مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العددان 418 شباط 2006
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

تل النصر يواسي عمريت ـــ د.شاكر مطلق

عجيب والله أمر تلك الشعوب الموغلة في القدم وفي الحضارة مثل (مجتمعنا العربي) التي تنسى أو تتناسى أن مثل هذا الانتماء ملزم لنا على الأقل بأن نسعى إلى أن نستلهم ونحافظ على هذا الإرث العظيم، إن لم نستطيع إعادة تحقيقه وبعثه من جديد اليوم.‏

عجيب والله مرة أخرى أن نعيش في وطن يرفع شعارات الأمة الواحدة والحفاظ على التراث... الخ. وفي الوقت عينه يسيء في بعض الأحيان إلى مثل هذه المفاهيم النبيلة. وهل يعقل مثلاً أن يتحول "تل النصر" إلى مكب للقمامة ثم إلى مقبرة للمسلمين في الوقت الذي سمي فيه هذا التل بهذا الاسم لكي يوصل إلينا نحن الأحفاد ما جرى قبل بضعة قرون في هذا الموقع من انتصار للأمة على فلول المغول الذين غزوا أرضنا وعاثوا فيها فساداً واندحروا وتواروا مثل غيرهم من غزاة العصر القديم وغيرهم من غزاة العصر الحديث الذي ستطردهم وتلفظهم هذه الأرض إلى غير رجعة ذات يوم..‏

بتاريخ 12/ 7/ 2005 حضرنا ندوةة في رابطة الخريجين الجامعيين أقامتها بالتعاون مع جمعية العاديات فرع حمص والجمعية التاريخية ومن تطوع لإنقاذ "عمريت" مما سبق ولحق بتل النصر الحمصي من تجاوزات وأذى، غير أنه هنا في موقع "عمريت" يؤدي بسبب المنشآت العديدة الأثرية والفريدة أيضاً إلى ضرر أعظم وأوسع.‏

"عمريت" مدينة فينيقية قديمة يرقى تاريخها إلى الألف الثالث ق.م. تقع على الساحل السوري في مقابلة جزيرة أرواد المملكة القديمة وعلى بعد قليل إلى الجنوب من طرطوس الحالية، بين نهر مراقيس شمالاً ونهر قبلة جنوباً وهي بخلاف غيرها من المدن القديمة لم تتعرض بعد هلاكها لبناء فوقها وتخريب معالمها القديمة وبذلك حافظت على شكلها القديم، وهي تضم المعبد الفينيقي الوحيد المتبقي في العالم المكرس لعبادة الإله "ملقارت" ـــ إله الصحة ـــ رؤوس أسود تحيط بها، كما أنها تضم ملعباً رياضياً يحتوي على سبعة صفوف من الأدراج الحجرية المحفورة في الصخر التي تستوعب حوالي عشرة آلاف متفرج. والملعب حسب أبحاث حديثة أذكر منها عملاً أكاديمياً وربما كان رسالة دكتوراه قدمت في ألمانيا الغربية ـــ يعود إلى زمن أقدم من ملعب أولومبيا الشهير في بلاد الإغريق وهو مبنى على شكل حذوة حصان بأبعاد (230 × 7،29) متر، ويقع على مقربة من المعبد وكانت المدينة يومها تضم حوالي 60 ألف نسمة، والمدينة كما ذكرنا فينيقية بحتة تكاد تخلو من الكتابات اليونانية أو الرومانية كما ذكر البحاثة الفرنسي "إرنست بابلون".‏

لقد أعطت عمريت اسمها لـــ "ماراتون" حيث الألعاب الأولمبية الشهيرة في العصر القديم تجري على مقربة من نبع "مكاريا" ـــ النبع المبارك ـ، تلك الألعاب التي ورد ذكرها عند شاعر اليونان القديم "بنداروس" ـــ القرن الخامس ق.م. تحت اسم ألعاب هيراقليس ـــ ملقارت، بينما نبع عمريت الذي كان يفيض في كل ربيع ويملأ البركة المقدسة قد توقف وغار الآن للأسف وقد أجريت فيه تنقيبات أثرية على عمق سبعة أمتار كشفت عن آثار تعود بتاريخها إلى 2150 ـــ 2000 ق.م. كما ذكر المهندس علي السوريتي من جمعية عاديات طرطوس، كما تم الكشف على آثار بناء فينيقي نادر منحوت من حجر واحد بأبعاد (30 × 16م).‏

كما أشار الباحث الأستاذ ملاطيوس جغنون في الندوة فإن مصادر عمريت التاريخية قليلة جداً وقال أن د. فيليب حتى أورد أن اسم عمريت قديم ورد ذكره في أربعة عشر موقعاً فينيقياً في مصر، والاسم سامي شرقي قديم يعني مدينة التمر أو النخيل، كما أن ذكرها ورد في معبد الكرنك الشهير ضمن الحديث عن حملة الفرعون تحوتمس الثالث (1504 ـــ 1450ق.م). في شمالي فينيقية. في حوليات ملوك أشور ورد ذكرها تحت اسم عمورو ـــ ويقول المهندس الأستاذ جغنون أنه اسم أرامي غريب، وترد أيضاً تحت ذكر /عمر/ تو/ أي (المعمورة من الأرض)، كما ورد ذكرها ضمن الحديث عن مملكة أرواد التي اتخذت ضمن المرحلة الإغريقية اسماً يونانياً عند المؤرخ الإغريقي أريانوس، وهو على ما أذكر ابن أخ أو أخت "أرسطو" معلم الإسكندر الثاني "الكبير" الذي أرخ لـه في غزواته للشرق والذي للأسف قتله في ثورة غضب ـــ ناجمة عن سكره الشديد كما أعلم ـــ في بابل حيث قضى هو أيضاً نحبه هناك.‏

عرفت عمريت قمة ازدهارها في، القرنين الثاني والثالث قبل الميلاد وكانت مدينة تضرب العملة النحاسية فيها قبل أن يدمرها حوالي العام 148 ق.م. الملك السلوقي الإسكندر بالأس 150 ـــ 145، كان لعمريت مرفأ مزدهر وهي مدينة تجارية بالأصل عثر فيه على أعمدة كورونثية الشكل حديثة نسبياً نحتت في بيزنطة وعثر فيه على آثار حمام وفسيفساء ونبع يسمي نبع الحياة تابع لمعبد مكرس لعبادة إله الشمس، كما تضم عمريت عدداً من المقابر البرجية التي تضم تأثيرات بنائية مختلفة من فارسية وآشورية الخ.. التي ذكر منه الباحث "إيرنستِ رينان" في العام 1860 ثمانية عشرة برجاً لم يبقَ منها اليوم إلا ثلاثة أبراج فقط، كنت قد وثقتها بالصورة منذ حوالي ثلاثة قرون وتختلف الصورة ـــ للأسف ـــ عما هي عليه اليوم بشكل كبير، وليس مرد ذلك إلى عوامل الطبيعة فحسب وإنما أيضاً إلى تخريب من يد الإنسان الجاهل الذي وصل به الجهل ليس إلى تخريب العديد من القبور ذات النواقيس الجصية المكسرة في موقع "مقابر عازار" فحسب وإنما أيضاً إلى تحويل الموقع إلى مكب للقمامة وعمل الجرافات المخرب فيه، الأمر الذي توقف الآن حسب ما سمعت بعد أن تم إنشاء مبان لمركز بحوث المعهد الزراعي هناك في مخالفة واضحة للمادة 25 من قانون الآثار وبعد أن علمنا عن طرح هذا الموقع الفريد في سوق الاستثمار السياحي الأمر الذي سيؤدي في حالة حصوله إلى تخريب ما تبقى في هذه المدينة الفينيقية الفريدة، المسجلة في لوائح اليونيسكو ضمن مئة موقع أثري مهدد بالزوال عالمياً، وهذا لعمري شأن خطير ومخيف أن نترك الجهلة يتعاملون بمثل هذا الإهمال مع إرث الوطن والأمة ويدعو الجميع إلى المساهمة في حملة أطلقت تحت اسم "أنقذوا عمريت" التي تتوجه إلى كل مواطن لدعمها والتي أقامت بجهود فردية متواضعة موقعاً لها على الشبكة العنكبوتية تحت عنوان) www. Amrit Syria . com (، حبذا لو يزار ويدعم.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244