مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العددان 418 شباط 2006
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

مثقفونا بين التنظير والممارسة ـــ د.خلف الجراد

في كتابه الموسوم بـ "شخصية مصر دراسة في عبقرية المكان" (المجلد 3، ص 67) كتب جمال حمدان يصف ببلاغة رائعة وصياغة ذكية معبرة كيف تحول النفط العربي من طاقة طبيعية وثروة قومية هائلة إلى أداة جبارة، هدفها إطفاء جذوة الكفاح التحرري ولجم الاندفاع الثوري الذي انطلق بقوة في أواسط القرن العشرين في أجزاء مختلفة من الوطن العربي.. فقال:‏

"إن شعلة الاشتراكية الباهتة أو شظيتها المتقدة التي أشعلها الفقر في مصر، أطفأها البترول العربي المحيط بمصر أو المنصب فيها".‏

ولسنا هنا بحاجة إلى تفسير مقصد الكاتب الذي أشار بوضوح إلى الدور الخطير الذي لعبته أموال النفط وعائداته في إفساد شريحة من المثقفين والمفكرين والمناضلين العرب، وقد خلقت "الحقبة النفطية" نمطاً من المتاجرين بالكلمة، الذين يمتلكون مواهب متعددة و"شطارة" كبيرة للظهور في المنتديات والمحافل الفكرية والأدبية ووسائل الإعلام، مع فهلوية "سيركية".. جعلت منهم "نجوماً" دائمين في معظم الفضائيات والقنوات العربية، ناهيك عن قدرات خارقة للحديث في كل العلوم والفنون وأجناس الأدب والبحث العلمي والماورائيات وأسرار النفس البشرية.. إلخ.‏

وطبيعي أن يغيب في هذه "السوق" و"البازار" صوت العقل والمنطق، ويتوارى دعاة الحوار الموضوعي والكلمة المسؤولة، الذين يفهمون أن الأدب رسالة، وأن الإعلام رؤية وطنية شمولية، وأن الثقافة موقف والتزام بقضايا الناس، واستعداد تام للتضحية.. من أجل كلمة حق،‏

أو رأي حر، أو إبداع أصيل، أو مواجهة للمنافقين والمهرّجين والمشعوذين، الذين يغيرون مواقفهم ومواقعهم واتجاهاتهم وقصائدهم أسرع من تغيير ألبستهم. فكان من أخطر مفرزات الحقبة المذكورة بروز (فئة قديمة ـ جديدة) هلامية التكوين، أخطبوطية الأبعاد والامتدادات من "سماسرة الفكر" و"تجار الكلمة" ممن لا هدف لهم ولا غاية سوى الارتزاق والتكسب والبقاء الدائم تحت الأضواء بأي شكل أو أسلوب، وعبر أي خطاب أو موقف أو لا موقف.‏

وبالمقابل لم تستطع الفئات الواعية النظيفة أن تسهم بصورة فعالة في تحديث المجتمع لأسباب كثيرة، لعل أبرزها ما جاء على لسان الباحث العربي علي موسى من "أن المفكرين لم يلجوا إلا القليل في المجالات التي تعني الأمة.. هذا الانفصال أفقدهم الوزن الذي يمكن أن يعطيهم الوزن اللازم في المعادلة"‏

فمن المنطقي أن يكون تجاوب المجتمع مع المثقف مرهوناً بقدرة هذا الأخير على الإفصاح عما يختلج في أعماق المجتمع من حاجات ومشكلات واتجاهات وتطلعات.‏

وقد أشار باحثون كثيرون إلى أن من أسباب الفصام بين المثقفين والمجتمع "غياب الرؤية الحضارية الشاملة لدى كثرة المثقفين". وأكدت هذه الفكرة "الخطة الشاملة للثقافة العربية" التي أعلنت بصورة واضحة أن "الأسئلة الكبيرة التي تطرحها المحصلة النهائية لكل ذلك هي مدى استناد الحركة الثقافية العربية المعاصرة إلى رؤية فكرية حضارية شاملة ذات موقف واضح محدد من الكون والتاريخ والمجتمع والإنسان والفن.. تكون الإطار المرجعي لها".‏

ويرى آخرون أن تشتت المثقفين وعجزهم عن تكوين قوة ثقافية فاعلة يشكل سبباً أساسياً من أسباب فراقهم مع المجتمع وعجزهم عن التأثير فيه. وفي هذا يقول عاطف عضيبات: "ليس هناك انتلجنسيا في العالم العربي، على الرغم من وجود وفرة من المثقفين العرب، وأقصد بالانتلجنسيا هنا، تلك الفئة الاجتماعية المنظمة التي يقوم بين أفرادها نسيج فكري وثقافي يربط فيما بينهم ويساعدهم على صياغة رؤية شمولية لواقع مجتمعهم وطموحاتهم. فبدلاً من وجود انتلجنسيا عربية كمجموعة مثقفة اجتماعية منظمة ومتجددة في التاريخ والثقافة العربية، توجد في حقيقة الأمر فرديات مثقفة".‏

ومما قيل في تشرذم المثقفين العرب: إنه يعبر عن "البداوة الفكرية" ـ حسب قول أحد المفكرين العرب ـ التي "ينظر من خلالها كل مفكر، عن وعي أو غير وعي إلى غيره من المفكرين كما لو كانوا منقسمين إلى قبائل، وكل قبيلة إلى عشائر، وكل عشيرة إلى بطون، وكل بطن إلى أفخاذ".‏

وفي وسع المرء أن يمضي بعيداً في حشد الأدلة والوقائع التي تبرهن على الوضع الانقسامي الذي يعاني منه المثقفون العرب، غير أن ذلك لن يضيف إلا الأمر جديداً، ولكن ربما يكون من المفيد في الإطار ذاته الإشارة السريعة إلى عدد من العوامل التي تسهم مجتمعة أو منفردة في تعميق الفجوة بين المثقفين والمجتمع، مثل: ضعف المعرفة بالواقع، الانطلاق من أفكار سابقة ومواقف ثابتة.. والعمل بعد ذلك على تسويغها وتسويقها، الاعتماد على المحاكاة وترديد مقولات الآخرين.. وتبنّي أفكارهم وأطروحاتهم دون نقد أو تمحيص أو مراجعة، العجز عن تقديم التراث بصورة واعية في سياق رؤية شمولية دقيقة، مظاهر التشوه الحاصل في أوصال وهياكل المجتمع العربي، وعلى رأس مظاهر التشوه، النمو غير المتوازن بين الزيادة السكانية وقلة الموارد وعدم التلاحم بين "أصحاب السيف وحاملي القلم"، والفجوة القائمة بين الطموحات الكبيرة للمثقفين والإمكانات المحدودة.. الخ.‏

أردنا من إثارة تلك الانتقادات والأسئلة لفت الانتباه إلى العلاقة الإشكالية بين المثقفين والمجتمع، حيث يلاحظ انتشار عدد من الأوهام النخبوية والتصوّرات غير الواقعية لدى نسبة عالية من المثقفين، إضافة إلى الفجوة القائمة بين النظرية والسلوك، بين الشعارات المرفوعة والممارسات اليومية المعاكسة والمناقضة، وعدم فعالية الفئات في المجتمع العربي.‏

كل ذلك ينبع في الواقع من قناعتنا بأهمية الفئات المثقفة من جهة، ومن موقع الحرص على دورها ومكانتها وفاعليتها في المجتمع. وبالتالي. فإن ما يقلقنا هو عجز المثقفين العرب عن إقامة علاقة صحيحة مع الجماهير، التي يطيب لهم التحدث باسمها والتغني بعظمتها وطهرانيتها.. ألخ.. وهي علاقة تحتاج إلى دراسات وبحوث معمقة لكيفية تطورّها عبر تاريخنا العربي، وارتباط ذلك كله بعصور انهيار المشاريع السياسية والاجتماعية والمعرفية، ولا سيما في النصف الثاني من القرن المنصرم.‏

فمن وجهة نظر بعض الباحثين فإن علاقة ممتهني العمل الثقافي بالحكومات أقوى من علاقتهم بالشعب، وإنْ تفاوتت الدرجة تبعاً للتيارات. أما الوضع الاجتماعي والطبقي فيظهر أن غالبي المثقفين يعيشون في منطقة سكنية واحدة، وأولادهم يذهبون إلى المدارس نفسها، وهم على الأرجح أعضاء في الأندية نفسها.. وهو ما يعني أنّ المثقفين ينقسمون إلى تيارات إيديولوجية في التعبيرات الثقافية، في الكلام فقط؛ ولكنّهم موحدون في أنماط المعيشة. (د. فهمية شرف الدين).‏

وتبعاً لمعظم الدارسين لهذه المسالة، فإن المثقفين ما زالوا أسرى التقوقع النخبوي والاستعلائية المبطنة، وتوهم امتلاك الحقيقة والمعرفة والحكمة الكاملة. وفي هذا السياق يشير الدكتور محمود عبد الفضيل إلى انتشار أمراض "الفردية" و"الشللية" في أواسط المثقفين العرب.. وكيف أن المنطقة العربية حفلت بنموذج "المثقف الطاووس" الذي يختال عجباً بنفسه، لا يرى إلا نفسه في المرآة، ولا يرجع سوى إلى أعماله ومؤلفاته.. ويهدر الإشارة إلى غيره من المثقفين والمبدعين. بل إنني شخصياً قرأت تصريحاً لكاتب (ومفكر) عربي معروف قال فيه صراحة: إنه لا يقرأ مطلقاً دراسات ومؤلّفات غيره من الكتّاب العرب، الذين يبحثون في المسائل الفكرية ذاتها، التي يشتغل عليها.. فهو يكتب وعلى الآخرين أن يقرؤوا ما يبدعه، فهذا شأنهم وحدهم (على حدّ تعبيره). ولقد وصف أحد المثقفين الجزائريين ذات مرة مصالي الحاج (رئيس حزب الشعب الجزائري قبل اندلاع حرب التحرير الوطنية الجزائرية)، إنه لم يكتف بأن يؤذن لشروق الشمس.. بل ادّعى أنه هو الذي ابتدعها.‏

إنّ ما يقوم به عدد من "كبار" المثقفين وأساتذة الجامعات في وطننا العربي أقرب ما يكون إلى السلوك الإقطاعي، حيث تحدث عملية تحصيص وتضخيم وتقديس لإنتاج "أئمة" الفكر العربي المعاصر، مقابل عملية تسفيه وإهمال للأسماء الجديدة الواعدة، ما يضطر قسماً من هؤلاء الوافدين إلى ملكوت الفكر للاكتفاء بدور المريدين، الدائرين في فلك الكوكب الأكبر... والترويج لأعماله، وحفظ مقولاته وتعابيره دلالة على التبعية، والانبهار و"الذوبان".‏

هذه "التراتبية" والهرمية في الثقافة العربية نتيجة طبيعية لأوضاع التخلف، وهي تشكل في الوقت ذاته عنصراً فاعلاً في إعادة إنتاج الأزمة.. ومن مظاهر هذه الأزمة أنّ عدداً ممن أطلق عليهم صفة "المثقف الكبير"، "المفكر العظيم" و"الفيلسوف النابغة"، وغير ذلك من ألقاب تعظيمية، تبجيلية استمرؤوا ذلك وأدمنوه، من ناحية، واكتفوا باجترار ما أنتجوه في لحظات معينة.. متوقفين عن الاجتهاد والابتكار ونقد الذات من ناحية أخرى.‏

ومن باب التهكم والسخرية المرّة وتسليط الضوء على نماذج طافية معروفة في أوساط المثقفين العرب، كتب جلال أمين مقالاً عنوانه "دليل الرجل الذكي إلى فنّ إمساك العصا من الوسط" (في صحيفة "الأهالي" 1977) حيث يقوم عدد من هؤلاء "المفكّرين" و"المنظّرين" باستلال مجموعة من المصطلحات الجديدة المراوغة ذات وقع محمود على الأسماع.. فبدلاً من الحديث عن تصفية شركات القطاع العام، يمكن رفع شعار الريعية والربحية والجدوى الاقتصادية، وبدلاً من الحديث عن إلغاء الدعم للمؤسسات الثقافية، يجري الكلام حول إطلاق حرية المنافسة الشريفة وفتح آفاق التنافس.. إلخ.‏

وهنالك نموذج "المثقف الترزي" (تبعاً لوصف جلال أمين) الذي يجيد السير في الركاب، ويمنح ولاءه وموهبته لمن يقبض على زمام الأمور، أياً كانت توجّهات السلطة السياسية، من دون شعور بأدنى أزمة، أو مشكلة، أو تأنيب ضمير ـ وهو دائماً في حالة "جاهزية" ـ" فهو مثقف كل العصور، يجيد حياكة ثياب النظم وتشريعاتها، يزوّقها بأحدث صرعات بيوت الأزياء الراقية في الخارج. فهو مثقف عصري بكل المعايير، لا يؤرقه ماضيه السياسي أو الفكري؛ فهو دائماً في الخدمة للسيد الجديد القابض على زمام الأمور" (د. محمود عبد الفضيل).‏

إن الإخلاص للحقيقة يقتضي الاعتراف بأن كثيرين من المثقفين لا يخطئون، أو يقصرون في قراءة الواقع (لعجز معرفي أو لممالأة سلطة حاكمة) وحسب، بل يتلاعبون بالعواطف والرغبات، ويزيفون الحقائق ومنطق الأحداث واتجاهات المجتمع، إما لبواعث إيديولوجية التزموا بها، أو لركوب موجة تجتاح الرأي العام في لحظة تاريخية معينة، أو للإساءة المتعمدة لفكر، أو تيار، أو عقيدة ما، أو تأييداً لإجراءات تقوم بها سلطة مهيمنة.‏

وقد يقوم قسم من المثقفين بتغيير مواقفهم وكتاباتهم و"تنظيراتهم" ليس تحت تأثير الدوافع التي أشرنا إليها، وإنما طلباً للمال والارتزاق والجاه وبحبوحة العيش، فيبتدعون طرائق وأساليب وحيلاً لا حصر لها من أجل اغتراف أكبر ما يمكن من مغانم و"جوائز" وأوسمة وألقاب وأضواء. ولهذا تجد هذا الصنف من بائعي الكلام و"تجار الشنطة" (الثقافية) في كل ندوة عامرة بالهدايا و"المغلفات" المحشوة بالمال، وفي طليعة "المناضلين" للوصول إلى هذا الأمير أو ذاك الحاكم. أما "معلقاتهم" الشعرية أو "أبحاثهم الفكرية"، أو "تحليلاتهم" التقريظية والتبريرية الزائفة فهي جاهزة تحت الطلب دائماً.. ولا يهم أنها كاذبة، أو لا أحد يصدق مضامينها، أو أنها لا تمت بصلة للحقيقة ولمنطق الأشياء، إذ أن المطلوب "اكتشاف" ما يروق للقائمين على الأمور، ومسايرة الموجة، والوصول إلى الكنز. ومثل هؤلاء المتاجرين بالكلمة عرفتهم المجتمعات كلها، وعرفهم التاريخ في مراحله المختلفة.. ومجتمعنا العربي ليس استثناء من هذه الظاهرة، إن لم يكن في مقدمة المجتمعات التي عانت وتعاني من انتشارها، لأسباب وعوامل يطول بحثها، وتحتاج إلى وقفات ومقاربات أخرى.‏

وقد كتب عديدون في نقد هذه الظاهرة الاجتماعية ـ السياسية، التي تقتضي التحليل والدراسة العميقة نظراً للدور المتميز الممنوح للفئات المثقفة في المجتمع العربي؛ حيث تكشفت حقيقة "الصورة التي يجهد الكثير من المثقفين في إعطائها عن أنفسهم.. صورة المناضلين المتصدّين دوماً وأبداً للسلطة القائمة"، وهو ما دعا سماح إدريس إلى طرح التساؤل التالي:‏

"فلماذا الحديث إذاً عن فريقين منفصلين، فريق الحكام وفريق المثقفين، وقد أثبتا تقاطعهما عبر جميع الأزمنة والأمكنة؟" (سماح إدريس، المثقف العربي والسلطة: بحث في رواية التجربة الناصرية، بيروت 1992، ص 279).‏

ومن ناحيته، يرى الدكتور عبد الله العروي أن أسوأ ما في الأمر يتمثل هنا في تمكن هذه الفئة من القيام بدور القيادة في الميدان السياسي والثقافي (د. عبد الله العروي، أزمة المثقفين العرب تقليدية أم تاريخانية؟) إذ إنه عندما تملك النفوذ السياسي أو على الأقل الأرجحية الثقافية، فإنها تفرض مميزاتها من حيث هي قيم على المجتمع في جملته.. وهي سرعان ما تصبح مبتورة عن سائر السكان، وبذلك حوّلت الثقافة على هذا النحو الذرائعي إلى وسيلة، أداة إيديولوجية، وكقيمة لا يمكن المساس بها.‏

إن الخروج من خرافة الاعتقاد بطهرانية ونقاء المثقفين يشكل شرطاً هاماً لوعي حقيقة الفجوة الواسعة أو النسبية بين تنظيراتهم وتحليلاتهم وشعاراتهم من جهة، وبين ممارساتهم اليومية في جامعاتهم، وفي المؤسسات وفي الحلقات الخاصة، وعند أصحاب الشأن والسلطة والنفوذ من جهة أخرى.‏

وبغية تأكيد "الحضور الكامل والدائم" يسعى قسم كبير من المثقفين إلى الاندماج في الدورة الاستهلاكية العامة للمجتمع، ولعب دور المبشّر والمروّج والمسوّق لأفكار وقيم وتوجهات لا أصالة لها، وليست مستمدة من تاريخ المجتمع وتراثه وطبيعة شعبه، والتحول إلى وسيط أو وكيل دائم لوعود طوباوية، لا يمكن تحققها من خلال جملة الشروط والعناصر القائمة والمتحكمة في مسيرة المجتمع وسيرورته التاريخية وقدراته الحقيقية وآفاقه المستقبلية الواقعية. ويصبّ في هذا الاتجاه تلك المجموعة التي امتهنت "التنظير"، ولعب دور "الخبراء" العارفين بكل أمر، الحاضرين في الندوات والملتقيات والفضائيات ووسائل الإعلام‏

المحلية والعالمية، وأولئك الذين "حققوا وجودهم" خارج مجتمعاتهم عبر الترويج لنمط الحياة الغربية، وأساليب الحكم والأفكار التي تضعها معاهد‏

الأبحاث والمراكز الاستراتيجية الدولية المعروفة.‏

وإن نظرة متفحصة لهذه المشاركة السلبية أو الشكلية لفئات من المثقفين تكشف (كما يؤكد الباحث الاجتماعي عبد الوهاب حفيظ) كيف أن خطابها السياسي المشتعل وشعاراتها لا تؤكد أبداً وجود وعي سياسي فعلي في المجتمع، بالضبط مثلما أن تكديس الأسلحة والدبابات وبناء المدارس والجامعات لم يعن في أرض الواقع انتصاراً محققاً على العدو أو نجاحاً باهراً في نشر العلم وصنع التقنيات المتطورة.‏

ومن المؤسف، أن المثقف العربي (كقوة فاعلة ممكنة) ما زال يتحرك خارج دائرة التأثير في المجتمع فسواء اختار الخروج بشكل رمزي، عبر تنكره الكامل لشرعية النظام القائم أو بشكل جغرافي عبر قرار الهجرة والعيش في الغرب، فإن واقع الخروج وآثاره واحدة، ما دام أنه لا يعني في المنظور العملي والنهائي سوى الانعزال عن المجتمع وضعف الوجود المتحقق سياسياً، واجتماعياً وواقعياً.‏

وبالمقابل تغصّ الساحة الثقافية العربية بالأسماء الأدبية والألقاب "العلمية" الرنانة الطنانة، التي بدأت تنافس "نجوم" الغناء، والفن، والرياضة. وهي في حالة تزايد مستمر من حيث الكمّ.. وهذه الفئة من "المثقفين" هي الأكثر عدداً ونفوذاً، وظهوراً في الفضائيات ووسائل الإعلام المختلفة. كما أنها الأضعف عدّة وعتاداً في مجالات العلم والثقافة والأدب والفكر.‏

ومن المؤسف أنّ البضاعة الفاسدة تطرد البضاعة الجيدة في هذا الميدان أيضاً.. في حين أن المثقفين النقديين الأكثر وعياً، والأعمق فكراً، والأصدق سلوكاً وممارسة، تتزايد عزلتهم يوماً بعد يوم.‏

من هنا، نفهم الآليات والبواعث التي تدفع عدداً كبيراً من المثقفين العرب إلى الهجرة والبطالة، والاعتزال والصمت المطبق، لا سيما أنّ المثقف العربي غالباً ما يجد نفسه مكبلاً عاجزاً عن الحركة ضمن أوضاع سياسية ـ اجتماعية معروفة. وتكون النتيجة ـ في أغلب الأحيان ـ عزلة المثقفين عن المشهد الاجتماعي، وابتعادهم (راضين أو مكرهين) عن الانخراط في العمل السياسي الرسمي العام. وبذلك، لا يبقى في المجتمع سوى مثقفين "معتمدين"، أو أنصاف وأشباه مثقفين، لديهم الاستعداد التام للتكيف، والظهور بمظهر "المنظّرين" والمفكرين العظام، وأصحاب "المشاريع" و"الرؤى" الفلسفية الكبرى. إلا أنهم ظلّوا في الواقع عاجزين، من خلال تهويماتهم الذهنية الخيالية، عن التواصل الحقيقي والفعّال مع رموز المجتمع المدني، والمؤسسات الأهلية والشرعية.‏

وما يزيد الطين بلّة، أن أنظمة كثيرة أعطت لفئة من المثقفين وظيفة تنفيذية وتطبيقية لا صلة لها بالقرار السياسي، ولا بالاطلاع على ما يُرسم خلف الأبواب الموصدة من اتجاهات، وبرامج، ومخططات تتصل بمصائر الناس، ومستقبل البلاد والعباد. ومن هنا يرى عدد من الباحثين أن ما أشرنا إليه من عوامل مؤثرة ولّد الشعور بالإحباط لدى الفئة المذكورة، فبرزت مفرزاته من خلال ما يسمى "الوعي البائس" أو "الزائف". وقد أدى هذا الإحباط إلى "العزلة وليس إلى المشاركة، إلى الغياب المواصل وليس إلى الحضور، إلى السلبية وقبول الأمر الواقع وليس إلى المبادرة والإسهام الإيجابي في مصير المجتمع والناس".‏

ومن نافلة القول ـ وهو أمرٌ مؤسف حقاً ـ أن معظم الأنظمة لا تريد للمثقف أن يتجاوز دور الأداة المنفذة، أو "كاتب السلطان" أو "المسوِّق المسوِّغ" لكل ما يصدر عنها من إجراءات، وترتيبات، وأوامر، وما يزيد الأمور تعقيداً، أن جزءاً من المثقفين (سواء وعى ذلك أو لم يعِ) اندمج تماماً بدور الديكتاتور والسيد المطاع.. وأعان الله من وقع في تراتيبة الهرم الوظيفي أو السياسي تحت سلطة ذلك المثقف الذي وجد نفسه فجأة في موقع القرار أو التحكم بالناس.‏

وبما أن الفئة التي تقمصت دور المقرر الذي يأمر فيُطاع، لا تملك أساساً من المحصول الفكري والجماهيري شيئاً مذكوراً، فقد صار من المحتم عليها أن تتحول إلى البيروقراطية الملحقة بالسلطة، دون رؤية فكرية أو فلسفة واضحة تجاه المجتمع والدولة والمستقبل. والنتيجة، أن هذا الصنف من المثقفين (الذين قفزوا إلى مواقع السلطة والقرار)، تتضخم لديهم الأنا النرجسية، والوقوع تحت أوهام الامتلاء الذاتي، والشعور الزائف بامتلاك الحقيقة الكاملة، تبعاً لامتلاك أدوات السلطة وأجهزتها المعروفة.‏

وما على هؤلاء سوى تهميش الآخرين، ومحاولة إشعارهم بالدونية والصغار، لأن في ذلك نوعاً من التوازن النفسي لروح قلقة، ملأى بالتناقضات، والضعف، والخوف من المجهول والغد.‏

لذلك، فإنه لا غرابة من اختفاء مزايا وسمات المثقف الحقيقي (ما قبل المنصب) لصالح بروز وتضخيم عناصر اللاشعور في شخصية متناقضة.. فتقفز إلى الواجهة الممارسات العنيفة، والبطش، وإلحاق أكبر الأذى بزملاء المهنة السابقين، أو بأولئك الذين يمكن أن يشكلوا في مرحلة لاحقة البدلاء المحتملين والمتوقعين. ولعل هذا يشير إلى رغبة دفينة في محاكاة الديكتاتوريين الكبار، وصانعي الأحداث العالمية المجلجلة، الذين حققوا حضوراً قوياً (مأسوياً في معظم الأحيان)، حتى ولو جاء من خلال تدمير الحضارة، ومحق منجزاتها العظيمة، وإزهاق أرواح ملايين البشر، ومن هنا يمكن مقاربة وفهم أسباب تحوّل عدد المثقفين إلى دور الجلادين، والمهووسين بجنون العظمة والمجد الشخصي الزائل والزائف.‏

والواقع، فإننا نجد أنفسنا في حالات كثيرة أمام ما يسمى "المثقف المأزوم" حيث إنّ ادعاء الثقافة وامتلاك المعرفة والحقيقة، ومحاولة الاندماج في "الصفوة" الحاكمة إنما يكون في الغالب على حساب عدد آخر من المثقفين، عبر تهميشهم، أو التحريض عليهم، أو دفعهم إلى الصدام أو الهجرة أو الصمت والاستكانة.. وبذلك، يصبح المثقفون وجهاً من وجوه الأزمة والفراغ الوجداني والقيمي. وما نراه من انفصال بين المثقفين والناس ليس إلا نتيجة لوهم التفوق الذي يتراكم في أذهان ونفسيات عدد من المثقفين، يعززه جملة من المنافقين المخادعين المحيطين، الذين يشكلون البطانة والجدار المتين المرتفع في وجه الحقائق ونبض المجتمع.‏

إن إغراء السلطة والتسلط أخطر أشكال الإغراء الذي يتعرض لـه المثقفون.. وقد برهن علم النفس والوقائع العملية، من خلال أمثلة كثيرة، أنّ حب السلطة، والاستمتاع بإعطاء الأوامر، وممارسة القهر، والإسكات للمرؤوسين تشكّل لذّة عظيمة لصاحبها، ودافعاً قوياً للتشبّث بالمنصب، مهما كان الثمن والنتائج.. وبذلك يتحوّل كثيرون (وغالبيتهم من المثقفين) إلى أدوات باطشة، وفي الوقت ذاته، إلى عبيد للمنصب، بعد أن يذوقوا طعم الأمر والنهي.‏

ولكن لكل شيء أو موقف أو قرار ثمنه طبعاً، فإذا أصبح المثقف عبداً للمنصب، والشهرة، والوجاهة، سيصحو يوماً ما (غالباً بعد طول مكث) ليجد نفسه بلا منصب، ولا كرسي ولا سلطة ولا حشد من الأصحاب والخلان، ولا بطانة المحترفين لأنواع النفاق والتدجيل، وقد خسر شرفه، وكرامته، ومحيطه الاجتماعي.. وهيهات أن ينفع الندم بعد فوات الأوان!!.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244