مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العددان 418 شباط 2006
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

ثلاث قصص ـــ محمد أبو معتوق

1 ـ قم واكتب‏

من داخل الزنزانة جاءه الصوت.‏

ـــ قم وأكتب.‏

فصاح في نفسه وزنزانته، ما أنا بكاتب.‏

·استيقظ السجين من نهايات الكابوس الجميل والمرأة الفاتنة التي تراوده، وصاح‏

ـــ لا أريد لأحد أن يقطع عليَّ كوابيسي.‏

وعاد للنوم ثانية ليتمكن من استكمال الحلم الجميل الذي أفلت منه.‏

وقبل أن يأخذه النوم بعيداً.. جاءه الصوت ثانيةً:‏

ـــ قم واكتب.‏

· فنهض من عتمته وأحلامه الهاربة.‏

فانفتحت له كوّة من الضوء.‏

· لم يكن يعرف طبيعة الصوت... غير أنه لم يكن يشكُّ في عمق الصوت وقوته.‏

ـــ ما أنا بكاتب... أجاب الرجل... وهو يداري عينيه من حزمة الضوء المبهر الذي أقلق رؤياه.‏

ـــ ولكنك تحمل مؤهلاً علمياً.‏

ـــ ليست الكتابة أن تعرف الإملاء والفواصل والكلمات.‏

ـــ ولكنك في زنزانة.. وتحظى بسجانين متفهمين.. وتقدم لك الصحف‏

ـــ والكتب التي لا تحضُّ على الانتحار.. وأنت من الرجال المزودين بقدر من الكآبة يدفع صاحبه للإحساس بجدوى الكتابة.‏

ـــ الكتابة تحتاج لشيء آخر أكبر وأعمق من السجن‏

الكتابة تحتاج لامرأة محبة وجسد عظيم.‏

ثم كان الصمت...‏

· لم يكن صاحب الصوت يتوقع أن يشترط السجين من أجل تحقيق فعل الكتابة...‏

إحضار امرأة.‏

لذلك قال الصوت بلهجة تأنيب:‏

ـــ ينفق الرجل نصف عمره الأول للحصول على امرأة.‏

وينفق نصفه الثاني في سبيل التخلص منها.‏

وأنت بلغت نصفك الثاني.. فما الذي دفعك.. والكتابة فعل لا يتحقق إلا بالعزلة.‏

وتذكر النصف الأول من المشكلة.‏

…ثم كانت لحظة صمت…‏

تحير فيها الضوء وتغير… وتشكل في هيئة امرأة باهرة.‏

· بعد أن أنهى الرجل فترة التأمل العميق… أحس بالخوف على المرأة من برد الزنزانة.‏

فخلع بعض ثيابه ليغطي بريق المرأة العارية.‏

ففزعت المرأة ورجعت إلى الجدار وقالت:‏

ـــ هل الضوء يُغطى.‏

ـــ قال الرجل: لا أغطيكِ لأحجب ضوءكِ... ولكن خوفاً على عيني من أن تعشش.‏

· عند ذلك انحازت المرأة إليه، وتداخلا معاً في عناق عميق امتلأت له الحياة والزنزانات بالنشوة والبريق.‏

وحين أدركهما الليل اعتنقا وما افترقا.‏

وفي الهزيع من الليل نهض الرجل وغطى المرأة وغفا.‏

وفي الصباح استيقظ الرجل.. فوجد إلى جواره كومة من الثياب لا ضوء فيها ولا حياة ولا امرأة.‏

فنهض عن الثياب‏

دون أن ينتبه إلى رطوبة أكمام القميص وصدره الذي ملأته المرأة الهاربة بالدموع. عندما لم يجد المرأة، تكوم السجين على نفسه مثل جنين.‏

وحين نام، جاءه الصوت...‏

قم واكتب.‏

2 ـ فراغ‏

· كنت تحب الفراغ والصمت العميق‏

عندما توغلت عميقاً في الصحراء.‏

أوقعك الفراغ والظمأ في بقعة لم تستطع وعكازك أن تبارحها.‏

هل كانت للرمل رائحة‏

هل كان للهواء طعم.‏

وكيف شعرت بالغواية....‏

وليس في هذا الفراغ ظل لسواك.‏

· عندما قررت عبور الصحراء قلت:‏

ـــ أنا ذاهب للبحث عن خطوات سبقتني.‏

وعندما لم تلمح في الصحراء شيئاً قلت:‏

ـــ إذا لم تكن للرمل ذاكرة.... كيف للخطوات أن تكون.‏

وحين لمحت جندباً فزعاً‏

يهيل الرمل على خطواته السابقة ليتابع ويعيش.‏

أحسست بالحكمة الهائلة.‏

فعندما يكون الله موجوداً.‏

كيف للفراغ الهائل أن يكون.‏

نفق‏

ـــ في النفق المظلم مضى الفتى مفتشاً عن الفتاة التي تنتظره.‏

ـــ وفي النفق المظلم.. اختبأت الأنثى من الرجل الذي يطاردها.‏

كانا يعرفان أن الأنفاق موحشة، ولا تسمح بالإلفة.‏

ولكنها توصل للهدف بسرعة.‏

· وعندما سمعت الفتاة الفزعة صوت خطوات.‏

ـــ قالت في سرها: إنه هو.‏

ـــ وعندما سمع الرجل صوت لهاث.. قال: إنها هي.‏

الفتاة بحثت بعصبية عن شيء داخل محفظتها لتدافع به عن نفسها‏

ـــ والفتى خلع معطفه السميك ليكون لحظة العناق أقرب إلى جسد الفتاة التي يحب من نفسها‏

ـــ الفتاة لم تجد في المحفظة ما يعينها على الدفاع عن نفسها سوى القليل من العتمة والمساحيق.‏

· وبسبب ذلك ارتطما ببعضهما... فكان عناق عظيم حال بين الفتاة وبين أن تمتلك فسحة من الهواء لتطلق صراخها.‏

وعندما حيل بينها وبين السقوط... تحسست لون العناق وتشممت طبيعته.‏

وانهمكت به واستسلمت له.‏

وحين خرجا من النفق ليتبينا بعضهما....‏

ارتطمت أقدامهما بجثتين مضرجتين.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244