مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العددان 418 شباط 2006
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

الحياة والموت ـــ سلام مراد

بينت العقائد في بلاد الرافدين من خلال النصوص التي وصلتنا، أن الخلود ميزة اختصت بها الآلهة في حين أن أيام البشر معدودة.‏

وقد ورد ذلك في ملحمة كلكامش، وهو يخاطب صديقه انكيدو؛‏

"من يا صديقي علا (حتى) السماوات‏

الآلهة فقط مع الشمس للأبد يمكثون‏

البشرية هي معدودة أيامها‏

أياً ما يفعلونه باستمرار مجرد هواء".‏

يصل د نائل حنون في كتابه الحياة والموت في بلاد الرافدين، إلى استنتاج هو أن مبعث الاعتقاد بخلود الآلهة يتمثل في أنهم اعتبروا مسئولين عن إدارة الكون بجميع ظواهره المعقدة التي تفوق، في تعقيدها، طبيعة الحياة البشرية البسيطة في مظهرها. ومن هنا فلا بد أن يتفوق الآلهة على البشر بقدراتهم وخلودهم.وبغير ذلك فإن الكون يصبح عرضة للفوضى والدمار فيما إذا تعرضوا للموت، وهو أمر لا يستساغ حدوثه بالنسبة لمعتقدات السكان القدماء.‏

ولكن هذا الاعتقاد بخلود الآلهة يتناقض ظاهرياً مع الاعتقاد بما حصل لبعض الآلهة من قتل ونسخ في الحوادث التي رافقت بعض أعمال التكوين والخلق.‏

ثم إن إضفاء صفة التشبيه على الآلهة في المعتقدات القديمة، تلك الصفة التي تجعلهم مشابهين للبشر في احتياجاتهم وتصرفاتهم وحتى في هيئاتهم، قاد إلى التصور بإقدامهم على ما يقدم عليه البشر أيضاً من اقتتال وحرب وأخطاء قاتلة، وهذا ما كان يعرضهم بالتالي‏

لمخاطر الموت.‏

وفي هذا وذاك ما يؤدي إلى نتيجة تبدو متناقضة بصفة الخلود التي تميز الآلهة، كما بين الدكتور حنون المفهوم العام للموت في العقائد القديمة والاختلاف في دلالة هذا المفهوم بين موت البشر وموت الآلهة، فقد كان سكان الرافدين القدماء يعتقدون أن الإنسان ثنائي التكوين، أي أنه ذو كيانين، مادي هو الجسد وأثيري وهو الروح، وهم في ذلك يقتربون من عقائد الديانات التوحيدية الكبرى ومع جل المعتقدات في عصرنا الحديث، ويشتركون مع هذه الديانات أيضاً في الاعتقاد بأن الكيان المادي من الإنسان يفنى والكيان الأثيري يبقى بعد موت الجسد، فالكيانان، أي الجسد والروح متلازمان طوال حياة الإنسان ولكنهما ينفصلان بالموت فيبلى الجسد وتبقى الروح أي أن مفهوم الموت هو انفصال الروح عن الجسد.‏

أما الآلهة فقد كانوا، بحسب المعتقدات القديمة كيانات أحادية التكوين اندمج فيها الكيان المادي والأثيري، وهذا يعني أنه لا يوجد في حالة الآلهة، انفصال ما بين الجسد المادي والروح الأثيرية، أي أنهم لا يواجهون الموت الذي يواجهه البشر بانفصال أرواحهم عن أجسادهم، وبهذا تجاوزت حضارة بلاد الرافدين القديمة ذلك التناقض فيما بين مبدأ خلود الآلهة ومبدأ تشبههم بالبشر في التعرض للموت، إذا أضحى الموت، بالنسبة للآهلة مقتصراً في معناه على انتقالهم من حالة إلى أخرى، أو من موضع كوني إلى آخر، أو مجرد اختفائهم لوقت محدد وظهورهم ثانية بعد اختفائهم.‏

ملحمة الخلق‏

وي ـــ ايلا: يرد في مقدمة ملحمة اترا ـــ خاسس الأسطورية أنه لما عزم الآلهة على خلق الإنسان أشار عليهم (ايا) أن يضحوا بإله واحد ويذبحونه لتمزج الآلهة ـــ الأم ـــ ننخرساك لحمه ودمه بالطين الذي يعد لخلق الإنسان، وبهذا يمتزج شيء من الآلهة مع تكوين الإنسان، وحين يقرر الآلهة تنفيذ مشورة (ايا) فإنهم يختارون (دي ايلا)، الذي يصفه النص القديم بأنه (الإله ذي المشورة)، ويذبحونه لكي يخلق الإنسان من الطين الممزوج بلحمه ودمه كما أشار (ايا).‏

الانتقال إلى مجمع آلهة العالم السفلي.‏

إن الآلهة في ديانة بلاد الرافدين القديمة كانوا مقسمين إلى مجتمعين، مجمع آلهة السماء وفيه الآلهة الرئيسيون، ومجمع آلهة العالم السفلي، ولم يكن هناك مجمع لآلهة الأرض التي خصصت لسكنى البشر.‏

كان وجود الآلهة وقيامهم بمسؤولياتهم موضوعاً لأساطير عدة، اكتشف عدد منها وقد يكتشف عدد آخر مستقبلاً، فقد أصبح عدد من الآلهة في مجمع العالم السفلي موضوعاً لأساطير تروي قصصاً تشترك في أن أولئك الآهلة كانوا أصلاً من آلهة السماء، ولكنها تختلف في تحديد السبب والكيفية التي انتقل فيها كل واحد منهم إلى مجمع آلهة العالم السفلي.‏

بينت الأساطير القديمة انتقال بعض الآلهة إلى العالم السفلي وكيف اعتبر هذا الانتقال (موتاً) في تلك الأساطير، ويرى د. حنون أنه لا يصح أن نأخذ هذا الانتقال بشكل حرفي ونعتبره (موتاً) طالماً هم مستمرون في الوجود، بحسب الفكر الأسطوري القديم، ويمارسون مسؤولياتهم من مراكز محددة في الديانة القديمة.‏

الكتاب: الحياة والموت.في حضارة بلاد الرافدين القديمة.‏

الكاتب: د. نائل حنون.‏

الناشر: دار الخريف للنشر والتوزيع . دمشق 2005.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244