مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العددان 418 شباط 2006
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

بول فاليري (1871- 1945) ـــ ت.لطيفة ديب

"ولد بول فاليري" في "سيتْ: sets وأمضى سن المراهقة في "مونْبلييهْ" MONTPELLIER حيث تردّد على كلية الحقوق. وفي العشرين من عمره، ذهب إلى باريس". وهناك قدمه صديقه :بييرْ لويس" PIERR LOUYS إلى ملآرميهْ MALLARME فأصبح أحد مريديه. نشر أشعاراً رمزية في بعض المجلات الطليعية أمثال "لاكونكْ CONQUE LA أو لا سيرينكس "SYRINX LA. لكنه تبيّن عما قريب أن الشعر. لا يهمه في حدّ ذاته إذ لم ير فيه سوى أحد أساليب النشاط الفكري. فقصد أن يتناول هذا النشاط من حيث مبدؤه عينه وأن يعرّفه على أنه «وضع رئيسي يمكن أن تنطلق منه عمليات المعرفة وكذلك عمليات الفن». فجاء بدراستين نثريتين مطابقتين لهذا المطمح الرفيع، هما «المدخل إلى نهج "ليوناردُ فينْشي" و"سهرة مع السيد تيستْ». ويفخّم الكاتب "ليوناردُ فينْشي " كرجل شمولي" تكشف أعماله المتنوعة الأشكال عن مهارة مثالية لفكر سام. أما "السيد تيسْتْ، الشخص الوهمي ، فيقول فيه "فاليري": «إنه الذكاء وقد بلغى أعلى درجات القوة، إنه فكر شمولي. فقد أمَّنّ بالاستبطان معرفة جلية لقدراته الفكرية وبالترويض المُنجز والعادة التي أصبحت طبيعية، توصّل إلى أن يصبح سيّد ذاكرته وسيّد العمليات الفكرية بأكملها. فمنح عقله الثقة والقوة وحضور البديهة.» وفي موضع آخر يقول: «لقد أصبح "السيد تيستْ" سيّد فكره...» وبعد «سهرة مع السيد تيسْتْ»، انفرد "فاليري" في عزلة دراسية ابتعد فيها عن الشعر واستغلّ أوقات الفراغ التي كانت تُتاح لـه في عمله لدى وكالة «هافاسْ » كي يتأمل في الرياضيات وخاصة في الدروس المجرّدة. ولم يقطع عزلته تلك.إلا في العام 1917 عندما نشر "ربة الجحيم الشابة"« LA JEUME PARQUE» والحظوة التي نالها عمله هذا شجعته على المثابرة في مهنة كاتب. وبعد الحرب حققت لـه أعماله قبول الشعب المتحمس. فانتخب في "المجمع العلمي" وعُيّن أستاذا في "الكوليّج دُ فْرانسْ" COLLEGE DE FRANCE فحقق مجداً استحق معه عند وفاته «مأتماً رسمياً»‏

بعد صدور «مفاتن» CHARMES، عاد "فاليري" إلى النثر وصدر لـه حواران «النفس والرقص» DANSE LAME ET LA و « أوسالينوسْ» EUPALINOS، يقلّد فيهما، ظاهرياً على الأقل، أسلوب «أفلاطون». في الواقع جعل من "سقراط" لسان حاله ونسب إليه أفكاره الجمالية. أما عمله «النفس والرقص» فهو تأمل في الهذيان الذي يحوّل، بسحر الحيوية، امرأة مبتذلة إلى كائن خارق. و«أوبالينوسْ» هو محادثات حول نبوغ الفنان الذي يستجمع مواده وينظمها فيجعل منها تحفة رائعة.‏

وعاد "فاليري" إلى نظم الشعر فصدر لـه في العام 1917 «ربة الجحيم الشابة» PARQUE LA JEUNE. وفي العام 1922 صدر لـه «مجموعة المفاتن CHARMES » ويرى فاليري أن الشاعر الحقيقي هو الأكثر وضوحاً والأوفر عقلاً بين بني البشر فلا يعتمد على الإلهام الرباني ويعلم جيداً أن "ربة الوحي" لا تملي الأشعار بل يسبر أعماق ذاته فيحول المشاعر التي تعمل في نفسه إلى حقائق جليّة‍! فلنقرأ: «إن الشعر هو محاولة عرض أو رسم بالكلام المبين الصرخات، الدموع، الملامسة، القبلات، التنهيدات، الخ...» إنه لا يخنق أيا من الأصوات المبهمة الموحية بالرغبات الخفية التي تعمل في أعماق الكائن، بل يقوم عقله المتيقظ بتفسيرها والتعبير عنها بالكلمات. هكذا تصف «ربة الشعر الفتية» الحالات المتتالية التي ينزلق إليها الوجدان من النوم إلى اليقظة؛ و"الرسم الأولي لثعبان" يعرض في مونولوج،‏

اغراءات إبليس؛ و"المقبرة البحرية" le cimetiere marin” توصي بجحيم من الألم واليأس. لكن "فاليري" يرى أنه "يجب أن تكون القصيدة حفلة للعقل" يشارك فيها كل محسّنات اللغة وكل مصادر الموسيقى. فبفضل ضغط دائم يمارس على المفردات والإيقاعات والقوافي، تنشأ ببطء صورة للجمال، أي شكل يجعلنا نحلم «بالنظام الكوني، بالحكمة الإلهية» وبالإضافة إلى ذلك يقيد القارئ أو المستمع بـ "روعة" ويتقبل "فاليري" كل أنظمة الكلاسيكية (أو الاتباعية في الفن والأدب) فينظم القصائد الغنائية، والرباعيات كما في «المقبرة البحرية» التي نختار منها:‏

إن الموتى مرتاحون إذ ووروا هذه التربة‏

التي تدفئهم وتبدّد أسرارهم.‏

الكائن الدائم في السماء، كائن بلا حراك‏

يتأمل كنهه بنفسه ويرضى عن ذاته.‏

رأس مُطلق وتاج كامل‏

وإني بك التحوّل الخفيّ.‏

ليس لديك سواي لكبح مخاوفك.‏

فندمي، وشكوكي، ومتطلباتي‏

هي شائبة في ماساتك الكبيرة...‏

لكن في ليله المُثْقَل بالرخام‏

شعب كئيب ، عند جذور الأشجار‏

وجد الاستقرار فانحاز بذلك إليك‏

لقد ذابوا في غياب كثيف،‏

فَشَرب الفخار الأحمر مادتهم البيضاء،‏

وانتقلت موهبة الحياة إلى الأزهار!‏

أين هي الجمل المألوفة، جمل الموتى،‏

الفن الشخصي، النفوس الفريدة؟‏

اليرقة تنسج حيث كانت تتشكل الدموع،‏

الصيحات الحادة، صيحات الفتيات المُدَغْدَغَة،‏

العيون، الأسنان، الأجفان المبلّلة،‏

الثدي الفتان الذي يلعب بالنار‏

الدم الذي يلتمع على الشفاه المستسلمة،‏

الهبات الأخيرة، الأصابع التي تحميها،‏

كل شيء مصيره تحت التراب ويشترك في اللعبة.‏

وأنت أيتها النفس الكبيرة، هل تترجّين حلما‏

لم يعد لـه ألوان الكذب هذه‏

التي يصنعها هنا الموج والذهب؟‏

هل ستغنّين عندما تتبخرين؟‏

دعكِ! كل شيء زائل! فوجودي نفيد،‏

والصبر المقدس بموت أيضاً!‏

أيها الخلود الهزيل والمُذْهب،‏

المعزّي المُكلّل بالغار بشناعة،‏

الذي يصنع من الموت حضن أم،‏

الكذب الجميل والحيلة التقية!‏

من لا يعرف ومن لا يجهل‏

هذا الرأس الفارغ وهذا الضحك المستمر!‏

أيها الآباء الراسخون، أيتها الرؤوس الخالية،‏

لقد أصبحتم تحت ثقل الجرافة‏

ترابا فلا تميزون خُطانا،‏

إن القاضم الحقيقي، الندم الذي لا يُدْحضَ‏

ليس لديكم أنتم الراقدين تحت البلاطة،‏

إنه وخز الضمير الذي لا يفارقني!‏

أهو الحب، أو ربما بغضي لنفسي؟‏

فَسِنُّه الخفيّ قريب جداً مني‏

بحيث يمكن لكافة الأسماء أن تنطبق عليه!‏

لا يهتم! إنه يرى، يريد، يحلم، يلمس!‏

يعجبه جسدي، فمتى وأنا راقد‏

مع إدراكي هذا الوعي، أعرف أني أعيش!‏

يا "زينون"! يا "زينون" القاسي! يا "زينون الإلياليّ!‏

هل طعنتني بهذه الحربة المُجنَّحة التي ترتجّ، تطير، ولا تطير!‏

الصوت يشعرني بوجودي، والحربة تقتلني!‏

آه! الشمس... يا لها كظلّ سلحفاة‏

بالنسبة للنفس، أهي مثل "أشيل" لا تدرك قصدها!‏

كلا! كلا!... وقوفاً! في العصر المتتالي!‏

اسحقْ شكل التفكير هذا، يا جسدي!‏

ارْتوي من منبت الريح، يا أحشائي!‏

إن طراوةً تنبعث من البحر‏

تُعيد لي ذاتي... أيتها القوة المالحة!‏

فلنسرع إلى اليمّ ونرتدّ منه أحياء!‏

نعم أيها البحر العظيم الذي وُهب الزبد،‏

أيها الجلد الأرقط، والكْلاميد المثقوب‏

بألف ألف صورة مصغرة تعكسها الشمس،‏

أيتها الهدرة المطلقة، السكري بلحمك الأزرق‏

الذي يعضّ ذنبك البرّاق‏

في صخبٍ أشبه بالصمت،‏

الريح تهب!... فلنحاول أن نعيش!‏

الهواء الهائل يغلق ويفتح كتابي،‏

الموج الذرور ينبثق من الصخور جريئاً!‏

فلْتتواري أيتها الصفحات المنبهرة!‏

حَطّمي، أيتها الأمواج! حَطِّمي بالمياه المغتبطة‏

هذا السطح الهادئ حيث كانت تتهادى الأشرعة!‏

واخترنا أيضاً القصيدة التالية الرقيقة‏

الغازلة‏

جلست إلى النافذة تتأمل زرقة السماء‏

حيث تتهادى الحديقة شجية،‏

وقد انتشت بصوت دولاب الغزل القديم.‏

احتست زرقة السماء فَمَلَّت غزل الشعر‏

المداعب، الذي يهرب من بين أصابعها الضعيفة،‏

إنها تحلم، فينحني رأسها الصغير.‏

الهواء النقي وإحدى الشجيرات يشكلان نبعاً حيّا‏

عذبا، متدلياً في النور، يروي‏

بِنوْرِيّاتِهِ المتساقطة حديقة الغازلة البطّالة.‏

وترتاح الريح الهائمة على أحد الأغصان،‏

فينحني مؤيداً التحية سُدىً بأناقته الكوكبية،‏

مقدماً زهرته بأناقة إلى الدولاب العتيق.‏

لكن النائمة تغزل صوفاً منفرداً؟‏

وينضفر الظلّ الضعيف سرّاً‏

مع حركة أصابعها الطويلة الساكنة.‏

وينحّل الحلم باسترخاء ملائكي،‏

وبدون توقف، على المغزل الناعم، الساذج،‏

يتموّج الشعر مستجيباً للمداعبة...‏

خلف هذا الكم من الأزهار، تستتر زرقة السماء،‏

يا غازلة ورق الشجر ومتمنطقة بالضياء:‏

السماء الخضراء تموت بأكملها. وتحترق الشجرة الأخيرة.‏

أختك، الوردة الكبيرة حيث تبتسم إحدى القويسات،‏

تعطّر جبينك الغامض بريح أنفاسها،‏

بريئة، وتظنين أنك تذبلين... لقد انْطَفَأْتِ‏

عند زرقة السماء حيث كنتِ تعزلين.‏

"فاليري" والسياسة:‏

يقرّ "فاليري" بطيبة خاطر أنه «فوضوي» ويرفض الالتزام السياسي وروح النقد المتيقظة دوما لديه، كانت تجعله يعتبر كل دعاية «توافق بين المشاعر والقياسات»مشكوكاً فيها. فحيث ينبغي أن نرى حججاً ووقائع، كان يرى «تحقيراً كبيراً للبشر». مع ذلك، كان "فاليري" أحد المراقبين الأكثر وضوحاً لقضايا زمنه، وبعض نظرياته ظهرت «تنبئية».‏

يعتبر "فاليري" «التاريخ علماً خاطئاً» ويقول «إن التاريخ إحدى ربّات الفنّ». فلا يملك الادعاء بدقة العلوم الصحيحة، وذلك بسبب «استحالة الفصل بين مراقبة الأمر الذي يُراقب والتاريخ الذي يسوقه المؤرخ». والأدلّة التي يقدّمها الماضي هي دوماً ناقصة! فحتى لو اتفّق على الوقائع، يفسرها المؤرخون ويحكمون على أهميتها وفقا «لشخصيتهم، لميولهم، لمصالحهم، ولرؤيتهم الفريدة، إنها مصادر خطأ وقوى تزييف».‏

هكذا تفسّر الاختلافات في الرأي حول "الثورة". «فالتاريخ يبرّر ما يُراد لـه أن يبرّر. ولا يعلّم شيئاً بدقة، إذ إنه يضم كل شيء ويقدّم الأمثلة لكل شيء». زد على ذلك إنه من العبث الادعاء «باستخلاصنا من معرفة الماضي إدراكات سبقيّة لمستقبل الأمور»، إذ إن «التاريخ هو معرفة الأمور التي لا تتكرّر».‏

ويرى "فاليري" أنه من الخطر الاعتماد على "الدروس" المستبقة من الماضي. «إن التاريخ يقول "فاليري، هو الناتج الأكثر خطورة الذي يعدّه الفكر. فميزاته معروفة جيداً إنه يجعلنا نحلم، يُثمل الشعوب، يولدّ لهم ذكريات خاطئة، يجعل ردود أفعالهم مغالى فيها، يغذّي جراحاتهم القديمة، يُقلق راحتهم، يقودهم إلى جنون الاضطهاد، ويجعل الأمم عنيفة، متعجرفة، لا تُطاق ومزهوّة». ويقول "فاليري" أيضاً: «أخشى ألا يتيح لنا التاريخ استباق الأمور، لكنه إذا ما اقترن باستقلالية الفكر، يمكنه أن يساعدنا على حسن الرؤية». وفي رأيه أن تأمّل ما انقضى في الماضي لـه فائدة: «فهو يبيّن لنا بخاصة، الفشل المتكرّر للتوقعات شديدة الدقة. وبعكس ذلك، يبيّن لنا "التاريخ" الحسنات الكبيرة للاستعداد العام والمستمرّ التي ـ دون أن تدّعي خلق الأحداث أو تحدّيها وهي (أي الأحداث) دوماً مفاجئة، أو تنّمي العواقب المباغتة ـ تتيح للإنسان أن يعمل بأسرع ما يمكن ضد ما هو غير متوقّع.»‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244