مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 410 حزيران 2005
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

رسـالة الشارقة: أيام الشارقة المسرحية... تنال اعتراف الهيئة العالمية للمسرح الدورة الخامسة عشرة تتضمن مفاجآت كثيرة (من 16 – 24 مارس- 2005) ـــ هيثم يحيى الخواجه

"أكد صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة بأن أيام الشارقة المسرحية وصلت إلى مراحل متطورة من الرقي نالت بها اعتراف الهيئة العالمية للمسرح.‏

وقال: (إن هذا الاعتراف ليس ارتجالياً، وإنما ينبع من مراقبة ودارسة ومتابعة لهذه التظاهرة التي حققت هذه المكانة بفضل جهود العاملين في هذا المجال).‏

وأشار إلى التعاون الوثيق بين الشارقة ومنظمة اليونيسكو ودعا إلى الاستفادة من الرسالة الفكرية التي تقدمها هذه التظاهرة... وألقى سمو الشيخ عصام بن صقر القاسمي رئيس دائرة الثقافة والإعلام في الشارقة ورئيس اللجنة العليا للأيام كلمة وضّح فيها أهمية هذه التظاهرة وقال: (قدراتنا في خدمة المسرحيين).‏

وألقى سعادة الأستاذ صقر غباش وكيل وزارة الإعلام والثقافة كلمة قال فيها: (غدت معالم هذه التظاهرة المسرحية الرائدة واضحة وراسخة حيث أخذت لها مكاناً مميزاً على المستوى العربي).‏

وشكر المسرحي الأستاذ عمر غباش حاكم الشارقة على مبادرة سموّه بدعم النشاط المسرحي لكافة الفرق على مدار العام.‏

وألقى رامندو ماجمدار نائب رئيس الهيئة العالمية للمسرح كلمة أعرب فيها عن أن الهيئة تحترم الخصوصيات الثقافية كلها، وتعمل على دعم الثقافات الناشئة واختتم كلمته قائلاً: (إننا أهم أصحاب ثقافات وحضارات، ولا يستطيع أحد إلغاء الهوية الثقافية للشعوب، وعطاؤنا الفكري يجعل الغرب يدرك أن الحوار الحضاري فقط هو الذي يوصل إلى قواسم مشتركة لمصلحة الإنسانية...).‏

وبعد التعريف بأعضاء لجنة التحكم (الأستاذ محسن العزاوي ـ العراق ـ الأستاذة نائلة الأطرش ـ سورية ـ الدكتور صالح سعد ـ مصر ـ الأستاذ جمعان الرويعي ـ البحرين ـ الأستاذ إبراهيم سالم ـ الإمارات ـ).‏

قدّمت الفرقة المسرحية اللبنانية (مآارش) عرضها المسرحي الذي سمَّته باسم الفرقة، وهو عمل ينتمي إلى المسرح الحركي الصوتي وأخرجه المسرحي عصام بوخالد معتمداً فيه على الدلالة والفعل ورد الفعل، فقد عكس ظلامة الشعوب أمام القهر والاستبداد والقوّة والظلم، وأبرز فعل الديكتاتورية في تشويه الصورة الإنسانية وعلى الرغم من أن العرض خلا من الحوار النصي إلا أن لغات عديدة في العرض تماهت للإثارة والتشويق وتوصيل الهدف الأعلى من العرض وإذا كانت السوداوية قد سيطرت على العرض، فلأن رؤية المخرج انطلقت من إيمانه بفداحة ما يحدث، ولهذا تنوع الطرح الوحشي والتعرية الصريحة عبر مجاميع وكتل تتحرّك على الخشبة بفاعلية ودراسة واعية ترافقها موسيقا معبِّرة وإضاءة مؤثرة وديكور بلا ملامح، لكنه جدار إسمنتي يتحوّل إلى فضاء وعمق وبارجة للجنود وغير ذلك.‏

يقول مخرج العرض عصام بوخالد:‏

(أشبِّه هذا العرض بالرسوم المتحركة... فيه مبالغة عالية أو قل سخرية سوداء، أما اللغة فليس فيها سوى كلمة مارش مفهومة، وما دون ذلك تجد العربية والعبرية والألمانية والإسبانية والفرنسية واليابانية... لماذا؟ لأنَّ المسرح عملية خلق طاقة على الخشبة يقوم الممثل ببعثها في الجمهور إن امتصها نجح العرض، ونحن في (مارش) نستفز الانفعال على مستوى البحث المسرحي على حساب الكلمة المفهومة).‏

في أيام الشارقة المسرحية تنافست العروض الثلاثة عشر على الجوائز قدمتها مسارح دولة الإمارات وهي: (بقايا جروح ـ مركب النار ـ تخاريف حصان ـ خطوة ـ مرادي ـ للحب بقية ـ بحسن نية ـ انتبه قد يحدث لك هذا ـ آه... قلبي ـ مواويل ـ حكايات من أزقة العالم الثالث ـ النقرس ـ السدادة).‏

ففي المسرحية (بقايا جروح) لمسرح رأس الخيمة الوطني يركِّز المؤلف إسماعيل عبد الله على الدراما الاجتماعية من خلال حكاية عن مجتمع الإمارات ما قبل قيام الاتحاد، وتدور المسرحية في فلك الطمع المادي وفقدان الإنسانية إلا أن المؤلف لم يستطع أن يسحب الحدث إلى عموميته الإنسانية إلا أن المؤلف لم يستطع أن يسحب الحدث إلى عموميته الإنسانية فبقي يدور في فلك الماضوية دون إسقاط معاصر يجعل المتلقي متفاعلاً معه... والذي فعله المخرج ناجي الحاي هو أنه كان أميناً على النص وتمحورت قراءته الإخراجية حوله دون رؤية جديدة تتجاوز النص. وجاء التمثيل ليرفع من قيمة العرض إذ تميز الأداء بالحضور والتأثير عند الممثلين جميعهم وأخص بالذكر هدى الخطيب وعائشة عبد الرحمن والدكتور حبيب غلوم وسعيد عبيد... هذا ولم يستطع الديكور أن يحقق الدلالات المرجوة منه فبقي كتلة جامدة على خشبة المسرح.‏

أما مسرحية (مركب النار) التي عرضها مسرح جمعية كلباء للفنون الشعبية تأليف فلاح شاكر وإخراج عارف سلطان فقد تميزت بالتشكيل السينوغرافي للمكان وبالرقصة التعبيرية في افتتاحية العرض الذي حاول أن يعكس العلاقة بين فكرين مختلفي الجنسية والديانة والهدف... بين الليث البحار وبين باولو الطاغية الذي يرغب بالوصول إلى بلاد الهند بأي ثمن للاستيلاء على ثرواتها... الخ، فالنص بحاجة إلى مزيد من التماسك والنضج، وما يسجل لصالح هذا العرض هو الأسلوب التعبيري في العرض الذي عكس جماليات بصرية مبهرة، وكذلك إضاءة ياسر سيف التي وظفت مع الموسيقا توظيفاً جميلاً.‏

وفي مسرحية (تخاريف حصان) لفرقة مسرح خورفكان للفنون التي أخرجها وألَّفها الفنان ناصر كرماني ومثل فيها بلال عبد الله وجمال الجسمي وحنان شاكر ومجموعة من الممثلين (الجوقة) يركِّز المؤلف على مشكلة تحديد الهوية والانتماء وهو طرح يتّصف بالجرأة، خاصة وأن أزمة الانتماء قضية ملحة في وطننا العربي. وقد جاءت هذه الفكرة من خلال نسيج درامي ينطلق من الأنا باتجاه الـ(نحن) إذ يتشظى الصراع النفسي ليشيع إرباكات بين أفراد المجتمع، ولئن حمل النص بعض الثغرات في بنائياته الفكرية إلا أن لغة العرض كانت جادة وخاصة عند الممثل بلال عبد الله الذي كان حضوره ضافياً، وكانت تعبيراته الجسدية مثيرة ومدهشة وما يحسب للمخرج الاستفادة من السينما وخيال الظل وما يؤخذ عليه جعل الفعل المسرحي في أكثر من مكان بحيث يحار المتلقي كيف يتابع الأفعال كلّها في وقت واحد ولم تحقق مسرحية (خطوة) التي ألَّفها شريف العوضي، وأعدّتها التفات عزيز، وأخرجها الفنان عمر غباش لمسرح الفجيرة القومي حلم المتلقي بمشاهدة عرض متميز، ولعل ذلك يعود إلى القراءة الإخراجية التي لم تتجاوز حرفية العرض ومحيطه... المسرحية تدور حول خلاف نشب بين زوجين بسبب أعباء الحياة والعمل...، وعلى الرغم من أهمية الفكرة إلا أن مستوى الإخراج كان عادياً، ولعل ذلك يعود إلى عدم نضوج العرض وأن التدريبات لم تكن كافية فهناك دلالات غير موفقة وإسقاطات لا مسوغ لها، وتمثيل اقترب من الخطابية والافتعال وتنافر في اللغة النصية (فصحى+عامية)، وغير ذلك من أمور فنية أساءت إلى مستوى العرض.‏

ويأتي عرض "مرادية" لمسرح دبا الحصن ليظهر قوة في التمثيل وقلقاً في الإخراج... المسرحية تأليف سالم الحتّاوي ومن إخراج أحمد الأنصاري... وعلى الرغم من جماليات العرض والأبعاد الإنسانية التي تضمنها العرض، وعلى الرغم من توظيف المخرج لأدواته الفنية إلا أن حالة التناغم العليا بين النص والقراءة الإخراجية لم تتوافر في العرض... إن المخرج أحمد الأنصاري الذي استطاع خلق فضاءات جميلة في العرض إلا أن ذلك لم يحقق حالة الإدهاش في العرض الذي قامت أفكاره على أبعاد إنسانية ووطنية والذي استند على نص يوضح علاقة تجمع بين ضابط مأزوم وجندي بسيط لديه ما يكفي من الأحلام... إنها علاقة تبنى على أحداث درامية لتعرّي سمات الضابط والجندي ومن خلال ذلك نتعرّف على واقعنا العربي المهزوم، ويتصدى المخرج قاسم زيدان لمسرحية (للحب بقية) التي قدمها مسرح شمل برأس الخيمة... تطرّق العرض إلى فكرة إنسانية تضمنّت مجموعة من الأزمات وعلى رأسها استغلال الإنسان وتحويله إلى سلعة... لقد حاول المؤلف عبد الخالق كريم أن يروي لنا حكاية امرأة قادتها ظروف الحرب إلى العمل في الرقص حتّى تصير بائعة هوى... لكن المشكلة في التأليف تكمن في سرديته وابتعاد أغلب مشاهده عن الدراما واقترابها من الخطابية والمباشرة.‏

ولئن حاول قاسم زيدان أن يعمّق لحظات النص، وينأى به عن المباشرة من خلال اعتماد جماليات بصرية مثل الرقص التعبيري وبعض مفردات السينوغرافيا إلا أن اجتهاداته التي يشكر عليها لم ترقَ بالنص إلى مستوى الإعجاب والإدهاش...‏

وتعتبر مسرحية (بحسن نية) التي عرضتها فرقة مسرح دبا الفجيرة من المسرحيات التي تجاوزت المحلية واتّجهت نحو الإنسانية، وعلى الرغم من أداء الممثلين الجيد، فإنَّ ما شاب العرض بعض الهنات في فكرة العمل بسبب توزع الأفكار وانتقالاتها، لأنَّ المؤلف عبد الله مسعود أراد أن يقدّم وجبة دسمة في عرضه فمالت المسرحية إلى السردية، ولأن المخرج خليفة التخلوفة الذي قدّم جهداً واضحاً في القراءة الإخراجية وفي السينوغرافيا إلا أنه لم يحقق جماهيرية في العرض بسبب بعض الخيوط التي تحتاج إلى إعادة نظر مع أن في المسرحية إيجابيات لا يمكن إغفالها مثل النهاية التي أكدت بأن الفن معني بزراعة الأمل وأن في مكنة الإنسان مواجهة التحديات الكبيرة.‏

ويعود المخرج السوداني (يحيى الحاج) إلى ساحة النشاط العملي فيتصدى إلى مسرحية (انتبه قد يحدث لك هذا) من تأليف أحمد الماجد وإذا كانت المسرحية تتبنى قضية إنسانية تتعلق بمصائب الحياة (الزلزال) إلا أن الكاتب لم يتوقف عند هذه النقطة، بل تجاوز ذلك ليفضح بعض المفاهيم التي تبنتها الطبقات المجتمعية وأصحاب المصالح. من ذلك الاهتمام بالكلب وإهمال الإنسان، ومن ذلك السبق الصحفي، ومن ذلك الاستفادة من الواقع لتحسين الوضع المعيشي...الخ.‏

المسرحية تتضمن طرحاً لافتاً لأزمة الإنسان الحقيقية عندما يواجه المصائب وقد كانت القراءة الإخراجية ذات منهج كلاسيكي إذ تمحور الأداء عبر مستويين العلوي يخص الذين لم يصبهم الزلزال والثاني السفلي الذين أصيبوا بالزلزال (الحارس ـ والكلب) ولهذا توضح الصراع الداخلي عند الحارس بشكل كبير بينما غلب السرد على بقية الشخصيات ولم يتشظّ إلى أبعاد جوانبه كان يمكن للمؤلف أن ينتبه إليها.‏

كان الديكور الذي ملأ فضاء المسرح واقعياً وكذلك القراءة الإخراجية فقد انهمك المخرج بالحارس العالق تحت الأنقاض (جاسم الحزاز) الذي تميز بأدائه، ولم يهتم كثيراً ببقية الممثلين وأعتقد لو أن المخرج اعتمد الشرطية في الإخراج وركز على الأداء والإضاءة والموسيقا لحقق العرض نجاحاً كبيراً.‏

وفي ذات اليوم قدَّم مسرح الشباب للفنون مسرحية (آه... قلبي) وهي حكاية شعبية مستمدة من حكايات البحر التي تبرز الصراع بين النوخذا وبين العامل البحار هذا الصراع الذي استند على المال لإذلال الصياد الفقير.‏

وما يميز هذه المسرحية أنها انحازت إلى تأصيل المسرح العربي فقد اعتمد المخرج محمد العامري على الفرجة المسرحية بحيث يجلس الجمهور حول الجدران الأربعة التي ظلّت مفتوحة من خلال العريش فالمسرح عزبة أو أشبه بالعزبة والجمهور ملتصق بالممثلين والحدث عبر مناخات جد شاعرية ورومانسية، فالكاتب أحمد بورحيمه قدم نصاً يستنطق واقع الحكاية في زمن الغوص ليبرز الاستغلال والتسلُّط الذي لا يعرف مكاناً ولا زماناً... إن مسرحية (آه قلبي) حملت أبعاداً فكرية حيّة من خلال حكاية قابلة للحدوث في أي زمان وأي مكان، فالنوخذا المتسلِّط هو التاجر المتحكم اليوم، هذا ولم يكن الاتِّكاء على الماضي بغاية الهروب، ولكن بغاية الاستفادة والتطلّع إلى الحاضر والمستقبل ولهذا بدا العرض دافئاً، فالعجوز تنتظر عودة الغائب المظلوم، وقصة حب، وانتظار لطيفة بين سالم واليازية... وهناك قصة طفلة ودّت أن تضحي وتتزوج الظالم من أجل أمها وأخيها ووالدها الغائب...الخ.‏

كان العرض قصيدة مسرحية متفوقة، لتكثيفه الأحداث ومعالجتها بأسلوب فني راق، وقد أضافت السينوغرافيا للعرض جماليات بصرية، وأثارت النزوح الإنساني لدى المتلقي.‏

ويقدم مسرح الشارقة الوطني مسرحية (حكايات من أزقة العالم الثالث)، وكان وراء العرض المخرج العراقي المعروف قاسم محمد الذي كان مايسترو العرض حيث حقق التناغم المطلوب والتواصل مع الجمهور بأسلوب السهل الممتنع الذي وجه به الممثلين على الخشبة، فالحركة مدروسة ولغة التخاطب واضحة والتعبيرات الجسدية والإيمائية موظفة... أما السينوغرافيا فقد لوّنت بألوان متعدّدة لتحقيق المتعة البصرية.‏

الجدار الرابع مفتوح واللعبة بين الجمهور وفي قلبه، والخشبة عبارة عن خشبتين، عندما يدور الحدث في الأولى ينقطع في الثانية وفي بعض الأحيان يكون الحدث مشتركاً... في الخشبة الأولى الرجل الذي صار كلباً، وفي الثانية حكاية صديقنا بانجيتو، ولكن الاتجاه الاستعبادي واحد واستغلال إنسانية الإنسان واحدة، والمؤلف الأرجنتيني أزفالدو دراكون واحد.‏

لقد زاوج المخرج قاسم محمد بين النصَّين بمكنة فنية واضحة ودراسة عميقة لكيفية تحريك الممثل وإقناع الجمهوري، وقد أبدع الممثل حميد سمبيج في الأداء، كما أبدع محمد العامري في تطور شخصيته وانقلاباتها... لقد كان الجمهور معجباً بالعرض، وإذا كانت لي ملاحظة فهي الاختصار والتكثيف، إذ كان يمكن أن يتخلص المخرج من التكرار الذي كان واضحاً.‏