرةٍ صمَّاءَ أطلُعُ وردةً تندى... على النَّارِ اخضلالاً مَنْ صخرةٍ ويقالُ: كانَت بَيدراً يلدُ المواسمَ والرِّجالا صوتي الينابيعُ ـ التي بُحَّت ـ وتنسجُني مقاماتٍ هُزَالى وأَنا... أنا الآتي من المنفى... وراءَ الصِّدقِ... أحقاباً ثِقالا استَقطِرُ الجُلمُودَ... أستسقي السَّرَابَ المُرَّ... أنتجعُ الرِّمالا ما زالَ ميثاقُ القُبيلةِ ـ والأَنا ـ سَلِمَ القِناعُ حمىً مِثالا ما زال ساحُ النَّهدِ... أو ما دونَ... أخطرُ ـ يا مياديني ـ مَعالا ووجاهةُ (القرميدِ) أهدى... حين سِرُّ الزيت يُمعِنُ بي ضَلالا ما زالَ (والمازالَ) لو أدري... على ذبحي... تزاولني خِلالا يا كلَّ جدرانِ الخرائبِ من عُروقي سافري... بدمي نِصالا يَبسَت عذاباتُ القبور... على التخومِ... ولم تزلْ موتاً مُحالا منها أعودُ أجرُّ جثماني... بوجهِ الرِّيحِ... أُوقُدُه سُؤالا أنْ تكونَ الولادة من صخرةٍ... فالصخرةُ بالدلالة الرمزية تحمل معنيين ودلالتين: الأولى دلالة الصّمودِ والصلابةِ والتحدي... المعنى الثاني هو دلالة الجمودِ والعُقم ورداءةِ الزَّمن العربي... لعلَّ الشّاعر وهو الأرجح قد عنى الدلالة الأولى، فالولادةَ التي أرادها الشّاعرُ هي ولادةُ أمة... هي الولادة /الجمعيَّة/ التي تَطلعُ من رحم الآلام والمعاناة... إنَّها الولادةُ ذاتُ الخصبِ والعطاءِ والنَّماءِ... ونماؤُها تُخضِلُهُ وتُنضجَه نارُ النضال والعمل والجهادِ. في البيت الثاني يوضحُ مآلَ الصخرةِ التي كانت بيدراً يلدُ المواسمَ والرجالَ قبل أن يجفُّ ويستحيلَ يباباً صخرياً، لكنَّهُ اليَبابُ الذي يحمل بذور الإنبات والتجدُّد والولادةِ /الأدونيسيَّةِ/ الجديدةِ... ولادةُ العطاءِ والنَّماءِ. صوتُه والمعني فيه هو: صوتُ الولادةِ الجديدة التي يريدُها... هذا الصوتُ كما يبدو اليومَ هو الينبوعُ الذي جفَّت مياهُهُ، وغَدَت أصواتُ جداولهِ مقاماتِ غناءٍ هزيلٍ. لا يحمل أصالةَ الأماني ولا سلامةَ الانتماءِ... يستحضرَ الشَّاعر هنا معادلة: الأماني والواقع ـ ما هو قائم اليوم وما يجب أن يكون عليه حال الأمة ووجودُها. وفي البيت الرَّابع تأكيدٌ: /وأنا أنا الآتي من المنفى/ في تقديري منفاهُ هنا هو: غربتهُ في وطنهِ كنموذجٍ اجتماعي وشريحةٍ اجتماعيةٍ تبحثُ عن مساحاتٍ ورديةٍ، وأحلامٍ إنسانيةٍ. وهواجسٍ وطنيَّةٍ، وقوميَّةٍ... يستقطرُها من الصَّخر الجلمود... ويطلبُها من سرابٍ جافٍ، وينتجعُها من رمالٍ لا تُغني ولا تُزبدَ شيئاً. في المقطع الرَّابع من القصيدةِ يصفُ حال الزمن العربي: إنَّه زمنُ القبيلة. لا بل / الأنا/ الأقلُ من القبيلة... زمنُ البحث عن الخلاص الشِّخصي... ساحاتُه ليستِ الحربَ والنضالَ... لكنَّها ساحاتُ ليالي /النهودِِ/ وما دون النهود، ووجهاتُها ليستِ العملَ والمثال والعطاءَ لكنَّها /وجاهةُ القرميد/... وخطابُ أيامها /ما زال أمامنا وقتٌ/ والمازالَ هذه هي سكاكينُ التسويفِ تذبحُه وأمثالَهُ وما يمثّلَهُ وما يتوقُ إليه. في أبياته الأخيرة من هذه القصيدةِ الرَّائعةِ يستَحضرُ مشاهدَ تراجيديَّةٍ قاسيةٍ، يقول: يِبسَتْ عذاباتُ القُبورِ... على التُخومِ... ولم تزلْ موتاً مُحالا منها أعودُ أجرُّ جُثماني... بوجهِ الرِّيحِ... أوقدُهُ سؤَالا... يتحدَّثُ عن عذاب القبر. ولعلَّ القبورَ هنا هي كلُّ الحضَاراتِ، وأشكالِ الموت اليوميِّ الذي تعيشُهُ هذه الأمَّة، هي مساحاتُ الدِّماء، والحزنِ، ورماديَّةُ الزمن العربي الذي لم ينتهِ... والذروةُ التراجيديةُ هي مشهدهُ /أعودُ أجرُّ جُثماني/ وهذا يذكِّرني بقول نديم محمد:
فلفظةُ /الجرِّ/ وما يوحيهِ من تبعثرٍ واصطدامٍ، وتعفرٍ بالثرى وتشظٍّ وألمٍ هي صورةُ مأساةِ المشهدِ العربي ومفارقاتهِ الاجتماعيةِ وفي كل الميادين. في البيتين الأخيرين من القصيدة: يا جلديَ المهزومَ لا ترحلْ... على قدرٍ أشدُّ بكَ الرّحالا عبر امتداداتِ الدَّمِ المكتوبِ احتقبُ الولادة والمُجالا لعلَّ خطابَ /يا جِلديَ المهزومَ/ هو خطابُ الظَّاهرِ والمشَاهَِدِ من الأشياء، وهو دعوةٌ للبقاء وللولادة من رحم العناء /كولادةِ طائر الفينيق/ فلابدَّ للدماءِ الذكيَّةِ التي ناضلت وقدَّمت كل غالٍ وثمينٍ أن تكونَ الطريق، ومنارةَ الدَّرب للولادة الجديدة. ينوسُ النصُّ بين مستويَين: المستوى الإنكساري اليأسي الحزني، ومستوى بقايا الأمل بإمكانيةِ الحياةِ والنهوضِ على قاعدة التضحيَّة والفداء. إطلالةُ الديباجة في النصِّ ـ والإطلالاتُ الإفراديةُ لمقاطع النصِّ ـ تحملُ تماسكاً شعرياً خاصَّاً، وتكثِّفُ بمفرداتِها دلالاتٍ إيمائيةٍ، ثريَّةً بمشهدِها وما توحي به، وتدلُّ عليه... لعلَّ مفردات/ التناص/ القليلة/ وأنا أنا/ والتي وردت لدى حامد حسن... ومفردة/ أجرُّ جُثماني/ الواردة لدى نديم محمد... تحمل مشروعيةَ الورودِ فهي ليست نقلاً ميكانيكياً جامداً، وليست استعارةً لكامل المعنى ولكلِّ الصورة... بل هي مفرداتٌ احتاجها الشَّاعر... واندمجت في لغتِه بمشروعية. حملت قدرةَ صياغتهِ وابتكارهِ لجُملِه ودلالتِها... كما أنَّ فضاءَ النصِّ العام، وقوةَ موسيقاهُ وإيماءتِها... أعطت زخماً خاصاً للنص... وقدَّمت مزجاً بانورامياً بين قدرة صياغةِ المفردة، والجملةِ، والإيقاع الموسيقى، والأهمُ من ذلك استحضارُ الدَّاخلِ النفسي /السايكولوجي/ الذي أحضره الشَّاعر وحمَّله تراتبيَّة نصِّه... إنَّها الولادة التي أرادها /عدنان خضر/ من رُفاة القبور، وإنها شقائقُ أدونيسَ التي أنبتها دَمُهُ بعد أن قتله الخنزير البريِّ. لا يغيبُ الرِّمزُ في النصِّ فمن قولهِ: فالصخرةُ كانت بيدراً، وتوزَّعت شُهباً بعد ولادتها الجديدة... ثمَّ بحُّ الينابيع بدلالة الجفَاف، بعدها وجاهةُ القرميد برمزيَّة العزِّ والتَّرف والزَّيف، إلى ساحاتِ النضالِ مع النُّهود وما تحت النُّهود، والذي هو الشاغل الجنسيُّ لكثير من المالِ العربي وأصحابِهِ عن كلِّ مكرمةٍ وواجب... إلى قولهِ: أجرُّ جُثماني ـ يا جلدي المهزومُ ـ...الخ... كلُّها قدَّمت ومَضَاتٍ في النصِّ وأغنتْ فضاءَهُ. وقدَّمت نصَّاً ملحميَّاً حملَ على عددِ أبياته غيرِ الكثيرةِ اختصاراً لكتبٍ كثيرةٍ وصَّفَت رماديَّةَ الزمنِ العربي. في قصيدة /جذوةُ الإصرار/ ص /23/ يقول:
واضحٌ أنَّ المدماكَ الشِّعريِّ لهذا النصِّ هو في بنائه العام مركبٌ إسلامي على الأقل، وحتى ما بعد الإسلامي. ويذكِّرنا هذا النصُّ بقصيدةِ الكُميت بنِ زيدِ في مدح الهاشميِّين:
إلى آخر القصيدة وهي كما أظنُّ من البحر الطويل... لأنَّ استعار /عدنان خضر/ البحر الطويل فإن قصده الشِّعريّ، وأغراضهُ ليست /مدحيَّةً/ هنا كما قصيدة الكميت لكنه استفاد من طول البحر في تحميل أغراضه الشِّعرية وبالتالي مساحة البيت في الاستيعاب والتحميل. حمل مطلعُ القصيدةِ المعاني التالية: ردُّ الشمس في البيت الأول هو طلبُ الضياء. والمعرفةِ والتبصر... لكن أنَّى له ذلك؟. فما أن يُشعل نُوراً حتّى يشجُبَ هذا النُّور... وما أن يُضيءَ شمعةً حتّى تخبو تلك الشمعة... البيت الثاني /أنا الميتُ الحيُّ/ يفسِّرُ الأول ويجلو معانيَهُ، فلا فائدةَ من إشعالِ الضَّوءِ، طالما هو ضلَّ دربَهَ /وأوغلَ في عتم الضَّلالةِ/ والمقاربةُ قرآنيَّةٌ هنا (وهم في ضلالتِهم يعمهُون) كما أرى... المطلع مطلعاً تشاؤمياً بشكل عام وهو يمثل المشهدَ العربيّ... فضمير المتكلّم هنا هو ضميرُ /النَحنُ/ أي العربِ وواقِعِهم... أما صورةُ /السِّيزيف/ في الأسطورةِ اليونانيةِ فلا الصخرةُ مرفوعةٌ... ولا هو ملَّ الصعود... بها إلى رأس الجبل، وما زالَ الأمل يحدوهُ بالخلاص... ينتقل الشَّاعر إلى ما هو سياسيٌّ في قوله:
لقد عاش الأمل بأن يهطلَ عليه شيءٌ من خيراتِ أمتهِ... لكنَّ السَّحاب مرَّ ولم يجِد ولو بالقليل من الغّيث، والبرقُ كما يشير إليه في هامشه هو /العون الأمريكي الخُلبيُّ/ المَوعود، وهناك الإشارةُ الصحارى النفط العربية، التي تزيَّنت وأعطت حُسنَها لهذا المستغل الأمريكي وهي تعلمُ أنَّ ما في جوفِها ليس لها، وأنَّها تأخذُ من الغنيمة أذنيها. يتابع الشَّاعر رسمَ رماديةِ المشهدِ العربي:
القاعُ الذي ورثهُ... هو التَرِكةُ الثقيلةُ من الواقع العربي، وحَراكهُ في هذا الواقع هو حَراكٌ عقيمٌ... فلا صبرهُ ينضبُ، ولا الأرضُ تعطي غلالها... إنها عبثيةُ الزمان العربي... ومراوحتُهُ خارجَ الواقعِ والمعقولِ والتاريخِ... هكذا يتابع الشَّاعر وصف الزمن العربي ورداءةَ هذا الواقع... ويختم قصيدتَهُ ببعض الرجاء والأمل بفجرٍ قادم:
وتقفَلُ قصيدتُهُ بقوله:
استطاع /عدنان خضر/ في هذه القصيدة أن يقدِّمَ نصَّاً شعريَّاً عمودياً تراثياً بمفرداتهِ وتراكيبهِ، وموسيقاه، وفضائِهِ العام، واستراحةِ أبياتهِ، وجدليَّةِ بناء مدماكِ البيت الواحد: أنا الميتُ الحيُّ. وأُشوى على الصَّدى. وأُسغبُ بمعنى أجوعُ، وأنَّ لي سوى أنِّى، وأنضيتُ، أشيمهُ. يتحلبَ، حَطَّمهُ القوس. تمحُلُ في كفي السِّهام. شدُّ الحيازيم، وافاني صٍّيبٌ، مرَّةُ العقم /المِرَّة بمعنى الشدّة/ فانكَّر منكبٌ... الخ، هذه الألفاظ والتراكيب هي من القاموس الشعري التراثي، ومع ذلك لم تكن نشازاً في مواقعها، بل سكنت موقعَها في الجملةِ الشِّعريةِ وأدَّت غرضَها. وأوصلت معانيَها بجذالةٍ معقولةٍ وجميلةٍ، ومبطنةٍ أحياناً خارج المباشر والمألوفِ... لقد استطاعَ الشَّاعر تقديم نصٍّ تراثي بمعانيه، ومفرداته، وبنائه الشكلي... لكنه أوصلَ من خلالِهِ. قضايا معاصرةً: الوطنُ ـ الأمةُ ـ الاستقلال ـ مشهديَّة الزمن العربي وانكساراتُهُ، أمانيُّ النهوضِ، وهذا ما عناه الشَّاعر بأنَّ القصيدة التراثية لا زالت قادرةً إذا أُحسِنَ فنُّ بنائَها على معالجةِ قضايا معاصرةٍ، وأنَّ ضوابطَ النصِّ التراثي لا تمنع الشَّاعرَ المتمكِّن من إيصالِ أغراضِهِ المعاصرةٍ. يقول /عدنان خضر/ من قصيدة /إلى ولدي/ وهي نصٌّ /وجداني/ بامتيازٍ:
واضحةٌ الوجدانيةُ الهادئة التي تسري بصدقٍ وعفويةٍ في تلافيف النصِّ... واضحٌ عمقُ الإحساس بالمسؤوليةِ تجاه الأبناءِ ومستقبلهم... واضحٌ القلق الهادئُ الدَّفين في أعماقِ الشَّاعر والذي يتسرَّبُ ويسمُ كلَّ حرفٍ في هذا النصِّ... يبني الشاعر في البيتين الأخيرين مشهداً وجدانياً ألفتهُ العيونُ والوجوهُ وقراءة القسماتِ، فالعتابُ الهادئ في عيني ولدِ الشَّاعر هذا العتابُ ينعكسُ مراراتٍ تسكن داخل الشَّاعر يطوي آلامه ويلمُّها ولا يبدي شيئاً من سماتِ /الشَّقاء المُرِّ/ كي لا يزيدَ معاناةَ ابنه وبالتالي ضياعَه، يشيعُ الحزنُ الهادئُ. وتعبُ الأيام في كلِّ مفردات النصِّ ومعانيهِ... فمن القلق على مستقبل الأبناء الآتِ... إلى الشعورِ بهاجسِ الرحيلِ في قوله:
وكأنَّ الشَّاعر كان يحسُّ بدنو أجله. وبأنَّ عُمُره قصير... النزعةُ التأمليَّةُ الهادئة قائمةٌ في النصِّ. وخطابُ الشكوى يسري خفياً في مفاصل النصّ. ومَسحَةُ التشاؤمِ تغلِّفُ النصَّ، قدَّم /عدنان خضر/ مدخلاً تراجيدياً يتسلل عميقاً في النفس.. تتابع القصيدةُ تداعياتِها المختلفةِ: (الوجدانية)
المعاني واضحةٌ في النصِّ. وهي امتدادٌ وتوضيحٌ وتصويرٌ آخرُ للمعاني الأولى في مطلعِ القصيدةِ، ومَسحةُ الشكوى والتشاؤمِ واليأسِ تغلِّفُ النصِّ... بحزنٍ دفينٍ. في وصف المشهدِ العام الاجتماعي. الطبَقي يقول الشَّاعر:
يختم الشَّاعر قصيدتَهُ بالعودةِ لخطابِ ولدِهِ.. ولعلَّهُ خطابٌ للنفسِ:
لا أريدُ الإطالة أكثر من ذلك فالرحلة مع /عدنان خضر/ وشاعريةُ ومَضَات العمر القصير، رحلةٌ تطول وتحتاجُ الوقوفَ والتأني في قراءة مفاتن إبداعها، وسبكِ معانيها. واستراحةِ نصِّها، ودويِّ قوافيها. وموسيقا الحزن الداخلي... وهاجسِ الرحيل الذي يسري في نبض ألفاظها ومعانيها. كل قصائد ديوانه /أغنياتٌ مجرَّحةٌ/ هي تفاصيلُ هذا العنوان الكبير، فهي معرفياً وفنياً أغانٍ (أغانيٌ) إنسانيةٌ وتملك شروطَ الأغنية البكر. لكنّهُ غناءُ الرَّحيل، وهدهداتُ الحزنِ، وإيقاع الزمن الرمادي، والتَوقُ إلى عوالم الأمل والصفاء... عوالمِ أحلام الشاعر، واقعية /عدنان خضر/ في رسم ملامح مشاهد الحياة أغناها قدرةُ الشاعر على رسم صُورهِ خارج المُباشر والخطابي، واستحضارُ الكثير من الرموز: المحراث ـ البيدر ـ الحفيظة ـ التشوُّف ـ الغراب ـ القرميد.. إلخ. جاءت رموزُهُ في مواقِعها.، وأدت دَلالة الرمز. أمَّا بحورُ /عدنان خضر/ فاستراحاتها طويلةٌ ساعدتْهُ في تحميل مخزونِ معاناته العميقةِ الهادئةِ... صفاءُ الديباجة، ودويُّ المطالعِ لديهِ، وسلاسةُ الانتقالِ بين المقاطعِ، والحفاظُ على نمط الجَودةِ في القصيدةِ الواحدةِ على امتدادِها. الخواتمُ الشِّعريَّة في قصائد /عدنان خضر/ تحملُ حِكَماً وأَمثالاً وتقفلُ إقفالاً يقاربُ الإحكام. يسبقُه تدرُّجٌ في مستوى الخطاب يصلُ في البيت الأخير لمحطةِ الوقوف. لا يبدو ضعفٌ واضحٌ في نصوصِ /أغنياتٌ مجرَّحةٌ/ رغم طول بعض القصائد والشكوى على محور واحدٍ.. لكنَّ تلاوين الأبيات وتنوِّعَ تجليَّاتِ الشكوى، وصورها يُغيِّب التكرار الصُّوري. ويرفدُ النصَّ ذو المحور الواحد بمشاهدَ مختلفةٍ.. تُخفِّفُ جفافَ المحور الواحد، وتُظهِرُ قُدرةَ الشَّاعر على كشفِ مداخلَ مختلفةٍ وفضاءاتٍ، وألوانٍ، وأطيافٍ شتى في المحور الواحد /الحزن والشكوى مثلاً/ /رمادية المشهد العربي/. /تجليات المشهد الاجتماعي/. أختمُ بقصيدة.. /الحبُّ الخالد/ من ديوان: أغنياتٌ مجرَّحةٌ/ ـ ص /104/ يقول:
رحل عدنان خضر. لكن في تقديري ترك إرثاً شعرياً يُعتَّدُ به.. احترقَ بوهج نورِهِ الداخلي الذي قالَ عنهُ المتنبي: /ذو العقل يشقى في النعيمِ بعقلهِ/. هذه بعض إيقاعات العُمر القصير عند /عدنان خضر/.. لأَنْ رحلَ باكراً فقد سبقه كثير من المبدعين ذوو العمر القصير.. سبقه: بوشكين ـ رامبو ـ عبد الباسط الصوفي ـ ووصفي القرنفلي ـ بدر شاكر السَّياب ـ سيد درويش.. وخليل حاوي ـ وعبد الله عبد ـ وجورج سالم وسعيد حورانية وعزِّت دلاَّ والكثيرون عربياً وعالماً.. إنَّها ومضات العمر القصير. لم تطق أجسادُهم وهجَ نور عقولهم فاحترق الجسد بنورِ العقل وفيضه اللافح، غادروا وأغاني الدربِ بوحُ النرجسِ بين الصخور.. إليهم جميعاً أهدي التحية.. تحية الإبداع والوفاء للمبدعين. تحية التقدير لإيقاع العمر القصير.. |