|
||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
زيتون بلون الدم.. ـــ محمد عادل منذ ثلاثة عقود أو يزيد وهو يعانق كل يوم كرمه المزروع بأشجار الزيتون والتين والصبار والخروب.. اللون الأخضر لم يفارق نظره منذ أن خطا خطواته الأولى إلى الكرم الذي أوصاه به أبوه وجده وعائلته، يعامل كرمه كما يعامل أطفاله بكل حنان ورأفة، رغم انحناء الظهر من كثرة العزق، وتقليم الأشجار والسهر عليها والسنوات الطويلة الماضية، الكرم يعني لـه الحياة، لم يفارقه، لم يبتعد عنه كثيراً، فسرعان ما يعود إليه إن غاب عنه بسبب المرض أو السفر مشتاقاً مسروراً، يتجول فيه من أوله إلى آخره يملأ رئتيه بالهواء النظيف، ويشتم عبق الزهور والرياحين والنعناع المزروعة بين الأشجار العالية وارفة الظلال، وصوت الريح يصدر ألحاناً أجمل من كل الموسيقى والأغاني. إنها حفيف الأغصان الحانية الرقيقة، وهي ترسل ألحانها العذبة لمن يقترب منها ويكون بجانبها ويغفو تحت ظلالها لينام على الأرض محلّقاً في أحلام قلما يراها، لكنه كان يخشى أن العدو الذي احتل باقي فلسطين عام 1967 سوف يأتي إليه بعد أن يقضم ويصادر آلاف الدونمات من الأرض مستغلاً الاتفاقيات المذلة التي أعطت العدو الفرصة ليستمر بوحشيه أكثر في نهب الأرض، وتركت السلطة الفلسطينيّة تتحدث عن دولة وشرطة ومطار ووزراء ومدراء وديمقراطية وحرية، ردد كلام جده: عندما تكثر التفاصيل تتوه عن الطريق وتنسى الهدف. وهو يرى سرطان الاستيطان يستشري في الخليل المدينة التي أحبها وأحب أهلها الطيبين والتي تعلم فيها الكثير عن زراعة العنب الذي تشتهر به هذه المدينة وجبالها المشهورة بمقاومتها للمحتل. أصبح يكره التلفزيون من كثرة أخبار المصادرة وهدم البيوت والاعتقالات والحواجز. بدأت كوابيس المصادرة تمر أمامه وهو يصرخ: من يوقف زحف المستوطنات؟ من يوقف أفواه الجرافات المتوحشة؟. من.. من. وأصبح يكره تصريحات المسؤولين في السلطة: إنهم يستنكرون، يحذرون ثم يبتسمون، ويجتمعون، وعلى الطاولات ما لذ وطاب وبتغطية من الفضائيات التي تنقل الأخبار، وتقدم حملاتها الدعائية لبعض الوجوه، وتتجاهل قول الحقيقة فيما يجري على الأرض بل تجري المقابلات مع كبار المسؤولين الصهاينة ليدخلوا كل البيوت ويمارسوا العنجهية والتضليل بكل صفاقة! كان الحاج أبو صالح ينظر باستمرار إلى الطريق الذي يتوقع أن تأتي منه الجرافات لتبدأ بتقطيع أوصال حلمه الذي عمل من أجله طوال حياته! شمس اليوم قاربت على المغيب، وأبو صالح يشعر بأنّ أمراً خطيراً قد يحدث، بشكل مفاجئ ولهذا كان مستعداً وغير قادر على إبعاد كل التوقعات السيئة ولأن أي صوت غير عادي، يشعر أن كرمه هو المقصود، بل أرضه، وطنه، حلمه، سمع صوتاً ينادي عليه أبو صالح.. نظر إلى جهة الصوت فوجد (أبو عواد) صديق عمره الذي ما زال وفيّاً للأرض مدافعاً عنها، قضى معظم حياته في المعتقلات ولم يتبدل، ولم يهن، بل ظل على السكة نفسها مثل ما يقول إلى أن يصل إلى الهدف البعيد. سلّم عليه وجلس على الأرض، قال لـه أبو صالح خير يا أبو عواد شايف أنه عندك شيء بدك تحكيه قول يا زلمة والله قطعت نفسي، أبو عواد وهو يركز نظره على الأرض والشجر، بدي أقول لك يا أبو صالح والله منذ أسبوع وأنا أحاول أن أحضر إلى كرمك وأقول لك ماذا يجري الإعداد لـه لتجريف أرضك تمهيداً لإقامة مستوطنة جديدة حتى نصبح مجردين من كل ما نملك في وطننا. بدأ العرق يتصبب من جسد (أبو صالح) وقال له: لا تكمل يا رجل أنا عندي إحساس بأنهم سوف يأتون في أيّ لحظة، ففي الوقت الذي يتحدث بعضنا عن السلام والتعايش، يزحف الاستيطان، يعتقل شبابنا، ويمارسون أبشع أنواع الإذلال على الحواجز، وتسرق مياهنا، وتغيّر معالم البلاد ومصيبتنا أن من نصبّوا أنفسهم أوصياء علينا لا يوجد في جعبتهم غير التراجع والتنازل والتفاوض والوقوف أمام الكاميرات ولدينا، ويا للعجب، جيوش من الوزراء والمدراء والخبراء وقوى حفظ النظام ولكن بارك الله لنا في من يقاوم ويقاتل على أكثر من جبهة فهؤلاء هم من تبقى لنا وهم من نراهن عليهم مع أنهم في وضع صعب لن يستطيعوا وقف الزحف، الزحف توقفه وحدتنا جميعاً بعد أن تطهر صفوفنا من كل من يقبل بالتنازل ومن يفكر فيه، ومن لا يملك شجاعة وتضحية المواطن دون هذا سنجد أنفسنا.. وقد فقدنا كل مقومات الصمود والمواجهة، من يصرخ في وجه كل الذين يذهبون إلى فنادق التفاوض ليقول لهم كفى كل هذه السنوات ألم تشبعوا من المفاوضات والإهانات والذل؟! اقترب أبو صالح من إحدى أشجار الزيتون العتيقة المنغرسة منذ مئات السنين في الأرض المباركة، ضمها إلى صدره فشعر بالحنين إليها أكثر. أحسّ رائحة زيتها المضيء، تغمره لامس ورق أغصانها الأخضر وفروعها الباسقة نحو السماء جال بنظره إلى بقية الكرم همهم يا إلهي أعطني القوة والشجاعة والإيمان لأدافع عن نفسي وأولادي، وكرمي ولا تضيع حقي في الدفاع عن وطني لقد أدرك أبو صالح منذ زمن أنّ البلاد منذ أن احتلت بالكامل لم تعد مثل السابق لقد أصبحت جزراً مقطوعة الأوصال، ومبتورة. نعم قالها ونظر إلى من سبقوه في الشهادة: ليس أمامنا غير القتال وصوت الرصاص وحده يعلن أن في هذه الأرض من يدافع عنها ولا يقبل أن تطأها أقدام الغزاة.. مرت أيام وأسابيع، وأبو صالح لم يغادره القلق والخوف من اللحظة التي يرى فيها أنياب الجرافات المتوحشة تنهش الكرم وتحول الجنة الخضراء التي زرعها شجرة شجرة، وشتلة شتلة إلى خراب. استيقظ أبو صالح على صوت الجرافات التي جاءت عبر الطريق العام ترافقها سيارات جيش مليئة بالجنود الذين أخذوا يطلقون النار لتخويف المواطنين الفلسطينيين ولمنع التجمع. أدرك أبو صالح أن لحظة المواجهة قد أتت، نهض من الفراش وارتدى ملابسه بسرعة ووضع الحطة والعقال على رأسه، وأخذ يركض نحو الكرم. فوجئ أبو صالح بالعشرات من أهالي القرية وعائلته وأحفاده يرشقون الجنود بالحجارة. رأى ساحة المواجهة كأنها ساحة حرب، قنابل الغاز والرصاص الحي والمطاطي وهو يوجه إلى صدور أهالي القرية وليس لدى المدافعين سوى الحجارة والأيدي والصدور العارية، وصراخ النساء والدعوات على الجنود الصهاينة مثل الوحوش الكاسرة. دخلت الجرافات أرض الكرم، وبدأت تخرب شجر الزيتون حاول التقدم. منعه الجنود، صرخ بأعلى صوته هذا حرام. هذه جريمة. هذه أرضي، تقدم منه الجنود ولكموه بأعقاب البنادق على وجهه وصدره. دفعوه بقوة. وقع على الأرض. دارت به الدنيا. اختل توازنه. شعر بأنّ كل شيء يتحرك ولا يمكنه تمييز الأشياء لكنه كان يرى الأشجار تهوي. سمع صراخها. سمع استغاثتها تناديه، تنادي كل من يحبها؛ من يوقف هذا الخراب من يوقف موت الأشجار. رأى أولاده يواجهون الجنود، وكذلك أحفاده وأهالي القرية بالحجارة والأيدي، لكن القوة المدججة بالسلاح كانت الأقدر على إلحاق الأذى بأهالي القرية، رأى الدماء تسيل من جسد ابنه نظمي الذي تصدى بقوة لسائق الجرافة وأنزله على الأرض وأمسك برقبته وألقاه أرضاً، خاف عليه، وخاف على الأرض. حاول القيام، تعثر في القيام. تقدم أحد أحفاده. ألقى الحجارة نحوهم. ورشقه الجنود بزخة من الرصاص حولته في لحظة إلى جسد هامد بعد أن كان يضج حيوية ونشاطاً وعشقاً للأرض والزهور والطيور، كان يوماً دامياً تراجعت الجرافات والجنود بعد أن شعروا بقوة المواجهة لكنهم وعدوا بالعودة ثانية، أدرك أبو صالح مرة أخرى أن الزمن لا يرحم، والضعف هو أسوأ مراحل الإنسان والإنسانية، وأن القوة وحدها هي الحياة والعطاء للدفاع عن كل ما يملك الإنسان، حُمل إلى البيت كما حُمل حفيده المجبول بدمه. كان يبكي بصمت. فالخسارة كبيرة.. الزيتون اقتلع، والحفيد استشهد.. وراح ينقل نظره ما بين ما شاهده في كرمه، وما يراه أمامه وقد استشهد الحفيد، وأبناء بلدته يطيبون خاطره: كلنا أولادك يا (أبو صالح).. فتفيض عيناه بدموعها الغزيرة وهي ترى الوجوه، وقد غبشها الدمع.. كأنها جسر يعلو ويعلو نحو الفضاء. |
|
| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |