مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العددان 418 شباط 2006
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

ساعة الصفر ـــ مجدولين أحمد أبو الرب

(وهزي إليك بجذع النخلة تُساقط عليك رطباً جنياً فكلي واشربي وقرّي عيناً(‏

(مريم: 24 ـ 25)‏

كنا اثنتين، وكان هذا الغريب ثالثاً لنا. ما الذي أنبته فجأة هنا قرب عمود الكهرباء في الشارع المظلم؟!‏

سرنا أنا وسناء بُخطا سريعة، لكنه كان يسرع هو الآخر بعد أن ألتقط إحدى الأوراق، صرخ قائلاًً:‏

ـــ "توقفي عن ذلك يا فتاة. أستطيع أن أخرب بيتك. ما الذي تفع لـه فتيات مثلكن في هذا الوقت المتأخر من الليل؟"‏

هذا الوقت من الليل.. آه، كان اسمه باللغة الأخرى ساعة الصفر‏

* * *‏

في البداية كنت أرتجف من البرد، وأيضاً من الخوف. ليس خوفاً على نفسي فقط، ولكنني كنت خائفة عليها هي الأخرى. أحبها كما لو كانت جزءاً حميماً مني. تصغرني قليلاً، لكنني أحسها طفلتي، أحاول أن أحميها.‏

سرنا معاًُ في الشوارع المعتمة، ولا أعرف لماذا كانت التعليمات أن نذهب إلى الحي الجنوبي سيراً على الأقدام ليتجمع في ركبتي تعب النهار والمساء، وبرد كانون، وهذا المسير.‏

في الشتاء وفي مدينة صغيرة محافظة كمدينتنا تصير عتمة الليل في أو لـه وكأنها منتصف الليل. ويصبح من المحرج أن تسير فتاتان وحدهما دون رجل في شوارع المدينة الفارغة إلا من بعض السيارات، وتجمعات قليلة للشبان. قلت لها:‏

ـــ من حسن الحظ أنها لم تمطر. أرجو ألا تمطر هذا المساء وإلا سيذهب جهدنا سُدى عندما تبتل الأوراق. فقالت بضيق: كم بقي على ساعة الصفر؟؟‏

نظرت إلى ساعتي، كانت عشر دقائق تحدق في وجهي بقسوة. سألتني: هل تعرفين الحي جيداً؟، فقلت: أعرفه بالقدر الكافي اطمئني، لقد عشت مع عائلتي هناك بضع سنوات.‏

تجاوزنا بضع شباب يقفون على الرصيف أمام أحد المنازل. كانوا يتحدثون بصوت مرتفع عن الامتحانات المدرسية. سرت وسناء وحاولنا جهدنا لنبدو مجرد عابرتين، وكأنه ليس في حقائبنا أوراق ستقلب العالم وتغير وجهه. ولكني، وإن بدا مظهري عادياً، إلا أن قلبي كان يضرب بإيقاع إفريقي يهز جسدي. تجنبت حتى أن أتحسس حقيبتي، فالخوف يلجم يدي، والبرد يصيبني باليباس، ومع هذا أسير وسناء نمضي إلى هدفنا.‏

كلانا كانت تخفي خوفها عن الأخرى، لنشد أزر بعضنا. كان لدينا يقين بأننا حين نزرع الشارع بتلك الأوراق فإنها ستنبت هديراً، ستحرك النبض في الشارع الميت، وستحرك الصوت في زمن الصمت. ألف موجة في أعماقي، ترفس أحشائي، وحولي سكون رهيب. فهل يجتمع السكون مع الحياة.؟! الحقيبة حبلى بالأوراق، والنفس حبلى ببحر غاضب يهدر.‏

وكم اشتهيت لو ينتهي كل شيء بسلام. حتى عودتي للبيت، هذا إن عدت، كم اشتهيت لو تتم بسلام: (أين كنتِ حتى هذه الساعة؟، هكذا سيقول أبي متجهماً. والكذب أصبح عادة يومية لتبرير ما كنت أقوم به من تأخير. أعلم أنه لا يصدقني. وهو يعرف أنني أكذب. لكنه يفضل أن يبدو مصدقاً لكلامي). ما الذي سيجلبه كل هذا التعب وتلك الجولات المرعبة، هل حقاً سيتغير وجه العالم، هل حقاً سيتحرر ما هو مغتصب؟ هل يصبح العالم أرحب؟‏

سأنثر أوراقي فوق رؤوسهم، وعلى عتبات بيوتهم. ولكني خائفة أن أتجاوز الليلة حدودي، وأقل ما يخيفني أن يتجاوز أبي حدوده ويضربني. منذ أعوام وأنا أعمل وأعطي، ولديّ يقيني. نعم، كان لديّ يقين بأن للعالم وجهاً سيتغير.‏

"اخرجي أنتِ وسناء باتجاه الحي الجنوبي للمدينة، لا تستقلي سيارة، سيري في الجوانب المعتمة من الشوارع. لا تلقي بأي من تلك الأوراق قبل ساعة الصفر، ولتكن التاسعة من هذا المساء". كانت هذه تعليمات المسؤولة. وهاهي الآن تمام التاسعة.‏

اتسعت عيناي من خلف النظارات الطبية، لترى بأقصى ما يمكن أية عيون تراقبنا. وفي تلك الأثناء، كانت سناء تضع ورقة تحت مسّاحة زجاج إحدى السيارات الواقفة، ثم السيارة التي أمامها. ظهر ضوء سيارة قادمة، فأشرت لها بأن ندخل في زقاق قريب. سرنا في الزقاق الضيق المظلم ورشقنا بعض الأوراق على عتبات المنازل، علها تنجب مصوتاً ينشد للحرية. كنا نشعر بعظمة ما نقوم به، ونود لو نفعل أشياء أعظم.‏

الخوف لا زال في عروقنا، لكن البرد ذاب واختفى خلف غليان الدماء فينا. عندما دخلنا زقاقاً على ناصية الشارع وكن نقترب من وسط البلد، كان شاب يقف وحيداً يتكئ على عمود للكهرباء في باب الزقاق، لم نعره اهتماماً. ودخنا في الزقاق المظلم. رشقنا بضع أوراق على عتبات المنازل، أو غلنا أكثر في الزقاق لنخرج من الجهة المقابلة، وإذ بصوت يقول:‏

ـــ توقفي عن ذلك يا فتاة.‏

عندها، عندها استدرنا وقلوبنا تكاد تخرج من حناجرنا. كان الشاب الذي تركناه بباب الزقاق يقف خلفنا وبيده إحدى الأوراق، وتابع:‏

ـــ أستطيع أن أخرب بيتك، ما الذي تفع لـه فتيات مثلكن في هذا الوقت المتأخر من الليل؟.‏

استجمعت ما بقي لديّ من شجاعة، وقلت: لا شيء ماذا تريد منا، لا يليق بك أن تتحرش بالفتيات.‏

أسرعت الخُطا وجذبت سناء معي بضع خطوات، تردد هو ثم تبعنا. قلت لها: عجلّي، نخرج من الجهة الأخرى للزقاق، ونستقل أول سيارة تاكسي فنختفي عن ناظريه. ولكن قلوبنا أصبحت بين أقدامنا عندما كان الزقاق في نهايته مغلقاً بسور يصعب تسلقه. كانت لطمة على وجنتينا. ولكن جاء صوت الشاب قوياً: توقفن يا فتيات.‏

جذبت سناء من يدها وعدنا، تجاوزنا بسرعة، وقلت له: يا أخي اتركنا في حالنا، لا علاقة لنا بما تقول. هدّد مرةً أخرى بأنه يستطيع أن يخرب بيوتنا.‏

أسرعنا وأنا أقول له: وال لـه إن تبعتنا لأجمعن الناس عليك. وكنت أعلم أنني لن أقدر على جمع أحد.‏

كنا نخرج من الزقاق عندما وقف متردداً. اقتربنا من الشارع الرئيس. أشرت لتكسي بحركة عصبية من يدي. ألقيت نفسي على المقعد الخلفي وفعلت سناء. أعطاني صوت لطمة الباب حين أغلق شعوراً بالأمان، أشرت للسائق: وسط البلد لو سمحت.‏

انطلق التاكسي، فيما وقف الشاب بباب الزقاق ينظر إلينا، من الواضح أنه قرر أن لا يخرب بيوتنا. وكنت بين اللحظة والأخرى أتلفت للخلف لأتأكد أن لا أحد يتبعنا.‏

كل ما أحتاجه الآن هو الشعور بالأمن، الخوف شيء مدمّر، يجعل خلايا الأعصاب تتهتك. وتذكرت خوف مريم، وتذكرت أمر ال لـه "وهزي إليك بجذع النخلة"، تذكرته في ليلة بلا قمر، وأرض بلا نخيل، وتخيلي أوراقي تزرع المدى نخيلاً.‏

وأهز نخيلي لآكل رطباً جنياً!!؟.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244