مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 410 حزيران 2005
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

قصص العدد الماضي ـــ محمد قرانيا

ضم العدد 409 من مجلة الموقف الأدبي الصادر في الأول من شهر أيار عام 2005 القصص الآتية:‏

1 ـ اللعبة. قصة:د.صلاح الخزعلي. العراق.‏

2 ـ يوم تعرّى النهر. قصة:محمد محيي الدين مينو. سورية.‏

3 ـ اللولب. قصة: مفلح العدوان. الأردن.‏

4 ـ اعترافات صغيرة. قصص: كلاديس مطر. سورية.‏

5 ـ رجل الثلج الدافئ. قصة: محمد حسن محمد. سورية.‏

6 ـ صورة العروس. قصة: هدى يونان ـ سورية.‏

7 ـ الجدار الخامس. قصة: ابتسام تريسي ـ سورية.‏

أولاً: اللعبة. قصة: د.صلاح الخزعلي‏

حقاً إنها لعبة... الحرب التي أصبحت لعبة تنشب حسب أمزجة القادة الذين يجدون فيها متعتهم، فيحركون الجنود كما يحرك اللاعب أحجار الشطرنج، ولا يهمهم من يسقط ومن يترمّل..‏

صاغ الكاتب القصة بأسلوب التجريب الفني الذي يعتمد الرموز لشخصياته بدلاً من الأسماء، بوصف هذه الرموز أدوات مغفلة السمات، يحركها الملك أو القائد حسب إرادته ووفق مزاجه، بينما ورد اسم الملك والملكة واضحين من دون رموز، وفي ذلك إدانة للتمييز العنصري، ومن ثم تعرية للفوارق الاجتماعية الطبقية، والتي عبر عنها أيضاً بصيغة أشد عنصرية حين وصف الجنود بالبيض والسود.‏

تقوم شخصيات القصة على البعد الرمزي الإنساني المهمّش أمام طغيان الملك، لذلك بدت الشخصيات كرتونية، على الرغم من أنها تحمل بذور التمرد والغليان على الظلم الذي تلاقيه من قيادتها المتفككة، فالملك يحكم على جندي استطلاع بالإعدام، لكن الملكة تقنعه بإصدار عفو عنه لئلا يتمرد بقية الجند على الملك، والملك يشك في زوجته الملكة،في إقامة علاقة عاطفية مع أحد أفراد الحرس الخاص بها، فيشهر عليها مسدسه، ويضغط على الزناد كي يقتلها، لكنه يجده مفرغاً من الرصاص بتدبير من الملكة التي قررت قتله، لأنها لم تعد تحتمل برودة فراشه المقيتة..‏

حاولت القصة تجسيد واقع ترميزي متفكك، سواء على مستوى علاقة السلطة بجنودها، أو على مستوى العلاقة الأسرية بين الملك والملكة، وفي ذلك إشارة إلى المآل الذي سينتهي إليه حال الدولة، وقد تجلى في البداية من خلال سأم الجنود من الحروب المتواصلة "الملوك يدفعوننا لذلك" فيعلنون تمردهم على أوامر الملك، ويتفق البيض والسود معاً، للدلالة على أن العداء ليس بين الشعوب، وإنما بين الملوك، ويصطف الجندي الأبيض إلى جانب الجندي الأسود، فتنجلي اللعبة عن تنحية الملك والملكة، واستلام الجنود مقاليد الحكم، وهنا تعاد اللعبة، إذ ما يلبث أن يظهر قائد قامع وجندي مقموع، فما إن يرشح أحدهم لاستلام زمام الأمر، حتى يصدر حكمه الملكي على أحد رفاقه، لأنه أبدى رأياً لا يتفق مع رؤيته الملكية، متوجاً عهده الجديد بقوله: "هذا الجندي يثير الفوضى، يجب القضاء عليه".‏

إن الكاتب يفجّر الأحداث، ويحرّض النفوس، ويعرّي الحكام، ويجعل الأحداث تتشظى وتتجزأ، والشخصيات تتجرّد عن إنسانيتها أمام بريق السلطة، إلى الحد الذي تضحي فيه بأعز الناس إليها؛ الملكة بالملك، والملك بالملكة، والجندي بالجندي والأبيض بالأسود، حتى نشهد أننا أمام مشهد دراماتيكي، تتوالى لقطاته المؤثرة، ويقتتل ممثلوه وتزهق الأرواح من أجل لا شيء، سوى حب الزعامة، وهو مشهد ترميزي يعبر عما يحيق بالأمة العربية والعالم من أحداث صاعقة لا تسير وفق نواميس إنسانية مقنعة، فالحرب كما ورد في النص"ليست حرباً عادلة كما يدعون إنها حرب عنصرية خُطط لها من أجل القضاء على أحد الأعراق البشرية، ولولا يقظة السود وتربصهم بالبيض لأبيدوا جميعاً. لماذا يصر القانون على أن البيض لهم الحق دائماً على توجيه الضربة الأولى سأغيّر قانون اللعبة...".‏

ونحن نريد ذلك، ولكن هل صحيح أن قانون اللعبة سيتغيّر؟!...‏

ثانياً: يوم تعرّى النهر، قصة: محمد محيي الدين مينو.‏

تبتدئ القصة سردها بعبارة "ابني الحبيب حسن" وهذا المفتتح يندرج تحت أساليب الرسائل، وقد تأكد ذلك في نهاية القصة، إذ عمدت المرأة/ الأم إلى كتابة رسالة وسلمتها إلى جمعية الهلال الأحمر، بعد أن مُنعت المرأة من زيارة ابنها في سجن أبي غريب.‏

لكن القصة لا تكتفي بديباجة الرسالة، وإنما تستخدم هذه التقنية للدخول في تفاصيل الحياة القاسية التي تعيشها الأسرة العراقية، في أحوال القمع السلطوي والحصار والاحتلال، وهذا ما حدا بالكاتب لاستخدام لغة زئبقية حادة الوقع لتوصيف الحالة الاجتماعية التي تمر بها الأسرة العراقية في ظل هذه الأنظمة القمعية، بوصف اللغة الإبداعية قابلة للتعبير والتغيير بحسب الحالة الإنسانية التي تصورها من جهة، وبحكم المتخيّل الزئبقي الفاعل فيها، فضلاً عن الحرية الفنية التي يتمتع بها الكاتب في لحظات الإبداع، وأن اللغة هي العمود الفقري لبنية القص، ولأن الساردة أم مفجوعة من قبلُ بزوجها وولدها ووطنها، وبجسدها الذي تدهورت حالته الصحية، فغامت الرؤية وتلاشت الأبعاد...‏

تحكي القصة حكاية أم عراقية توالت عليها النكبات، لكنها احتفظت بملامح الأم العربية التي تصمد أمام المصائب، وجسّدت (أسماء) العصر، فصبرت على اتهام زوجها الذي اتُهم بانتمائه للحزب الشيوعي، وسجن خمس سنوات، خرج بعدها مكسور الظهر، على الرغم من براءته، كما سُرّح من وظيفته في وزارة الثقافة، وأمضى بقية عمره ببيع الكتب في شارع المتنبي ببغداد، وهاهي تناضل من أجل حرية ابنها، الذي شاهدته جارتها أم جواد على شاشة التلفاز عارياً، تجره مجندة أمريكية شقراء بالحبل مثل كلب سلوقي...‏

إن هذه الصورة تثير لدى المرأة مشاعر الأمومة، فتستدعي الذاكرةُ منظرَ عرِي ابنها لحظة ولادته وساعة ختانه، وبقدر ما حرص الكاتب على التركيز على قضية احتلال العراق من خلال وضعية الابن في سجن أبي غريب، فقد نجح في رسم ملامح صورة الأم الشجاعة، ورصدت القصة بعض ملامحها الجسدية، وأظهرتها شخصية واضحة وبسيطة، تنمو بتنامي الحدث ولحظات الاستذكار، ولكنها حمّلتها ـ على الرغم من بساطتها وعفويتها ـ حمولةً ثقافية عالية، وشحنتها بمشاعر انفعالية وطنية لا تقلّ عن مشاعر أمومتها، ولكنها تتجاوز دورها الأمومي في حرصها على حرية ابنها، إلى دورها الوطني المشبع بنقاء العروبة وصفاء الشرق، وذلك من خلال التركيز على النقيض، المتمثّل في مواصفات المجندة الأمريكية التي لا تقيم للقيم وزناً، وقد رسمت صورتها الغريبة بما يتماشى مع ثقافتها ومواصفات مجتمعها المتفكك.‏

لقد كانت صورة المجندة الأمريكية في مخيال المرأة، كما هي في مخيال كل عربي "هذه المرأة الشقراء تحسبنا مثل الزنوج، أو مثل الهنود الحمر، وتحسبنا مثل سيدها في البيت الأبيض عبيداً له ولأبيه من قبله، هذه المرأة لو عرفت رجلاً مثلك[لابنها] لعرفت معنى الرجولة، ولكنها لم تعرف إلاَّ الكلاب ولحم الخنزير والهمبرغر والبترول ومايكل جاكسون وصديقها العريف تشارلز جرانر..".‏

في هذه الالتفاتة الوطنية تدين المرأة السلوك الخلقي للثقافة الأمريكية، وبهذا الوعي المتألق تتجاوز الشخصية القصصية الساردة بساطتها، مع أنها لم تتميز من غيرها بالثقافة اللازمة لإصدار مثل هذا الحكم، ولعلنا نجد لذلك العذر والمسوغ في اندفاع القاص الوطني العارم، وردة الفعل تجاه الاحتلال ومخازيه التي يندى لها جبين العربي المسلم.‏

إن المرأة الساردة تأخذ دور الشخصية التي تعلم كل شيء عن نفسها وعن غيرها، فترحل مع المجندة الأمريكية التي تعود إلى بلدها، وهي حامل من غير زوجها، ولعل هذا من شأنه أن يدفع الخطاب القصصي لرصد حالة ساحقة أخرى، ليس من أجل تغيير توجهٍ معين أو فكرٍ محدد، بل للدخول في متاهات الإنسان الذي تعذب من دون أيّ جرم اقترفه، وهو لون من ألوان الحس الوطني، بوصف الدفاع عن الوطن لا يشكل جريمة، وإنما هو فرض عين على كل مواطن، ولكن هذا (العلم بكل شيء) الذي تحلّت به المرأة بدا ناقصاً عندما عاتبت الساردة جارتها أم جواد لأنها لم تعلمها بأن شباباً غير ابنها عراة يقبعون معه في السجن.. وهذا يتناقض مع معرفة كل شيء عن المجندة..‏

استطاع أسلوب الاستذكار والاسترجاع أن يمزج الماضي بالحاضر، ويقيم توازناته وتناقضاته الفنية، فالفتى الصغير الذي يتعرى للسباحة في نهر دجلة في زمن السلم لا يُنظر إلى عريه إلاَّ بعين الواقع المعتاد والأمر الطبيعي، أما تعرية الشاب بين يدي المجندة الأمريكية في السجن، فله شأن آخر في المنظور القيمي العربي الإسلامي، وقد مازجت القصة بين عريٍ وعري، وبين حمامة وحمامة، فحمامة الصغير تطير في أثناء الختان وسط مظاهر الفرح والبهجة، بينما هذه الحمامة تعني شيئاً آخر أمام نظرات المجندة الأمريكية، كما أنها تنقلب إلى رمز إنساني حي، حين يصطاد رصاص الاحتلال كل حمامة تحلق في سماء بغداد.‏

إن هذا التماهي والتمازج الفني، ينم عن تمرس وخبرة في امتلاك الكاتب القدرة على إذابة الفوارق الزمنية والسردية بين الساردة من جهة، والشخصية والاحتلال من جهة أخرى، ويجعل السرد القصصي يندمج بروح الساردة، وعبر رؤيتها الوطنية والأمومية ـ والسارد في المصطلح الأدبي، هو الذات الثانية للكاتب ـ ويجعل المتلقي ملتصقاً بالنص متعلقاً به، إضافة إلى قدرة النص على التوغل في أعماق النفس البشرية، فيعريها بصدق، ويكشف عن نواياها بحق، ويقدمها إلى القارئ كما هي، لا كما يجب أن تكون، ولكن ذلك لم يتأتّ لها إلاَّ بعد تفكيك الأحداث وتجزئتها، ومن ثم العمل على تجميعها وإعادة تنضيدها على نحو موازٍ لجذرها الواقعي، ومخالف لما قال عنه تودوروف " زحزحة التطابق بين النظام التتابعي للأحداث الموصوفة وبين نظام تواليها في النص"...‏

إن جمالية القصة تجلت في التقاط الواقعي الملموس، وإعادة صياغته بأسلوب فني خال من التعقيدات المفتعلة، وعلى الرغم من أنه يحمل شيئاً من المفارقات إلاَّ أن الأحداث تتسلسل بهدوء، وتنساب كنهر يجري في أرض منبسطة، لذلك يمكن أن نميز في النص ثلاثة ثوابت أسلوبية تتجلى في:‏

1 ـ الحرص الشديد على (الحكائية) فالقصة تجمع مادتها من أحداث متلاحقة تعيش في عقل الساردة، وتؤثر على حركتها وتوجهها وحياتها بصورة عامة.‏

2 ـ التركيز على الشخصية الشعبية التي تحمل مقومات وجودها على أرض وطنها، وتؤمن بالسعي لتحرير ابنها رمزاً لتحرير الوطن، في مقابل الشخصية الغربية المحتلة التي لا تؤمن بقيم أو معايير وجود.. فضلاً عن أن القصة قد أتت على بعض الشخصيات الثانوية التي وظفت لإبراز الحدث، وهي من الشخصيات الشعبية المهمّشة ذات البعد الوطني.‏

3 ـ الاهتمام باللغة التي تلائم الشخصية، وتراعي لهفة الأمومة، وهي تلوب من أجل الوصول إلى ابنها، والتي عرّت من خلال لهفة الأمومة أوضاعَ الاحتلال ومخازية، فمازجت بين الأمومة والوطن، ولكن برؤية أم مثقفة تجاوزت شخصيتها الشعبية، مع أنها حرصت على البساطة والعفوية والاقتراب من لغة الحياة اليومية، وقد اغتنى دورها بالاستذكار، واسترجاع جمال الماضي وبراءته، أمام قسوة الحاضر وبشاعته.‏

ثالثاً ـ اللولب. قصة: مفلح العدوان.‏

هذه قصة إشكالية بكل ماتعني الكلمة في لغة الحداثة الأدبية، ولعل في ذلك تعبيراً عن طبيعة العصر من وجهة نظر المثقف الذي بات يرى كل شيء غريباً وغير معقول، حتى عاطفة الحب صارت عاطفة مرفوضة في زمن الحاسوب والعلاقات الإنسانية التي تمردت على طبيعتها في الزمان والمكان.‏

تجنح القصة إلى دمج المعقول (الحب) باللا معقول (ظهور بوادر الحمل على الذكر) ولكي يستجيب السارد لمنطق العصر يماهي بين الواقعي والدرامي، فيعمد إلى استشارة الحاسوب في حالته العامة، وعندما لا يرتاح لمعطياته التقنية، يلجأ إلى الطبيب البشري، يصف له حالته عن طريق الهاتف، فيصفعه الطبيب بإعلان الحقيقة (بأنه حامل) عندئذٍ يلقي باللائمة على الحب، ويسعى لطرده من جسده، وذلك بوضع لولب في قلبه.‏

يعتب الكاتب على غريزة الشبق الإنساني التي تسم حياة الإنسان، فلا يستطيع الخلاص منها، وقد وجدها تتحكم بتفكيره وجوارحه، لذلك مهد في مفتتح القصة، بحرصه على الخلاص منها نتيجة سطوتها الساحقة، حيث رمز إلى ذلك بكلمة (يهزه....)أفرد لها السطر الأول، وأعقبها بثلاث نقاط للدلالة على شيء ما ساحق، من دون أن يذكر اسم هذا الشيء الهازّ والمهزوز، وترك ضمير المفرد الغائب غائماً، وترك تقدير عائديته للقارئ،ثم أتبع ذلك بسطرين فيهما من الترميز والعمومية أكثر مما فيهما من الخصوصية، وترك دلالتهما الشبقية تطل برأسها من بين الكلمات:‏

"يهزه...‏

يذوي لحظة، ثم ينتصب بشبق فيعلو نبضه.. يزداد قلقه، فيوقظ كل الجوارح لكنها تتشنج فلا تستطيع التحكم بإرادتها... يعصف كالريح، فيخلخل ثبات الرؤية وينفي استقرار الحواس".‏

وهذا الأسلوب الترميزي الشاعري يبعث على تشكيل مساحات نفسية وتأملية تحمل من التفكك النفسي أكثر مما تحمل من الانسجام، مما يؤدي إلى التأثير في المتلقي ويضعه وجهاً لوجه أمام طبيعة العصر المتقلبة المتوترة التي تربطه بالتحولات الجارية على أرض الواقع.‏

ينعتق الكاتب من أسر الكتابة التقليدية، ويتجوَّل داخل نصه بحرية مطلقة، فيقدم ويؤخر، ويصل إلى النتيجة الثقافية (الغرائبية) كأنْ يبارك له طبيبه بالحمل،ثم يرجوه كرجل حامل: "أرجوك أريد أن أجهض هذا الجنين، ثم أريد أيضاً بعد الإجهاض أن أضع لولباً في القلب كي لا تتكرر حالة الحمل هذه، ولو بالخطأ".‏

إن قارئ القصة لابد أن يتساءل في النهاية، بعد أن يرحل مع الكاتب في تجريبه وإشكاليته المعقدة، ماذا يريد الكاتب أن يقول... هل يدين العصر؟.. هل يرثي عصر القيم الذي غاب؟...هل ينعى النقلة التكنولوجية الكاسحة؟... هل يدين المثقفَ الذي هجر كتبه إلى الكمبيوتر؟.. هل يدين العصر الذي لا يقيم وزناً للعلاقات الإنسانية بين جنباته وهل نحن بحاجة إلى حب حقيقي، وعلم حقيقي وثقافة حقيقية... وهل... وهل... وهل...‏

رابعاً ـ اعترافات صغيرة. قصص: كلاديس مطر‏

تضم الاعترافات الصغيرة اثنتي عشرة قصة قصيرة جداً، يمكن أن نلاحظ فيها لغتها المكثفة، التي تعتمد على الومضات الإنسانية العاطفية والاجتماعية والوطنية، وقد رصدت الومضة الأولى (كلمة) الحالة النفسية للكاتب الذي توصله كلمته إلى أقبية الأمن، وحاولت الثانية (حب) أن تعبّر عن ولاء المواطن لرئيسه، لكنها أدانت الأنظمة الحديدية التي تحيط به، فتمنع المواطن من التعبير المباشر عن حبه، وفي الثالثة(مبادرة) إدانة للتقاليد التي ترفض أن تعبر الأنثى عن حبها للذكر، لأن هذه الخصيصة من مستلزمات الرجولة، وفي الرابعة (شوق) عزف على الوتر نفسه، حيث يستنكر الرجل أن تبادر الأنثى للتعبير عن حبها له، وفي الخامسة (كتاب) إدانة النظرة الفوقية التي يعامل فيها الرجل الأنثى ولا يتفهم مشاعرها، وفي السادسة (سهرة) إدانة للرجل الذي يعرض عن المرأة الأربعينية، وفي السابعة (طريق) إدانة لزحمة الحياة، والثامنة (تاريخ) رصد لأحداث النصف الثاني من القرن العشرين، حيث يتقن المواطن في نهايته ترديد الشعارات، وفي التاسعة (خبز) إدانة الجوع الذي يقف في وجه الحضارة، وفي العاشرة (موت) تعبير عن أصالة الماضي/ عبد الحليم حافظ، وفي الحادية عشرة (نقاب) رصد مفارقة طريفة بين فتاة محجبة وأخرى سافرة تلتقيان في الشارع، وحينما تصير كل منهما في منزلها تتبادلان الأدوار، وفي الثانية عشرة والأخيرة (شجاعة) حكاية عن إنسان يفقد شجاعته شيئاً فشيئاً، ولا يدرك ذلك إلا في أثناء مشاهدة شريط سينمائي ليوسف شاهين، ويحاول استرداد الشجاعة قبل فوات الأوان، لكنه يفاجأ برجل يطرق الباب، ما يلبث أن يعبّر له عن رغبته في إبطاء عداد الكهرباء.‏

تشكل الومضات عالماً إنسانياً زاخراً بالعواطف الموظفة لمسائل حيوية متعددة، لكن ما يهمنا في هذه الومضات شدة تكثيفها، وعزفها على عنصر المفاجأة الذي تنتهي به غالباً، وقد استطاعت أن تحقق فنية عالية في تجسيد المفارقة التي تمتاز بها القصة القصيرة جداً، ففي قصة (شوق) على سبيل المثال نقرأ "في أوج الشوق، وضعت يدها على خده. وضعتها بلطف وهدوء وحب، ارتبك وقال لها، أيضاً بالرغم من الحب في عينيه: كم مرة فعلتها مع غيري؟.. فكرت: إن قالت له لم أفعلها أبداً فلن يصدق، وإن قالت له فعلتها أكثر من مرة كلما شعرت بعاطفة حقيقية، فسينعتها بصفة أخرى أبشع. تطلعت إليه وقالت: كم فرصة خسرت أنت لتغيير حياتك نحو الأفضل! ثم رحلت".‏

تعد هذه اللقطة من أكثر اللقطات فنية بين قصص المجموعة، حيث حافظت على لون من (الحكائية) تحكّم في البنية اللغوية، فانفتحت القصة على عالم العاطفية العشقية، وهي العاطفة التي تأخذ حيّزاً واسعاً من اهتمام الكتاب في العالم، لأنها الأكثر خصوبة، وثراءً، وقد استعاضت القصة عن الشرح الطويل بالاستناد إلى الجزئيات الموحية، التي برع فيها زكريا تامر، فرصدت من خلالها مشاعر الأنثى والرجل معاً، وموقفهيما المتباينين، وانتهت بمفارقة تعدّ عنصراً هاماً من عناصر القصة القصيرة جداً، اعتمدت على مبدأ تفريغ الذروة، وخرق المتوقع، وتصحيح الواقع، ومواجهة الذات، كل ذلك من دون تكلف، أو إقحام قسري، أو إخلال بالرؤى والشخصية، فالنص السردي كان مهيأ للمفارقة في نهايته، وكانت الأقدر على رفع إحساس المتلقي، ولولاهذه المفارقة، لفقدت القصة جماليتهاودهشتها.‏

حملت القصص شحناتها الانفعالية، وعبّرت عن مواقف شخصياتها بكل وضوح، ولكن بعضها لم يكن زاخراً بما يجذب القارئ، فجاء سرداً شاعرياً خالياً من الترميز والتشخيص والتناص، مما يؤكد صعوبة هذا اللون القصصي الذي لا يزال يحبو بدلال على أوراق قلة من كتّاب القصة العربية.‏

خامساً: رجل الثلج الدافئ. قصة: محمد حسن محمد‏

تتميز القصة بأسلوب سرد تقليدي زاخر بجمله التعبيرية التي وصفت في البداية جماليات المكان، فوضعت قارئها في جو ريفي بأبعاده البيئية الجغرافية؛ حيث الجبل والقرية، كما رصدت أبعاد الزمن الشتائي في ساعة الغروب، فمنذ الكلمة الأولى في القصة نقرأ "كان المساء بارداً، فالثلج لم يتوقف عن التساقط منذ ساعات الصباح الأولى، وبدت المنازل أسفل الجبل كحمائم بيضاء". ثم أتى على توصيف الأسرة والمنزل وحياة الأبوين مع ابنتهما نوال.‏

إن القاص أضاء كل شيء، فلم يترك للقارئ شيئاً يستنتجه بنفسه، ثم سلط الضوء على حياة نوال بعد رحيل والديها، وهي في العشرين من عمرها، فعاشت وحيدة مع بقرتها التي تعينها بمورد حليبها، وكلبها الذي يحرسها من الآخرين، فعاشت صباها وحيدة معزولة عن العالم لا تفتح بابها إلا عندما تذهب لبيع الحليب.‏

ثم تلتفت القصة إلى الخصوصية الأنثوية، إذ تبدأ الفتاة بالانتباه إلى نفسها، فتستمع إلى الأغاني العاطفية من مذياعها الصغير، وينبض قلبها بالحب الذي لم تعرفه، فتتساءل عن ماهيته، وعما إذا كان سيزور قلبها: "كانت تسأل نفسها دائماً كيف يكون الزواج؟... وهل سيأتي اليوم الذي يقاسمها أحد الرجال فراشها البارد؟... كيف سيكون إحساسها وهي بين ذراعي رجل يضمها إلى صدره بقوة تلهب أنفاسه وجهها البارد؟... رسمت في خيالها صورة لرجل غريب لم تره قط. حلمت بأن يدق بابها في تلك الليلة... فتحت باب كوخها وخرجت..".‏

حملت القصة النبل الإنساني الذي تقوم عليه الشخصية الريفية المتسربلة بعفويتها، وطرحت أسئلة إنسانيةً مشروعة، فمن حق الأنثى أن تحلم بالدفء، ومشاركة الرجل بالزواج، والإنجاب، وعمارة الأرض، والرعاية والحماية، ومن حق الكاتب أن يثير هذه الأسئلة الحيوية التي يتعاطف فيها مع الأنوثة وحقها الطبيعي في العيش المشترك مع الرجل كنصف مكمل له، ولكن القصة في غمرة تعاطفها الإنساني مع الفتاة الريفية نوال؛ المعزولة عن العالم، تناست أن هذه الفتاة هي التي عزلت نفسها بيدها، من دون أن يكون هناك من فرض عليها وحدتها، فجعلتها العزلة بعد رحيل والديها مقطوعة الأصول والفروع، فلا أخ ولا أخت ولا قريب ولا صديق ولا جار، وهنا تتجلى قسوة الكاتب الذي يضخم حالة الضعف الأنثوي، من دون أن يوجد مسوِّغاً لذلك، فالحياة ليست على هذه الشاكلة، فتاة يتيمة وبقرة وكلب وكوخ معزول عن العالم في سفح جبل، لأن الريف السوري ـ بحمد الله ـ لا تزال نفوس أهله عامرة بنوازع الخير والألفة والتعاون والتكافل، لذلك كان الحكم قاسياً عليها بقدر ماكان الكاتب متعاطفاً معها، وهذا ما دفعه لجعلها تحلم بالرجل الذي يدفئ فراشها، ولو كان من جليد، لكن هذا التعاطف مالبث أن ذاب، كما ذاب رجل الثلج الذي احتضنته ليدفئ فراشها، وتركها ترحل عن العالم مع حلمها مخلفة وراءها بقرتها وكلبها ولا شيء آخر...‏

القصة جميلة، لأنها تمكنت من الإمساك بعناصر القص، ورسم ملامح الأنثى، من خلال البيئة والزمان، ولكنها حين عزلتها عن العالم ابتعدت كثيراً عن الواقع، وهيأت لها نهاية مأساوية لا تستحقها فتاة ريفية بريئة، كل ذنبها أنها طيبة معزولة عن العالم.‏

سادساً ـ صورة العروس. قصة: هدى يونان.‏

تروي القصة حكاية شابة فلسطينية، ما إن فتحت عينيها على العالم من حولها، حتى وجدت نفسها وأهلها محاصرين بقوات الاحتلال الصهيوني، وتشهد تنكيلها بالناس الأبرياء، وتهديم المنازل، وسوى ذلك من الأفعال التي نشاهدها في التلفاز صباح مساء.‏

إن القصة عادية جداً من حيث الحدث والشخصيات والمكان والزمان، ولا تحيد عما يحدث على أرض الواقع، لكن الكاتبة حاولت أن تنقذها من (العادية) والرتابة، وذلك بإضفاء شيء من الحيوية على الحدث والشخصية، فرسمت ملامح شخصيتها الأنثوية رسماً هيأتها فيه لكي تأخذ دورها النضالي في الوقت المناسب، فهي ابنة شهيد، ورفيقة نوال الفتاة المقاومة التي فجرت نفسها، وقد أغنت الكاتبة هذه الشخصية بأن جعلتها ترتبط بمشروع خطوبة مع أحد أقاربها النازحين المقيمين في دمشق، الأمر الذي أبعد الرتابة عن الحدث اليومي الذي غدا من طبيعة حياة شباب وصبايا الانتفاضة.‏

كانت الفتاة (الجليلة) تريد أن تتجه اتجاهاً آخر، وتؤدي دورها في المقاومة كرفيقتها نوال، ولكن بسرية تامة، فسايرت أمها في مسألة الخطوبة، ومضت معها إلى المصور، كي تصورها، وترسل صورتها لخطيبها الذي ينتظرها مع أهله، في الوقت الذي سعت فيه إلى الحصول على حزام ناسف، وسترة تخفيه على جسدها... وفي ساعة الصفر، كان كل شيء يسير على ما يرام "تحسست" الجليلة "الزنار الناري، وقد لفته حول خصرها.. إنه هدية العرس؛ عرسها المقبل. ليس أجمل منه هدية. ولا الماس ولا اللؤلؤ ولا الذهب ولا الياقوت. إنه جملة رائعة من النجوم من معادن ثمينة غالية التكاليف، إنه أقمار وشموس، ولكنها لن تشع إلاَّ في الوقت المحدد، وفي المكان المحدد".‏

سابعاً: الجدار الخامس. قصة: ابتسام تريسي.‏

على الرغم من دخول العالم القرن الحادي والعشرين، ودخول وسائل الاتصال والتقنية كل بيت، إلاَّ أن القصة تعود بنا القهقهرى، إلى القرون الوسطى، حيث كان يحجر على المرأة، وتعامل في أحسن الأحوال كقطعة أثاث، وآلة سهلة التشكيل في يد الذكورة المتورمة...‏

القصة تتحدث بلسان ساردتها وشخصيتها الرئيسة، عن واقع اجتماعي تعيش فيه الأنثى مسلوبة الإرادة مكتومة الرأي، تتحرك ككائن آلي ينفذ ما يطلب منه داخل جدران بيته، فتسلط الساردة الضوء شيئاً فشيئاً على عالمها المرسوم بعناية، حسب تعليمات المجتمع البطريركي ووصايا الجميع من حولها بمن فيهم الأم, التي تبدو ظلاً وفياً للثقافة الأبوية التقليدية، فتحبسها في غرفتها كيلا يرى أحد عليها من ذكور الأسرة آثار الدورة الشهرية.. وتقنع البنت بما هو مرسوم لها، كنعجة أليفة، فلا تحتج، ولا تعترض، ولا تبدي رأياً، وكأن حياتها تسير على سكتي قطار لا تحيد عنهما أبداً.. وقد خدرت هذه الاستكانة، وتلك الوصاية، الفتاة ردحاً طويلاً من الزمن، لم تنتبه منها إلاَّ عندما تبلغ الأربعين، ولأول مرة تتأمل وجهها في المرآة بإمعان، فيخيفها منظره، وقد فعل الزمن أفعاله فيه بغير هوادة، وهذا ما جعلها تستعيد أساليب تعامل الذكور معها، تلك الأساليب التي حولتها إلى دمية خشبية لا تعرف العواطف والأحاسيس التي تنتاب الفتاة المراهقة "أبي ينظر بصرامة، فأسدل الغطاء فوق وجهي، أمي تنظر بقلق حذر فأبتعد عن المرآة... أخي ينظر بغضب، فأنزل أكمامي المبللة من مياه الغسيل..".‏

لقد استطاعت الكاتبة أن تجسّد صورة جلية للمرأة التي تشكلها الذكورة منذ البداية حتى النهاية، فجعلتها شخصية مهزوزة قلقة ضائعة داخل جدران بيتها الأربعة، ثم جاء الجدار الخامس/ زوجها المزواج المتقدم في السن ليضيفها إلى قطيعه، فامتلكها ملكية أبدية، حتى إنه بصورة من الصور رسم لها أسلوب حياتها، كما رسم لها طريقة موتها، وقادها إلى حتفها بنفسه، حين رأى بطنها المترهل، فأوصلها بيده إلى غرفة العمليات، لاستئصال الزائدة التي نتجت عن فتق، فكان في ذلك حتفها.‏

تدور القصة حول قضية مركزية متحكمة في المكوّن الأساسي للخطاب القصصي، يتمثّل في وضع المرأة الدوني في المجتمع المحافظ، وبصورة أدق، في علاقة الذكورة بالأنوثة، وآثارها الحيوية على الأنثى نفسياً واجتماعياً، وقد كانت الشخصية القصصية حاملة شحناتها الانفعالية، بوصفها مكوناً من أهم المكونات الفنية، والفاعل الأساسي الذي تنقل عبره الأحاسيس والرؤى والمشاعر، ومن خلالها يتم قياس درجات التحوّل في الشخصية، وفي الآراء وفي الأحوال الشخصية الداخلية، وفي القيم وفي العلاقات الاجتماعية.‏

لقد ارتبطت الشخصية الأنثوية بواقعها الاجتماعي المفروض بصرامة، ومرجعيتها الأبوية كواقع لا مفر منه، مما جعل منها شخصية مستكينة، تعيش حالة زئبقية من اللا توازن، وهذا يعني أنها شخصية مهملة عن قصد وتصميم، عبرت عنها الساردة بصورة عفوية، حين وجدت نفسها تنقطع لخدمة أبيها الثمانيني، ثم زوجها الذي لا يقل عمره عن هذه السن، وقد أتى به أخوها بعد وفاة والدها من دون أن تبدي رأياً... كما عبرت عن شخصيتها المهملة بصورة مباشرة "لم يفطن أحد أني أنثى. لم يُطرق باب بيتنا. حتى نسيت في دوارة البلادة الذي لفني بشرنقته الجسدَ الذي يحمل روحي القائمة في ملكوت الكون الغامض حولي". وقد افتتحت الكاتبة نصها بتقديم دقيق حدّدت فيه أولى بوادر وعيها، وتأكيدها على المحتوى المنقول "على مرآة مشروخة رأيت وجهي لأول مرة تأملته بإمعان... العينان الأنف الفم الشعر..!". وهذا الافتتاح النصي بـ(المرآة المشروخة) يدخل باب عتبات النص التي تفصح عن نوايا الكاتبة/ الساردة، والنص يرى أن إهمال الفتاة قاعدةً في المجتمعات المغلقة، بينما الاستثناء يتمثّل في العقل، وهذا العقل لم يظهر لدى الشخصية القصصية الرئيسة، وإنما كان ظهوره من الخارج، ومن شخصية ثانوية هي جارة الساردة، التي ط لبت إليها حين خرجت تبحث عن عروس لأبيها، أن تحضر حفلة عرس تجتمع فيها غالبية بنات البلد، فتحركت الأنوثة في داخلها وشدتها إلى المرآة، وأثارتها بأسئلتها المؤرقة، ولم يخفق قلبها بشدة إلاَّ حين جاءها صوت جارتها: "ارفعي شعرك قليلاً. سرحيه.. شعرك جميل..".‏

إن هذه البؤرة التحريضية كان لها أن تأخذ أبعادها في نفس الفتاة العانس، لولا أنها محكومة بثقافة الذكورة المتحكمة بعقلها وسلوكها، لذلك لم يكن لها من تأثير يذكر، سوى تلك الأصداء الباهتة لأصوات خافتة، لم تستطع أن تنقلها من حالة الاستكانة والخنوع إلى حالة التحرر من أسر القيود الزائفة التي يظنها المجتمع أنها من جوهر الدين، وهذا ما رسم أبعاد ملامح الشخصية الأنثوية، وجللها بالاكتئاب، وجعلها تعيش حالات الهبوط النفسي التي تنشد معها العزلة والانطواء، والسباحة في بحور اليأس واللا جدوى، كما أن وجود المرأة الأربعينية في بيت رجل عمره ضعف عمرها، ومن ثم انصرافه عنها إلى زوجته الأولى، زاد من مساحة الإحباط الذي أدى بها إلى الترهل، ثم الهاوية التي أوجدتها معايير الذكورة المستفحلة.‏

إن الشخصية القصصية المهملة، عاشت حالة اغتراب داخل بيتها، وداخل نفسها، ومع أن هذه الحالة كانت بسبب الثقافة الاجتماعية السائدة، إلاَّ أن الفتاة/الزوجة/الأم، كانت شخصية سلبية جداً، فلم تحاول مرة واحدة أن تغير من واقعها، وذلك لأن الكاتبة أرادت لها أن تظل كذلك حتى النهاية تعاطفاً قاسياً مع أنوثتها المستضعفة، ونحن إذا سلمنا بذلك، وصدقنا أن مثل هذه الشخصية المحاصرة بالجدران موجودة بين ظهرانينا، فإننا نقبل ذلك على أن تكون امرأة من مرحلة الأربعينيات والخمسينيات من القرن الماضي، وليس امرأة من القرن الحادي والعشرين، مع أن الكاتبة جعلت هذه الشخصية المستكينة تتمدد في الزمان، فتنجب الذكور والإناث وتدخل بناتها عصر الصورة المتحركة، التي تعرض شاشتها المشاهد العاطفية بين الرجل والمرأة "الحاج/ الزوج سمح لي بساعة أخرج فيها من وكري أزور زوجات أولاده اللواتي يسكنّ في نفس العمارة.. ذات مرة طرق سمعي اسم يشبهني في مسلسل تتابعه (زوجة ابنه الأصغر)... الله... اسمي... والله سمعته. اختلست نظرة، رأيت شاباً وفتاة جالسين في مكان عام، الأيدي متشابكة، والنظرات هائمة، خفق قلبي.. يا إلهي! معقول. أيحدث في الدنيا مثل هذا!.. وبناتي يرينه؟.. لا مستحيل!...".‏

إن القصة غرقت في استدراج شخصيتها الأنثوية إلى كل الحالات التي ترسخ إهمالها واغترابها النفسي وعزلتها، وهذا ما جعل الحالات تستطيل في الزمن، فالقصة تفتتح عتبتها على الأنثى وهي في سن الأربعين، ثم تجعلها تتزوج وتنجب ومن ثم تصل بها إلى النهاية... وهذا التطاول الزمني ليس في صالح القصة التي غدت أشبه بملخص لرواية،ولو أن الكاتبة ابتدأت الاسترجاع أو تقنية(الفلاش باك) بدءاً من اللحظات الأخيرة قبل سوقها إلى غرفة العمليات لرتق الفتق البطني، بدلاً من الابتداء بسن العنوسة، لأنقذ القصة من هذا الترهل الزمني، علماً بأنها قد عمدت إلى هذه الوسيلة الفنية حين بدأت باسترجاع بعض محطات عمرها، ولكن ابتداءً من سن الأربعين:‏

"أربعون مرت...‏

لو أنني تزوجت صغيرة لذهبت الآن إلى زفاف ابنتي...".‏

وعلى الرغم من ذلك، فإن القصة حملت عامل نجاحها في لغتها السردية التي استطاعت أن ترسم الملامح الخارجية والنفسية لشخصيتها، فعرف المتلقي أنها فتاة وتعيش على الهامش على الرغم من أن مشاعر الأنثى تستيقظ من غفوتها حين داعبتها المرآة وجارتها:‏

"شعرك جميل ـ اتركيه كما هو، لكن ضعي بعض الكحل ـ ترددت يدي، عدت للنظر في المرآة، عينان واسعتان، يشف لونهما عن خضرة باهتة...‏

ملاحظة جارتنا عن دفني حيةً خفق لها القلب. حركته ريح خفيفة مسته برفق، ولسعت حرارة الصالة وجهي فأحمرّ..".‏

لقد استطاعت الكاتبة أن تجسد صورة هذه الأنثى المغلوبة على أمرها وعمرها، وقد قدمتها إلى القارئ عبر ملمحين:‏

1 ـ الغربة، وهي نتيجة طغيان الثقافة الاجتماعية السائدة في المجتمع الذكوري المحافظ.‏

2 ـ الدونية، وهي شعور باطني يفتك بالذات الإنسانية (ويشيّئها) ويقصيها إلى داخل الجدران، ويمنع عنها النور والهواء، ومع أن المرأة تسربلت بالاكتئاب والاغتراب، إلاَّ أن اللغة كانت مطواعة للتعبير عن أدق الخلجات في النفس الإنسانية، التي تقف على الرغبات المكبوتة، والتي حرصت الكاتبة على بقائها دفينة، فاكتفت بالتلميح من دون التصريح، وتسربلت بشاعرية حزينة لقولها: "حفظت القرآن كما أراد الشيخ، تلقيت التعليم على يدي سيدات محجبات في بيوتهن، وتضرعت إلى الله في ليلة القدر أن يحفظ أمي المريضة التي كانت نافذة الهواء التي تمنحني شهيقي. منها أتنسم رائحة الورد والربيع والتراب بعد المطر، لكن الموت لا يعرف ربيعاً وإن امتلأت أكفانه برائحة الزهر. ابتعدت أمي، وأغلقت النافذة الوحيدة بالشمع الأحمر..".‏

ولا يخفى ما ينطوي عليه المقبوس من التحليل والتوصيف والتعبير المرهف عن حالة تنفذ منها الكاتبة إلى جوهر الشخصية الإنسانية المهمشة، والتي تعيش في منطقة الظل الاجتماعي والتجاهل البشري، وقد اكتمل هذا التهميش بلفتة فنية بارعة إذ حرصت الكاتبة على أن تبقى الأنثى من غير اسم...‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244