|
||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
الرواية السير ذاتية سيرنة الرواية أم روينة السيرة ـــ د. محمد صابر عبيد تمظهرات الضمير السير ذاتي: من الموقف إلى السرد حفلت رواية محمد القيسي السير ذاتية "الحديقة السرية" بتبادل رشيق ودال في مواقف الضمير السارد ومواقعه, وفضلاً عن أن هذه التقانة السردية معروفة في سياق حيل السرد الروائي الحديث, إلا أنها في رواية "الحديقة السرية" وبحكم تشكيلها السير ذاتي خرجت إلى فضاءات أخرى ترتبط بالكثافة العاطفية والشعرية, التي سعى الكاتب إلى تجسيدها في البنية الهيكلية العامة للنص. ففي الكثير من المواقع والمواقف السردية تمظهر الضمير السير ذاتي بمظهر الضمير الغائب "المخاطب", أو اندفاع إلى تسلم قيادة دفة السرد بوصفه راويا كلي العلم, أو شطر الذات الساردة إلى شطرين أحدهما يشتغل على الآخر. ولا نحسب أن الأمر حصل على هذا التنوع التقاني هنا بهدف تجريبي يتقصد اللعب بالشكل, بل جاء استجابة لتعقيد البؤرة العاطفية من جهة, وإلى الاختلاطات المكانية بأفضيتها المتباينة وحساسياتها المتصارعة من جهة أخرى, حيث تجد الذات الساردة نفسها أحياناً في وضع مريح نفسياً وعاطفياً وجسدياً, يسمح لها باستظهار أعلى طاقة ذاتوية ممكنة للتعبير عن سحر اللحظة السير ذاتية في سياق الروائي, في حين تنحسر أحياناً لتلتئم على كيونتها, ويشتد تمركزها على ذاتوية ضيقة لا تستوعب حجم الوجد والألم والفقدان, فتشرع بالاستعانة بضمير مجاور يفك أسر الضيق ويفتح المجال السردي على حيوية أكبر تتيح لـه فرصة التواصل والاستمرار وإمكانية الحكي. تبدأ الرواية من حيث أغلقت الصفحة الأخيرة من الكتاب الأول "أرخبيل الصافية" بفتح الصفحة الأولى من الكتاب الثاني "كيمياء العزلة", ولعله يحسن بنا أن نقارب الجدل الضمني الحاصل في عتبة المعادلة الدينامية بين العنوانين. عنوان الكتاب الأول "أرخبيل الصافية" ـ كما سبق أن ألمحنا ـ يعمل في فضاء مفتوح وموجب, يستثمر الطاقات الدلالية والتصويرية لمفردتي العنوان "أرخبيل/ الصافية" وعلى أكثر من مستوى, في حين ينسحب عنوان الكتاب الثاني "كيمياء العزلة" إلى بنية مغلقة وسلبية, تستثير دلالات التوقع والتمركز والانغلاق في مفردتي العنوان "كيمياء/ العزلة" وعلى أكثر من مستوى أيضاً, ليتشكل بينهما نوع من المقابلة البلاغية المنطوية على جدل مولد يضع كل كتاب من الكتابين في مواجهة الآخر ـ حكاية وتجربة ـ.ولو وضعنا التشكيل العنواني للعنوانين في صورة معادلة أيقونية توضح رسم العلاقات بين الأطراف الأربعة ـ دوالا ودلالات ـ لتبين لنا مصير أكثر وثوقية وجدوى لهذه العلاقات: 01 فالأسهم الإطارية الأربعة (1), (2), (3), (4) تعمل بصفة دائرية أولاً وبآلية مرتدة "ذاهبة/ راجعة" ثانياً, أما السهمان الداخليان (5), (6) فإنهما يعملان بآلية مرتدة "ذاهبة/راجعة" أيضاً, فضلاً عن عملهما الضاغط على إشغال المكان بالأسئلة والإيحاءات والاحتمالات. ويفتتح الكتاب الثاني "كيمياء العزلة" مشروعه السردي بموقف سمي "موقف التنهدات" في تواز مع "موقف التماهي" الذي افتتح الكتاب الأول "أرخبيل المسرات" مشروعه السردي به. ويحيل هذا التوازي بين الموقفين على تداخل وصراع دلالي وفلسفي ينتمي إلى التفسير الجدلي الذي ذهبنا إليه في مقاربة بنية عنواني الكتابين في "موقف التنهدات" يتحصن الضمير السير ذاتي الروائي بموقع معين من مواقع الراوي كلي العلم, ليتمكن من معاينة التجربة السردية بعد أن قطعت نصف الشوط واستعمرت نصف الحديقة: (كيف أمكن لذراعيها أن تكونا لي بالتتالي, وطناً وغربة! أربعة أعوام أو يزيد, ذراعاها وطن من لذائذ ونجوم وسماوات نبيذ وأسفار, ثم خلسة, لا, ليس خلسة أو فجأة يستحيل ذراعاها غربة). هذا ما خطه المغني الجوال في ورقة, ألقاها ما بين فوضاه, وصمت. ليقوم كل ذلك من خلال معطى ورقي يفصل الراوي عن سخونة التجربة وعنفوانها, ليتسنى لـه الزعم بأن الوصف موضوعي ومجرد من أي انتماء "هذا ما خطه المغني الجوال في ورقة", وليقترح وحدة سردية ملغومة بالحكي الموجه للتجربة لتسير في طريق ملتبسة وشائكة "وطناً وغربة", تعكس جدلاً عاطفياً حاراً ينذر باحتمالات مخيفة ويشي باستباقات احتمالية قائمة على توقع ضمني بأن التجربة ذاهبة إلى نهاياتها, ولا سيما المحتوى الزمني الفاصل من "أربعة أعوام أو يزيد, ذراعاها وطن" ــ إلى "فجأة, يستحيل ذراعاها غربة". ثم ما يلبث أن يتخلى عن جزء من موضوعيته وحياده ليتعاطف مع "المغني الجوال/ البطل/ الراوي/ الكاتب", على نحو يقوده إلى تفسير ملخص لمقولة التجربة في مضمونها الحكمي المركز: يحزنني أن أتصفح علاماته الآن, وقد وقعت يداي على شيء من يوميات المغني, تفصح بالقليل عن أسطورة كائنين, انقطعا للعشق, وعسف الافتراقات الذي تحدثه أسفار المرأة العاشقة التي تتطلبها وظيفتها, هذه الأسفار التي تلزم العاشق الغرفة والمقهى, يجلس منتظراً ويكتب, مستعيداً الدقائق حتى تعود من جديد ويغيبان وجدا وجسدا. فالحلقات السردية الممثلة للوحدات الحكائية المركزية تمثيلاً درامياً "أسطورة كائنين" انقطعا للعشق/ عسف الافتراقات/ أسفار المرأة العاشقة/ تلزمه الغرفة والمقهى/ يجلس منتظراً/ مستعيدا الدقائق/ تعود من جديد/ يغيبان وجدا وجسدا", تعيد إنتاج الحكاية داخل الشكل السير ذاتي الروائي إنتاجاً سينمائياً خاطفاً, ينهض على ترتيب موجز للقطات يضعها داخل مشهد واحد/ لوحة واحدة. غربة السرد وارتباك الإيقاع السير ذاتي الروائي يضم الكتاب الثاني من "الحديقة السرية" الموسوم "كيمياء العزلة" بين دفتيه ست بوابات أيضاً, كما هو الحال في نظيره الكتاب الأول "أرخبيل الصافية", وهي حسب تعاقبها "غرفة المغني/ عندما هدتنا الذبذبات/ مقاعد الانتظار/ كوابيس البعد/ النبع والإفاقات/ فلك الحيرة والناي". ويتضح تماماً تصاعد الروح القلقة التي تعكس غربة الواقعة السردية في فضاء الذات الساردة, المؤدية ـ كما سنرى ـ إلى ارتباك الإيقاع وبطء النفس وزيادة حساسية الفقد والغياب. تتلوى الذات الساردة في غربتها ابتداء من حدود البوابة الأولى "غرفة المغني", رافعة شعار العزلة والوحدة والانكفاء على تدوين اليوميات: منتصف الليل الآن, أنا وحيد على سريري, وقد أنهيت هذه اليومية. وهي إشارة تبدو خاطفة وسريعة, لكنها تحمل في طياتها بذور التحول السردي الخطير في سياق الواقعة السير ذاتية بتشكيلها الروائي. ويتمخض هذا الفضاء الشديد الحساسية بالنسبة إلى مُستقبل المدونة النصية عن التفاتات واسترجاعات تملأ فراغ المكان والزمن, لتصبح آلية الإشغال ذات فعالية كبيرة: كنت أنتظر رنين الهاتف, وأقلب صفحات جريدة يومية, لأطرد الفراغ من غرفتي, أتناول حبتي عنب من صحن الفاكهة الكائن على البراد, وأنظر في قرنفلها الذي يتفتح ويزداد اشتعالاً, أنتبه وأنا أستعيد جملة لأوسكار وايلد قالتها في حديثنا يوم أمس بإعجاب طافح وعذوبة تلفتني دائماً, والجملة هي: "إنني من الناس الذين خلق العالم المنظور من أجلهم..". كانت تشير إلى حسية وايلد وجمالية فنه, وعشقه اللامحدود لأشياء الحياة وعناصرها. فشبكة المنظومة الفعلية المسيرة لوحدات السرد تحتشد في خط درامي يصور حالة الفراغ ويضاعف فعالية إيقاعه" أنتظر /أقلب/ أطرد/ أنظر/ أنتبه/ أستعيد", من أجل أن تتأهل لاستعادة مقول دال ومجمل لها مأخوذ من ـ آخر ـ "أوسكار وايلد", تثير فيه إشارات لخلق موقف يبدو جديداً "إنني من الناس الذي خلق العالم المنظور من أجلهم", يذهب على نحو ساطع ومركز ومقصود إلى التمركز حول الذات وتشجيعها على مغادرة وضع التماهي في المدونة, في حين تسعى الذات الساردة إلى إخفاء هذه الإشارات وتمييعها عبر الذهاب إلى تفسيرات بديلة "كانت تشير إلى حسية وايلد وجمالية فنه,...", تعكس اختلاف الإيقاع بين الشخصيتين" هي و"الذات الساردة/ البطل". وتدخل تقانة "البطاقة" ـ بوصفها مدونة ملحقة ب "الرسالة" من جهة, وباليوميات من جهة أخرى ـ إلى ميدان التشكيل السير ذاتي الروائي, لتخلق معادلاً سردياً ـ موضوعياً بين المظهر الكتابي المدون ومظهر التجربة المعيش: لندن 31 كانون أول (هذا عام ليس ككل الأعوام ينقضي, أحسن المنى في العام الجديد, فهو ليس عاماً جديداً على المسيح وحده, لك محبتي كمثل دائماً, وليتحقق لك ما أنت جدير به). أخذت يدها بين يدي, وطبعت عليها قبلة طويلة. كانت هذه البطاقة هي آخر أوراقنا, بها اختتمنا عامنا الأول, سهرنا حتى الدقيقة الأخيرة فيه, ومتعانقين, دخلنا بوابة عام آخر, مستقبلين من شرفة الغرفة ضجيج الشوارع وموسيقى الخلق. كان قلق ما يشوب نظرتنا, بينا أكواب النبيذ حولنا فارغة. فما بين الهلالين ـ مدون بطاقتها ـ الموضوع أمامه في آخر يوم من عامهما الأول, ولا يقدم مضمونه انتماء كافياً إلى التجربة يناسب المسرود اللاحق لـه من وجهة نظر الذات الساردة, وهو ما يؤكد كذلك اختلاف الإيقاع السير ذاتي الروائي بين وجهة نظر الشخصيتين في انتماء كل منهما إلى التجربة, ولاسيما إذا أخذنا حساسية المكان بعين الفحص والمعاينة "لندن", فالمكان بالنسبة إليها "مكانها" الذي تعمل فيه بعيداً عن أي إحساس بالغربة, أما بالنسبة إليه فهو "غريب" وفد إليه من أجلها, وبالتالي فهو يعيش بإزائه حساسية خاصة, لأن المكان مرتبط ارتباطاً مصيرياً بها, ينتمي إليها حين تكون قريبة منه, ويعيش غربة قاسية حتى تكون بعيدة عنه, وهذا ما يفسر تشبثه الكبير بها "شخصية وتجربة", في حين تتعامل هي مع الموضوع بشكل أقل تشبثاً والتزاماً. يذهب في البوابة الثانية "عندما هدتنا الذبذبات" إلى استحضار الموازنة بين الحيوي المعيش والكتابي المدون, وإثارة سؤال الحياة في معناه العاطفي حين يتحول إلى نص, وهل بالإمكان معادلة النصي بالجسدي, أي تجسيد النصي أو تنصيص الجسدي حسبما حاول بارت ذلك: حتى أقول ذلك يلزمني حبر كثير وورق أبيض, قبل ذلك تلزمني القدرة على اسر كل نأمة لها وانثناءة, يلزمني الإمساك كاملاً بالساعات والحياة, بإعصارها ونسيمها ونقلها إلى الكتابة, كما لو كنت أنقل باقة ورد من إنائها الورقي إلى مزهرية على طاولة بلا نقصان, أو ليس تحويل كل هذا الفيض إلى كلمات هو البرهان الأمثل على القصور, قصور الكتابة أمام جسد نوراني, يلفه الشعاع السائل من رقائق الروح, فلا يدع مهلة لالتقاط نفس في رحاب هذا المعراج. إن المفارقة هنا من دون شك تتمظهر في غربة الكتابي داخل الحيوي, وتفوق التجربة في واقعها المعيش على التجربة في واقعها النصي, بحيث تصبح إمكانية أسر الحياة داخل قفص الشكل الفني ـ حسب تعبير لوتشي ـ (13) في غاية الصعود والتعقيد, إذ تحتاج إلى قدرات إبداع خلاقة يكون بوسعها التقاط الحساسية الخصبة في أعلى درجات خصوصيتها وفي لحظتها الخاطفة أيضاً. وهنا يستعيد الإشكال النوعي سؤاله في تداخل السيري بالروائي قدر تعلق الأمر بتجربة حب صاخبة, ينقلها الكاتب إلى الميدان النصي نقلاً سير ذاتياً, في حين يوجه عناية القراءة نحو التصنيف الإجناسي الذي يضعه على غلاف الكتاب ويسمه ب "رواية", دفعاً نحو غربة الشكل أيضاً, على النحو الذي ينتج إرباكاً إيقاعياً لحركة الذات الساردة وهي تنشد السير ذاتي في ذراع, وتجتهد في الوصول إلى الروائي بالذراع الأخرى. ولاشك في أن الإشارة إلى قصور الكتابي أمام الجسدي "قصور الكتابة أمام جسد نوراني يلفه الشعاع السائل من رقائق الروح, فلا يدع مهلة لالتقاط نفس في رحاب هذا المعراج", من شأنها أن تعفي الكاتب من ضرورة الالتزام الكامل بالميثاق السير ذاتي ومنحه حرية كافية للتصرف بالروائي المتخيل على حساب السير ذاتي الواقعي. وتقوده هذه البوابة إلى استرجاعات زمانية ـ شخصية يأسرها بالتدوين ليعادل غربته بها, ويعبر من خلالها عن اضطراب في إيقاع ذاكرته وسرده وحلمه: عرفت جواد في مكتب قريب لـه, هو صديق عزيز علي, لعله الآن وحيد وحدة بلاده, قلت يشاركني, وأشاركه هذه المراكب والأشرعة والحلم. ابتعت البطاقة, وفي مقهى "رابيللو" في الطابق الأسفل, رحت أملأ ظهرها الأبيض بالكلمات, لعلها تخفف من وحدته: (يخيل لي تماماً, أني لن أجيد في هذا الكلام إليك يا جواد, تتبعثر المفردات إذ أراني أقرع جرس دار "السراة", وأدخل, تطل علي بقامتك الرجولية, ووجهك الذي يحتشد بطفولة وبراءة الحياة نفسها, فأهجس داخلي يا الله, أإلى هذا الحد يمكن أن تكون الحياة معطوبة وقاسية, لكأن المرء محكوم عليه ومدفوع ليحيا مناخات "كافكا" الكابوسية هذه. فالمهمة التي جند السارد السير ذاتي الروائي نفسه لها, في محاولة التخفيف من غربة "جواد" حسب الاعتقاد المدون "لعله الآن وحيد وحدة بلاده", وعبر ملء ظهر البطاقة الأبيض بالكلمات سعياً وراء تخفيف شدة وحدته, ليست في الحقيقة سوى لعبة سردية لتخفيف غربة السرد والسارد. ولعل مدون السارد الموجه إلى صديقه "جواد" على ظهر البطاقة الأبيض يحيل على هذا الاستنتاج, بحيث إن جملة "أني لن أجيد في الكلام إليك يا جواد" ما هي إلا خطاب مونولوجي يناجي السارد ذاته مقنعة ب "جواد", بعلامات "الحياة معطوبة وقاسية/ المرء محكوم عليه ومدفوع/ مناخات "كافكا" الكابوسية" يشحنها بحس غربوي وإيقاع بطيء. تواصل الذات الساردة في البوابة الثالثة "مقاعد الانتظار" توظيف الرسائل القادمة من الحبيبة بوصفها آلية مشاركة سردية في صناعة النص السير ذاتي والروائي: جنوب أفريقيا, رأس الرجاء الصالح, 2 نيسان أيها الغالي, افتقدك بحجم افتقادي للأشياء الجميلة, أفهم ما تعنيه بالوحدة, فمع كل الجمال المحيط والمذهل هنا, وحيد المرء بدون أن يحب. لقد كتبت الحرفين الأولين من اسمينا (ص. م) وتاريخ اليوم على أعلى معلم في نقطة التقاء المحيطين الهندي والأطلسي.. لك إعزازي, وأمد لك يدي في هذه البطاقة لتمسح عنك مرارة الغصة. وتحميك من كل الشرور. وتظهر رسالتها حجم الوحدة القاسي الذي يعيشه السارد السير ذاتي/ البطل من خلال محاولتها للتخفيف بخطاب دبلوماسي لا يتكشف عن مشاركة وجدانية عالية مع رغبته "أفهم ما تعنيه بالوحدة". ويكشف تصريحها بالحرفين الولي من اسميهما "ص.م" يعني "صافية/ محمد/ عن تعزيز جديد للميثاق السير الذاتي في التوجه إلى استقبال النص من موقع السيرة الذاتية, الذي دفعه الكاتب إلى موقع الرواية, للتوصل إلى ما دعوناه بسيرنة الرواية وروينة السيرة, في السبيل إلى استحداث "الرواية السير ذاتية". يصل الحال السردي في البوابة الرابعة "كوابيس البعد" إلى استثمار طاقة العنونة استثماراً كلياً "كوابيس × البعد", يعمق صورة الغربة ويزحف بها إلى انسيابية الخطاب السير ذاتي, ليحول الذات الساردة إلى ذات منتحبة تفقد إيقاعها وتعزل الحاضر, حيث لا مستقبل أمام استحضار دامٍ لجنّة الذاكرة التي لم تعد ترى شيئاً سواها: هل تنجح الكلمات في أن تقولني كما أنا, منذ لحظة الفراق والعناق الحميم, حتى الدخول في تفاصيل الفضاء الثقيل, حيث أسئلة الوحدة, حيث الأنفاس تضيق, ولا أحد هناك, لا نسمة من يديك, ولا أنت, إذن كيف تنجح الكلمات في أن تقولني, ما من وصف يحيط بهذا الاعتمال والاعتلال بينا البال مشغول بك, ومزدحم بالفقدان. حين نبتعد عمن نحب, يستيقظ كل شيء, تحضر الساعات والأيام, أصغر التفاصيل تحضر, اللحظات تأخذ بعدها الحقيقي في النفس, ويغيم الحاضر, بلا نكهة يمر أو معنى, ليس أكثر من إطار لاستحضار البعيد, أو وعاء يكبر كل آن أمام انثيال الذكريات وتفتحها. عندها يتجلى السؤال السردي السير ذاتي عن جدوى التدوين في مواجهة فداحة الفقدان, والذكريات تفتح ذراعيها داخل حدود التجربة المسرودة لتحتضن صور الاسترجاعات السير ذاتية, فيغيب الروائي المتخيل نسبياً لصالح السير ذاتي, وتدخله في توجيه الذات الساردة, وهي تستأنف رثاءها الدامي لذاتها وللأشياء, في الوقت الذي تصبح فيه اللغة دون قدرتها على تمثيل التجربة وتصوير حساسيتها التي أثقلت الذات الساردة بفداحة الغياب والخسران. تتنوع مظاهر غربة السرد ويمضي القلق والشرود بالذات الساردة إلى خلل وارتباك واضحين بإيقاع حركتها سرداً ووصفاً ومونولوجا, حتى تجد نفسها تنتقل من موقع ضيق إلى آخر أكثر ضيقاً, وصولاً إلى مغادرة اليقظة التي تتضاءل إلى حد التلاشي, وتنفتح على الأحلام بمشاهدها الكابوسية في فواصل نوم متكررة: أمشي إلى عربة لا توصلني إلى شيء, الطريق طويل إلى اللاشيء, والطريق حاشد بروائح الفراق, وحاشد بك, بأشيائنا الصغيرة كلها, هنا وهناك, في وحولي, ما من مكان يلم هذا الفيضان الغامر, ما من أفق للمسيرة التي أبدأ. ليس لي غير زاوية في البيت ترأف بكل هذا الدفق المنذور لفراغ مديد, وعدت لأغيب في نوم متقطع حافل بمشاهد كابوسية حزينة. وتعمل فواصل النوم التي تتكرر بزخم كبير نسبياً بوصفها تقانة سير ذاتية ـ روائية, تسرد الأحلام بطابعها الكابوسي الحزين في مشاهد حكائية توازي سرد اليقظة وتجيب عن أسئلته الشائكة. تنعكس صورة السارد السير ذاتي الروائي في "يومية" تشرح فيها تجربة عطب في الجسد, تظهر قلقاً عليه بوصفه قطباً فاعلاً من أقطاب التجربة, لذا فإن الوصف يطول نسبياً ويقود إلى ما يسميه بالزهد: عمان, 27 كانون أول أكتب الآن بيدي اليسرى, اليد الأقرب إلى القلب, ذلك أن يدي اليمنى معصوبة, وأصابعي مضمومة تحت الشاش البيض, لن أستطيع الكتابة بها لأسبوعين, مثلما قال الطبيب, وقد أصابها جرح عميق, بعد أن خبطتها بقوة على كأس أمامي, كنت متوتراً وغاضباً, بسبب ما أرى من خطأ حولي, كلفني الذهاب إلى المستشفى, وقد أصر ابني على أن يأخذني إلى, كان ذلك يوم أمس, والوقت ليل, وقد نزفت دماً كثيراً. في المستشفى أوقفوا النزف وخاطوها عشر قطب, وكان جسدي يرتجف, قررت وهم يعملون بها أن استحضرك وأتحدث معك, لأنسى الوجع, رغم البنج الموضعي, ضممتك إلى صدري, وأنا نائم, ورغبت أن أضيع, وأهرب من يد الطبيب, أهرب من حياتي وواقعي, وألغيه تماماً, حيث لا يظل غيرك لي حياة وأفقا. ما من زهد عرفت قبل ذلك مثل هذا الزهد, هكذا أجدني مكتفياً بهذا الحب, مكتفياً بك, لأنك خياري العاقل في هذا العام الجديد الذي يقبل, أدخن وأكتب بيد واحدة. فتحتشد الدوال الجسدية المشتغلة على بعث إشارات تدفع الجسد أيضاً إلى غربته في العطب والانحسار والزهد والاكتفاء, ويرضى إيقاع الذات الساردة بأقل دينامية ممكنة تقترب كثيراً من حدود السكون, كما هو الحال في الاعتراف الصريح الكامن في السطرين الأخيرين من اليومية. تبلغ غربة السرد ذروتها في البوابة الخامسة "النبع والإفاقات", فيتبدد الزمن وتتلاشى حدود المكان وتصبح التجربة بلا إيقاع تقريباً. ينقلب الأحد على السبت, وينقلب عليّ, وما رسمناه من بهاء لساعاته, استحال هباء منثورا, فقد غابت هي طيّ العمل المتأخر وزوّار الصباح الذين أكلوا نصف النهار, أمّا النصف الآخر فتلاشى بحثاً عن تواريخ وأوراق في أحشاء الحاسوب, حتى أشرف النهار على العتمة, وحين وصلها صوتي, اعتذرت عن موت الأحد, وعن عجزها الراهن أمام ما انكسر. حين التقينا خطفا بباب محلاّت "ماركس آند سبنسر" اختارت في عجالة ما اختارت, واختارت لي ما يقيني وحدي بلا مشقّات. في الطريق راحت تغيب وحيدة, وإذا كانت تدنو من البيت, كنت أنا أبتعد, لأقيم شعائري الخاصّة, الشعائر الأقرب إلى وصفها بالجنائزيّة. إذا تحتشد الدوال السرديّة بعلامات مركزة جدّا تضاعف صورة الغربة والفقد والهزيمة, لتفتح الفضاء الدلالي المشحون بلسان الذات الساردة على معاني الانقلاب, والغياب, والتأخير, والضياع, والتلاشي, والعتمة, والاعتذار, والعجز, والانكسار, والسرعة, والعجالة, والوحدة, والابتعاد, في الطريق إلى حشر الذات الساردة في تمركز إيقاعي مكاني "كنت أنا أبتعد, لأقيم شعائري الخاصّة, الشعائر الأقرب إلى الجنائزيّة". وما تلبث الذات الساردة بعد فواصل نوم متكررة أن تصرّح بالغربة واختلاف الإيقاع: اختلف الإيقاع تماماً, ونحن لم نعد من كنّا ذلك الاختلاف الذي يؤكد غربة السرد في التغير الذي حصل لبنية الشخصيتين الرئيستين "نحن لم نعد من كنّا". في البوابة السادسة الموسومة "فلك الحيرة والناي" تغادر الذات الساردة موقعها" السير ذاتي "تقريباً, لتغيب في المتخيّل" "الحلمي" قريباً من "الروائي", حيث تميل إلى تصعيد الشكل الحكائي المقصور على صورة سردية معيّنة داخل الحلم السردي: هذا صباح مختلف في عمّان, صباح غريب, قدمت وراء مهمة صحفية للكتابة عن رجل صابوني, وصلت إذن ليلتي الأولى بعيداً عن لندنٍ, لتنهال الكوابيس, فأستيقظ مرّات وأنا أصرخ رعبا, رأيتني, في يديّ إضامة من أعواد الورد الجوري, المحفوف برؤوس شوكيّة بارزة, وعليّ أن أضعها في إناء مرتفع على الشباك, كان الشباك عالياً, صعدت على كرسي صغير, وإذ رحت أمد يدي بالورد, اختلّ توازني, وأخذت أميل بجسدي ناحية الشباك, وانتظرت أن أهوي, كانت الرؤوس الشوكية تنغرز في لحمي, وصرخت منادياً باسمها, الشوك في يديّ, وأفقت. وعلى الرغم من أن التفسير النفسي الحلمي داخل الحال السردي يصل إلى نتائج واحدة تعزّز الاستنتاج القاضي بغربة السرد واختلال إيقاع الذات الساردة, إلاّ إن المستوى الحكائي للعرض السردي "الحلمي" يصعّد من حدّة الدوال في التعبير عن تشكيل دلالي موحٍ, يتّصل بالمقولة السرديّة المركزيّة في التجربة. وتتواصل في هذه البوابة فواصل النوم, وتتكرّر صور متنوّعة للأحلام تعرضها الذات الساردة بسخاء, لكنّها تنعطف إلى الورقي الكتابي لتواصل التسجيل أيضاً: ورحت بلا وعي منّي أسجّل انطباعاتي على قصاصات صفراء صغيرة, وأنا أمشي. استعدت جملة قالتها لي أمس وهي "يمضي الوقت بطيئاً لمن ينتظرون, أما المحبّون فيمتلكون الأبدية", قالت لي إنها من كلام الأميرة, سجّلت ثانية هذه الجملة على واحدة من القصاصات ورحت أكتب وأنا أمشي. وتتكرّر القصاصات ما بين صفحة (278) و(382) أكثر من ثلاث عشرة قصاصة, كما تتكرّر مرّة أخرى فواصل النوم بأحلامها الكابوسيّة ما بين صفحة (382) إلى (396), في سياق توسيع حدود الغربة وانحسار الإيقاع, حتى يصل الأمر بالذات الساردة إلى الإعلان عن الغياب النهائي في مشهد يختلط فيه الحلم باليقظة, مثلما يختلط فيه السير ذاتي بالروائي. وتصل فيه عتبة العنوان "كيمياء × العزلة" إلى تمثيل حرفي وتجسيد مشهدي لصورة العنوان في منطقته العنوانيّة, وفي المتن النصّي ببواباته الست أيضاً. |
|
| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |