|
||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
كارل بوبر وفيوض العقل أعي تماماً،أنني، وحين كنت طالباً في قسم الفلسفة وعلم الاجتماع في جامعة دمشق سبعينات القرن العشرين المنصرم، لم أتوقف مع غيري من طلاب الفلسفة، عند الفيلسوف النمساوي كارل بوبر لأسباب كنتُ أجهلها، ولكن ربما كان في طالعها أن هذا الفيلسوف هو فيلسوف حي، مازال يجوّد تجربته في حقل الفلسفة، وأظن أن ما عرفناه عن الرجل لا يعدو عن كونه أحد الفلاسفة الذين قاموا بمراجعةٍ لأفكار أفلاطون، وهيغل، وماركس، وأنه فيلسوف يعيش على أفكاره غيره من الفلاسفة، أقصد من ذلك أننا لم نتوقف عنده طويلاً، وبعد تخرجي في الجامعة، اصطدمت من حيث لا أدري بأفكار كارل بوبر، خصوصاً عندما عرفت أنه فيلسوف يُطمئن إلى آرائه وهو يناقش فكرة (المجتمع المفتوح) من جهة، وفكرة (المجتمع المغلق) من جهة ثانية، ووقوفه عند المجتمعات الدينية المغلقة (كاليهودية)، والمجتمعات السياسية المغلقة على أفكارٍ ومذهبيات بعينها (كالنازية).. فرحت أتتبع هذا الفيلسوف في أفكاره، وقولاته، ورؤاه عبر المقالات التي تناولت محاضراته ومؤلفاته، ولكم سرني فكره حين قرأت نقده للصهيونية التي يعدها شراً رابخاًً على صدر الإنسانية. وحين تابعته في عقود تالية (في زمن الانتفاضة الفلسطينية) قال عن الصهاينة بأنهم شراذم السفاحين، وبقايا لصوص الإنسانية، غاصبو الأراضي، وهادمو المنازل، وكاسرو عظام الأطفال، هؤلاء الذين اختصوا بوأد أحلام الشعوب في الحرية والانعتاق، قلتُ سرني فكره فرحت أتتبعه في محاضراته، ونشاطه الفكري في المملكة البريطانية إلى أن عرفت أنه توفي في عام 1994، عن عمر ناهز الثانية والتسعين سنة بالتمام والكمال. وتشاء الظروف، أن أقع على كتاب، هو في جوهره رسالة أكاديمية شديدة الرصانة والضبط، غنية بالمعلومات والتأويلات، نشطة بالإحاطة، وفك مغاليق الأفكار ومراميها عند كارل بوبر، هذا الكتاب عنوانه: من الابستمولوجية إلى المجتمع التاريخانية والمجتمع ـــ المفتوح عند بوبر) وهو من منشورات وزارة الثقافة السورية، وصادر عام 2002، أما مؤلفه فهو الباحث القدير فؤاد محمود ناصيف خير بك. الكتاب في زهاء (300) صفحة من الحجم الكبير، يقف الباحث فيه وبوعي كبير، وبعين رائية عند أبرز طروحات كارل بوبر (الذي ولد سنة 1902 لأبوين أصولهما يهودية، اعتنقا البروتستانتية قبيل زواجهما) الذي درس الفيزياء والرياضيات ثم مال إلى الحقل الفلسفي، فجال عقله النقدي اللامع في الحقول الفلسفية بمنظار علمي، فقرّ في ذهنه أن ميزة العلم الأساسية هي أنه قابل للنقض، والمحو.. عن طريق التجريب والمضايفة، ولعل أبرز مفهومين عمل عليهما هذا الفيلسوف (كارل بوبر) هم (التايخانية) و (المجتمع المفتوح)، وأن أهم صنيع لـه أنه جعل الفلسفة شأناً اجتماعياً يخص الأفراد جميعاً (فالأفراد يتصرفون وفق مناهج فلسفية دون أن يعرفوا الفلسفة، أو قل دون أن يعرفوا مناهجها) وبذلك سحب الفلسفة من مفهوم (النخبوية) الذي أريد له أن يكون سياجاً لمنع (الدهماء) من اجتيازه. اعتنق بوبر الفكر الماركسي في شبابه مدة قصيرة، ثم تركه لقناعته أن الماركسية تبرر إراقة الدماء من أجل الثورة. فقال ليس من المسموح، ولا من الأخلاقي، أن تتم التضحية بالنفس البشرية بهذه البساطة،ورأى أن الدولة الاشتراكية هي دولة اضطهاد (مجتمع مغلق) وإنها لا تقبل التصالح مع الحرية، وأن الحرية أكثر من المساواة إذ لا توجد مساواة بين الأحرار حين تُفتقد الحرية. في كتابه (عقم التاريخانية) يقول بوبر التاريخانية هي طريقة في معالجة العلوم الاجتماعية تفترض أن التنبوء التاريخي هو غايتها الرئيسية، كما تفترض إمكانية الوصول إلى هذه الغاية بالكشف عن القوانين أو الاتجاهات أو الإيقاعات التي يسير التطور التاريخي وفقها. أي ما سمي (بالحتمية). ويكشف بالتحليل عن جهل التاريخانية بمنهج العلم. وفي كتابه (المجتمع المفتوح وأعداؤه) يرى بوبر أن أشكالاً ثلاثية للتاريخانية يرأسها ثلاثة (أنبياء) زيف هم: أفلاطون وهيغل، وماركس، فالأنظمة الاستبدادية، وهي مجتمعات مغلقة، تبناها هؤلاء الثلاثة باعتبارهم خصوماً للمجتمع المفتوح، وممثلين للقوى المناهضة للعقلانية والنقدية والحرية والمساواة، فهذه القوى، حسب بوبر، هي رواسب مواقف لم تشفَ تماماً من صدمة ميلاد الحضارة المدنية والخروج من النظام القبلي المغلق، هؤلاء آمنوا بمسار محتوم للتاريخ يمكن التنبوء به، وبالتالي قولبة المجتمع والدولة والسياسة في إطاره، وبذلك يتكون المجتمع المغلق. بلى، هذه إشارات خاطفة من كتاب شديد الغنى، كثير التأويل، شديد الحماسة للنقد والعلم، يتجلى فيه فن عرض الأفكار وتناسقها دونما غموض أو بهمة... فهو ليس كتاباً مكتوباً بالأصابع العشر وحسب، وإنما هو كتاب مكتوب بفيوض العقل حين تتجلى أنواره السامية. |
|
| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |