مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العددان 418 شباط 2006
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

مكانة الأوديسة ـــ حنا عبود

بين ملحمتين‏

يقال لولا الإلياذة لما كانت الأوديسة. وهذا كلام عادل تماماً، ولكنه يصبح كلاماً جائزاً إذا كان المقصود أن الأوديسة تابعة تبعية مطلقة للإلياذة. إن الأوديسة بهذا المعنى ملحمة مستقلة كل الاستقلال عن الإلياذة، لها طريقتها الخاصة، وأسلوبها الخاص، دون أن يعني ذلك أن كاتب الأوديسة هو غير كاتب الإلياذة، وإنما يعني أن الأحداث هي التي تفرض الأسلوب،‏

فلا يمكن لملحمة القتال والاشتباك في سهل طروادة أن يكون مثل أسلوب عودة أوديسيوس على متن البحار وفي قلب العواصف والأنواء وعبر المضايق والوحوش البحرية الراعبة. فاختلاف الأسلوب نابع من اختلاف الأحداث والبيئة والشخصيات، فشخصيات الأوديسة ليسوا محاربين، بل جماعة من المحاربين انتهت من القتال وعادت إلى أوطانها محملة بغنائم الحرب، فهنا النفسيات مختلفة كل الاختلاف، ولذلك لا يجوز دائماً أن نقيس الأسلوب الأدبي كأنما ليس هناك فرق بين البيئة والتوجّه الأدبي.‏

الأسلوب المشترك‏

لكن رغم هذا الاختلاف في الأسلوب نتيجة اختلاف البيئة، بيئة كل شيء، فإنه أسلوب واحد في الملحمتين. ونقاط الاشتراك كثيرة نقتصر على أهمها:‏

1 ـ هناك التزام بالإطار القصصي، ففي الإلياذة يلتزم بقصة "إيليون" أو إيليوم كما يسمي بعضهم طروادة. وكلمة "الإلياذة" تعني قصة إيليون. وهو إطار قصصي وليس إطاراً تاريخياً. ولكن من خلال "غضب أخيل" يطلع القارئ أو السامع على قصة طروادة كاملة.‏

وفي الأوديسة يفعل الشيء ذاته فكلمة الأوديسة تعني قصة أوديسيوس. ولكنها قصة وليست سيرة ذاتية. فكما تنحصر قصة الإلياذة في "غضب أخيل" كذلك تنحصر قصة أوديسيوس في "عودة أوديسيوس". ولكننا من خلال هذه العودة‏

نعرف قصة حياته السابقة، كما نعرف أيضاً مصيره على لسان العرّاف تيريسياس، وهو أنه سوف يموت في رحلة بحرية. أما في الإلياذة فإننا نعرف أنها سوف تدمر منذ البداية. كل ما في الأمر أن الدمار تأخر بسبب "غضب أخيل".‏

2 ـ الأسلوب الحيادي في الوصف متوافر في الملحمتين، فدائماً يقف المؤلف على مسافة واحدة من كل الشخصيات، فكما أنه لا ينحاز إلى أخيل أو هكتور كذلك لا ينحاز إلى أوديسيوس أو الخاطبين، بل يحاول أن يلتزم بالصدق الفني مهما أضاف تفصيلات من عنده مما يقتضيه الأسلوب الأدبي. وعلى الرغم من بطولة أخيل في "الإلياذة" وأوديسيوس في "الأوديسة" فإنه يسجل الانتقادات التي توجه إلى هذا البطل أو ذاك.‏

3 ـ كل الصور والمشاهد والتشبيهات التوضيحية مأخوذة من عصر البرونز وعصر الزراعة عموماً. وحتى عندما يقدم المَشاهد في قلب إيثاكا، أو في السهل الطروادي، فإنه دائماً يأتي بالتشبيهات الملتقطة من المرحلة الزراعية، على الرغم من قيام ما يسمى الدولة/المدينة.‏

4 ـ الأسلوب واقعي في الملحمتين، فعندما يقول السيد للعبد قل لسيدتك كذا وكذا، يذهب العبد ويعيد ما أمره به سيده. وكذلك عندما تأتي آيريس في "الإلياذة" برسالة من زيوس أو أي إله آخر أو ربة أخرى، فإنها تعيد ما سمعته بالحرف الواحد. وعندما يأتي هرمس في "الأوديسة" فإنه يؤدي الرسالة بحرفيتها. إن المؤلف لا يختصر كأن يقول مثلاً "وأبلغت آيريس الرسالة كما قالها لها زيوس "بل يجعلها تردد الكلمات ذاتها.‏

5 ـ الالتفات أسلوب هومري، فهو في الإلياذة والأوديسة يحوّل الكلام من الراوي الغائب إلى الراوي المتكلم. ولكن هذا لا يكون إلا مع الشخصيات الإيجابية. أما الشخصيات السلبية فإنه لا يستخدم معها هذا الأسلوب.‏

6 ـ التفصيلات واحدة في الملحمتين، فالمؤلف لا يقف عند العموميات بل يتدخل في الحياة اليومية ويعرضها بدقة مدهشة لا نعرف أحداً جاراه فيها لا من أدباء الرومان ولا من أدباء العصر الحديث. قد نجد شيئاً من هذا عند مكسيم غوركي في روايته "الأم" أو عند ايتماتوف في روايته "وداعاً يا غوليساري" أو عند غابرييل غاسيا ماركيز في "مئة عام من العزلة" ولكنها تفصيلات محدودة من الحياة اليومية، لا يوجد فيها ذلك الإلحاح الذي نجده عند هومر.‏

7 ـ الاستخدام الميثولوجي واحد في الملحمتين. ولكننا نلاحظ حلول هرمس في الأوديسة بدلاً من آيريس في الإلياذة، كما نلاحظ ضمور دور زيوس في الأوديسة بينما كان دوره متضخماً في الإلياذة. أما هيرا وأفروديت وأريس وبقية الآلهة فيقل ذكرها في الأوديسة. أثينا وبوسيدون هما الوحيدان اللذان يحتلان ساحة الأوديسة: أثينا تريد حمايته، وبوسيدون يريد تدميره لأنه آذى ابنه.‏

الفرق بين الملحمتين‏

هذا من حيث التشابه، أما الاختلاف فهناك الكثير الذي يلاحظه القارئ ومن أهم هذه الاختلافات:‏

1 ـ يجد القارئ نفسه في الإلياذة دائماً أمام قراءة "متوترة" إن صح التعبير. فدائماً هناك دماء ودائماً هناك ساحة حرب. والصرعى ليسوا بالعدد القليل، فأحياناً يعدد هومر عشرات الأسماء ممن سقطوا صرعى الحرب، أو ممن أصيبوا فنقلوا إلى السفن للمعالجة والاستشفاء. أما قراءة الأوديسة فإنها قراءة "مريحة" جداً لأنها مشبعة بالحنين والشوق والحب. ليس فيها ميادين قتال، ولا فيها أولئك الجرحى الذين يئنون وهم يحملون إلى السفن الراسية في الشط الطروادي. لم المجزرة الأخيرة التي يوقعها أوديسيوس بالخاطبين فإنها لا تتعدى الصفحة تقريباً، كما أنه لا يوغل في وصف الإصابات، وإنما يقدم أوصافاً عامة سريعة.‏

2 ـ انقسام الآلهة ونشوب حرب فيما بينها واضح في الإلياذة، بينما في الأوديسة لا يوجد شيء من هذا. كما أن العلاقات بين الآلهة محدودة جداً باستثناء ما دار بين بوسيدون وزيوس، وبين أثينا وزيوس، وهي استشارات محدودة، ليس فيها خلاف، بل كان الاتفاق هو السائد دائماً. وهي مشاهد محدودة تقتصر على مرتين أو ثلاث مرات. إن القتال بين هيرا وأريس أو بين بوسيدون وأفروديت... إلخ والشتائم التي يكيلها الواحد للآخر لا نجدها في الأوديسة.‏

3 ـ تدور الحرب في الإلياذة بين الناس والناس، إنها حرب بشرية تعكس نوازع البشر المختلفة والمتضاربة، بينما في الإلياذة لا نجد شيئاً من هذا، فالحرب تدور بين الناس والوحوش، أو الكائنات البدائية، باستثناء المجزرة الأخيرة التي أوقعها أوديسيوس بخاطبي زوجته. فهناك معركة بين أوديسيوس ورجاله وبين بوليفيموس، السيكلوب المتوحش آكل لحوم البشر. وهناك معركة مع وحشين متمثلين في مضيق بالقرب من مسينا بين صقلية وإيطاليا وهما سكيلا وخاريبديس، الأولى هربت من عاشقها الذي تعشقه الساحرة سيرسي، التي تضع رحيقاً عشبياً في المكان الذي تسبح فيه سكيلان، فيذوب لحمها وتتغير هيئتها وتصبح وحشاً بستة رؤوس واثني عشر ذراعاً، أما خاريبديس فتغرق مكاناً برياً بالمياه من أجل والدها الذي كان رب مياه، فيغضب منها زيوس ويحولها إلى مخلوق يعيش في قلب البحر يبلع المياه بعنف وقوة ويتقيأها بعنف وقوة. وقد استطاع أوديسيوس وبحارته العبور، بعد أن قضت سكيلا على ستة من رجاله. هذه هي المغامرات التي يقوم بها أوديسيوس، وهي مغامرات محدودة، وليست مغامرات بين جيوش. أما في الإلياذة فإن هناك قتالاً حقيقياً أدى إلى قيام تحالفات أدت إلى نشأة فريقين متقاتلين. فالدول الإغريقية تحالفت فيما بينها من جهة، ومدينة طروادة وجدت أيضاً حلفاء يقفون إلى جانبها من بلدان متعددة، من أقرب الجوار حتى إثيوبيا، فحتى الأمازونات سيّرن جيشاً كبيراً لمساندة الطرواديين.‏

4 ـ يمكن القول إن أسلوب الإلياذة هو أسلوب بري، بينما أسلوب الأوديسة هو أسلوب بحري. ومهما كان الكاتب متماسك الأسلوب، فإنه مضطر أن يراعي البيئة التي تدخل فيها. لا نجد في الأوديسة مثلاً وصفاً للأنهار والأزهار والسهول والجبال والخيول والعربات والرماح والسيوف والدروع والتروس إلا القليل، بينما نجد الكثير والكثير جداً من هذه الأوصاف في الإلياذة، بل إن هناك وصفاً تفصيلياً للدرع الذي يصنعه الرب الحداد هيفيستوس للبطل أخيل بناء على طلب أمه ثيطس. وبالمقابل لا نجد في الإلياذة وصفاً للأمواج والأنواء البحرية ولا الغيوم السوداء والبيضاء ولا تركيزاً على مصارعة العواصف والزوابع في وسط البحار.‏

5 ـ صحيح أن في كل ملحمة بطلاً: ففي الإلياذة أخيل وفي الأوديسة أوديسيوس، ولكن لا يوجد أي تركيز على أخيل إلا في الفصل الأول والفصلين الأخيرين، لأن بقية الأبطال يقاسمونه الكثير من الحصص السردية، بينما يستولي بطل الأوديسة على كل شيء تقريباً، فحتى عندما لا يكون موجوداً فإنه موجود اسماً وقضية سواء في اجتماع الخاطبين أو اجتماع الآلهة.‏

6 ـ هناك اختلاف في معالجة الشخصيات النسائية، ففي حين نجد الكثير من الشخصيات النسائية في الإلياذة لا نجد سوى شخصية مركزية واحدة في الأوديسة وهي بنيلوبي. إنها تستولي تقريباً على الملحمة مع أوديسيوس وتليماخوس، أما في الإلياذة فلا توجد شخصية نسائية تستولي على مثل هذه المساحة، ولهذا اتضحت معالم شخصية بنيلوبي أكثر من غيرها، وإن لم يقصر المؤلف في الإلياذة على إبراز بعض الشخصيات النسائية مثل هيلين وأندروماك وهيكوبيا...‏

7 ـ تبرز الشخصيات الثانوية في الأوديسة أكثر من الشخصيات الثانوية في الإلياذة، وبصورة خاصة راعي الخنازير الذي يلعب دوراً هاماً، وراعي القطيع الذي يلعب دوراً أقل، ويوريكليا التي تعتبر مفصلاً هاماً في فن الانكشاف، فهي التي تعرفت على أوديسيوس بعد تليماخوس، من الندبة التي تركها الخنزير البري في ركبة البطل. كما أن الخادمات في الأوديسة حظين بعناية أكبر مما حظين بها في الإلياذة. فهناك تفصيل لأنواع الخادمات وتفريق بين المخلصات منهن والخائنات أو المتواطئات أو الداعرات اللواتي لقين جزاءهن شنقاً في المستودع.‏

8 ـ هناك فارق كبير في المكان الروائي، ففي الإلياذة ليس هناك سوى مكان محدود جداً، يمكن‏

حصره بين شاطئ البحر وقلعة طروادة وبعض أبهاء قصر بريام، أما المكان في الأوديسة فهو متنوع جداً ن بحر وجزيرة وشاطئ وهضبة وجبل وكهف ومغارة وقرية ومدينة.‏

ولكن من جهة أخرى نجد الإلياذة غنية بالأماكن الميثولوجية، من اجتماعات الآلهة ولقاءاتهم وتآمرهم الثنائي أو الثلاثي، وانقساماتهم، ويلعب الأولمب دوراً كبيراً في هذه الملحمة، بينما لا يكاد يلعب شيئاً في الأوديسة. إن التنوع في الأمكنة يوفر للقارئ المزيد من التشوق، بينما بعد النشيد الأول في الإلياذة لا يحتاج القارئ إلى جهد حتى يتعرف إلى المكان الواقعي،لقد بات معروفاً إنه سهل طروادة فقط.‏

تأثير الأوديسة‏

هذه هي أبرز الملامح المؤتلفة والمختلفة بين الملحمتين. ومع ذلك فإن التفاعل مع أي من الملحمتين يكمن في الاتجاه الذي يسير فيه القارئ، فمن أراد العنف الدائم والمشاحنات المستقرة والبطولة والقيم الفروسية فإنه يميل إلى الإلياذة، بينما من أراد النعومة والمخملية وعمق الشوق والحنين والمكابدة من أجل العودة إلى الوطن، فإنه يميل إلى الأوديسة. ومن أراد رصد نفسية الحشد رأى في الإلياذة ملحمة مكتملة، بينما من أراد رصد النفس البشرية في علاقاتها المنزلية رأى في الأوديسة ملحمة مكتملة. إن الأوديسة قصة مكابدة في رحلة العودة إلى الوطن، وليست قصة محاربة بين فريقين كل فريق يتألف من عدة جيوش جرارة. والشخصيات في الأوديسة أبرز لأن المؤلف متابع لها في أدق تفصيلاتها، بينما لا يستطيع ذلك عندما يجد نفسه بين حشد هائل من الشخصيات، منها الحكيم ومنها البطل ومنها المهاجم ومنها المدافع... وهكذا.‏

لم يتوقف تأثير الأوديسة في أي عصر من العصور. ففي العصر الروماني حاول الشاعر فرجيل أن يجمع في ملحمته "الإنياذة" بين الملحمتين: الإلياذة والأوديسة. ففي القسم الأول‏

من ملحمته نلاحظ الترحال البحري الدائم ومواجهة المصاعب والمتاعب والوحوش والمخلوقات العملاقة... تماماً كما في الأوديسة، بل إنه يتهم في بعض الأحيان بأنه ينسخ الأوديسة نسخاً، فكل القسم‏

الأول عبارة عن تكرار المغامرات التي قام بها أوليسيس، وإن كان الأسلوب مختلفاً عن الأسلوب الهوميري اختلافاً كبيراً.‏

ويعتمد فنيلون على جانب من جوانب الأوديسة،‏

فيقوم بتوسيعه، وهو بحث تليماخوس عن أبيه‏

أوديسيوس، فأبدع في التفصيلات دون أن يأتي بجديد في الاتجاه العام للملحمة. وملحمة فنيلون هي أول ملحمة تنقل إلى العربية، فقد ترجمها رفاعة الطهطاوي مستخدماً ما كان سائداً من أسلوب لغوي في عصره، ولذلك سماها "مواقع الأفلاك في أخبار تليماك". ولا ندري إن كان الأسلوب اللغوي للعربية في القرن التاسع عشر، الذي استخدمه الطهطاوي هو الذي حال دون انتشار هذه الترجمة، أم أن هناك أشياء أخرى، كالذهنية العربية، حالت دون هذا الانتشار، على غرار ما جرى في عصر نقل الآثار اليونانية في العصر العباسي.‏

في العصر الحديث‏

وفي العصر الحديث لم يحاول أحد أن يقلد أو يجاري أو يستلهم الإلياذة سوى روائي واحد وهو ليون تولستوي. فقد حاول هذا الكاتب أن يجاري الإلياذة في روايته الكبيرة "الحرب والسلم" إلا أنه لم يستطع أن يقدم لنا الشخصيات كما قدمها هومر نظراً لاختلاف الجو والظروف والعلاقات الاجتماعية التي تغيرت تغيراً كبيراً في العصر الحديث، بالإضافة إلى أن هناك إجماعاً على أن أسلوب تولستوي، على فخامته، مسهب وممل في معظم فصول الرواية، أو الملحمة الحديثة، كما يسميها بعض النقاد. والمتعة التي يجدها القارئ في الإلياذة يستحيل أن يحصل عليها في "الحرب والسلم".‏

يمكن القول إن الإلياذة لم تجذب اهتمام الروائيين في العصر الحديث كما فعلت الأوديسة. قد تكون بعض روايات الفروسية في القرن التاسع عشر قاربت أجواء الإلياذة، ولكنها روايات طافية ليس فيها أي عمق في الفهم الكوني الذي نجده عند هوميروس.‏

أهم محاولة لنقل الأوديسة هي التي قام بها جيمس جويس في بداية القرن العشرين، فأحدثت هذه المحاولة ضجة عالمية كبرى، حتى أن الناقد إدموند ولسون يعد هذه الرواية ـ إلى جانب محاولات أدبية أخرى ـ فاتحة عهد جديد في الأدب، مع أن جويس لم يفعل سوى ترسّم خطوات الأوديسة.‏

أراد جيمس جويس في روايته "عوليس" أن ينقل الأوديسة من العصر القديم الذي جرت فيه الأحداث إلى العصر الحديث. أراد أن يضع الأبطال ليس في الحياة الريفية البسيطة بل في الحياة المدنية المعاصرة، فتغير معه كل شيء، إلى درجة أن بنيلوبي تحولت إلى مومس، كما تحول أوديسيوس إلى إنسان مادي يكثر من حسابات الربح والخسارة. أما المغامرات التي كانت تواجه أوديسيوس في البحر فلم يعد لها وجود بعد أن استطاع العلم اختراع الآلات التي تروّض البحار و تتغلب على العواصف والأنواء... باختصار أراد جيمس جويس أن يقول إن العصر الحديث لا يمكن أن ينتج أوديسة جديدة، فحتى الزمن الطويل الذي قضاه أوديسيوس بين عواصف البحر وأمواجه لم يعد طويلاً، بل لا يتعدى اليوم في العصر الحديث. كل شيء تغير في هذا العصر.‏

ولكن قامت محاولات تستوحي أجواء الأوديسة، فيكتب هرمان ميلفل روايته "موبي ديك" كما يكتب أرنست همنغواي قصته "الشيخ والبحر" ويكتب غابرييل غارسيا ماركيز قصته "قصة بحار غريق"... إن أدب البحر استمر منذ هومر وحتى اليوم، ولكن للزمن حكمه، ولا بد للتقاليد الأدبية من أن تراعي ذلك، فميلفل يتعامل مع الحوت الأبيض الضخم الخطر، وليس مع سكيلا أو خاريبديس، وكذلك همنغواي وماركيز. وستظل الأوديسة ملهمة لأجيال وأجيال من الكتاب على مر العصور.‏

في المسرح والشعر‏

لا نظن أن هناك أثراً أدبياً يضاهي الأوديسة في التأثير على أفكار الكتاب وتصوراتهم. إن هناك شخصيات عديدة تكررت كثيراً في المسرح والشعر. ولكن هذه الناحية واسعة جداً لو رحنا نتقصاها. ولكن ما نحرص عليه هو الإشارة إلى أن الشعر العربي الحديث تأثر كثيراً بالأوديسة، فاستخدم شخصياتها استخداماً فنياً في التعبير عن الرؤيا التي كانت لديه في أواخر الحرب العالمية الثانية. ولا نكاد نستثني الكثير في هذه الناحية: من السياب وحتى سميح القاسم ومحمود درويش وأدونيس... وتحتل بنيلوبي المكانة الأولى في الشعر الفلسطيني وبخاصة في تصويرها تنتظر اثنين: الابن الذي يبحث عن أبيه، والأب الذي يحررها من خاطبيها المزعجين. وشخصية بنيلوبي وحدها تحتاج إلى الكثير من الصفحات، أو المجلدات، إذا تتبعها الباحث في دواوين الشعراء العرب المحدثين.‏

الصراع مع الزمان‏

ولكن هناك ناحية لا بد أن نشير إليها وهي أن الناس منذ ثلاثة آلاف سنة لم تنقطع عن قراءة الأوديسة يوماً من الأيام، إنها رفيقة البشرية، لا ينافسها في ذلك إلا شقيقتها الإلياذة، ومن الصعب أن نجد كتاباً يسجل مثل هذا‏

التاريخ الطويل من صحبة البشرية له. وهذا يدل على أشياء وأشياء، منها أن النفس البشرية تواقة دائماً إلى معرفة الآثار الكلاسيكية، كما أنها تهفو إلى القيم النبيلة التي اشتملت عليها الأوديسة، من بطولة وشجاعة وعدالة وعفة وإخلاص، وتستنكر الخيانة والتآمر... وغير ذلك مما نجده في التقاليد الأدبية الأصيلة. يضاف إلى ذلك أن الناس معجبة بمن يجسد هذه القيم من الشخصيات الأدبية، فالملكة بنيلوبي صارت مثالاً للإخلاص والتفاني والتعلق بالأسرة والمنزل، وقد أكثر الشعراء من ذكرها في شعرهم في كل أصقاع الأرض. ومع احترامنا لكل الروايات الحديثة، فإن شخصية منها لا تذكرها الأقلام ولا يتداولها الشعراء مثل شخصية بنيلوبي أو أوديسيوس أو العراف تيريسياس أو يوريكليا... وربما كانت عفوية الشعر القديم سبباً من أسباب جعل الشخصيات تبدو واقعية بحيث نألفها أكثر من الشخصيات المفتعلة.‏

من المؤكد أن إعادة إنتاج الأوديسة أمر مستحيل أو شبه مستحيل، ولكن من المؤكد أيضاً أن الأوديسة لا تزال حية وحيوية ومحركة لأعمق العواطف الإنسانية النبيلة، وهي تعيش معنا، ونظن أنها ستظل تعيش معنا عصوراً وعصوراً‏

كثيرة. لا ينافسها في ذلك سوى شقيقتها الكبرى، الإلياذة، التي تزيدها بآلاف الأبيات الشعرية. وإذا اتخذنا الزمن مقياساً لحيوية الآثار الأدبية قلنا إن الزمن حتى الآن لم يستطع أن يدفع هذه الملحمة وشقيقتها الإلياذة إلى ضباب النسيان، في حين دفع بالكثير من الآثار إلى كهوف النسيان.‏

ولا تقل الأوديسة عن الإلياذة في ترجمتها إلى لغات العالم، ففي كل عام نجد الكثير من الترجمات الجديدة، حتى أنه بات من المتعذر إحصاء تلك الترجمات على مر القرون. وفي القرن العشرين وحده نرى هناك عشرات الترجمات الإنكليزية، مما يدل أن الصراع مع الزمان لم يحسم لصالح هذا الأخير.‏

ويعتبر الشاعر الإنكليزي صموئيل بتلر من أهم الذين قاموا بالتحرير والترجمة.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244