|
||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
كَرْمان ـــ عبد الرحمن غنيم كانت المدمِّرة Carman إلهة السحر الشريِّر. وكان لها ثلاثة أبناء مؤازرين لها في التدمير، هم: دب Dub: الظلام ودوثر Dother: الشر، وضيان Dian: العنف، والذين دمَّروا ايرلندا. وقد حارب التوثادو دانان كرمان بأكثر أسلحتهم قوة. وأخيراً استطاعت العرافة بِجْويللي Bechuille أن تتغلب على لعنات كَرْمان. فَدُمِّرَ أبناؤها الثلاثة، ووضعت كرْمان في القيود، حيث ماتت من الحزن. يبدو بداية أننا أمام تصوُّر مثيولوجي محض، طالما أن أبناء (كرمان) هم: الظلام والشر والعنف. ثم إنَّ العرافة بجويللي يُرّججَُّ أنَّ اسمها يعني المحتالة أو المخادعة من Beguile بمعنى: خدع و احتال بالإنجليزية، إلاَّ إذا كان لهذه التسمية دلالة سليتة مختلفة لم نستطيع الوقوف عليها. فالحديث عن تدمير أبناء كرمان الثلاثة ووضعها هي في القيود حتى ماتت من الحزن يشير إلى شيء ما في الطبيعة هو دون التصور الشمولي لفكرة الصراع مع الظلام والشر والعنف. ولكن ما هو هذا الشيء بالضبط؟ قد لا يكون من السهل أن نعرف: وإن كان العثور على مواقع بأسماء أبطال الأسطورة من شأنه أن يضاعف حرجنا. أقربُ كلمة سلتية وصلتنا لاسم (كرمان) هي Krimo بمعنى: قويّ. لكننا لا نرجح أن يكون السلت قد اختصُّوا الآلهة المدمِّرة (كرمان) باسم (القويَّة) بدلالته الإيجابية، بينما أعطيت العرافة التي تغلبت عليها صفة المحتالة. هذا ما يحفزنا على محاولة التقرب من اسم (كرمان) من خلال اللغات المختلفة. تستوقفنا بداية كلمة Carmin الفرنسية بمعنى: حمرة قانية أو قرمزي تقابلها كلمة Carminio بالإيطالية وكلمة Carmine الإنجليزية بمعنى المادة الحمراء في دودة القز، كما أن كلمة Crimson في الإنجليزية تقابل كلمة القرمز في العربية. ولكن ما علاقة القرمز أو الحمرة أو دودة القز بالأسطورة؟ لعل كلمة Bachicoltore الإيطالية بمعنى قزاز أو مربِّي دورة القز تسهم في إعطائنا الجواب. فهذه التسمية تشبه اسم Bechuille التي نجحت في إلحاق الهزيمة بكرمان. فهل كانت بجويللي هي المرأة التي اكتشفت طريقة لاستثمار دودة القز في صنع شرانق الحرير بعد أن كانت هذه الدودة تعيث فساداً في النباتات؟ هذا احتمال لا نستطيع استبعاده، لكننا لا نستطيع تبنيِّه أيضاً بشكل نهائي. فماذا عن الاحتمالات الأخرى؟ هناك كلمة germ الإنجليزية بمعنى جرثومة، تقابلها germe بالإيطالية وgerme بالفرنسية. ومن المعاني الإضافية لهذه اللفظة البذرة والخلية الجرثومية، وهي تقابل (الجرام) بالعربية. فهل اعتقد السلت بوجود جرثومة غير مرئية وراء مظاهر الظلام والشر والعنف في الطبيعة؟ أو لنقل بشكل أبسط وراء الأمراض الوبائية؟ وهل تعلموا من بجويللي أن النظافة هي وسيلة مواجهتها. ولذلك جاءت كلمة bacile الإيطالية بمعنى: مغسل أو طشت basin الإنجليزية بنفس المعنى؟ أم أنهم وجدوا في الريحان (الحبق) basil في الإنجليزية وسيلة لمواجهة خطر الجرثومة المدمِّرة؟ هذا أيضاً احتمال، ولكنه ليس مؤكداً بالضرورة. هناك احتمال آخر يتمثل في كلمة Crime الإنجليزية بمعنى: جريمة، تقابلها crime بالفرنسية وcriminale بمعنى إجرامي في الإيطالية. وكلمة crime هي عين كلمة جريمة بالعربية، حيث الكاف مبدولة من الجيم كما نقول وشيج بمعنى وشيك أي قريب (1). وعندئذ، فإن اسم كَرْمان يعني: المجرمة بشكل مجرَّد، ويكون أبناؤها هم قطاع الطرق والقتلة واللصوص الذين يتسترون بالظلام لارتكاب الجرائم. ولكن بما أن مثل هذه الجرائم لا تزال قائمة في العالم، فإن السؤال هو حول الكيفية التي تغلبت بها العرافة بجويللي على هذه الجرائم؟ ورغم صعوبة الإجابة على هذا السؤال، فإن احتمال أن يكون اسم كرمان مشتقاً من كلمة الجريمة crime يظلُّ هو الأقوى. وهنا تستوقفنا في الواقع ظاهرة وجود مواقع عديدة متباعدة تحمل اسم كرمان أو تسميات يحتمل أن تكون مشتقة منه. غير أنه قبل استعراض هذه المواقع يجدر بنا أن ننبِّه إلى تداخل لفظي يخفي وراءه ازدواجية في المعنى. أي أن هذه التسميات قد لا تدلُّ بشكل مؤكد أو دائماً على الجريمة. فكلمة germano في اللغة الإيطالية تأتي بمعنى الأخ الشقيق، وكلمة germain الفرنسية تأتي بمعنى القريب ؟؟ أي من الدرجة الأولى. وبالتالي، فإن إطلاق السلت تسمية "الجرمان" على القبائل الألمانية قد يعني: الأخوة أو الأقارب وليس المجرمين. وقد ينطبق هذا أيضاً على إطلاق الساميين اسم "بيت جرماي" على كركوك في العراق، والتي كان الساسانيون قد أطلقوا عليها اسم "كرمكان". ودلالة الأخ أو القريب لم تأتِ من فراغ، طالما أن كلمة germ تعني البذرة أو الخلية التي يأتي منها الإفراخ والإنبات germination بالإنجليزية والفرنسية وgerminare بالإيطالية. وقد ميزت العربية بين (الجُرم) بمعنى الذنب وبين (الجرام) بمعنى النوى الذي يجيء منه الإنبات، وبالطبع فإن بذرة أو (جرام) كلِّ شيء تعطي نبتة من نوعها هي أختها أو ابنتها. بعد هذا التوضيح نستعرض بعض المواقع: 1 ـــ كرمان: إقليم واسع في جنوب شرق إيران. 2 ـــ كَرْمان: موقع شمال مدينة الفلُّوجة في العراق. 3 ـــ كفر كرمين: قرية تقع في منطقة جبل سمعان في سورية. وفيها أنقاض قديمة، وبالقرب منها طريق رومانية عرضها نحو ستة أمتار مرصوفة بقطع من الحجارة الضخمة، لا يزال سالماً منها إلى اليوم قسم يبلغ حوالي 1200 متر(2). 4 ـــ جرمانا: قرية بجوار دمشق. 5 ـــ وادي جرمايا: في أراضي قرية خسفين في الجولان. 6 ـــ جومنايا: في وادي خالد في لبنان. فإذا تجاوزنا (كرمان) إلى أبنائها، فماذا نجد؟ نقف أولاً عند السيد دُب Dub: الظلام. وقد اعتدنا في العربية أن نقول "دَبَّ الظلام". ترد كلمة dubu في السلتية بمعنى أسود black أو ظلام dark. لكن الكلمة السلتية التي تعني السواد blackness هي dubja. وهنا نلاحظ ببساطة أنها كلمة (دجى) العربية بعد أن أسقطت منها الباء، مما يرجح إنها كانت تنطق قديماً بصيغة (دُب جا) ربما بمعنى: جاء الظلام أي دبَّ. ثمة مقاربة أخرى لهذه الكلمة في السلتية والعربية والإنجليزية، تتمثل في إبدال حرف ا لباء بالميم. وهكذا وجدنا demi السليتة تقابل dim الإنجليزية، وهي عين كلمة (دامس) العربية، بمعنى: حالك، قاتم، مظلم. وهناك من يقابل كلمة dim الإنجليزية (demi) السلتية مع كلمة (عتم) العربية، حذفت منها العين لعدم وجودها في لغتهم وأبدلت الدال من التاء(3). وهكذا نجد كل الدروب تقودنا إلى الأصول العربية لكمة دُبْ dub السلتية. ولكن هذه الكلمة تطورت في العربية نفسها باتجاه معانٍ أخرى متعددة. ومن هنا نجد دَبَأَ دبئاً: سَكَن، ولعل الأصل هو سكون الليل. ودبأ فلاناً بالعصا: ضربه، ودبَّأَهُ: غطَّاهُ وواراهُ. وهذا ما يفعله الظلام. والدَّبة: الموضع الكثير الرمل. ومنه يقال: وقع فلان في دبَّة: في شدَّة(4). ودبَّ الشيءَ: أفناهُ(5). أي أسلمه للظلام الأبدي. والدبى: الجراد قبل أن يطير، أو أصغر ما يكون من الجراد. والنحل. ويقال جاءوا كالدَّبى: كثيرين(6). والمدبيّ والمدبوّ: المكان الذي أكل الجراد نباته(7). و"دبِّه" بالعامية السورية، فصحاها الدابَّة. وخصَّت بالفرس بينما تخصُّها العامة بالأتان أو الحمار. وقيل إنها تشمل كل الحيوانات التي تدبُّ على الأرض. مجازاً: الغبي الجاهل(8). وربما كان هذا المعنى الأخير أي الغباء والجهل هو ما قصدته أسطورة (كرمان) السلتية وليس الظلام في حَدِّ ذاته، لأن الظلام من مظاهر الطبيعة الثابتة أما الغباء والجهل الذي يكنَّى عنه بالظلام أيضاً فهو من صفات بعض الناس. قد يكون من الصعب التمييز بين تسميات اشتقت من كلمة dubu بمعنى الظلام وأخرى اشتقت من (الدُبّ) أو (الذئب)، وقد عرضنا للعديد منها في مواقع أخرى. لذلك سنكتفي هنا بعرضِ بعض التسميات التي يحتمل أن تكون لها صلة بكلمة dubu بمعنى: الظلام. 1 ـــ جبل دبيبة كفر مندة: ويقع في جبال الجليل الأدنى إلى الشمال الشرقي من قرية كفر مندة والجنوب الشرقي من قرية كوكب(9). 2 ـــ وادي دبيدب: في جنوب الأردن. 3 ـــ دبة حانوت: بلدة في جنوب الأردن. 4 ـــ الدباب: بلدة في جنوب الأردن. 5 ـــ دابية: بلدة في الجولان. 6 ـــ دَبَّا: بلدة تقعُ على خليج عمان وإلى الشمال من مسقط. وكانت سوقاً للعرب مشهورة يقصدها تجار الهند والسند والصين، ذكرت في أخبار العرب وأشعارهم. وكان فيها وقعة في حروب الردة عام 12هـ: 633م(10). 7 ـــ دُبَيّ: الإمارة والمدينة المشهورة في دولة الإمارات العربية. ولعل اسمها من "الدَبى" ـــ أي الجراد ـــ وقد ذكر البكري موضعاً باسم دُبِيّ (بضم أوله وكسر ثانيه وتخفيفه بالياء المشددة ـــ بأنه موضع واسع. ولم يذكر شيئاً يبيِّن موقعه. فإن صَحَّ بأنَّ موضعه كان في مكان دبيّ الحالية فتكون هذه المدينة من المدن القديمة في هذا الجزء من الجزيرة العربية(11). وأيَّاً كان الأصل في تسمية "دبي" فقد تحوَّلت خلال العقود الأخيرة من الزمن إلى مدينة للأنوار. ولتنتقل الآن إلى ثاني أبناء (كرمان) المدعو (دوثر Dother) بمعنى: الشر. ونحن نعرف أنه في العربية: دُثَرَ الشيءُ دثوراً: قدم ودرس. ويقال دثر المنزل: بلي وتهدَّم، والثوب: اتسخ، والسيف ونحوه: صدئ لبعد عهده بالصقل. ويقالُ: دثر القلب: غفل ودثرت النفس كذلك. وفي الحديث "إن القلب يدثر كما يدثر السيف". وفلانٌ: كَبُرَ وأسنَّ(12). وهذه المعاني تدلُّ على فساد الأشياء مما هو شر، أو حتى موتها. ومن الممكن أن تكون لكلمة Dother السلتية صلة بكلمة Dito السلتية التي تعني الموت Death. فتكون عندئذ مطابقة للعربية (دَثَرَ). ولكن من المحتمل أيضاً أن يكون إبدالاً لحرف الشين بحرف الثاء. أي أن تكون الكلمة التي نحن إزاءها هي (دوشر). ومن الممكن عندئذ أن تكون بمعنى: ذي شر مما يطابق معنى الشر، أو أن تكون من المصدر (دشر). ودشر الشيءُ: صار مسَّيباً لا راعي له فهو "دَشْر" على الوصف بالمصدر. ودشرت المرأة: ركبت الهوى نفسها إذا لم يكن لها معارض. ودشَّرَ الشيءَ: تركه، تخلَّى عنه. والمرأة: هجرها أو طلقها. والفرس: أطلقه يرعى حيث شاء. والأسير: خلَّى سبيله. وكل هذه المادة مأخوذة من اصطلاح المولدين. وفي رأي بعضهم أنها مأخوذة من دشت الفارسية بمعنى مكشوف غير مستور الجوانب. دشر: خرج من مدينة للتنزه من التركية Deuchareu في الخارج. دشر الشخص: أطلق العنان لشهواته من داشرْمه: طائش. أو خالع العذار (ولد) لا حارس له (مال) وهي تركية Devchirme نوع جيش غير نظامي عند الأتراك القدماء(13). وهذه المعاني أيضاً تدخل في نطاق الفساد أكثر مما تدخل في نطاق الشر. عندئذ هناك احتمال ثالث يتمثل في العربية (دغر) مقابل الإنجليزية Dagger. والكلمة الإنجليزية تعني: خنجر كما تعني الصدر المملوء حقداً وفساداً (أي شراً). وكلمة دغر في العربية تعني هجم ودفع. والداغر هو الخبيث المفسد أو اللئيم سَيِّئ الخلق(14). أي الشرير. وفي العامية السورية: دِغِرْ: حقود، فظ الأخلاق. ودغر الرجل: ساء خلقه(15). وهكذا نلاحظ تعدَّد الألفاظ التي يمكن أن تؤدي معنى Dother (الشر) بالعربية بعد افتراقها في اتجاهات عِدَّة. وقد احتفظت دوثر بجوار قصير حمص بهذه التسمية الغريبة حتى الآن. ونأتي إلى الابن الثالث للمدمرة أو المجرمة كرْمان وهو Dian. ونرجح أن حرف الـــ D في هذه التسمية مبدول من الضاد و ليس دالاً. وهو عندئذ (ضيان) أو (الضَنَا) بمعنى (الضنك) أيضاً، وهو نتاج العنف. ونعتقد أن (سير الضنيّة) في لبنان قد أخذت اسمها من هذا المصدر وكذلك جرود الضنية. وبالمحصلة يبدو لنا أن أسطورة (كرمان) إنما تعود إلى الوطن القديم، وأن مسرح هذه الأسطورة يتواجد حول بلدة جرمنايا في الهرمل باتجاه الشرق والغرب والشمال، مما يرجِّح وجود أصول تاريخية للأسطورة تتمثل في تحالف بلدات جرمنايا ودبين ودوثر وسير الضنية في اقتتال مع قبيلة سلتية كان مسرح وجودها مجاوراً لهذه المواقع. ووجود هذه البلدات في مواقع متقاربة وفي منطقة محدَّدة يجعل من الأسطورة الايرلندية السلتية صدىً لوقائع شهرتها هذه المنطقة، وإلاَّ كيف نشأت هذه التسميات؟ وكيف اجتمعت في منطقة معيَّنة؟ ولكن اكتشاف موقع (بشويللي) من شأنه أن يجبرنا على فتح الملف من جديد. فـ(بشيلي) قرية الصحفي الصديق مفيد خنسة ترقد على جبل في قضاء جبلة بمحافظة اللاذقية. وواضح أنها لا تحمل اسم العرافة بشويللي. هوامش: (1) د. سليمان أبو غوش، عشرة آلاف كلمة إنجليزية من أصل عربي، ص 236. (2) هنري عبودي، معجم المصطلحات السامية، ص 718. (3) د. سليمان أبو غوش، م. س، ص 253. (4) المعجم الوسيط، ص 268. (5) ياسين عبد الرحيم، موسوعة العامية السورية، ص 569. (6) المعجم الوسيط، ص 271. (7) ياسين عبد الرحيم، م.س، ص 569. (8) المصدر نفسه، ص 565. (8) آمنة أبو حجر، موسوعة المدن والقرى الفلسطينية، ص 38. (10) مصطفى مراد الدباغ، الجزيرة العربية جـــ 2، ص 121. (11) المصدر نفسه، ص 171. (12) المعجم الوسيط، ص 271. (13) ياسين عبد الرحيم، م.س، ص 581. (14) د. سليمان أبو غوش، م.س، ص 243. (15) ياسين عبد الرحيم، م.س، 585. |
|
| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |