مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العددان 418 شباط 2006
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

عودة الغريب ـــ مظهر الحجي

أ ـ المنادي‏

"يا سامعين الصوت‏

يا من قد رأى ولداً يضيعُ‏

يحبو بسرّ حجابه‏

وبزرقة الخرز المطلسم بالرقى. يا سامعين الصوت، أولاد الحلال"‏

يسري المنادي في الحواري نادها متعجّلاً‏

ووراءه سرب من الأطفال‏

يرتعشون في صخب بريء‏

وتصرّ أبواب البيوت،‏

تطل عن خلف النوافذ نسوة،‏

بل أعين زاغت بصمت الزعفرانِ،‏

تغزّ أمّ خلف مغزلها،‏

وتهوي في شحوب:‏

"إنه يلهو مع الأتراب قرب الباب"،‏

ترفع كفّها نحو الضلوع،‏

تردّ قلباً كاد يخلعه النداء‏

يتهافت الصوت المنادي في الوجومِ‏

وتهمس النسوان في جزع مريع:‏

"يا ربُّ جوّهت الحبيبَ المصطفى‏

يا ربُّ صبّرها وبرّد قبلها‏

يا ربُّ ردّ الغائب المسحور طفلاً، يا مجيبُ"‏

ب ـ باب السوق‏

في السرد أثقلتَ الحكاية بالحواشي‏

والتفاصيل الصغيرة والعجائز والدعاءِ‏

والآن تعبر يا غريب برازخ الرؤيا‏

فتنكرك الحواري وابتساماتُ النساءِ‏

ها أنت ترجع يا غريبُ‏

متعفّراً بدم الحكاية والرواة الطيّبينَ‏

فكل جوّاب يؤوبُ‏

ها أنت تطرق باب مريمَ‏

ثم تسقط فوق أعتاب السؤال الفجّ‏

تفضحك الندوبُ‏

إن النهاية في البدايةِ،‏

قفزةٌ في مطلق البئر الغويّةِ،‏

رغبةُ تخبو، لتومض رغبةُ أخرى‏

فبارقةٌ تلوبُ‏

والآن تقذفك الدروب إلى بداءات الدروبِ‏

وكلّ جوّال يذوبُ‏

ها أنت تهوي مثقلاً‏

بمواجع الزمن القديمِ‏

وحكمة الشيخ العليمِ‏

ولوثة الأفعى وشيطان رجيمِ‏

لكن بعضك يستريب‏

تنداح عينك في البعيد،‏

تعود خاسرة، ليذهلها القريبُ‏

يدوي بصدرك صوتك المخنوقُ‏

تنفك الضلوع بعاتب الحزن الحزينِ:‏

ـ هل البلاد هي البلاد، هي العباد، هي القلوبُ؟‏

هل عاد (باب السوق) أوسعَ‏

أم تناثرت الحجارةُ،‏

و(السبيلُ) تقطّعت بمياهه سبلُ الوصولِ،‏

فغار في خرف العجائز والروايات العجيبةِ؟‏

أين باب السوق‏

أين العارفون الطيّبون،‏

وأين مجذوب يلوك طعامه عند الموضّأ هادئاً،‏

ـ أَوَ مفطرٌ رمضانَ؟! ـ لا‏

روحي على سفر، وقلبي موجع، فأنا غريب.‏

من أي باب تدخلون‏

وأيَّ باب توصدون،‏

ألم يعد لبلادنا سور مهيب،‏

قلعة تهب الأمان،‏

ترد عادية التتار،‏

رصاص فرسان الفرنج‏

ومن توارى في الصليب؟!‏

أطفئ عيونك يا غريبُ،‏

فكل شيء مستباحٌ،‏

حارةٌ، مطر، ودالية، وعطر الليل،‏

ضوع الياسمينة، مقعد الشيخ المؤدّب،‏

مخبأ الدوري في خشب السقوف العاليات،‏

عظام أهلي في (الكَتيبِ)،‏

وكل شيء، كل شيء مستباح أو مباحُ‏

جـ ـ سيباط مريم‏

فانهض إلى (سيباط) مريمَ‏

تسترحً بضلوعه‏

أو تدفنِ الرأس المهتّك في انحاءة قلبه‏

أو عل مريم تفتح الباب القديم‏

فتحتمي في شيبها أو قلبها‏

أو وردةٍ كانت تقبلّها وتقذفها بخوفٍ مدنفٍ‏

أو بالشرائط يوم كانت كالفراش،‏

ترفّ في عبث الجدائل فوق قبة صدرها‏

اِنهض إلى سيباط مريمَ‏

علّ مريم ما تزال وراء نافذة تلوّح،‏

يسطعُ السيباط بالضوء الخجول بكفّها.‏

في وَحدة السيباطِ‏

ينهض شاحباً قنديلُ زيت غامضُ‏

تروي العجائز أن جنيّاً يشعشعه بإصبعه الغليظةِ‏

ثم يطفئه إذا جاز الرجال ذوو الشوارب‏

مزدهين بفعلهم‏

أو يبلعون الخوف، يفضحهم‏

فيرتدّون مذعورين قد خسروا الرهانْ.‏

إن الرهان هو العبور بلا غناءٍ‏

بين خوفين استفاضا في الحجارة،‏

ظلمةٍ، جنٍّ، وعفريت يقهقه في الصدورِ.‏

من يستطيع عبور هذا الخوف ما بين السطورِ‏

من يستطيع عبور خيط النار من وجعي إلى وجع الفراتِ،‏

ومن سيوقظ في الشناشيل المذهبّة الحزينةِ‏

شوقها أو سحرها‏

بل من يعيد حماسها للعاشِقَين الوالهَيْنِ‏

تداريا في حضنها‏

بل من يعيد لنخلة عزلاءَ بهجتها‏

لتستعدَ في أمومتها الوديعةِ‏

تلقم الأطفال والطير المهاجرَ،‏

صدرّها الحاني بألوان الرطبْ‏

هذي بلاد لستَ تعهدها‏

عبادٌ طيّبون وطيّعون،‏

فهل ضللت عن الطريق إلى بلادك يا غريبُ‏

أم ضلّلتك الأمنياتُ‏

وأدرك الروحَ العطبْ؟!‏

د. أبو الفوارس‏

"فاقرأ لنا من سيرة البطل الكبير‏

أبي الفوارسي، عنترٍ"‏

صاح العجوز الجدُّ مزهوّاً بفعل حفيده،‏

وانداح في صخب السعالِ،‏

وعاد مهدوداً،‏

يحشرج بالشتائم: "إنه برد الشتاءِ"‏

وعنترُ يرخي لأبجره العنان،‏

وسيفه يبري الرؤوسَ‏

وخلفه أبطال "عبسٍ"‏

عابسين مزمجرين كما الأسودُ،‏

جرت دماء عدوّهم نهراً على صدر الكتاب،‏

وثار من بين الحروف غبارهم، وصراخهم،‏

شيبوب يرقص في المضارب،‏

هاهمُ الفرسان عادوا سالمين وغانمين.‏

بين الحروف الراعفات يفزّ دوريٌّ صغير،‏

راعه وَقْعُ الحوافر والصهيلُ‏

يطوي الكتاب على الفوارس والخيول‏

يعيدهم زمراً على سجن الحكاية،‏

يوقف الصخبَ الجميلَ بريشةٍ‏

من صدر طاووسٍ غبيٍّ‏

يطوي الصغير كتابه‏

ويغيب في خدر النعاس،‏

وحوله‏

جدٌّ وأتراب عجاف صاخبون معربدونْ‏

يتطايرون إلى العدوّ على خيول الوهم،‏

يمتشقون أسياف الخشبْ...‏

لَعِبُ.. لُعَبْ‏

يعلو بلندن صوت مذياع يهرول معلناً:‏

"سقط البراق أو الخليلُ،‏

بل الجليلُ، وبعضُ يافا، والنقبْ...‏

سقطت شناشيل العراق‏

وهاجرت عشتار بهجتها‏

نواحاً في "مقامات" القصبْ"‏

تعلو مقامات الصخبْ‏

ويثور شيطان السعال‏

يجيش بركان الغضبْ‏

يهوون بالشتم الشنيع قذائفاً‏

فوق المواقع واليهود الغادرينَ،‏

ويسألون الله نصراً باذخاً:‏

"يا ربُّ بدد شملهم‏

يا ربُّ.. أبطل سحرهم"‏

عرب.. عجبْ‏

دول.. لُعَبْ‏

تمضي جموع اللاجئين، النازحين،‏

الوافدين، التائهين، العائدين،‏

إلى نهايات الحكاية في انكسارات الرحال‏

"صحراء! بل، صحراء! بل، صحراء بل...."‏

يتهدّج الراوي العجوز مرنّحاً بدم السعال‏

"يا سامعين الصوت،‏

أولاد الحلال‏

يا من رأى وطناً يضيع‏

مع التفاصيل المثيرة‏

في روايات المسلسل أو بلاغات الظلال."‏

يا سامعين الصوت، أولاد الحلالِ‏

يا مَنْ رآني، فَلْيبلّغني "الكتيبَ"،‏

عظامَ أمّي،‏

شيبها القاني، نهاياتي،‏

بداياتي اللجوجةَ،‏

محنتي الكبرى‏

فطامي في اكتهالي.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244