|
||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
أبواب مجهولة ـــ محمد ضمرة بما أن الشاعر لا يخلق الشعر الإبداعي وإنما الشعر هو الذي يخلق الشاعر، فإذا صحّت المعادلة فإن الشاعر المفطور ومنذ طفولته يعيش حياة خاصة لا تشابه حياة أحد غيره، وإذا كان هذا القول ينطبق على حياة جميع الأفراد، إلا أنني أقصد الحياة المتميزة عن سواها من حيث نظرته الخاصة إلى الحياة والإنسان والوجود، وهو بهذا الوصف يعيش حياة اغترابه في الأجواء المألوفة والغريبة، والبعيدة والقريبة، وهو دائم البحث عن كل شيء وعن لا شيء، يلاحق المكشوف والمستور للبحث عن مكان ما وعن زمان يخصه وعن وجود يستطيع رسمه وتلوينه كما يحلم دائماً. والشعر من سموه ومكانته، فإن يمثل الوجه الأجمل للحقيقة، الحقيقة التي تعب الفلاسفة والمفكرون في البحث عنها لمحاولة اصطيادها وتبيانها، مع أنها تلوح وتختفي ونمر بها وتمر بنا في كثير من الأحيان إلا أننا نتلهى عنها كثيراً بأشياء تافهة ودونية لا تعنينا أو تغرينا بل ربما توقعنا في متاهات الندم وأزمات الضمير، وإذا كان الصمت لا يلغي الحقيقة فإن الشارع في صمته ممتلئ بالحقائق الصاخبة والصارخة إلى حد إيقاعه في مضارج القلق والتأزم. وهذا القلق الدائم يدفعه إلى فتح أبواب مجهولة لا يدري ما يكمن وراءها أو يغلق أبواباً لا يعرف أي سر يختفي وراء تلك المغاليق. هذه الحالة الدائمة والمتوترة التي يعيشها الشاعر جعلت الكثيرين يتخبطون في وصفها أو الانحياز إلى هوية خاصة بها.. و الأبعد من ذلك كله أن هؤلاء الآخرين ظلوا يمعنون في تفسير هذه الحالة التي تتسع وتتراءى كلما اتسعت دائرة الشعراء وتوسعت حالاتهم المصاحبة لهم، وأي دارس أو محلل أو مراقب لا يستطيع أن يخلص إلى نتائج عامة ليعممها على الجميع، لأنه قد دخل إلى حديقة واسعة تشتمل على أنواع شتى من الأزهار في ألوانها وروائحها وامتداداتها. وبالعودة إلى لحظة الكتابة فأنا على يقين بأن هذه اللحظة مختلفة من شخص إلى آخر، ولا تكاد تتجانس مع غيرها أبداً، لأن الشعر نفسه لا يمثل الشائع والعادي والمطابق للمعايير العامة، ولكي تحقق القصيدة شعريتها ينبغي أن تكون دلالاتها مفقودة أولاً ثم يتم العثور عليها في وعي القارئ. وكما يشير أبو ديب إلى نظرية التوتر التي تبدأ أولاً في توليف الشارد من القصيدة، فإن الشاعر يبقى في حالته الخاصة القلقة المثيرة لمزيد من القلق، وتظل الأشياء المحسوسة وغير المحسوسة مراوغة أمام ناظريه إلا أنه بانبهاره في لحظة آنية تشده ثم ترخيه، وهكذا يظل في حالة شد وجذب لا يدري مدى مدتها أو توغلها، وربما تستمر هذه الحالة بالساعات أو الأيام حتى وبالشهور. فهو في حالة شرود وانتباه يقظة وحلم دائم الحركة، ساعياً للبحث عن مفقودات لم تكن معه أو لم يضعها. وفي لحظة ما ليس لها وقت ولا ميعاد ولا تعترف أصلاً بمكان أو زمان لأنها خاصة جداً والخاص يصعب توصيفه أو رسم ملامحه، في هذه اللحظة التاريخية، الخارجة من التاريخ والخارجة عليه تنبثق فجأة صورة تبدأ بالتشكل والتجسيد عبر مفردات تناسب لحناً أو يتعجل بها اللحن لتمسك بالشاعر جسداً وروحاً مقيدة لحركته ونظرته أمام شيء جديد أو حدث يثير فيه وجوده لتشكيل وجود جديد مغاير لما هو مألوف أو متشابه، تلك هي اللحظة التي هبطت عليه من أقاليمها السماوية العالية، تلك هي اللحظة التي تصعده وتجعله يتصعد حروفاً تضيء أعماقه، هدية ليست مجانية، إنما جاءت نتيجة معاناة وصدامات وتشاكلات وتشابكات مستمرة فيقف أمامها بحس غير مقروء، شعور بالسعادة والفرح أو شعور بسلطة الشاعرية وهيمنتها، وقوة إرادتها؟ أسئلة كثيرة لا حصر لها تنبثق جملة واحدة أمام لحظة المكاشفة المشابهة تماماً لدقات جرس النبوءة والاستقراء!! والمهمة الأساسية للشعر في هذه اللحظة تنحصر بالإمساك بها والتقاطها بشفافية تامة وتقليبها كما يتم تقليب حبة الماس بين أنامل المحترف، والأمر الخطير الذي كثيراً حدوثه هو أن تبرق هذه الومضة في فترة أو زمن أو مكان لا يكون الشاعر فيها مستعداً تماماً لحالة الإمساك كأن يكون مشغولاً في الشارع أو مصارعة شؤون الحياة العامة أو أثناء الاستعداد للنوم، وحينها ربما يتبادر لذهنه تأجيل التوقف أمامها إلى لحظات أكثر مواءمة من تلك وحينها تضيع أو تطير من بين جوانحه، وربما يحاول خلق اللحظة التي جنحت إليه بومضتها لاسترجاعها إلا أنها تستعصي عليه وبذلك تفوت فرصة ثمينة تأتي زيارته مرة ثانية بنفس الثياب وبنفس الأحاسيس الدفاقة. وهذه اللحظة المقدسة فعلاً والتي تعد هدية سماوية يجب على الشاعر المحترف ألا يدع مجالاً للتردد بالتقاطها وتصويرها وإبداعها بالشكل الذي تراءت أمامه. والمبدع الحقيقي هو في حالة توتر لاقتناص هذه المبادرة إن صح التعبير، أما ما يتبع ذلك فهو الذي يستطيع قيادة العربة الفضائية للانطلاق بها في آفاق جديدة متجددة. وقد كان النقاد إلى فترات زمنية قريبة يعتمدون على قراءة المطالع، لأن المطلع هو المفتاح الحقيقي والأصيل للنص، وقد درج على ذلك النقاد من العصر الجاهلي مروراً بكافة العصور المزدهرة والمتدهورة. وفي العصر الحاضر ما زالت الومضة الأولى تشكل استدراجاً جاداً ومحفزاً لقراءة النص وهذا الاستدراج يكمن منذ الانطلاقة الأولى والتي أشرت إليها بالومضة. ثمة ملاحظة لابد منها وهي أنه كثيراً ما يقع المتلقي في انزلاقات لا حدود لها حينما يستدرجه البوابات الأولى للنص لكنه سرعان ما يقع في أهوار موحلة وسبخات ومستنقعات لا يبرح منها إلا بضيق النفس والروح. ولربما يحدث العكس في أحيان أخرى وعلى كل فالشاعر الذي تملكه الشعر وأراده الشعر أن يكون بوّاحاً لـه فإنه متيقظ دائماً لإطلالات فجر قصيدته. |
|
| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |