|
||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
[التجّلِّيات اللَّغوية للرومانسية في الشِّعر العربي والسُّوري ] شعر: "نديم محمد نموذجاً تطبيقياً" ـــ وليد العرفي- سورية لما كان منطلقنا الأساسي في هذه الدراسة هو النص على أنه يمثل الهدف الأول والأخير، فإننا سنبدأ من النص في إبراز تجليات الرومانسية في لغة شعر تلك المرحلة التي شكلت عبر مسيرته التاريخية جزءاً من كلٍّ يؤسس فيه السابق للاحق، تُشكّل التيارات الأدبية، وإنّ أي نشاط في هذا الإطار جزءٌ مرتبط بالنشاط الكلي بوصفه حلقة من حلقاته. ومن هنا فليس من السهل وضع حدود فاصلة بين تيارات الإبداع الإنساني في أرقى صوره: (الأدب) بشقيّه: الشعر والنثر، نظراً لصعوبة تحديد انتهاء تيار وبدء آخر، أو نسبة أديب إلى تيار بعينه، لأسباب ثلاثة: أولها: يتعلّق بالمصطلح نفسه: إن ضيق الحدود الفاصلة في النتاج الأدبي الذي تتلاشى فيه السمات المميزة بين التيارات تفقده الوضوح. ثانيها: يتصل بالشاعر الذي قد ينتمي إلى مرحلة من مراحل عمره إلى تيار، ثمَّ يجافيه في مرحلة أخرى(1) مع بقاء تأثره بتلك المرحلة الماضية في نتاج مرحلته اللاحقة. ثالثها: يرتبط بالنص الأدبي فقد يخلق النص ازدواجيّةً في تعامله مع اللغة والمرجعيّة ممَّا يولدّ إشكالية في تحديد التيار الأدبي الذي ينتمي إليه(2) وهذا ما يفسر صعوبة تحديد نص ما، وتنسيبه إلى تيار محدد، لأنَّهُ إبداع والعملية الإبداعية لا تتقيد بقوانين محددة كونها تعني التجاوز والتخطي، فالشاعر لحظة إبداعه لنصه الأدبي، لا ينشغل في التيار الذي سيندرج تحته نصه، وإنما شغله في كونه يحقق الشروط الفنية التي يرتضيها لهذا النص، ولذلك فإننا نجد سمات أكثر من تيار واحد في النص نفسه تبعاً للحالة الانفعالية التي يعيشها الشاعر لحظة إبداعه وهي مشروطة بعوامل داخلية وخارجية لا تقيم حدوداً يلتزم بها الشاعر لانتماء النص. وشعر نديم محمد دليل واضح على هذا التوجه إذ نستطيع القول بأننا أمام نص رومانسي لا شاعر رومانسي وبتحديد أدق وأكثر صواباً يمكننا(3) عد الشاعر نفسه كلاسيكياً في مرحلة ورومانسياً في مرحلة أخرى كما يؤكد ذلك الشاعر نفسه: (أنا رومانسي وتقليدي، وأنا جددت في كل شعري، في صوره وألفاظه وموسيقاه)(4) لأنَّ حكمنا سيؤسس بناءً على الأعم الأغلب وليس على الاستثناء وسنأخذ النشيد المرقم بـ (الأول) لندلل على سمات التيارين الاتباعي والرومانسي فيه من خلال اللغة الشعرية التي اعتمدها الشاعر في نصه انطلاقاً من تحديد الفوارق بين التيارين في النص نفسه يقول:
تبين هذه الأبيان انتماءها إلى تيارين أدبيين: إذ يظهر التيار الاتباعي من خلال سمتين: أولاهما: يتجلى في مخاطبة العقل: عبر توجيه فعل الأمر اتركوني ثانيهما: من خلال اللغة التي اعتمد فيها مفردات جزلة ذات جرس موسيقي قوي مثل: مشبوبة، مهمه، شهق، يرجمني وبموازاته تبدو سمات التيار الإبداعي جلية من خلال الذاتية عبر ترداد الضمير المنفصل (أنا) الذي تكرر خمس مرات وبروز العنصر العاطفي في تعبيره عن هذه الذات. كما تشير دلالات المفردات المأنوسة ذات الجرس الموسيقي الهادئ على سمة الرومانسية في هذا النص مثل: طيف، لحني، الذرة، الصورة، مبدع. وتسهم التراكيب في تأكيد هذه الظاهرة حيث الطبيعة في التيار الرومانسي تشكل عنصراً جمالياً دلالياً في تشكيل النص الرومانسي: يقول نديم:
فمفردات: الشعاع، النرجس، الندى، الكمام، كلها مفردات من حقل الطبيعة ممَّا يؤكد النزعة الرومانسية للنص والذي نجد فيه أيضاً:
إذ تبين مفردات مثل: أوصال، يفري، الحسام، الثكلى، ركام، بروز النزعة الاتباعية وبناءً على ذلك فإننا سنلتزم بتوصيف النص ونسبته من دون الانشغال بتوصيف الشاعر في علاقته الناجزة بالتيارات الأدبية. وبناءً على ذلك فإننا نقول برومانسية النص الشعري لدى نديم محمد التي كانت ثورة على سالفتها الكلاسيكية التي اعتمدت التقليد والمحاكاة واقتفاء أثر السلفيين. ويجعل د. مندور ملامح هذا التيار بقوله: (إنه مذهب عاطفي يتغنّى بآلام الإنسان وأحياناً مسراته وهو أدب شخصي يهتم بمشاعر الفرد الخاصة ويترنم بها وهو مذهب قليل الاحتفال بمجاراة العقل والخضوع لأحكامه ولهذا يكثر التغني بجمال الطبيعة التي يتعزّى بجمالها الناس عن آلام الحياة)(5) ونتيجة ما سبق نقدم تعريفنا للرومانسية على أنها: مذهب أدبي يُشكّل في خصائصه العامة قاسماً مشتركاً يلتقي عنده مجموعة من الكتاب يتسم أدبهم بالذاتية والعاطفية والتغني بآلام ومسرّات الإنسانية وتمجيد الطبيعة والجمع بين النقيضين ويحمل سماتٍ خاصة في التعبير اللغوي والبناء الإيقاعي من حيث الشكل والمضمون. والنزعة الرومانسية قديمة متأصلة ضاربة الجذور في عمق التاريخ البشري. يقول النويهي: (أمَّا النزعة الرومانتيكية فقديمة في تاريخ الأدب والفنون لأنها تكون من النفس البشرية جزءاً أصيلاً تصير النفس أكبر فقراً إذا حرمته حرماناً تاماً ثمَّ هي نزعة تغلب على كل فرد إنساني في مرحلة من مراحل تطوره، فلا بدّ لها في كلّ عصرٍ من أديب وفن يصورانها)(6) ولقد أوجد الواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي في الوطن العربي بداية القرن التاسع عشر تربة خصبة لاستقبال هذا التيار الغربي الوافد، فالوطن العربي الذي ضرب عليه الاحتلال العثماني طوقاً من الانغلاق طيلة أربعة قرون طبعت حياته بطابعها التركي بما فرضته الدولة العثمانية على العرب من قوانين تحتّم عليهم تعلّم لغتها التي جعلتها لغة رسمية للدولة وشرطاً للوظائف فيها: (أدّت سيطرة الترك فيما بعد إلى أن تصبح اللغة التركية هي اللغة الرسمية للدولة، وكان ميل السلاطين إلى اللغة العربية ضعيفاً أضمحلّ شأن الشعر)(7). ومن الطبيعي أن يضعف الشعر الذي يتخذ من اللغة أداة له نتيجة هذا الإهمال الذي وصل بالشعر إلى أدنى درجات الانحدار فأصابها العجز والشيخوخة كما يصفه الزيّات بقوله: (أضحى تمويه صنعة، ومعالجة روح، وخرف شيخوخة، إلاّ في القليل النادر)(8) هذه المدرسة التي لاقت ترحيباً وانتشاراً واسعين بين أوساط الأدباء والشعراء السوريين، بل لا نكاد نعدو الحقيقة إذا قلنا بأنه ما من شاعر إلا ومرّ عبر مرحلة من مراحل تجربته الشعرية بالرومانسية، فحاجة الأدباء العرب إلى التجديد وتطوير المجتمع جعلتهم يجدون في التيّار الرومانسي مبتغاهم: (لأنهم وجدوا في الأدب الرومانسي وطبيعة المرحلة التي ازدهر فيها صورة، وإن اختلفت في بعض ملامحها ودرجتها لما يعانون من صراع بين القديم والجديد ومن إحساسٍ حادٍ بالذات ومن تطلّع إلى المشاركة في تطور المجتمع الجديد)(9). ويجعل عبد الرازق الأصفر الأسباب التي أدت إلى ترحيب الأدباء العرب بتيار الرومانسية ولفتت انتباههم وجذبتهم إليها بأسباب ملخصها: 1ـ اطلاع العرب على الأدب الرومانسي بلغته الأصلية أو عن طريق الترجمة في أجمله. 2ـ الاستعداد النفسي والذوقي لدى العرب. 3ـ فعل تأثير المغلوب بالغالب نتيجة الاحتلال الأجنبي فالمغلوب يرى كل ما في الغالب صحيحاً يدفعه إلى تقليده في المأكل والملبس واللغة... كما يرى ذلك ابن خلدون(10). 4ـ المآسي التي أصابت العرب. 5ـ الهجرة العربية نحو بلاد الغرب. وقد تجلّت مظاهر الرومانسية في الأدب المهجري الذي شكّل تياراً قام على التغني بالطبيعة والحنين إلى أرض الوطن والدعوة إلى المساواة والتمرد والثورة على التقاليد الفاسدة كما في نتاج جبران خليل جبران الذي يعدّ رائد الرومانسية العربية إذ تجلّت مظاهر الرومانسية في لغته التي تخلّت عن نزعتها الخطابية كما في الشعر التقليدي فغابت الألفاظ الجزلة والمفردات الوعرة لتحل محلّها لغة مأنوسة قريبة من النفس ذات جرس موسيقي محبب ففي قصيدة مواكب(11) للشاعر جبران خليل جبران ما يعطينا دلالةً واضحة على هذا التأثير بالغرب فجبران كان يتقن اللغة الإنكليزية والفرنسية وفي مواكبه نلاحظ أثر اللغة الأجنبية التي جعلت أسلوبه ينحرف أحياناً عن اللغة العربية الفصحى كاستخدامه لفظة (تحممت) يقول:
يضاف إلى ذلك حضور مفردات الطبيعة البكر: الغاب، نسيم، النجوم، قمر، السواقي، الهضاب، البلبل، الأنهار، الغزلان، الزنبق، الندى، العشب. إذ تدل هذه القصيدة على لغة الشاعر التي جددها من حيث تخير الألفاظ المأنوسة والموسيقا ذات النغمة الهادئة التي ابتعدت عن خطابية اللغة التقليدية وصخب قوافيها إذ تخيّر إيقاعاً خفيفاً نوّع في قوافيه ورويّه. وجبران لم يكن وحيداً فهو واحدٌ من مجموعة ضمّت ميخائيل نعيمة ونسيب عريضة والقروي ومعلوف وقد تأسست ما يعرف بالمدارس الأدبية كتأسيس العقاد وشكري والمازني مدرسة الديوان في مصر 1921 التي قامت على أساسين شعري ونقدي وإن لم يكن شعرهم متوازياً مع طروحاتها النقدية التي ثارت فيها على الأساليب القديمة(12). كما كانت جماعة أبولو التي ضمّت أحمد زكي أبو شادي وإبراهيم ناجي طرحت هذه المدرسة رؤيتها في أهدافها التي أعلنت فحواها(13): 1ـ السمو بالشعر العربي وتوجيه الشعراء توجيهاً شريفاً. 2ـ مناصرة النهضات الفنية في عالم الشعر. 3ـ ترقية مستوى الشعراء أدبياً واجتماعياً ومادياً والدفاع عن كرامتهم. وقد امتدت الرومانسية لتشمل الوطن العربي كله إذ ظهر الشابّي في تونس ومطران في لبنان وغيرهم كثير(14): ففي سورية: كعبد الباسط الصوفي وعبد السلام عيون السود ووصفي القرنفلي وبدر الدين الحامد ونزار قباني وعمر أبو ريشة وسنتوقف عند مظاهر الرومانسية وتجلياتها في اللّغة الشعرية التي بدأت تتأسس نقدياً من خلال الطروحات النقدية والتنظيرات الفكرية. فالرومانسية العربية كانت ثمرة تلاقح ثقافي وفكري بين العرب والغرب إلاّ أنها استطاعت أن تستقبل عنها مشكلة هويتها العربية فهي كما يصفها محمد بنيس (الرومانتيكية العربية تقتدي بالرومانتيكية الأوربية من حيث إبدال المعيار الشعري والوظيفة الشعرية في آن وهو إبدال منشبك بما أشاعته الثورة الفرنسية على المستويات السياسية والاجتماعية والفلسفية إلاّ أنه كان مشروطاً بطبيعة الإبدال في المعطى العربي وهو ما يمنحنا إمكانية بناء مصطلح الرومانتيكية العربية)(15). فالتسمية إذاً غريبة إلاّ أنّه قد تمّ إدخالها إلى اللغة العربية كما يشير إلى ذلك عبد القادر الفاسي الفهري عن طريقين هما: التطويع أو التوالد من الداخل(16).
لقد ظهرت في الأدب العربي منذ مطلع القرن العشرين مؤثرات رومانتيكية متنوعة، تجلت في ظواهر أدبية حملت طوابع الأدباء الذين كتبوها مخلصين لأصالة علاقاتهم بتراثهم الأدبي من جهة، وبالآداب الأجنبية التي يطلعون عليها من جهة أخرى، ولعل الجوهر الشخصي الحامل لتلك العلاقات هو الذي دفع نتائجها إلى تلوين المؤثرات الرومانسية في الظواهر الأدبية لأنَّ فردية الكاتب المتفاعل مع منظومات الحياة الثقافية والاجتماعية ظلت قوية، بالإضافة إلى تنوع المكونات الرومانسية في مصادرها الغربية. أـ الظواهر الأدبية العربية التي احتفلت بالمؤثرات الرومانسية: 1ـ في الجانب التنظيري: ظهرت كتابات نقدية تؤسس لفهم جديد لطبيعة الشعر ووظيفته كما ظهرت الجماعات(17) الأدبية التي بدأت تهاجم ممثلي الشعر الاتباعي الكلاسيكي الجديد بطروحاتها النقدية التي أرادت أن تؤسس لمذهب أدبي جديد(18) ممَّا أفسح المجال لظهور مصطلحات أدبية وثقافية أفرزها هذا الجانب التنظيري في مجال النقد ارتبط قسم منها بالتيار الرومانسي، من ذلك ما أسماه د. محمد مندور بالأدب الهامس(19). 2ـ في الجانب البنائي للقصيدة حيث ظهرت تأثيرات الرومانسية في جانب تناول الشعراء للموضوعات التي بدأت تنطلق من الذات إلى الخارج لا العكس إذ (عين الباطن هي الحقيقة الرومانسية بها تذوب المسافات والأنماط الثقافية وبها يكون الجزئي رفيقاً للكلي... أشياء الوجود، صغيرها وكبيرها، تلتقي فيه بحرية، ولا رقيب عليها، في الثقافة أو المجتمع أو التاريخ... وقد أصبح اختراق الحدود بين الكائن والممكن، بين الذات وغير الذات، يتقرّر في فضاء الداخل)(20) وبذلك نلاحظ أن موضوعات جديدة بدأت تظهر وخاصّةً ما يتعلق بها بالذات الإنسانية وعلاقتها بالوجود وما يمت إلى ذلك من الإحساس بالكون فكان الشعر الفلسفي والتأملي مظهراً من مظاهر هذا التأمل الداخلي في الوجود وحقيقته. نشير في هذا المجال إلى القصيدة إيليا أبو ماضي (الطلاسم) التي تمثل قمّة الشعر التأملي الفلسفي الذي يستند إلى رؤية للحياة وتصوّر حقيقة وجود الإنسان وعدميّة جدوى تساؤلاته التي ينهيها بـ لست أدري(21) وفي مقابل هذه الموضوعات الجديدة التي راح الشعراء الرومانسيون يتحدثون عنها أخذت موضوعات الشعر الكلاسيكي من مديح وهجاء تختفي من قاموس الأدب الرومانسي كلياً أو أخذت تغيّر لغتها وطريقة تناولها الذي يستند إلى رؤية جديدة للفن الشعري ومنها مغاير لطبيعة الوظيفة الشعرية. فقد دأب الشعراء الكلاسيكيون على تقليد القدماء في موضوعاتهم بنظم معارضات لقصائدهم القديمة يلتزم فيها الشاعر القافية والبحر والموضوع(22) وإذا كانت الموضوعات قد تغيرّت بفعل التأثير الحضاري فإن هذا التغير قد طال المضمون. حيث برزت النزعة الإنسانية التي نتلمسها نتيجة التأثيرات الرومانسية التي أصبحت سمة أدب وسمت أدب المهجر خصوصاً يقول الشاعر نسيب عريضة:
ففكرة الدعوة إلى التعارف واللقاء في إطار جامعها الإنساني ولّدتها هذه المشاعر التي تغذّت بها نفوس هؤلاء الشعراء الذين تأثروا بالرومانسية التي طبعت نتاج الأدب بهذه النزعة الإنسانية ومن هؤلاء ميخائيل نعيمة وجبران وعبد الباسط الصوفي.... وغيرهم. وهذه المعطيات الجديدة مهدّت لدخول القاموس الشعري لدى شعراء الرومانسية العصر بتمثله مفردات الحياة التي تجسّدت لغوياً في مفاهيم: الشعب ـ الأمة..... كما في قول وصفي القرنفلي:
وقد بدأ الاهتمام بجانب المضمون الذي كان أهم انعكاساته في اللغة التي أعلنت ثورتها على لغة الكلاسيكية في التعبير القائم على جزالة الألفاظ المنتقاة وأناقتها المتخيّرة عن وعي وقصد، لتفسح المجال أمام إمكانية خلق لغة جديدة تحمل سمات السهولة والبساطة والقرب من المتلقي دون أن تغفل الجانب الجمالي في صياغتها التعبيرية وبذلك نجد اللغة في الشعر الرومانسي مأنوسة معروفة لا كما هو الحال في مفردات اللغة الكلاسيكية التي كان يكتظ المعجم اللغوي القديم بها فألفاظ: مثل: مهمه، علج، رداح، قلت في المعجم الجديد للشعر الرومانسية وبدأت ألفاظ أخرى تظهر في لغة الشعراء الرومانسيين إذ فرضت الحياة المعاصرة مفردات أفرزتها الحضارة والتطور فكان لابدَّ لهذا المتن اللغوي الجديد أن يواكب هذا التطور بإدخال مفردات جديدة لم يكن الشعر القديم قد عرفها ومن هذه المفردات ما نجده لدى الشاعر وصفي القرنفلي الذي يقول في قصيدة جعل عنوانها اختزال مؤكداً نزعته إلى الألفاظ الجديدة شعرياً وما توحي به من معنى لغوي وحضاري هو دليل على توجه الشاعر إلى التعبير عن العصر بلغة العصر ولا يقتصر في تأكيد نزعته تلك على توظيف مثل هذه الألفاظ في العنوان، بل يهتم بها في متن نصوصه أيضاً فيستخدم كلمة (بنطلون) وما يماثله في شعره بمثل قوله:
ويدخل في إطار التجديد اللغوي استعمال الشعراء مفردات وألفاظاً ممَّا أنتجته الحضارة الغربية من آلة الحرب: كالذرة التي يستخدمها الشاعر عبد الباسط الصوفي في قوله: مدينتي لا تملك الذرة مدينتي طيّبةٌ حرّة (26) يظهر جلياً أن ثمَّة ألفاظاً تتنحى وأخرى تولد من جديد والحقيقة كما يقول أحدهم إن (التجربة الشعرية في أساسها تجربة لغة)(27) وتكمن موهبة الشاعر في مدى مقدرته على تطويع هذه اللغة التي تعدها نازك الملائكة(28): (كنز الشاعر وثروته، وهي جنيته الملهمة، في يدها مصدر شاعريته ووحيه، وكلما ازدادت صلته بها وتحسّسه لها كشفت له عن أسرارها المذهلة لقد غيبت الرومانسية إذن بعض المفردات وأحضرت كلمات جديدة أدخلتها معجم الشعر الجديد فأصبحت مهمة الشاعر أن يوجد لغةً من اللغة في اللغة: (فاللغة الشعرية هي موت اللغة وانبعاثها من جديد على يد الشاعر الماهر، والشاعر مخترع للغة)(29). فالمفردات في اللغة لا تأخذ قيمتها التعبيرية في شكل الخطاب الشعري وإنما تكمن قيمة المفردة في الصياغة أو كما يقول جون كوين(30): (إن استخدام الكلمات بأوضاعها القاموسية لا ينتج الشعرية، بل ينتجها الخروج بالكلمات عن طبيعتها الراسخة إلى طبيعة جديدة) وإذا كان المعجم اللغوي قد شهد تطوراً من حيث مفردات لغته في ظل الرومانسية فإنها في الوقت ذاته قد مهدّت لظهور أجناس أدبية جديدة كالقصة والرواية في أدبنا العربي وكان ذلك كله انعكاساً مباشراً لتأثيرات الرومانسية معجم لغتنا العربية المعاصرة التي اكتسبت على مستوى المفردات والتراكيب ما أغنى متنها وزاده ثروة على غناه وخصبه. التجليات اللغوية للرومانسية في شعر نديم محمد كان ظهور الرومانسية ردّة فعل أدبية على الاتباعية التي لم تعد معبّرةً عن العصر الذي أصبح الشعر الاتباعي يسير خلفه، وصار الفرق شاسعاً بين الموضوع المتناول واللغة التي تعبر عنه، ممَّا مهد للرومانسية الطريق لإعلان ثورتها التي لم تقتصر على الموضوعات، بل تجاوزتها إلى تغيّر في رؤية الشعراء للحياة وفهمهم لوظيفة الشعر واللغة الجديدة التي تولد من رحم الحياة وحضن الواقع لا من صفحات المعاجم والتراث ممَّا مهد إلى نشوء معجم لغوي جديد يعبر عن هذه الرؤية الجديدة للشعر واللغة التي يجب أن تستخدم فيه. ولما كان منهجنا يقتضي منا الانطلاق من النص نفسه لإثبات المقولات التي يحتضنها، وهو ما أكدناه في مقدمة هذه الرسالة فإننا تأسيساً على ذلك سنبدأ من النص الذي سنختار أحد أناشيد آلام المرقم بـ السادس عشر على أنه النموذج الممثل للنص الكامل في المجلد الثاني الذي سنبحث من خلاله سمات المتن اللغوي العامة يقول الشاعر في هذا النشيد:
| |||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||