مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العددان 418 شباط 2006
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

مسائل حيوية في كتاب (تنظيم أسرة أم تحديد نسل) ـــ محمّد قرانيا

صدر كتاب "تنظيم أسرة أم تحديد نسل" للدكتور عبد اللطيف ياسين قصاب" في جزأين في دمشق عام 2005 والكتاب يُعدّ لوناً فريداً في فنه, لاشتماله على قضايا متعددة المشارب, تعيد إلى الأذهان منهج القدماء في التأليف, حيث الاستطراد يغلب على التصانيف الدبية والعلمية, كما في بخلاء الجاحظ وحيوانه.‏

ينطلق الكتاب من رؤية عامة قوامها الخلل الكبير في الواقع الذي سهّل على المتغيرات الوافدة أن تتسرب إلى المجتمعات النامية, فمن مظاهر الثقافة الوافدة انتشار ثقافة الابتذال في المظهر والعلاقات العاطفية والقيم والتربية والمحفزات العاطفية التي تثير الغرائز الجنسية, التي لا تجد لها إشباعاً بالأساليب السوية الصحيحة.‏

وفي المظهر والسلوك أصاب الحياة تغييرٌ جذري, فارتدت النساء الثياب التي تكشف وتشفّ أكثر مما تستر وتخفي, واقتفى الزيُّ النسوي العربي أثرَ نساء الغرب, وتجاهلت نساؤه أزياء الشرق ذات الأشكال السحرية الأسطورية, وانجذبن لقيم الغرب الجمالية (الحداثية) مما أدى إلى غربة الأجساد عن مخيلتها.‏

وفي العلاقة الإنسانية والعاطفية, تضخّمت الحياة الثقافية المتشظية في الغرب, وباتت ترسل شراراتها إلى الشرق, فتلقي أسئلتها المؤرقة على المثقفين عن مستقبل الحياة في ظل العولمة, وأثرها على القيمة والمعنى والوسط والمجال, وقيمة الحب ومعاني الحياة والعلم والعمل والسياسة والاقتصاد والأخلاق, وكأن البشرية وصلت إلى نهاية التاريخ والحضارة, أو أنها بداية جديدة, وتاريخ جديد لحضارة جديدة تقوم على معطيات غرائبية غير مألوفة!.‏

يتجوَّل قارىء الكتاب في نزهة ممتعة بين التاريخ والجغرافيا والأدب والعلم وتلوّث البيئة والاقتصاد والسياسية والشذوذ الجنسي, وقد افتتح الجزء الأول من الكتاب بمقدمة ضافية أتى فيها على غزو الإسكندر المكدوني للشرق العربي والإسلامي, ثم الغزو الروماني, كما أتى على ظهور الإسلام في الجزيرة العربية وانتشار رسالته السامية في التوحيد, ثم كانت الحروب الصليبية التي حاولت القضاء على الحضارة العربية الإسلامية, فاقترف الصليبيون من الجرائم ما يندى لـه الجبين, وينقل المؤلف عدداً من الشواهد الموثّقة التي كتبها باحثون أجانب حول همجية تلك الحرب, ثم يتدرّج في الحديث عن التاريخ, فيكتب عن حضارة العرب في الأندلس, وتكالب أوربا عليها, وينتهي من هذه المقدمة التاريخية إلى الأوضاع العربية الراهنة.‏

ثم يأتي في المبحث الثاني على موضوع الكتاب, فيتناول المشكلة السكانية العالمية والعربية التي لا تكمن في تحديد النسل وحده, وإنما في تنظيم الأسرة وفق أسس علمية يسردها بالتفصيل ويدرس ثلاثة احتمالات للمسألة تتلخص في:‏

1 ـــ منع الحمل.‏

2 ـــ ترك الحمول المتتالية يتبع بعضها بعضاً.‏

3 ـــ تنظيم الولادات مع ترك فواصل بين حمل وآخر.‏

ويقف المؤلف على آراء كبار العلماء والفقهاء في تحديد النسل, يمكن أن نذكر رأيين إسلاميين منها, الأول لشيخ الجامع الأزهر "محمد سيد طنطاوي" والثاني "للبابا آشنودة" بابا الإسكندرية, يقول الأول "إن تنظيم الأسرة لا يعني المنع أو التعقيم أو الإجهاض, لأنه محرّم إلاّ إذا كانت هناك ضرورة يقررها الأطباء, وشدد على أن الشرع والعقل لا يمنعان التنظيم, وهذا ما أشار إليه القرآن الكريم عندما حدّد مرور سنتين للرضاعة, وهو ما يعتبر إشارة واضحة للتنظيم.‏

أما البابا أشنودة فقد أكد على أن الكنيسة توافق على تنظيم الأسرة, وعلى الوسائل التي تستخدمها وزارة الصحة والسكان في هذا الشأن, باعتبارها لا تتعارض مع الدين في شيء, وأن الكنيسة لا تريد كثرة البنين بقدر ما تريد حسن تربيتهم وضمان مستقبلهم وصحة‏

الأم والجنين.‏

ويعرّج المؤلف على آراء القدامى في تحديد النسل, فيقف على الآراء الخمسة في (العزل) لحجة الإسلام الإمام الغزالي, والتي تحفظ للمرأة جمالها, وتقلل الخوف من الحرج بكثرة الأولاد, والخوف من ذرية البنات.. وقد ردّ الغزالي على من عارض رأيه بالحديث النبوي الذي يصف العزل بالوأد "ذلك الوأد الخفي" معللاً معارضته بأن الوأد لا يكون إلاّ إذا مرّ الجنين بالأطوار التي يصبح فيها ولداً, ما لم يكن يتكوّن فليس منهي منه.‏

ثم ينتقل المؤلف بعد ذلك إلى ظاهرة التزايد السكاني, فيرى أنها عنصر حاسم في الصراع الوجودي بين اليهود والفلسطينيين, ويؤيّد ذلك بعدد من الوثاق والشهادات, فالبروفسور أرنون سوفير, خبير الجغرافية والديموغرافية, يرى أن "الرحم الفلسطيني ستقضي على إسرائيل" وأن رحم المرأة الفلسطينية واليهودية أصبحا عنصراً حاسماً في الصراع الوجودي المرير بين اليهود والفلسطينيين, ويعلّق المؤلف على ذلك متسائلاً: "وإني أتساءل في زمن الطوفان هذا, ما الفرق بين رحم المرأة الفلسطينية أو العراقية أو العربية بشكل عام وبين رحم المرأة اليهودية؟. وهل الهدف من تحديد نسل الفلسطينيين, ومن ثم تحديد نسل العرب جميعاً وبطرق مختلفة ـــ هو تحقيق أمل وأحلام الصهيونية وأمريكا, وكل حاقد على العرب والإسلام, وهل ننتظر نحن العرب والمسلمون النائمون مشروع الشرق الأوسط الكبير, حتى يتمّ سحق قوميتنا وعروبتنا وتراثنا وديننا؟!‏

لقد تنبأ عالم الديموجرافيا اليهودي المعروف البورفيسور أرنون سوفير من جامعة حيفا, في كتابه الشهير "إسرائيل: ديموجرافيا 2000 ـــ 2020 مخاطر واحتمالات" بأن اليهود سيصبحون أقلية في المنطقة الواقعة بين الأردن والبحر المتوسط, وبالتالي فإن الطابع اليهودي للدولة الإسرائيلية مهدد بالزوال".‏

إن آراء سوفير دقت ناقوس الخطر في المجتمع اليهودي, وقد رأى أن الحل من وجهة نظره يكمن في انفصال إسرائيل السريع عن المناطق الفلسطينية, وإلاّ فإن النتيجة ستكون اختفاء الكيان الصيهوني عن الخريطة خلال سنوات!" ص120 ـــ 122.‏

إن المؤلف في انسياقه وراء الاستطراد يجد نفسه وهو يعرض لهذه المسألة مدفوعاً نحو القضية المصيرية في الصراع العربي الصهيوني, فيأتي على كثير من أشكال الصراع, والممارسات الصهيونية الدموية, ويتحدث عن انسحاب الجيش الإسرائيلي من غزة, وعلاقة السلطة الفلسطينية بالفصائل المسلحة, ودعوة (شارون) يهودَ العالم للهجرة إلى فلسطين المحتلة..‏

ثم يبحث المؤلف في البيئة والتنمية والأمن في الإسلام, فيستعرض عدداً من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي تحض على الحفاظ على سلامة البيئة ونظافتها, وتشجير الأرض ورعايتها وعمارة الكون, لأن مصطلح (العمارة) في الإسلام يشتمل على عمارة الأرض‏

(التنمية الاقتصادية) وعمارة البلاد (التنمية الشاملة) مصداقاً لقوله تعالى: (هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها( وأن نعمة الأمن هي مفتاح الاستقرار والاطمئنان والسكينة والرخاء.‏

ثم يتحدّث المؤلف عن (الجوع) ويتوقف أمام رقم (840) مليون جائع من سكان الأرض بسبب زيادة عدد السكان والتخلف والأحوال المناخية, وفي الوجه المقابل للجوع هناك الترف والبطر, الذي ينتقل إليه نقلة حيوية نوعية, فيعرض للشذوذ الجنسي والمثلية, وزواج المثلين, وعيد الشواذ الذي حضره بنفسه في مدينة مانشستر في بريطانيا, ورأى فيه بعينيه رجالاً مع رجال ونساء مع نساء, يُظهر الجميع انحرافهم على الملأ بكل تحدّ وثقة بالنفس, لا يخجلون من شذوذهم, ولا يخفونه عن الأنظار, ويصف مشاعره تجاه ذلك فيقول: "واشمأزت نفسي بشكل خاص عندما فتاة بلباس غريب ملفت للنظر تُقبّل صديقتَها قبلات حارة متكررة, ورجلاً يحضن صديقه الذي يلبس لباس أنثى مستعملاً أحمر الشفاه والمسكارا".‏

إن هذه المسألة الحيوية تثير الانتباه إلى أن الإباحية من وجهة نظر غربية, نمط يقوم على الألفة فقط, أي نوع من أنواع التجريب والتنويع في العلاقة التي تسمح بعدم الإخلاص أو الشراكة. وإذا كانت ثمة شراكة فإنها تقوم على مفهوم الاختلاف والتعدد والتجريب (السادية/ المازوخية ـــ والمعاشرة المثلية الجنسية) وهو من الأنماط السائدة والقوية في الغرب المعاصر, وهذا النمط الغربي الذي لا يعترف بشرف أو عِرض, لا يناسب وحدة العائلة العربية وإنجاب الأطفال, وإنما يدعو إلى (حضرنة الشذوذ) وإلى جنس بلا حب, يقوم على الرغبة والشهوة, لاعتقادهم بأن الحب الحقيقي لم يعد موجوداً, وأن الجنس الخالص سوف يصبح في المستقبل أكثر احترافاً وتجارة, كجنس بلا أثر من علاقات إنسانية. وإن حالات (البورنو) و(الإيروس) وما إلى ذلك ستكون اعتيادية أكثر فأكثر, وبالتوازي مع ذلك ستجري (ألكترنة الجنس) بمعنى ممارسة الجنس عبر الأجهزة الإلكترونية (التلفاز والحاسوب) والهاتف المحمول وغيرها. حيث يقوم هذا النمط من العلاقة على الولع الجسدي البحت, اللاعقلاني, واللانفساني, ومناطُه وغايته النشوة القصوى.‏

وينتهي الجزء الأول من الكتاب ببحث سياسي مستفيض بعنوان (درس شافيز للعالم في زمن الطوفان والغطرسة الأمريكية) يميّز فيه المؤلف بين الإرهاب والمقاومة المشروعة للاحتلال, مؤيداً المقاومة, وضارباً المثل بالنبي العربي محمد (() الذي دافع عن أرضه من أجل المشروع الإنساني الذي حمله, ويذكر المؤلف البطل يوسف العظمة في مقاومته طلائع جيش الاحتلال الفرنسي لسورية, ويدافع الكتاب عن جميع المقاومين الشرفاء في العالم الذين لم يرتضوا العبودية لأوطانهم؛ من العرب في فلسطين والعراق, وغير العرب كالفيتناميين والأنغوليين, وينتهي إلى نتيجة طبيعية منطقية, تسوّغ للمقاوم الوطني الاستشهاد بأن يفجّر نفسه دفاعاً عن أهله وثروات وطنه المحتل, ويرى أن الشهادة عمل مشروع أقرّته جميع الشرائع السماوية والمواثيق والعهود البشرية, حين يواجه أبناءُ الوطن المحتل أكثرَ شعوب الأرض همجية وإجراماً. ويستغرب الكاتب عندما يرى العالم يقف من حول المقاومة ضعيفاً تابعاً, متفرجاً على سيادة شريعة الغاب, أو في كثير من الأحيان مشاركاً في تضييق الخناق على المقاوم الوطني.‏

ويدين المؤلف بعض المواقف التي درجت في تقييمها للأنشطة المقاومة على اعتماد معايير غير موضوعية يتم من خلالها تصنيف هذه المقاومة على اختلاف أنواعها وفق الاتجاهات الفكرية والسياسية الغربية التي تقرّبها أو تبعدها من الفكر العربي الإسلامي من ناحية, في الوقت الذي تحدد فيه مواقعها التوافقية أو التعارضية من الغرب من ناحية أخرى.‏

ولا تستثنى هذه الطريقة من أحكامها الضدية المسبقة, المقاومة الوطنية المشروعة, فقد أصبح بعض الساسة خاضعين في تنظيرهم إلى هذه الطريقة من التقييم التي يجري عن طريقها التنديد والإدانة, وإغلاق نوافذ الإعلام والترجمة والطرق المؤدية إلى الحقيقة أمام المقاومة الوطنية المشروعة.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244