مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العددان 418 شباط 2006
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

ثقافتنا اللغوية وتحديات العولمة؟ ـــ محمد سعيد طالب

تمهيد:‏

المقصود بثقافة اللغة هو ذلك النقيض والكم الهائل من الإنتاج الثقافي (مؤلفات ومصنفات وموسوعات) المكرس للتراث الأدبي واللغوي العربي، منذ بداية عصر النهضة العربية الحديثة، أواخر القرن التاسع عشر وحتى اليوم، دراسة وإعادة إنتاج، وإحياء، تحقيقً وطباعة ونشراً لهذا التراث الغث منه و السمين، من قبل المؤسسات الدينية، والهيئات الثقافية الحكومية في الدول العربية، والجمعيات الأهلية،ومجامع اللغة العربية والجامعات والأكاديميات، والمؤسسات التعليمية، ودور النشر والمكتبات الخاصة والعامة. يضاف إليها الأعمال الأدبية والأبحاث الفكرية ذات الصلة بهذا السياق.وقد تعددت أهدافها وشعاراتها من التجديد إلى الإصلاح إلى البعث والتحديث والتطوير، بحيث طغى الجانب الثقافي اللغوي على مناحي وجوانب الثقافة الأخرى. وقد لاحظ الدكتور طه حسين، أن الإنتاج فيما يخص الأدب الجاهلي غزير جداً منذ القرن التاسع عشر، وقد أثار كتابه في الأدب الجاهلي 1926م في هذا السياق حملة ردود واسعة ضده حسِمت لصالح خصومه بعد مماته.‏

صحيح أن اللغة هي ذاكرة الأمة، وهويتها وتاريخها المنطوق والمكتوب، وأنه إذا حدث انقطاع بين الأمة ولغتها القومية، فستصاب بفقدان الذاكرة اللغوي الذي سيؤدي إلى تغييرات جوهرية في هويتها. وعليها في هذه الحال أن تعيد بناء عقلها وفكرها وتاريخها وشخصيتها القومية، انطلاقاً من هذه الواقعة (الكارثة). وبالمقابل فإن الذاكرة اللغوية قد تتعطل إذا لم تتجدد، فتعتق وتشيخ وتيبس، فتصبح غير صالحة للاستعمال الدلالي والتواصلي والتعبيري، في إطار التطورات الجارية والثورات العلمية والتقنية والسياسية والاقتصادية، التي غيرت وتغير العالم. فلا تعود قادرة في الشكل والمضمون، وكبنية ووعاء للمعاني والأفكار، على القيام بدورها المعرفي في مواكبة التحولات الفكرية، التي عصفت وتعصف بكل مناحي الحياة. وتعجز عن نقل الفكر الحديث وتوصيله، ومخاطبة الآخر واستقبال أفكاره. وهنا يكمن عسر الثقافة والحضارة الذي تكلم عنه فرويد بلغة التحليل النفسي، كظاهرة عدم تكيّف تحت تأثير دوافع لا شعورية محولة أو مكبوتة مخزونة في اللاوعي الفردي أو الجمعي.‏

أما لغة الثقافة الوجه المقابل للقضية، فهي لغتنا العربية كما يجب أن تكون في عصر الحداثة والعولمة وتكنولوجيا المعلومات، كي تصبح بالفعل لغة العلم والتكنولوجيات الحديثة والمعلوماتية، مؤهلة لتقوم بدورها كلغة ثقافة حديثة متطورة ومتنامية، بما يجعلها في مصاف اللغات العالمية الحديثة، لاستعادة دورها الحضاري والثقافي السالف. فاللغة التي لا تنتج علوماً ومعارف، ويظل قاموسها التاريخي هو الذي يحدد مستقبلها، ستكون عالة على غيرها وستصبح عاجلاً أم آجلاً قديمة ومتخلفة يقل استخدامها من قبل الناطقين بها لأنهم بحاجة إلى لغة العلوم والتكنولوجيات الحديثة التي تشكل حياتهم، وهي لغات الآخرين الذين ينتجون ويبدعون هذه الأمور، والتي يجب تعلمها حتى يمكن معرفة القوانين والمبادئ والأسس التي قامت عليها هذه الحداثة، ولاقتباس ما هو ضروري لبناء ثقافتهم ومجمل حياتهم الاقتصادية والسياسية. وتقل حاجة الآخرين أيضاً لهذه اللغة القديمة، ويقتصر تعلمهم لها لغايات دراسية، تاريخية سياسية، أو دينية. وتتعمق الأزمة وتتحول إلى إشكالية بنيوية في الثقافة والفكر العربيين.‏

لقد كانت لغة العرب هي لغة العلم والثقافة والتكنولوجيات في عصر الخلافة العربية فترجمت إليها علوم اليونان والفرس والروم والهنود من لغاتها الأم، أو من اللغات الوسيطة مثل السريانية واللاتينية لتحفظها ولتكون مستودعها، ولينقلها الآخرون عنها. وهذه هي وظيفة، وعظمة اللغات الثقافية العالمية التي تتبوأها لغة الأمم التي تتفوق سياسياً وتكنولوجياً في حقبة تاريخية معينة، وإذا تخلت عن هذا الدور، فسيتضاءل دورها وتنكمش لتصبح لغة محلية أو تاريخية أو دينية. وهذا ما لا نريده للغتنا العربية.‏

القسم الأول: إشكاليات البحث،‏

وتحديد الموضوع.‏

ـ 1 ـ‏

إشكالية البحث: تتناول الأسئلة حول الفكر النقدي اللغوي ـ والثقافي العربي. وتقوم على طرح جملة من الأفكار:‏

ـ 1 ـ هل هناك مشكلة لغوية بالفعل؟ وهل الاطروحات النقدية التي تتمحور حول شيخوخة النحو العربي وضرورة تجديده هي مسألة راهنة وحقيقية بالفعل؟ أم هي إحدى تظاهرات الحداثة العربية ومداخلاتها المجلوبة، والمصطنعة؟‏

ـ 2 ـ هل ستتحول ثقافتنا العربية من ثقافة لغوية إلى ثقافة علم وحضارة؟ وتنتقل من حدها اللغوي إلى ثقافة علمية حديثة؟‏

ـ 3 ـ والسؤال الأكثر أهمية: هل ستظل ثقافتنا العربية الراهنة حبيسة السمات اللغوية الموروثة، كلغة هوية تاريخية فحسب، غير قابلة للتكيف مع التطورات الجارية في العالم الحديث؟‏

ـ 4 ـ وهل اللغة العربية عاجزة بنيوياً كما يتقول المتغربون أن تصبح لغة الحداثة العربية؟، أم هي بالفعل لغة ثقافة حديثة ومتطورة؟ تتجدد موضوعاتها ومفرداتها وقوانينها اللغوية الفكرية والفنية والتقنية، لتواكب وتستوعب ثورات العلم والتكنولوجيات والفلسفة وعلوم الإنسان والاقتصاد والسياسة والتجارة (الحداثة، والعولمة).‏

ـ 5 ـ لقد أصبحت تكنولوجيا المعلومات أهم أدوات صناعة الثقافة وأهم قضاياها الاجتماعية، فهل ستكون الثقافة تابعة للتكنولوجيا، أم التكنولوجيا تابعة للثقافة، هم أهم مع أن المفروض أن تكون الثقافة هي الأساس الاجتماعي للتنمية، ومهما زادت سطوة التكنولوجيا فمن اللازم ألا يكون المجتمع تابعاً لها، بل أن تكون غاياتها توفير أوسع الخيارات والبدائل أمام التنمية البشرية(1). والأجوبة حتى الآن وصفية لا تطرح حلولاً للمشكلة، بل لعلها لا تحيط بالإشكالية في واقعها المرير والشديد التعقيد.‏

إن ثقافة اللغة في إطارها النظري علامة أزمة تحيل إلى مجمل النشاط الاجتماعي والاقتصادي والفكري والسياسي، وإلى فاعلية الأفراد والجماعات التي تجعل من اللغة العربية أداتها المعرفية والفكرية، عاملة على استعادة دورها الإبداعي والتواصلي كمنظومة فعالة في التعبير والتفكير والتنمية والتحديث.‏

في المفهوم الأول تعرض ثقافتنا التراثية بعد عصر التأسيس الأول (عصر التدوين) نموذجاً لثقافة لغوية بامتياز فهي تتمحور حول فقه اللغة والنحو والصرف والألفاظ والمعاني واللغة وأساليب التعبير الشعرية والنثرية. ونظرة سريعة‏

على المكتبة التراثية العربية في هذه الحقبة تبين لنا هذه السيطرة الطاغية للغة في علوم القرآن والحديث والتفسير والنحو والصرف واللغة والبيان، وكتب الموسوعات الأدبية وفي المعاجم وكتب اللغة ودواوين‏

الشعر مختلفة الأغراض وفي علم الكلام والمنطق والفلسفة والخطابة والعقائد الدينية. وقد صارت عند المتصوفة هي العلم الكلي، علم الله اللدني ـ العربية ـ اللسان الذي به خاطب الله رسوله وأنزل عليه قرآنه، فكل كلمة لها علم منفصل كما أورد أبو بكر بن العربي، لها ظاهر وباطن، ليس على مستوى الدلالة والمعنى فقط، بل على مستوى البناء والتركيب في نسق النص، لمعرفة الله والإنسان والعالم، كما جاء في فصوص الحكم والفتوحات المكية عند محيي الدين بن عربي.‏

فالثقافة اللغوية العربية بعد ـ مرحلة التأسيس ـ (وقد حدد الفارابي تاريخ بدء كتابة اللسان العربي سنة 90 هج في عهد الوليد بن عبد الملك وولاية الحجاج على العراق وفي نشوء مدرسة البصرة اللغوية التي من أعلامها عبد الله بن إسحاق ت 117 هج ـ 735 م وعيسى بن عمر الثقفي ت 149 هج ـ 766 م، وأبو عمرو بن العلاء ـ 70 هج 689 م ـ 154هج 6770 م، واستمر هذا العمل حتى عام 200 هج ـ 815 م تاريخ نهاية واستقرار هذا العلم(2). ظلت تستعيد ذاكراتها التي احتوتها الكتب الأمهات في الفقه والقراءات والتفاسير والسيرة والحديث والتصوف واللغة والنحو والصرف والأدب وديوان الشعر العربي (الجاهلي والمخضرم والأموي والعباسي) وعلم الكلام والمنطق والفلسفة والتاريخ والجغرافيا. ثقافة لغوية، اكتمل عقدها، واستقر نظامها الفكري في القرنين الرابع والخامس الهجريين ـ العاشر والحادي عشر الميلاديين. ليتراجع بعدها التصنيف والتأليف والعمل بالفلسفة والعلوم الطبيعية في المكتبة التراثية بعد جيل الفلاسفة والعلماء العظام (الكندي والفارابي وابن سينا وابن رشد وابن باجة وابن الطفيل والغزالي وجابر بن حيان والحسن بن الهيثم). فتراكمت أزمانها الثقافية بعضها فوق بعض متفاوتة الأهمية في الموضوعات والنصوص، تشتبك في صراعات، وتتعايش في سجال وجدال ومعارك نقدية مصطنعة على أرضية ثابتة ومهد ثقافي واجتماعي واقتصادي راكد وهي تغوص في متاهاته، ولا تعرف كيفية الخروج منها. لأنها لم تعرف انقطاعات حاسمة في بنيتها منذ تأسس ذلك النظام الذي جعل اللغة محوره وقواعده المؤسسة ومادته الثقافية السائدة. وظلت هذه السمات مسيطرة على عقل النخبة حتى الوقت الحاضر.‏

يذكر ابن خلدون في مقدمته (أن القاضي أبو بكر بن العربي تقدم بمنهاج للتعليم، وقد نال استحسانه، ويعتمد هذا المنهاج على تقديم العربية والشعر على سائر العلوم. ثم يأتي الحساب ومن ثم تعليم القرآن، ولكنه لم يطبق بسبب استحكام العوائد.‏

ويقارنه مع المنهج السائد في زمانه، فيقول: بأن المنهج المتبع يقتصر على تعليم القرآن و علومه اللغة العربية وآدابها، ولم يكن الحساب يدرس للأولاد في سنيهم الأولى، والمنهج خال من العلوم على الجملة. فمن أراد أن يتعلم الطبيعيات والفلسفة والمنطق اليوناني فعليه أن يستأجر معلماً على نفقته الخاصة(3). هذه السيادة للعربية في الثقافة والتربية والتعليم جعلت ثقافتنا المعاصرة أسيرة هذه السيطرة.‏

وعندما تسأل أحد معارفك من المثقفين اللغويين أو من الأدباء أصحاب الأخذ من كل علم بطرف هل قرأت الكتاب الفلاني يجيبك نعم وهل أعجبك؟ الحقيقة لا. ولماذا لأن فيه أخطاءً نحوية ولغوية، قبل أن يتكلم عن الموضوع والأفكار، طيب وهل أعجبتك أفكاره وأساليب بحثه وتناوله لمادته؟ (أنا لا أدقق في الأفكار والأسلوب، وما يهمني هو الكتابة بعربية فصيحة وصحيحة). والإشكالية هنا تتعلق بما هي الفصاحة، وما هي مكوناتها وأساليب التعبير بها في عصر الحداثة، وما هي الأخطاء الفادحة التي تجعل هذا المثقف يتخذ هذا الموقف؟ هل الأفكار غير واضحة، أم لعلها ليست جديدة، ومطروقة من قبل، أو لعلها غامضة ومبهمة، أو لعل أساليب البحث مضطربة وغير علمية، أو ربما هي الأخطاء اللغوية والنحوية والأسلوبية قد منعت من وضوح النص ودلالاته ولم تقدر على عرض المعنى المقصود، أو لعل الموضوع مبتذل معاد وكل ذلك حجبه أن يكون فصيحاً؟. (لا لا أنا لا أتعامل مع النصوص بهذه التقنيات، فإذا وجدت أخطاءً في اللغة والنحو لا تستوقفني الأفكار ولا يستثيرني الكتاب بل لا تعنيني قراءته) أي أن قراءة النص لديه مسبوقة بقراءة أولية لغوية ـ نحوية للألفاظ والعلامات الإعرابية ثم تتبعها قراءة ثانية للأسلوب والمنهج وقراءة ثالثة للمعاني والأفكار. وإذا أثقلت عليه وقلت: ما هي هذه الأخطاء الجسيمة التي حجبتك عن رؤية المعاني والأفكار؟. يجيب هناك أخطاء أسلوبية مثل تقديم الفاعل على الفعل واستخدام ألفاظ غير فصيحة ومصطلحات أجنبية غير معربة إلخ... وأخطاء نحوية من مثل عدم صحة استخدام حروف الجر بمعانيها المتوارثة، وكذلك حروف العطف والتغاضي عن عمل النواصب والجوازم للفعل المضارع بعدم ذكر العلامات الإعرابية في أواخر الأفعال. وهناك خلط وعدم دقة في استخدام الاشتقاق والمشتقات، وكذلك عدم صحة وضع همزة (إن وأن) بشكل صحيح مما يرهق البيان، والفصاحة والكلمة والجملة والعبارة. وإذا أجبته أنا مثلك أتطير من الأخطاء النحوية واللغوية والأسلوبية. ولكنني أتوجه إلى الأفكار والأساليب والمعاني، فطالما استطاع الكاتب تبليغها وعرضها واستنتاج ما هو كامن في الفروض التي اعتمدها بشكل علمي وموضوعي وبأسلوب مقبول ومفهوم، أتغاضى عن الأخطاء النحوية واللغوية الصغيرة التي هي من الممكن تجاوزها لأنها لا تؤثر على بناء النص وتوصيل أفكاره. أجابك بأن الكتابة بالعربية يجب أن تظل مقيدة بأصول النحو العربي كما هو‏

متوارث وإلا فقدنا البوصلة التي تحدد اتجاهنا كثقافة وهويتنا كأمة.‏

ـ 2 ـ‏

تحديد الموضوع ينطلق من أن:‏

اللغة أداة التفكير، والتعبير عن الأفكار والمعاني في نصوص معقولة ومفهومة، لتوصيلها، وتفسيرها وتبليغها، وهي وعاء الثقافة والفن وتاريخ الإنسان. وتجاوز هذه الوظائف بالتركيز على جانب منهجي ـ أدائي يقتصر على البحث في اللغة كقواعد ونحو وصرف، وتحديد العلم والفكر والثقافة به، يعني إشكالية بنيوية في العقل والمنهج. تشير إلى الانحراف الموضوعي، والانزياح المعرفي عن الأسس والمبادئ العقلية والروحية والقيمية التي قامت عليها الثقافة العربية، وأنتجها العقل العربي ـ الإسلامي المؤسس. في مخالفة واضحة، ومتناقضة في الجوهر لما كان قد تكرس من علوم متنوعة، ونصوص مؤسسة، ومدارس فكرية فلسفية وعلمية، متفاوتة في المكانة العلمية. استمدت مرجعيتها وكوَّنت نظريتها ومنظومتها الأخلاقية ومناهجها العلمية من الممارسات والأفكار الثورية التي جاء بها النبي محمد وكرسها وعمل بها من بعده الخلفاء الراشدون والصحابة، والجماعة المؤمنة التي تحولت إلى أمة. ثم وضع قواعدها ومناهجها الأئمة المؤسسون في الفقه والتفسير وعلوم القرآن واللغة والنحو والصرف والأدب، وعلم الكلام والعقائد والحديث، والفلاسفة والأطباء وعلماء الرياضيات والهندسة والفلك في العلوم الطبيعية والرياضية والهندسية والطبية، وفي الفلسفة والمنطق، والشعراء والأدباء المشهورون أصحاب المدارس الفنية في الشعر والأدب في الجاهلية والإسلام في عصر التدوين.‏

وإذا كانت علوم اللغة العربية قد تقدمت في هذه المنظومة الفكرية، فإنما لتكون هي البنية المؤسسة لهذه الثقافة، والأداة القادرة على التعبير عن كونيتها. بما يجعل العربية لغة مؤهلة للقيام بدورها الحضاري، أداة قادرة على تجسيد وبلورة الفكر الجديد وترسيخه وتأصيله في جميع مجالات النشاط الفكرية والاقتصادية والإدارية ـ لغة التجارة والدولة والشعوب التي استعربت أو دخلت في الإسلام، ولغة البيروقراطية التي تقوم بإدارة الدولة والمجتمع والاقتصاد والسياسة والمالية، وتشرف على إنتاج الثقافة، ولغة الفلسفة والطب والرياضيات والعلوم التي تُرجمت، وتقدمت كأصول مؤسسة للثقافة الجديدة، أي لغة الحضارة بجميع مكوناتها. وكان لا بد من إنتاج علومها معرفياً وعقلانياً في إطار الحركة الإبداعية الثقافية الجارية في الدولة والمجتمع، وقد اغتنت بالإبداعات الحرفية والصناعية والعلمية.‏

فالعلوم الأولى كما يقول الفارابي هي علوم ألسنية، والفاعلية الألسنية هي فاعلية معرفية بالمعنى الحقيقي للكلمة(4).‏

وإذا كان القرآن حمال أوجه كما قال علي بن أبي طالب، أي أن نصوصه تحمل أوجه عديدة للتأويل والتفسير. والغنى والاستيعاب يكونان لغويين في طابعهما الأصلي، فالنص لغة، وكل نص عظيم‏

يجعل اللغة ملكاً لـه، ولذلك تقدم علم اللغة للقيام بوظائفه المؤسسة في هذا السياق. والكلمات لها تاريخ، وكلمات كثيرة في العربية تحتاج إلى كشف مقارن حتى نعرف كيف كانت العلاقة بين الثقافة العربية وغيرها من الثقافات(5). حتى يمكن فهم النص القرآني المؤسس للثقافة الجديدة. ولنا في كتب الجاحظ المتعددة والمتنوعة والموضوعات، ورسائله وأسلوبه ومنهجه المتميز خير مثال على سمات هذه الثقافة في ذروتها ـ مثل كتاب البيان والتبيين ـ وكتاب الحيوان ـ، وفي الكتب المترجمة عن الهندية واليونانية والسريانية والفارسية حيث تجلت عبقرية هذه اللغة وإمكانياتها لتكون لغة الثقافة الإنسانية.‏

يقول ابن خلدون (كل صناعة مرتبة يرجع منها إلى النفس أثر يكسبها عقلاً جديداً، تستعد به لقبول صناعة أخرى ويتهيأ بها العقل بسرعة لإدراك المعارف... وحسب الملكات في التعليم والصنائع وسائر الأحوال العادية يزيد الإنسان ذكاءً في عقله وإضاءة في فكره)(6). في سلسلة متوالية حسابية، وهندسية، لتتسع دائرة العلوم والمعارف الإنسانية، وقد ظل هذا النهج غالباً ورائداً حتى القرن الثالث الهجري.‏

في مرحلة لاحقة جرى التحول من الإبداع والتأسيس إلى الجمع، وتمثل ذلك في تأليف الكتب الموسوعية كاتجاه عام لتقييد المناهج والأصول والأفكار وجمع الروايات (مثل كتاب الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني، والعقد الفريد لابن عبد ربه) والقصص الأدبي المترجم (مثل كليلة ودمنة وألف ليلة وليلة)، أو الجديد المخترع (مثل مقامات بديع الزمان الهمذاني 968 ـ 1007م ومقامات الحريري 1054 ـ 1132م..... إلخ). والمؤلفات الجغرافية والفلسفية والأخلاقية (رسائل إخوان الصفا ـ وكتب ابن مسكويه) والحوليات التاريخية مثل تاريخ الطبري وتاريخ الكامل لابن الأثير) والمدونات الفقهية، وكتب الحديث الجامعة، وكتب القراءات السبع أو العشر، وكتب اللغة الجامعة مثل ألفية ابن مالك في النحو، وجمع دواوين الشعر الجاهلي والإسلامي، وكتب التراجم والطبقات. كما نلمسها في طبقات الصحابة والمحدثين والمفسرين والقراء والفقهاء في كل مذهب وفرقة دينية، والكتب الجامعة لعمل الكتاب في دواوين ووزارات الدولة، مثل أدب الكاتب لابن قتيبة، وخطط المقريزي وصبح الأعشى في صناعة الإنشاء للقلقشندي. بينما تراجع الإنتاج الثقافي العلمي والفلسفي والرياضي والهندسي.‏

عبر هذا الاتجاه عن عسر الأزمة التي بدأت تواجه هذه الثقافة، ولقد أخذت تحفر في بنيتها مبينة حدودها التاريخية في ذلك العصر. وهي تترنح تحت تأثير وطأة التحولات الكبيرة في مجالات السياسية والاقتصاد والفكر العلمي النظري والعلمي، وسيطرة الحرفية على إنتاجها الذي تموله الدولة الراعية.‏

ـ 3 ـ‏

وحصل الانعطاف عن العقلانية والأفكار الرائدة المؤسسة والفاعلية النقدية العلمية التي سادت في القرون الأربعة الأولى (أي منذ القرن الخامس الهجري) إلى ثقافة التقليد اللغوية تحت تأثير شروط وأسباب نشأت خارج الثقافة. هي أولاً ما تدل عليه الانهيارات المتواصلة في الاقتصاد والسياسة والدولة والثقافة بعامة مع تفكك أوصال الخلافة وانقسامات الدولة والمجتمع، وتكوّنت طبقات وفئات اجتماعية جديدة أشارت إلى بروز واقع جديد وعالم مستحدث غيّر وظيفة اللغة العربية من أداة وسياق ونظام للتعبير والتفكير والتواصل إلى مسألة هوية في مواجهة الشعوبية الثقافية والسياسية. وهي ثانياً داخل الثقافة نفسها التي تبدلت أهدافها من الريادة والاستكشاف والبحث اللغوي والمعجمي والأدبي والفقهي والعلمي، إلى الدفاع للحفاظ على منظومتها الفكرية الدينية المنجزة في عصر التأسيس أمام تحديات الثقافات الشعبية المغايرة التي انبثقت في خضم التحولات والصراعات الاجتماعية والسياسية الداخلية، واستعادت حيوتها بالتعبير بلغتها الأصلية عن موضوعاتها الدينية والتاريخية والأدبية والعلمية والسياسية، التي جمعتها ظاهرة الزندقة في العصر العباسي، والثقافات الخارجية الغازية التي شرعت تؤسس أزمانها الثقافية الخاصة في قلب الثقافة العربية، لتهدد الهوية القومية فيما بعد.‏

كرست هذه الأحوال ما يمكن تسميته بالمقدس اللغوي كتعبير عن الهوية، بجعل اللغة العربية جوهر الثقافة العربية الإسلامية موضوعات وأساليب وطرقاً ومناهج تدور حولها أهم السجالات والمجادلات بين الفرق والمذاهب الإسلامية، وتخضع لآلياتها جميع فروع المعرفة الأخرى. مما أدى إلى فرض نسق فكري جديد كان من نتيجته إغلاق باب الاجتهاد في الأمور العقائدية والفقهية واعتماد المذاهبية الدوغمائية، ونبذ الفلسفة والعلوم الطبيعية وعلم الكلام المعتزلي العقلاني، وحصر النشاط الفكري في علوم القرآن والحديث واللغة العربية كعلوم مانعة تحول دون اختراقات مذهبية معادية للعروبة والإسلام. واستجابة لسياسات الدولة الراعية والهيئات التابعة لها ـ الدينية والإقليمية والإثنية ـ التي شرعت تسخرها لخدمة أهدافها الإدارية والتقنية والبيروقراطية والسياسية والعقائدية. وقد ساهم هذا في خنق السياقات المخالفة والمسارات الممكنة للثورة عليها لتأسيس ثقافة حديثة.‏

فرض هذا الاتجاه على منتجي هذه الثقافة العيش في كنف الخليفة والأمراء والسلاطين والوزراء ككتاب وفقهاء ومحدثين أو ندماء ومن في شاكلتهم، أو كموظفين في دواوين الدولة يعملون لحساب رعاتهم ومموليهم، لتكون مؤلفاتهم حسب طلب هؤلاء (في العقائد والفرق والمذاهب وفي الأخلاق والسياسة العملية وفي الفتاوى وفقه المعاملات والحيل والأحكام السلطانية والمواعظ والنصائح للحكام وللرعية(7) وفي اللغة والأدب.‏

وقد أرخ صاعد الأندلسي لبدء انهيار الثقافة العربية، بالقول (فقد بدأت تنفضُّ دولة الحكمة لسنة ثلاثمائة خلت من تاريخ الهجرة، منذ اختل الملك وتغلب عليه النساء والأتراك فلم يزل الناس يزهدون في العلم وينشغلون عنه بتراكم الفتن إلى أن كاد العلم يرتفع في زماننا هذا)(8) أي في القرن الخامس هج. ويقول ابن خلدون في مقدمته (ثم فسد اللسان العربي بمخالطة اللغات الأعجمية في بعض أحكامه وتغيير أواخره، وإن كان بقي في الدلالات على أصله وسمي لساناً حضرياً في جميع أمصار الإسلام. فأكثر أهل الأمصار في الملة لهذا العهد من أعقاب العرب المالكين لها الهالكين في ترفها بما أكثروا من العجم الذين كانوا بها، وورثوا أرضهم وديارهم، واللغات متوارثة، فبقيت لغة الأعقاب على حيال لغة الآباء، وإن فسدت أحكامها بمخالطة الأعجام شيئاً فشيئاً سميت لغتهم حضرية.... ولما تملك العجم من الديلم، ومن بعدم السلجوقية بالمشرق وزناتة والبربر بالمغرب، وصار لهم الملك والاستيلاء على جميع الممالك الإسلامية فسد اللسان العربي لذلك، وكاد يذهب لولا ما حفظه من عناية المسلمين بالكتاب والسنة اللذين بهما حفظ الدين، وصار ذلك مرجحاً لبقاء اللغة العربية المضرية في الشعر والكلام إلا قليلاً بالأمصار، فلما ملك التتر والمغول بالمشرق، ولم يكونوا على دين الإسلام ذهب ذلك المرجح وفسدت اللغة العربية على الإطلاق.... وذهبت أساليب اللغة العربية من الشعر والكلام إلا قليلاً يقع تعليمه صناعياً بالقوانين المتدارسة من كلام العرب.... وأما في ممالك العراق وما وراءه فلم يبق لـه أثر ولا عين حتى إن كتب العلوم صارت تكتب باللسان العجمي وكذا تدريسه بالمجالس)(9). وفي هذا الصدد نشير إلى أن أكثر كتب الغزالي قد كتبت بناء على أوامر سلطانية بالتصدي للفرق المخالفة، وفي ذلك يقول (فإني لم أزل مدة المقام بمدينة السلام متشوقاً إلى أن أخدم المواقف المقدسة النبوية المستظهرية ضاعف الله جلالها، ومد على طبقات الخلق ظلالها، بتصنيف كتاب في علم الدين، أقضي به شكر النعمة، وأقيم به رسم الخدمة وأجتني بما أتعاطاه من الكلفة ثمار القبول والزلفة، لكن جنحت إلى التواني لتحيري في تعيين العلم الذي أقصده بالتصنيف وتخصيص الفن الذي يقع موقع الرضا من الرأي النبوي الشريف... حتى خرجت الأوامر الشريفة المقدسة النبوية المستظهرية بالإشارة إلى الخادم في تصنيف الرد على الباطنية)(10).‏

إن تغيير اللغة يعني الانقطاع التاريخي والمفاهيمي بين الأمة ومعتقداتها وتاريخها(11). مما قد يؤدي إلى تغير الهوية، ويمهد لنشوء أمم جديدة كما حصل في أوربا، بعد أن حلت لهجاتها المحلية محل اللغة اللاتينية لغة الثقافة والسياسية والقانون والإدارة في الإمبراطوريات السابقة.‏

ـ 4 ـ‏

البنية المرجعية لثقافة اللغة:‏

تحددت المرجعيات الفكرية المؤسسة لبنية النظام اللغوي العربي كما هو معروف في (القرآن والسنة النبوية والإجماع (أي الثقافة التي كرستها ممارسة الأمة ـ الجماعة في نشاطها الاجتماعي والسياسي والثقافي) والقياس (أي الرأي الفردي الاجتهادي استناداً إلى الأصول الثلاثة السالفة، أو بالاقتباس من الأعراف المتداولة). ثم نظام اللغة العربية نفسه التي هي لغة النص القرآني، لغة الأمة. إذ لا بد لمن ينتج نصاً فقهياً أو تفسيرياً أو حكماً جديداً أن يمتلك سلطة معرفية معترفاً بها أي أن يكون عالماً بالعربية مستوعباً لبيانها وأساليبها في التعبير والخطاب والدلالة والبلاغة والقول والنحو والصرف، فاللغة والنحو والبيان والأدب معرفتها ضرورية على أهل الشريعة فلا بد من معرفة العلوم المتعلقة بهذا اللسان لمن أراد علم الشريعة(12). وقد حدد الجاحظ معنى البلاغة بالتأكيد على تطابق اللفظ والمعنى، ومراعاة مقتضى الحال في الكلام، بحيث يمكننا الاستنتاج بأن هذا الأصل الفرعي يصبح الأساس في عملية إنتاج المعرفة، فدقة المعنى هي إشكالية رئيسة في تأدية العبارة اللغوية لوظيفتها. وقال الثعالبي (فإن من أحب الله أحب رسوله، ومن أحب النبي العربي أحب العرب، ومن أحب العرب أحب اللغة العربية التي بها نزل أفضل الكتب على أفضل العجم والعرب، ومن أحب العربية عُني بها وثابر عليها وصرف همته إليها، ومن هداه الله للإسلام أعتقد أن محمداً خير الرسل. والعرب خير الأمم والعربية خير اللغات والألسنة، والإقبال على تفهمها من الديانة. إذ هي أداة العلم ومفتاح التفقه في الدين، وسبب إصلاح المعاش والمعاد(13). أما علم اللغة والنحو كما يقول الإمام الغزالي، فإنهما آلة لعلم كتاب الله وسنة نبيه، وهما ليسا من العلوم الشرعية في نفسيهما، ولكن يلزم الخوض بهما بسبب الشرع. إذ جاءت هذه الشريعة بلغة العرب، وكل شريعة لا تظهر إلا بلغة، فيصير تعلم اللغة آلة(14).‏

فالقرآن نصوص، والسنة نصوص وانطلاقاً منها وبالاستناد إليها يتم إنتاج الأحكام والقوانين والفتاوى والتفاسير والتأويلات في شروط وظروف ووقائع مادية واقتصادية وثقافية وأعراف متنوعة ومتغيرة، وفكر يطور مفاهيمه ومناهجه ليصل إلى غاياته. أي إن الإنتاج الثقافي هو بالنهاية نصوص لها قواعد لغوية ومعان ومبادئ وعلل وأسباب. يتحول معها نظام الفكر ليصبح نسقاً لغوياً وسياقاً يتطلب معرفة اللغة لساناً وكلاماً وبياناً وألفاظاً ومعاني وأصواتاً من حيث الكم والكيف. ويستدعي نمواً لغوياً لمواجهة حاجات المجتمع الثقافية والسياسية والاقتصادية، ويتم ذلك عبر طرق متنوعة منها اختراع ألفاظ جديدة بتغيير مواقع الحروف والأصوات، أو بتبدل وتغيير المعاني، أو بالاقتراض التاريخي من لغات سابقة، أو باستخدام السوابق واللواحق، وإما بالتحولات غير القياسية التي تقتضيها الممارسة، أو بالتغيير الصرفي تبعاً لاستخدامات وحاجات المتكلمين.‏

إذن جاء سبق علوم العربية غيرها في التأسيس والتأصيل، تلبية لحاجات نظام الفكر نفسه، لتأصيل قواعد مرجعية مؤسسة لهذا العقل والفكر. حتى قالوا كما يذكر أبو حيان التوحيدي في كتابه الإمتاع والمؤانسة (إن النحو العربي منطق العربية، وقوانين اللغة هي قوانين المنطق اليوناني. أو كما قال أبو سعيد السيرافي في مناظرته لأبي بشر بن متى بن يونس في مجلس الوزير ابن الفرات 226 هج: (إن المنطق إنما وضعه رجل من يونان على لغة أهاليها واصطلاحهم عليه، والنحو منطق ولكنه مسلوخ من العربية، والمنطق نحو ولكنه مفهوم باللغة، وقال السجستاني المنطقي: النحو منطق عربي والمنطق اليوناني نحو عقلي)(15).‏

فأصبحت قواعد العربية كأنها قوانين المنطق العقلية والجدل، وبعدت عن مناحي اللسان وملكته)(16). وقد أدى هذا الاندماج بين قوانين اللغة والفكر إلى إسباغ صفة القداسة على العربية لتصبح هي الثقافة، بما شكّل انحرافاً عن البنية المؤسسة وحوَّل العربية من لغة ثقافة عالمية إلى ثقافة لغوية تتمحور حول ذاتها، في سياق انحطاط وتدهور الإمبراطورية العربية كخلافة واحدة ودولة مركزية جامعة.‏

(استمد المفكرون في هذه الأوضاع كل مبادئ التنظيم الفكري ورؤية العالم من خلال اللغة العربية، وكذلك وسائل عملهم وفعالياتهم، وتقدمت أولوية الكلام على كل شيء آخر، وأصبحت السياسة بمعنى ما هي استخدام اللغة أو المهارة في السيطرة عليها(17). مما خلق مستوى لغوياً لا يحفل كثيراً بالدقة المفهومية. وقد ندد ابن الجوزي (ت 597 هج ـ 1200م) باتجاه أهل اللغة والأدب الذين يبالغون في حصر العلم والثقافة في اللغة. فكتب في كتابه تلبيس إبليس (قد لبس على جمهورهم، فشغلهم بعلوم النحو واللغة من المهمات اللازمة التي هي فرض عين عن معرفة ما يلزمهم عرفانه... وما هو أولى من آداب النفوس وصلاح القلوب وما هو أفضل في علوم التفسير والفقه والحديث، فأذهبوا الزمان كله في علوم لا تراد لنفسها بل لغيرها. وإن الإنسان إذا ما تعلم الكلمة فينبغي أن يترقى إلى العمل بها إذ هي مراد لغيرها)(18).‏

ـ 5 ـ‏

إشكالية ثقافة اللغة ولغة الثقافة‏

إذن هناك فروق واضحة بين ثقافة تسيطر عليها موضوعات اللغة(19)، وبين ثقافة تشكل اللغة أداتها المعرفية. فاللغة التي هي قديمة قدم الوعي الإنساني العقلي والعملي، وقد أوجدها البشر في اجتماعهم وتأنسهم. نشأت من الحاجة إلى التواصل والتعاون والعيش المشترك وتأسيس المدينة والدولة، هذه الأداة كان لا بد أن تشغل حيزاً مهماً من تفكيرهم وممارستهم ونشاطهم الاجتماعي والثقافي والاقتصادي. والإشكالية بين المفهومين تتعلق بجوهر الحياة الثقافية والفكرية والحضارية في مرحلة الأزمة العامة التي أصابت الأمة والخلافة، التي تجسدت في انقسامات وانهيارات وحروب أهلية اجتماعية، ومذهبية وطائفية وعرقية وقبلية.‏

وجاء غزو القبائل التركية السلجوقية لبغداد، وسيطرتها على الخلافة ليفرض نسقاً ثقافياً سلفياً. حرَّم تداول فكرة المعتزلة العقلاني، والفلسفة ومؤسساتها، وفي مقدمتها إغلاق مدرسة حران التي كانت المركز الرئيس لتدريس الفلسفة اليونانية طيلة أكثر من خمسة قرون، يضاف إليها التطورات التي شهدتها أساليب الكتابة وأشكالها وموضوعاتها والثقافة ووظائفها في ظل هذه التحولات. (فقد استُعمل كثير من كلام العرب في غير موضعه عندهم ميلاً مع الهجنة في اصطلاحاتهم المخالفة لصريح العربية.... ولعلنا لو اعتدنا بهذا اللسان العربي لهذا العهد (عهد السيطرة السلجوقية وما بعد ـ المؤلف) واستقرينا أحكامه، نعتاض عن الحركات الإعرابية في دلالتها بأمور أخرى موجودة فيه تكون بها قوانين تختصها ولعلها تكون في أواخره على غير المنهاج الأول في لغة مضر)(20).‏

إن شكل اللغة العربية في هذه المرحلة هو شكل التخلف الذي أخذ يشمل نشاطات الفكر والثقافة في السياق التاريخي العام. وقضية اللسان هي انعكاس لشكل الوجود العربي في تطوراته وانهياراته(21). فاللغة كينونة متحولة صائرة باستمرار تتمثل في جدلها الخاص حركة الفكر والثقافة والتكنولوجيات والآداب والفنون. وإشكالية اللغة هي إشكالية الفكر، لأن اللغة كنظام للقول والكتابة مترابط في بنية ذات خصائص معبرة (الحروف والكلمات والجمل وأشباهها، ومن الروابط والصلات والظروف) التي هي عمل الفكر في التعبير عن ذاته في مجالات نشاطاته المتنوعة، بالإضافة إلى المجالات العملية والحرفية واليدوية. وسياق الحركة الاجتماعية هو الذي يدمج بين حركة اللغة ومركب حركة الواقع، بين الفكر والكلمات. فقد كانت القواعد هي الأساس في ثقافة العصور الوسطى بوصفها فناً عقلياً بذاته، وبوصفها ضرورة لقراءة وفهم العربية وكتابتها بشكل صحيح، وكانت كلها تنهل من المصدر القرآني، وأصبحت التكنولوجيات اليوم هي الأساس في الثقافة الحديثة.‏

اللغة منظومة متطورة بجدلية اللسان والواقع الاجتماعي ـ الاقتصادي‏

فاللغة العربية التي نتكلم ونكتب بها اليوم هي من حيث الشكل نفس اللغة التي كتبت وتكلم بها العرب منذ القديم، وكرسها القرآن كتاب العرب الديني الإسلامي، وكتاب العرب الثقافي واللغوي كلسان ولغة للحضارة العربية، ولكنها بمعنى ما ليست ذات اللغة. كتب ابن خلدون في المقدمة ملاحظاً هذه المسألة في عصره (اعلم أن عرف التخاطب في الأمصار وبين الحضر ليس بلغة مضر القديمة ولا بلغة أهل الجيل، بل هي لغة أخرى قائمة بنفسها بعيدة عن لغة مضر وعن لغة أهل هذا الجيل العربي الذي لعهدنا وهي عن لغة مضر أبعد، فأما إنها لغة قائمة بنفسها فهو ظاهر يشهد له ما فيها من التغاير الذي يعبر عن صناعة أهل النحو لحناً.... ـ وفقدان الإعراب ليس بضائر لهم ـ وهي مع ذلك تختلف باختلاف الأمصار في اصطلاحاتهم، فلغة أهل المشرق مباينة بعض الشيء للغة أهل المغرب، وكذلك أهل الأندلس معهما، وكل منهم متوصل إلى تأدية مقصودة والإبانة عما في نفسه(22).‏

فنحن وإن بقينا نستخدم نسق الأفعال والأسماء والحروف والجمل والألفاظ والقسم الأكبر من قاموسها الموروث. نحاول التعبير بحروف الجر والعطف والوصل ونمط التراكيب والأساليب البلاغية والأدبية بصورة مختلفة، نظراً لتغيّر المعاني والتنوع المعرفي الحديث في استخدام نفس الكلمات الموروثة مجازاً(23) للدلالة على الثقافة الحديثة المقتبسة من أوروبا الرأسمالية المتقدمة علينا. وهذه الأعراض في تغيير المعنى والمجاز الناجم عن تطور الحياة الاجتماعية والشروط الاقتصادية وتقديم العلوم الطبيعية والهندسية والرياضيات، وولادة أسلوب الإنتاج الرأسمالي والنهضة الأوربية، والتحولات في ميدان العلوم السياسية والسياسة العملية. قد أدت إلى موت الكثير من الألفاظ وولادة ألفاظ وأسماء وكلمات جديدة مع حدوث تبدل عميق في بنية اللغة، تناول المعاني والمفاهيم وغيرها بشكل يكاد أن يكون جذرياً. (إن المجادلة بأن اللسان العربي ظل كما هو منذ العصور الوسطى هو اتجاه خاطئ منهجاً وهو خطر حالياً على المجتمع إذ هو محكوم عليه أن يحارب كل تجديد ثقافي، فاللسان العربي الحالي لا يوفر حسب كل القرائن وسيلة موجزة للتعبير حديثة ومرنة أي أنه لا يساعد على خلق ثقافة عصرية وعلمية وجماهيرية)(24).‏

ـ 6 ـ‏

التمايز في وظيفة الألفاظ ودلالالتها‏

يقول الفيلسوف الألماني ليبنتز (إن الكلمات تستعمل لعرض الأفكار وحتى لشرحها)(25). والكلمات في العرض والشرح ليست حيادية فهي بمقدار ما تعكس في ألفاظها خصائص وتعيينات الشيء تقربنا من الفهم الصحيح، (لأن لسان المجتمع على الصعيد الاجتماعي يحيل إلى مجمل الوضاع والفعاليات والمواضع لكلمة براكسيس التي هي المحتوى ـ المدلول لمجموع العلاقات، وهي المعين أو منظومة الإحالات على صعيد المجموع)(26).‏

وعليه يمكن تحديد أزمة الثقافة العربية على هذا الصعيد بأنها ثقافة لغة تعاني من سيطرة التراث اللغوي الواسع والمحيط على تجددها. إذ لا تعبر الألفاظ المتداولة عن مجمل فاعليات ونشاطات المجتمع العربي الحديث وعلاقاته التابعة بالآخر المتقدم علينا، ونظرتنا إليها لم تزل متأثرة باعتقادنا أنها هويتنا وهي التي تحدد خصائصنا كأمة وكقومية. والأزمة كما أرى تكوينية عميقة الجذور في بنيتنا العقلية والفكرية. لأن مجالات الثقافة الأخرى وبخاصة العلوم والتقنيات والفنون لم تصبح هي المحرك للإبداع الحضاري وتحقيق هويتنا الحديثة كأمة من خلال مساهمتنا في الثورات العلمية والتقنية والاقتصادية الراهنة والجارية في العالم الحديث. وللتعويض عن تخلفنا تركز اجتهادنا على إيجاد التسمية واللفظ المناسب لندخل هذا المخترع أو ذاك إلى لغتنا، ووسعنا دائرة الاشتقاق والنحت والتراكيب لاستيعاب هذا الفيض الكبير من المصطلحات العلمية والقانونية والفكرية و التقنية والحضارية، والاقتصادية والمالية والإعلامية لكي تظل هويتنا مصونة، تملك مقومات الاستمرار في عالم متغير.‏

وجاءت ثورة المعلوماتية ليطفح الكيل وتصبح لغتنا قديمة بالفعل غير قادرة على تطوير نفسها والاستجابة لها، فنحن نتحدث عن كليات وأجزاء لغوية لا تمثل في الممارسة إنجازاً مادياً وإبداعاً حضارياً من قبلنا. لأن ثورة الاتصالات سبقت كل الإجراءات الهادفة لتعريب ما هو حديث وجديد يتدفق على أسواقنا، وينتقل إلينا عبر شبكة الإنترنت، ويعمم لفظه الأجنبي وقت استيراده، ويدخل في التداول والاستعمال قبل أن نجد له مقابلاً عربياً. فالأصل كما يورد القاضي عبد الجبار المعتزلي في أن الشيء لا يعدو معقولاً باسمه، بل يجب أن يكون معقولاً أولاً ثم يتبعه الاسم، فصارت الفائدة في التسمية غير مقصودة بالاسم، فإذا لم نعقل الشيء امتنعت تسميته. يجب أن يتقدم لنا العلم بما نريد تسميته. والذي عقلناه في ذلك هو الحروف الذي تنتظم فالحروف معقولة ونظامها معقول لأنه إذا تكلم أحدنا في هذا الوقت بحرف ثم انقطع عن الحرف الثاني، فأتى به بعد زمن لم يعد ما فعله كلاماً فما جرى هذا المجرى هو الذي نعرفه كلاماً (أي الحروف المنتظمة في إطار نظام للكلام واللسان) ولا يدل كونه مقصوداً عند وقوع المواصفة عليه وصورته الواقعة من الناس معروفة..)(27).‏

وفي الألسنية الحديثة تتمفصل اللغة مع النشاطات المتنوعة للإنسان في شكل مزدوج الأول في الكلمات الدالة على المعنى والقابلة للتحليل والمقاطع غير الدالة، والثاني الاشتراك في المقاطع الصوتية مع التمييز بين الوحدات مما يعطيها تنوعاً بناءً في الكلام. فاللغة هي أداة تواصل يمكن بواسطتها تحليل تجربة الإنسان إلى وحدات تتضمن محتوىً دلالياً وتعبيراً.‏

وعلم اللغة المعتبر كمنظومة أشكال وبنى بهذا المعنى لا ينطوي على ما هو افتراضي في اللسان أو تأملي بل يؤكد على أنه اجتماعي عملي ـ فاللسان هو التوسط الأساس الذي يصبح فيه الواقع ـ المعطى حقيقة، والحقيقة تتعرف إلى ذاتها في الواقع بإزالة المظهر، إذاً فاللوغوس ـ اللسان الفعلي تولد من الدلالة أي الحقيقة بشرط واحد هو إعداد المفاهيم إعداداً تاماً أي كلية المفاهيم)(28).‏

الأمم في مراحل التخلف والانحطاط والركود تكون في حالة من عدم المطابقة بين وعيها اللغوي وما تخضع له من مؤثرات خارجية، فإنها وفي محاولة منها للحفاظ على وجودها المادي، تلجأ إلى التمسك بلغتها ـ شأن كل كائن حي عندما تهاجمه الأخطار التي لا يستطيع ردها، فيعمل على التقوقع على ذاته لحمايتها بأقل قدر من الخسائر، ظناً منه أنه بذلك قد يوفر قواه لفرصة أخرى قد تكون مواتية لاستعادة وجوده الفاعل ـ لتقوم برفعها إلى مرتبة القداسة والمطلق غير القابل للفساد. إذ هي العلامة الدالة على تاريخها الذي كان، وفيه تجد ماضيها وثقافتها وحضارتها ومنجزاتها وبالتالي عظمتها، التي تستطيع بها الصمود واستعادة وعيها المفوّت، فتنتج إيديولوجيا لغوية للتعبير عن هويتها القومية. ويتحكم نظام اللغة في العقل ويطبع الفكر بطابعه، بحيث يحيل اللغوي إلى الفكري وبالعكس، فتكرس اللغة كلسان ونسق وكلام عن الماضي، وكعقل يريد الفكر الديني التقليدي أقنمته، وكجوهر للثقافة التي فقدت حيويتها بسبب انهيار قاعدتها السياسية والاقتصادية والثقافية.‏

وبهذا المعنى يمكننا أن نفهم لماذا تحول نظام الفكر العربي في عصر الدول المتتابعة، منذ انفراط دولة الخلافة واستيلاء العساكر عليها إلى بحث لغوي بدل أن يتطور ليصبح بحثاً منهجياً في علم قوانين الفكر (نظرية المعرفة والمنطق).‏

ـ 7 ـ‏

المنطق وعلم اللغة الحديثة‏

إن تمنطق اللغات بات خطوة ضرورية حتى تتم معالجتها بواسطة نظم الذكاء الاصطناعي، وآلات استنتاجها المنطقي(29)، في حين تخضع شرعية الألفاظ والمصطلحات والكلمات الدخيلة والوافدة من الثقافات المتقدمة، مع أنها أسماء لمخترعات جديدة لا مثيل لها في لغتنا، لمراجعة وأقيسة وإعادة إنتاج لغوي من قبل مجامع اللغة العربية، وهيئات ومؤسسات التعريب والمترجمين الأفراد، وليس في هذا بدعة، فهو قانون عام في العلاقات الثقافية بين الأمم والمجتمعات. ولكن ليت الحرص على اختراع أسماء وألفاظ ومصطلحات مقابلة، يتوازى مع الحرص على إنتاج عين المادة في وطننا العربي الكبير، واختراع ما يقابلها من مصانعنا ومعاملنا ومن قبل علمائنا العرب. فهذه تغزونا ونستخدمها ولا خيار لنا، ومفرداتها تواجهنا في السوق والمعمل والمدرسة والصيدلية والمستشفى والجامعة والمعهد، في الثكنة وفي ميدان المعركة مع العدو الغازي الذي احتل أقطارنا، وفرض علينا أن نتعامل بها، في التجارة والنقد والرساميل وفي الدولة والإدارة، في الجيش والحرب والسلم. أسلحة ومعدات وخططاً واستراتيجيات، ومصطلحات في لغة العلم والتقنيات، تشكل الثقافة والحضارة الحديثتين.‏

وأن يكون ردنا بالتعريب فقط، واستعادة التأصيل واكتشاف تفوقنا اللفظي الموروث لبعض الكلمات والمعاني على أنه يسجل لنا أسبقية تاريخية في مجال العلوم الطبيعية، نتحراها اليوم استناداً إلى الثورة العلمية الحديثة، ونتأولها لاختراع علوم عربية أو إسلامية سابقة لنا باشتقاقها من القرآن واستنباطها من السنة. فهو بالتأكيد رد طفولي يعكس هوساً وتعصباً قومياً ودينياً بائساً، لأننا نستخدم بالتالي مناهج وأساليب وأفكار وإشكاليات العلوم والفلسفة الحديثة في تأصيلنا ما هو من إنتاج غيرنا. إذ عندما هزمنا في المواجهة المسلحة والحضارية عمدنا إلى هذا الارتكاس الهادف للدفاع عن اللغة والهوية لمواجهة الآخر الذي يبتغي حذفنا من التاريخ، أو احتواءنا وجعلنا توابع بلا هوية ولا تاريخ، ولكننا لم نفلح لأننا اخترنا الطريق الخطأ.‏

إن استخدام تراثنا اللغوي لاشتقاق وتوليد ألفاظ وكلمات ومسميات تتشابه في المعنى الظاهري للتعبير عن منجزات الثورات المتلاحقة في الدول الصناعية المتقدمة وتعميمها للعمل بها في ميادين الحياة الواسعة، وفي الكتب المدرسية والجامعية، وفي الصحافة والمجلات والإذاعات والتليفزيونات والقنوات الفضائية لجعلها ملموسة متداولة، وإن كان عملاً مشروعاً ومهماً، لكنه لم يقربنا من امتلاكنا المقدرة على الدخول في هذه الثورات، والمساهمة في صنع الحضارة الحديثة. فهذه المعربات محدودة التأثير ولا تشمل إلا الجزء اليسير مما نتعامل معه وبه. وهي تظل عائمة في كتابات ومنتديات وترجمات مقصورة على النخب، بينما ينحت اللسان الشعبي مفرداته ومشتقاته الخاصة يتعامل بها بأقرب ما تكون إلى لفظها الأصلي، وما هو أسهل في الوزن اللغوي والدلالة المادية. فالمواطن العربي الذي يستخدم (الراديو والتلفزيون والتليفون واللاسلكي والسيارة والبراد والفريزر والكراج.... لا يقلقه كثيراً أن يسمي الهاتف تليفوناً والمذياع راديو والسيارة الكبيرة باصاً والسيارة الصغيرة تاكسي وسيارة البريد بوسطة، والقطار (الترين)، والثلاجة والبراد (فريزر) والشطيرة (سندويشة) والمرآب كراجاً. وأن يستخدم اللفظ الأجنبي (السينما والتلفزيون، والكومبيوتر) بدل معرباتها الخيالة والرائي والحاسوب، فهو من تجربته العملية يميل إلى التعامل مع الأسماء الأجنبية الأسهل لفظاً وتداولاً، والأوفر دلالة، ويعاملها معاملة الكلمات العربية في الاشتقاق والتصريف ونحت الأفعال والصفات والمصادر منها، فيقول سأتلفن بدلاً من سأهتف وفنّش (من فينش finish الإنكليزية) بدل أنهى، وفيَّش من (فيش fich الفرنسية) بدل سجل.......). فالمسألة كما أرى، ليست قاموسية قد تعجز عقول الباحثين اللغويين على اشتقاق أو نحت بديل مقارب لها أو وضع مصطلح معين، بل هي مسألة استخدام يومي يفرض على الناس إيجاد اللفظ الدال والسهل والمفهوم. ولذلك تسمع لها أسماء وأوزاناً في اللهجات الدارجة أبلغ دلالة من الألفاظ المعربة المفترضة فصاحتها. مما يعمق ممن مسألة الازدواجية اللغوية بين اللهجات العامية والفصحى.‏

كل هذه الإشكاليات ترجع بالنتيجة إلى التخلف العلمي والاقتصادي والتقني والثقافي، وإلى التبعية وآلياتها المدمرة والعجز عن التحرر الوطني والقومي. لقد تقاعسنا واسترخينا إلى ما آلت إليه لغتنا، بينما كانت لغات شعوب العالم المتقدم تنمو بدون تدخل أحد بشكل تلقائي نتيجة التطور الثقافي والحضاري، ونحن نشكو من أزمة لغوية حادة: أزمة على جميع الصعد تنظيراً وتعليماً، نحواً ومعجماً استخداماً وتوثيقاً، إبداعاً ونقداً، وجاءت تكنولوجيا المعلومات لتضيف إلى هذه الأزمة بعداً فنياً يتعلق بمعالجة اللغة العربية آلياً بواسطة الكمبيوتر(30).‏

ـ 8 ـ‏

تقوم مجامع اللغة العربية، ومن هو في مستواها من مؤسسات قومية وقطرية، والتي تشكلت لمواجهة الغزو الثقافي وتطوير اللغة العربية وتحديثها، بوظيفة ثقافية هي في الجوهر وظيفة دفاعية لصد الهجمات التي تبتغي تدمير الذات القومية والهوية اللغوية عن طريق إحياء الألفاظ العربية المعجمية المقاربة لاستيعاب الحداثة الغازية. فالكلمات التي يجري تعريبها هي أسماء أعيان مادية وعلمية وتقنية وسياسية وثقافية تشمل جميع مناحي الحضارة، والحياة الجديدة والحديثة التي قامت في أوربا الغربية على أنقاض ما هو موروث وقديم منذ القرن الثامن عشر الميلادي، وما زالت حتى اليوم في تطور وتقدم متواصل. هي بنفس الوقت محاولة للتكيف مع الحداثة بالتحايل عليها، بالتلفيق والتوفيق في صياغة حديثة للألفاظ العربية المقاربة لإعطائها معاني الحداثة، أو تأويلها بما يقربها من أعيانها التي تدل عليها في أصلها الأجنبي (مثل الديمقراطية والقانون والدستور والجمهورية والمعلوماتية.... والبنك والشيك ـ والتليفون والراديو واللاسلكي والسيارة والطيارة والباخرة والقطار والبندقية والرشاش والقنبلة والمصطلحات العلمية والتكنولوجية والسياسية والاقتصادية إلخ.........) على أمل أن نكون قد امتلكنا مفاهيمها، ولكننا في الحقيقة لم نتملك سوى ألفاظ اصطلحنا على أنها تشير إلى هذا الشيء أو ذاك بينما هي لا تعكس خصائصه، ولا تدل على ماهيته الموضوعية والمادية، بل تخفي الكثير من مكوناته وجوهره، وفي التطبيق والممارسة جرى تشويه المفاهيم المحمولة والدالة ليترسخ في وعينا أنها فاسدة ولا تلائمنا. مع أننا ما زلنا نستورد أكثر مقومات حياتنا ممن يصنعها وينتجها، أو نعيد إنتاج بعض أجوائه بترخيص من منتجه، وفي هذا دليل كاف على أن موقعنا منه لم يتغير منذ أن عربنا لفظه ولم نعرف صنعه وإنتاجه. ونفخر بأن لغتنا قادرة على التلاؤم مع الحضارة الحديثة، وهي لغة علم و حضارة سالفة وثقافة عظيمة. وهذا الحل هو في الحقيقة نوع من خداع الذات، لأن اللغة أية لغة كانت لا تحيا بالألفاظ فحسب، بل من التفاعل بين الوقائع والألفاظ، وهو التفاعل بين الأوضاع والرموز وما اللغة سوى تفاعل بين هذين العاملين. وهذه الفعالية ليست ممارسة إبداعية منبثقة في سياق التطور والتقدم الثقافي والعلمي المجتمعي العربي فحسب. بل هي انقطاع في النسق الثقافي العربي المتخلف فرضته عوامل خارجية.‏

فالمسألة هنا هي إشكالية تتعدى إيجاد ألفاظ وتسميات عربية فحسب للتلاؤم والتكيف، بتجاوز الصيغة الجوهرية للحداثة: وهي امتلاك المعرفة والمقدرة على إنتاجها علمياً وتقنياً والدخول إلى مجالاتها الصناعية والمؤسساتية الحديثة. ويمكن هنا الكلام على التمييز بين مستويين مستوى الدلالة ومستوى التعبير، فقد تكون الأشكال الثقافية متميزة الدلالة ولكنها غير مطابقة في التعبير، وفي ظل العولمة وثورة المعلومات تتعرض العربية لحركة تهميش كبيرة بفعل الضغوط الهائلة الناجمة عن طغيان اللغة الإنجليزية على الصعيد السياسي والاقتصادي والتكنولوجي والمعلوماتي. فكيف يمكن مواجهتها؟ وهذا هو التحدي الأكبر الذي سيكون موضوع القسم الثاني من هذا البحث.‏

الهوامش:‏

(1) ـ الثقافة العربية وعصر المعلومات، دكتور نبيل علي ـ عالم المعرفة الكويت رقم 265 ـ يوليو ـ 2001 ص 48 ـ 50.‏

(2) ـ من القرآن إلى الفلسفة ـ اللسان العربي وتكون القاموس الفلسفي لدى الفارابي ترجمة وجيه أسعد ص 292 ـ 293. (تأليف جاك لانغاد).‏

(3) ـ ابن خلدون ـ المقدسة مصدر سابق ص 537 ـ 540.‏

(4) ـ من القرآن إلى الفلسفة ـ جاك لانغاد ـ اللسان العربي وتكون القاموس الفلسفي لدى الفارابي ـ ترجمة وجيه أسعد وزارة الثقافة ـ دمشق ـ 2000م.‏

(5) ـ اللغة والتفسير والتواصل ـ د. مصطفى ناصف ـ ص 75 ـ 78. عالم المعرفة الكويت 1995م.‏

(6) ـ مقدمة ابن خلدون دار إحياء التراث العربي ـ بيروت ص 379 ـ 380.‏

(7) ـ يذكر أبو منصور الثعالبي مؤلف كتاب فقه اللغة في مقدمة كتابه الذي أهداه إلى الأمير أبي الفضل عبيد الله بن ميكال ت 436 هج ـ 1045م ـ وهو من الكتاب والشعراء من أهل خراسان كما صنف له كتاب ثمار القلوب وأورد في كتابه يتيمة الدهر محاسن نثره ونظمه يقول (وكانت تجري في مجلسه آنسه الله نكت في أقاويل أئمة الأدب في أسرار اللغة وجوامعها ولطائفها وخصائصها مما لم ينتبهوا لجمع شمله ولم يتوصلوا لنظم عقده وإنما اتجهت لهم في أثناء التآليفات وتضاعيف التصنيفات لمع يسيرة كالتوقيعات وفقر خفيفة كالإشارات فيلوِّح لي أدام الله دولته بالبحث عن أمثالها وتحصيل أخواتها وتذييل ما يتصل بها وينخرط في سلكها وكسر دفتر جامع لها وإعطائها من النبعة حقها). مقدمة فقه اللغة ص 12.‏

(8) صاعد الأندلسي طبقات الأمم في القرن الخامس الهجري ص 420 نقلاً عن جورج طرابيشي نقد العقل العربي إشكاليات العقل العربي ص 128 ـ 129.‏

(9) ـ ابن خلدون المقدمة ص 379 ـ 380.‏

(10) فضائح الباطنية ص 32. وإرادة الغزالي هي استجابة لطلب الخليفة المستظهر العباسي الثامن والعشرين 487 ـ 512 هج 1094 ـ 1118م.‏

(11) ـ لقد قصد كمال أتاتورك مؤسس تركيا الحديثة بعد إلغاء الخلافة العثمانية 1924م من التحول من الكتابة بالأبجدية العربية إلى الأبجدية اللاتينية قطع التاريخ مع التراث العربي الإسلامي والثقافة العربية ظناً منه أنه بذلك يؤسس لأمة تركية جديدة.‏

(12) ـ مقدمة ابن خلدون ص 555.‏

(13) ـ كتاب فقه اللغة وسر العربية ـ تأليف أبي منصور الثعالبي ـ تحقيق ومراجعة د. فائز محمد، ود. إميل يعقوب ـ المقدمة ـ ص 5.‏

(14) ـ إحياء علوم الدين، الإمام أبو حامد الغزالي جزأ (1) ص 26. تحقيق عبد الله الخالدي. دار الأرقم 1998م.‏

(15) ـ الثقافة المقهورة والثقافة المنتصرة، محمد سعيد طالب، إصدار الدار الوطنية الجديدة 2000 م ـ ص 58.‏

(16) ـ المقدمة ت ابن خلدون ص 561.‏

(17) ـ راجع محمد أركون نزعة الأنسنة في الفكر العربي جيل مسكويه وأبي حيان التوحيدي ترجمة هاشم صالح ص 332.‏

(18) ـ جاك لانغاد من القرآن إلى الفلسفة ـ اللسان العربي، تكون القاموس الفلسفي عند الفارابي. ترجمة وجيه أسعد ص ـ 196 ـ منشورات وزارة الثقافة دمشق 2000م.‏

(19) ـ لقد ضم بلاط سيف الدولة الحمداني في حلب ـ 336 هج ـ 942م وما بعد أرباب الأدب (والأدب كما عرف في ذلك العصر هو الأخذ من كل علم بطرف) أي العلوم الدينية والفلسفية والرياضية، وعلوم العربية وفي مقدمتها النحو واللغة والشعر، فكان من المعروفين بل المشهورين أبو علي الفارسي وتلميذه ابن جنّي، وابن خالويه، والخالديان ـ عثمان بن سعد وأخوه أبو بكر الأدبيان والمصنفان، وكشاجم ـ الكاتب والأديب والشاعر والجندي والمهندس، وفي طليعة الشعراء الشاعر المتنبي على رأس كوكبة من الشعراء) لقد كانت فعاليات هؤلاء الأدباء كما يقول المستعرب الفرنسي بلاشير في كتابه عن المتنبي تتأرجح بين قطبين أوجد كل منهما رتابة متساوية: أدب مجتمعي مصنوع من الجعجعة الغزلية، والأوصاف... والحكم السطحية وكان هذا من الأمور المشتركة في ذلك العصر، وازدهار أدب واسع عبِّر عنه بنثر مسجوع أو شعر يشهر محاسن بني حمدان..... فقد كان هذا الحامي للأدب والفن يغدق العطايا على مداحيه، ويطالبهم بنفس الوقت بإنتاج متواصل في مدحه... لقد شجع سيف الدولة النزوع المشؤوم عند الشعراء إلى استبدال الصنعة بالإلهام. ص 150 ـ 157 أبو الطيب المتنبي ـ ترجمة إبراهيم الكيلاني ـ منشورات اتحاد الكتاب العرب 2001م.‏

(20) ـ المقدمة نفس المصدر السابق ص 557.‏

(21) ـ الدكتور عبد الله العروي التعريب وخصائص الوجود العربي والوحدة العربية ـ التعريب ودوره في تدعيم الوجود العربي واللغة العربية ص 351.‏

(22) ـ المقدمة مصدر سابق ابن خلدون ص 558.‏

(23) ـ المجاز كما يعرفه ابن خلدون كما ما تجوزت به العرب في الألفاظ يجوز فيها الدلالة، وضع الشيء على العموم ثم تستعمل في الأمور الخاصة ألفاظاً أخرى خاصة بها فوق ذلك وكل معنى لا بد وأن تكتنفه أحوال تخصه فيجب أن تعتبر تلك الأحوال في تأدية المقصود لأنها صفاته وتلك الأحوال في جميع الألسن أكثر ما يدل عليها بألفاظ تخصها بالوضع، أما في اللسان العربي فإنما يدل عليها بأحوال وكيفيات في تراكيب الألفاظ وتأليفها من تقديم وتأخير) المقدمة مرجع سابق ص 555.‏

(24) ـ المرجع السابق ص 354 ـ 357 ـ التعريب وخصائص الوجود العربي والوحدة العربية، والتعريب ودوره في تدعيم الوجود العربي واللغة العربية. د. عبد الله العروي.‏

(25) ـ أبحاث جديدة في الفهم البشري ـ الكتاب الثالث، الكلمات الفصل الأول ـ نقلاً عن اللسان والمجتمع لهنري لوفيفر ترجمة مصطفى الصالح ـ وزارة الثقافة دمشق ـ 1983م.‏

(26) ـ المصدر السابق ص 223 ـ 242.‏

(27) ـ المجموع المحيط بالتكليف ص 120.‏

(28) ـ هيغل فينومولوجيا الروح مختارات هيغل حول اللسان ـ نقلاً عن اللسان والمجتمع مرجع سابق ص 83.‏

(29) ـ الثقافة العربية وعصر المعلومات ـ مرجع سبق ذكره ص 243.‏

(30) ـ الثقافة العربية وعصر المعلومات ـ مصدر سبق ذكره ص 236.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244