مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 430 شباط 2007
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

التراث النقدي العربي في رؤاه الحديثة (الشعر منطلقاً) ـــ د.وليد مشوح

المدخل:‏

ترك لنا النقدة العرب كماً لا بأس به من الموروث النقدي الذي شكّل تراثاً نقدياً وقف عليه النقاد الذين تلوهم في العصر الذي جاء بعدهم.‏

فللعصر الجاهلي نقاده، ولعصر صدر الإسلام نقاده، وللعصور التي تلتهما نقّادها، وقد شكلت الحركة النقدية التراثية أرضية صلبة قامت عليها الحركة النقدية الحديثة الممتدة من عصر النهضة إلى زمننا المعيش هذا.‏

أما إذا نظرنا إلى السويات النقدية، وبنيات المذاهب النقدية، فسنتلمس تطوراً طبيعياً لحركة النقد القديم الذي بدأ منطلقاً من الذائقة الشخصية المعتمدة على معرفة الناقد بلهجات العرب وحراكهم الاجتماعي، وانتقل إلى التركيز على اللغة كمحرك رئيس لخلق النص، بلهجات العرب وحراكهم الاجتماعي، تلاه الوقوف عند الصورة، ثم وحدة البيت، ووحدة القصيدة، ليصل إلى قمته في اجتباء مواطن الجمال من بلاغة المعنى؛ وبديع التركيب اللغوي.‏

واللافت في الأمر، توجه النقد نحو الشعر، وربما تناول بلاغة الخطابة، وجمالية المثل السائر، وفن الإلقاء، وطلاوة الطرفة، لكن المهم في الأمر أن النقد العربي في عصوره الغابرة انصب على الشعر الذي اعتبر (من قبل المشتغلين في النقد) من عطاءات الإبداع العربي قبولاً وتداولاً.‏

إن المتابع لتأريخ النقد عند العرب؛ سيجد أن النقد (نقد الشعر) بدأ على أيدي الشعراء الكبار، وكان نتيجة حكومة الشعراء الكبار على الشعراء الوافدين إلى أسواق الشعر، أو المنتظرين أمام قباب الأدم لإلقاء قصائدهم، والاستماع إلى حكم الفحول في نصوصهم وعندما انتهت مرحلة الأحكام الشفاهية التي نقلها الروّاد من النقاد الشعراء، انكب الناقدون على تسجيل انطباعاتهم وآرائهم النقدية ووضعها في مكتبات أولي الأمر القائمين على الحكم أو ولاتهم، أو ظلت أمانة عند أصدقائهم أو مريديهم، وقد وجد اللاحقون كثيراً من المخطوطات التي عنيت بنقد الشعر خاصة، فانكبوا بدورهم على تحقيقها وإصدارها في كتب وضعت بتصرف الدارسين والنقاد، وكانت المنطلق الذي قامت عليه الحركة النقدية العربية أواخر القرن التاسع عشر، وبداية القرن العشرين.‏

وإذا كان لابدّ من اختيار النماذج التي تمثل الحركة النقدية التراثية؛ نرى في القائمة التالية، تمثيلاً حقيقياً لحركة نقد الشعر التي قامت على ذائقة الناقد الذي صنّف الشعر على أساس المقدرة الإنشائية واللغوية في صياغة النص الشعري مع الأخذ بعين الاعتبار انتشار شعر الشاعر على ألسنة الناس، وربما أثرت مكانته القبلية، أو الاجتماعية على تصنيفه الأدبي، ويمثل هذا المنحى النقدي كل من:‏

ابن سلام الجمحي في كتابه (طبقات فحول الشعراء)(1)، والأصمعي، في كتابه (فحول الشعراء)(2)، وابن قتيبة الدينوري في كتابه (الشعر والشعراء)(3).‏

وقد أُلّفت كتبٌ كثيرة تحمل عنوان: (طبقات الشعراء)، ذكر منها ابن النديم في كتابه (الفهرست) الكتب التالية: "طبقات الشعراء" لإسماعيل بن محمد اليزيدي، و"أخبار الشعراء وطبقاتهم" لمحمد بن حبيب بن عمرو، و"طبقات الشعراء" لأبي المنعم، و"طبقات الشعراء" لأبي حسان الحسن بن عثمان الزبادي، و"طبقات الشعراء الجاهليين" لأبي خليفة الفضل بن حباب بن صخر الجمحي، و"طبقات الشعراء" لابن المعتز، و"طبقات الكتاب" لنطاحة أبي علي أحمد بن إسماعيل الأنباري، الشعراء لدعبل، الشعراء لأبي عبيدة معمر بن المثنى(4),‏

إذن، جاءت الكتب التي قدمناها معتمدة على الذائقة التي كوّنها الناقد (النموذج) بناء على ثقافته في اللغة والشعر من جهة، ورأي أشياخه الذين تلقى العلم على أيديهم، ومكانة الشعراء المختارين، كل حسب طبقته، في قبائلهم، وشيوعِ أشعارهم في السوامر والمجالس والأسواق.‏

ويتقدم نقد الشعر بعد هؤلاء النفر وأشياخِهم وتلامذتهم، ليبدأ نمط جديد من النقد تمثله حركة عقلية، تذوقية، جمالية، قريبة إلى حد كبير من التخيل المنطقي في محاكمة النص المنقود.‏

وجاء كتاب (قواعد الشعر) لثعلب(5)، كفاتحة لحركة نقدية عربية، أثرت فيما بعد في حركة النقد (العلمي ـ التحليل) التي ظهرت في القرنين التاسع عشر، والعشرين.‏

وفي خطوة متقدمة نحو المنهج، وامتلاك ناصية الجمال اللغوي والصُوَري، جاء كتاب البديع لابن المعتز(6)، ليليه كتاب عيار الشعر لابن طباطبا العلوي(7)، ومن ثم ظهر البديع مصطلح النقد (كسيرورة لتفكير ناضج في ماهية ووظيفة (النقد) في كتاب "نقد الشعر" لقدامة بن جعفر(8)، وتتالت الكتب النقدية لتنوس موضوعاتها، ومذاهبها (الاختيارية، والتحليلية) بين التصنيف والتقليد، والتحليل، فظهرت كتب لأبي هلال العسكري (الصناعتين)(9)، وللقاضي الجرجاني، (الوساطة بين المتنبي وخصومه)(10)، والموازنة بين الطائيين (أبي تمام والبحتري) للآمدي(11)، بعدها تبدأ المؤثرات اليونانية في نقد الشعر، في الظهور في مصنفات النقد، حيث يتغير نمط النقد، وتتوسع مساحة العقل في سيرورته، وتطل الفلسفة لأول مرة على مجريات النقد العربي، وإذا كانت النموذجات كثيرة، فلا بأس من الاستشهاد ببعضها، ككتاب "العمدة في محاسن الشعر ونقده" لابن رشيق القيرواني(12)، وكتاب "سر الفصاحة" لابن سنان الخفاجي(13)، و"أسرار البلاغة" لعبد القاهر الجرجاني(14)، والمثل السائر لابن الأثير(15).‏

بعد هذه الكوكبة من النقدة العرب، بدأت حركة نقدية عربية تجري معارفها النقدية مجرى تراثياً معتمداً على ما تركه هؤلاء وأشياخِهم وتلامذتهم، مع وجود مؤثرات أجنبية على سيرورة النقد حيث كانت بداياتها مع القيرواني والخفاجي والجرجاني وابن الأثير.‏

بيد أن اللافت للانتباه هو انفتاح مفهوم النقد على الاحتمالات الموزعة في مساحات بين الأدب والفلسفة والفن، والمهم في الأمر أن التعريفات المتنوعة، وليست المختلفة أو المتخالفة هو مفهومات النقد قد توافقت في المفهوم والمعنى ضمن طموح يسعى الكثيرون من النقاد العرب إلى الوصول لتحقيقه.‏

فالبعض يرى رأي القدماء ويوجز تعريفهم للنقد، ويضيف إليها ما انضاف من آليات وتقانات أدبية وفكرية وفنية إلى الأدب؛ فيقول: إنه تمييزُ جيد الشعر من رديئه، وهذا التعريف اقتصر على الشعر، لأنه يمثل الحالة الإبداعية الأقدم عند العرب، ويرى أصحاب هذا التعريف: "أن وظيفة النقد ليست مجرد تمييز لجيّد الشعر من رديئه، وهو الحكم على ذلك الأدب، وإنزال النصوص (المنقودة) في منزلة من السمو أو الدنو، ثم تقويم الأدب الذي أنتج النص أو تلكم النصوص، ووضعه في مكانه بالنسبة لأدباء عصره أو العصور السابقة أو اللاحقة، وقد وسّع بعض المفكرين وظيفة النقد والناقد؛ فألحقوا به (الناقد) مهمة توجيه من يتصدى لنقدهم، وأناطوا به دور الريادة فيما يتعلق بالأدباء الذين يتعامل معهم (إن كانوا أحياء)، أما عن طبيعة النقد فيرى هؤلاء في مقولة (أناتول فرانس) مناسبة حقيقية لتعزيز مفهوم (طبيعة النقد) والتي يقول فيها: "النقد؛ إنما هو مغامرة يقوم بها العقل بين الآثار الأدبية"(16).‏

ويرى بعض النقاد المحدثين الذين يتواصلون مع التراث النقدي العربي ويتمثلونه، وينفتحون على النقد العالمي، ويعملون على توسيع مفهومات النقد، والتدقيق بها ضمن أطر عقلانية، علمية، أكاديمية؛ أن النقد "في أبسط تعريفاته وأشملها هو: "علم دراسة النص الإبداعي وتقويمه"، وإذا كان النص الإبداعي هو وعي المبدع لعالمه وما يحيط به؛ فالنقد الأدبي يجب أن يكون وعياً مزدوجاً، وعياً لذات المبدع، ووعياً للعالم المحيط الذي أسهم في خلق النص الإبداعي، وإذا كان النص، الأدبي اكتشافاً مدهشاً للملموس والمتصوَّر (الخيالي)؛ فإن النقد اكتشاف لأغوار المجرد المعبر عن المدهش"(17).‏

إذن وبعد الاطمئنان إلى سيرورة النقد الطبيعية، وصيرورته العلمية المنطقية الفلسفية؛ لابدّ من رسم خطاطة تبين التطور الطبيعي للنقد العربي حتى وصوله على ما هو عليه الآن.‏

ـ التراث النقدي العربي وازدهار النقد الأجنبي:‏

يرى د. عبد اللطيف الراوي؛ أن تطور النقد يبدأ حيث يصبح أدب الأمة نشاطاً مقصوداً لذاته، ويتحوّل من وظيفته الفيزيولوجية إلى وظيفته الاجتماعية، ومن حالته السحرية إلى حالة الإمتاعية (18).‏

إن تطور الحياة البشرية يستدعي ـ بالضرورة ـ أشكال التعبير عنها، وبالتالي تتطور وسائل اكتشاف هذه الأشكال التعبيرية، وتمييز جيّدها من رديئها، وجميلها من قبيحها، وحسنها من أحسنها، لذا فالنقد يقارب القول: إنه وسيلة اكتشاف في غاية التعقيد وتشابك العلاقات، لأنه وعي نظري في كل مرحلة من مراحل حياتنا، لما يتضمنه التعبير الأدبي (أكثر أشكال التعبير تجريداً)، من قيم وخصائص هذه المرحلة أو تلك، يتطور النقد الأدبي بتطور الأدب، وفي الوقت نفسه، يسهم بفاعلية خارقة في رسم وسائل تطوير الأدب ذاته.‏

وقد يخطئ القائل بتكامل العمل النقدي المنصب على عمل إبداعي ما، لأنه ما من عمل نقدي نهائي، ولأن النقد أمر لا يمكن إنجازه مرة وإلى الأبد (على رأي غراهام هو)، لأن الأدب يُقرأ أكثر من مرة في عصور مختلفة ومن قبل أشخاص مختلفين، ولكل شخص أفكاره وأدواته، ولكل عصر قيمه ومعارفه التي بها يكتشف النص من جديد دائماً، والشخص الواحد نفسه لا يكتب نقدين متشابهين لعمل واحد في فترتين زمنيتين مختلفتين، لأنه يتغيّر نفسياً وفكرياً وفيزيولوجياً خلال هاتين الفترتين مهما كان طولهما.‏

وعلى سبيل المثال لا الحصر، قرأ النقاد العرب الشعر الجاهلي قراءة تذوقية اعتمدت على مطابقة الواقع بينما قرأ المحدثون من النقاد الشعر الجاهلي نفسه قراءة جمالية بعد تجريده من بعديه، الزماني والمكاني، وأبعاد بلاغة اللغة وإعراب المفردة عن ساحة النص... وكانت هذه العملية غاية قامت بذاتها ضمن غائيات النقد بعلاقاتها المتشابكة، والغاية هي إرادة أن يكون النقد عملاً معرفياً واعياً، ولكي تتحقق تلك الإرادة؛ لابد من أن يمتلك الناقد صفات تؤهله للدخول في تشعبات النفس الإنسانية والخالقة للنص الأدبي، واكتشاف كنه الخلق وكيفياته وماهياته، وهنا كان لوجود علم النفس في الفن والأدب وبالتالي جريانه ـ كمذهب ـ في مذاهب النقد الأدبي الحديث.‏

لقد قامت مذاهب النقد العربي، قبل الانفتاح الكامل على مذاهب النقد الأجنبية على أسس تذوقية، ولغوية، ومعنوية، وبلاغية، ثم تطورت بتطوّر الحياة والعلاقات وعَبْرَ تتالي العصور لتعطي للنقد أبعاداً فلسفية ـ نفسية، ضمن أطر معرفية مدهشة صادرة عن معرفة موسوعية بالعلوم والفنون، مستندة إلى نظريات مستقاة من مغامرة العقل الخلاّق في إبداع النص.‏

إن الإحساس بالجمال وتمييزه والتعبير عنه هو البداية الأولى للنقد في الحياة البشرية، وقد دأب الدارسون على أن يجعلوا النقد الأدبي ـ وهو وعي الوعي ـ مرتبطاً في ظهوره ونشأته وتطوره بتطور المجتمع اليوناني. لأن الناتج الفكري الذي قدمه اليونان قد منح الفكر الإنساني حركة متقدمة، وعزز النشاط الإبداعي وطوّره... ومع هذا نرى ما يراه الدكتور الراوي: "إن حضارة اليونان جاءت تالية، وقد استندت إلى حضارات متقدمة متطورة كحضارة (وادي الرافدين)، و(حضارة بلاد الشام)، و(حضارة وادي النيل)... تلك الحضارات التي خلقت نصوصاً إبداعية تجلّى فيها الوعي الجمالي ضمن موضوعاتها من جهة، وضمن صياغاتها من جهة ثانية(20).‏

فسقراط، ثم أفلاطون (427-347ق.م). عملاً على نقد الشعر من منظور فلسفتهما، وتلاهما أرسطو (384-322ق.م)، الذي عمل على تنسيق المصطلح الفلسفي وتهذيب الأفلاطونية، وكان كتابه الموسوم بـ/فن الشعر/ من أقدم الكتب التي تناولت (نقد الشعر) من وجهة نظر فلسفية وفيه يقول: "إنا متكلمون في صنعة الشعر في ذاتها، وأي قوة لكل نوع من أنواعها، وكيف ينبغي أن تقوم القصة إذا طمح الشعر إلى حال الجودة، وقائلون أيضاً من كم جزء يتكون الشعر. وما هي أجزاؤه وكذلك نتكلم في كل ما يتصل بهذا المبحث، مبتدئين في ذلك كله ـ وفقاً للطبيعة ـ من المبادئ الأولى"(21). وبينما كان الظلام يلف أوروبا بعد سقوط روما (476م) على يد الموجات الجرمانية؛ ظهرت الدول العربية الإسلامية، حيث ازدهرت الحركة الفكرية وتعالى صوت النقد في الفترة الواقعة بين القرن التاسع الميلادي وأوائل القرن الرابع عشر مستفيداً في نشأته وتطوره من الإرث العربي القديم ومن الانفتاح في القرن الثامن للميلاد (الثاني للهجرة)، أي قرن التأسيس العقلي لقواعد اللغة العربية، وتشكيل منظوماتها، استناداً إلى النص الشعري فتنامت العناية بهذا النص، وسعى الرواة والنحاة واللغويون إلى جمعه والتحقق من سلامته، فوصلوا إلى فهمه وتذوقه وضبطه.‏

وكان ظهور الخليل بن أحمد (170هـ)؛ إضافة نوعية للحركة النقدية، إذ نظر إلى الشعراء بإجلال وعدهم أمراء الكلام يصرفونه أنّى شاؤوا، وهم الذين يجوز لهم ما لا يجوز لغيرهم.‏

ثم كانت مرحلة التدوين؛ مرحلة متقدمة من مراحل النقد الأدبي العربي، إذ عمد الرواة ومؤرخو الأدب إلى جمع الشعر وتنقيته من شوائبه ومثالبه والمزيد عليه، فخلفوا لنا ـ بعدها ـ المعلقات التي رواها حمّاد الراوية (ت164هـ)، والمفضليات التي كتبها المفضّل الضبي (ت168هـ)، والأصمعيات التي دوّنها الأصمعي(22).‏

وفي القرن التاسع وما بعده، برز النقد مختلطاً برؤية فلسفية متأثرة بالتراث الفلسفي اليوناني، وقد برزت بشكل جلي في أعماق النقاد المعتزلة، حيث عُدّت صحيفة بشر من المعتمر (ت260هـ)، دليلاً واعياً للمبدع، فقد أفاض في الحديث عن لحظات الإبداع، ومهمة المبدع.‏

كما أُلّفت كتب في النقد تفاوتت قيمتها وتأثيراتها بتفاوت وعي أصحابها ومنزلتهم والموضوعات التي طرحوها... ودارت موضوعات هذه الكتب النقدية في ميدان الشعر والشعراء، وأهم النقاط أو الموضوعات التي تناولتها:‏

1 ـ ماهية الشعر وصنعته.‏

2 ـ عمود الشعر.‏

3 ـ اللفظ والمعنى، ونظرية النظم والإعجاز.‏

4 ـ طبقات الشعراء.‏

5 ـ الموازنة بين الشعراء من حيث قدراتهم الإبداعية وتجديدهم.‏

6 ـ السرقات الشعرية.‏

ويرى الدكتور عبد اللطيف الراوي أن الموضوعات الثلاثة الأولى تدخل ضمن نظرية الأدب التي أفاد فيها من كل الثقافات التي اطلعوا عليها، كما حاولوا أن يكون استنباطها عبر دراسة تقويمية شاملة للشعر العربي الذي يتسم مجمله بالغنائية والوصف الخارجي مستنداً إلى رأي ابن سينا الذي أكد على أن الشعر العربي يختلف عن الشعر اليوناني في كون الأول وصفاً للهيئات، والثاني وصفاً للأفعال والأحوال(23).‏

أما الموضوعات الثلاثة الأخيرة فتدخل في ميدان النقد التطبيقي، حيث لعبت الذائقة الشخصية وسمعة الشاعر ومركزه الاجتماعي دوراً كبيراً في نتائجها.‏

"ولعلنا لا نبالغ إذا قلنا: إن أوروبا ما كان لثقافتها أن تزدهر، ولا لنقدها الأدبي أن ينمو لولا نقلها ما ألّفه العرب من كتب الفلسفة والعلوم والنقد، وللحق ما كانت النتاجات الفكرية السالفة لتفيد لولا التبادل الثقافي بين بدايات النقد اليوناني، وقراءة العرب لـه وفهمهم وتمثلهم وتطبيعهم عليه، فعن طريق ابن سينا والفارابي وابن رشد وحازم، الذين فهموا أرسطو ولخصوا معارفه، وأضافوا إليها رؤاهم الفكرية، ووضعوها بتصرف الأوروبيين الذين انكبوا ـ بدورهم ـ على دراستها وما أضيف إليها؛ فكانت بداية النهضة في أوروبا"(24).‏

ومع بداية ظهور الراهب توما الأكويني (1225-1274) بلغ تطور الوعي الفني قمته، فقد حاول ذلك الراهب أن يطوّع آراء أرسطو ويضعها بتصرف الدين المسيحي، واجتهد لكي يعطي للجمال المحسوس معالم مستقلة ويبتعد عن الميتافيزيقا ليقترب من ضفاف الواقعية، لأن الجمال برأيه يجب أن يتوفر فيه الكمال والانسجام والتناسق والوضوح، والفن عنده ـ كما كان عند أرسطو ـ محاكاة للواقع يكمن معناه في المعرفة، ويدرك المعنى بالتفكير، والرائع هو الذي يستطيع أن يعكس الأصل ببراعة، وإن كان الأصل غير مرغوب فيه أو غير جميل كما هو(25).‏

والمهم في الأمر أن الآراء النقدية والجمالية في العصور الأوروبية الوسطى لم تكن ذات فعل له أهميته في الحياة الثقافية لأنها مكتوبة باللغة اللاتينية القليلة التداول من جهة، ولكونها مرتبطة أساساً بالفكر اللاهوتي من جهة ثانية.‏

"... إن العصور الوسطى لم تكن عصور نقد أدبي أو نظرية أدبية؛ بل كانت عصور إبداع أدبي متميز، وفيها ظهرت روايات الفرسان، والقصائد الغنائية، وعادت المسرحية ثانية، وازدهرت الحكاية بأنواعها، فمهدت لمستقبل نقدي مهم، كان ظهوره الفعلي بدء بزوغ عصر النهضة في القرن الرابع عشر حيث طفقت إيطاليا تقيم مدارسها معتمدة على التراث العلمي والفلسفي العربي في الأندلس، مما أسهم في انفتاحها على الفكر اليوناني، فعكفت على العناية به، وتجسدت هاتيك العناية في الأدب والفن، ابتداءً من دانتي وبترارك، إلى رافائيل وميكائيل آنجلو، وليوناردو دافنشي"(26).‏

أما في فرنسا، فكان القرن التاسع عشر بما شهده من نشاط ثقافي، قرن ظهور النقاد المحترفين، وفيه تعالت حدّة الخصومة بين القدماء والمحدثين، ودارت أغلبها حول قواعد المسرح وموضوعاته، وكانت مقالات كورنيه (1660) ودراساته النقدية؛ بداية توجه نقدي عقلي كذلك ظهر نيكولا بوالو‏

(1636-1711) الذي عدَّ من أكبر منظري الكلاسيكية الجديدة(27)، ثم انطلقت الكلاسيكية الجديدة إلى بريطانيا فألمانيا، فظهر جون داريدن (1630-1700)، ثم الكسندر بوب (1688-1744)، وفي ألمانيا ظهر كوتشيد (1700-1766)، وليسنغ (1729-1781)، وبعدهما جاء (شيللر 1759-1805)، و(غوته 1749-1832)، و(هردر) الذين أسسوا الرومانتيكية الجديدة مناهضين ما وسموه برصانة الكلاسيكية الجديدة، وقد لاقت أفكار الرومانتيكيين الألمان صدىً واسعاً في بريطانيا وانتقلت إليها وشهد القرن التاسع عشر حراكاً نقدياً مذهلاً حيث تطور النقد بتطور الأدب، ثم تطور الأدب أكثر بتطور النقد وظهور مفهومات نقدية جديدة.‏

ولا يمكن ـ هنا ـ أن نغادر مشارف القرن التاسع عشر، عصر الانتصارات المذهلة للنقد الأوروبي ما لم نتوقف عند نتاج النقاد الروس، الذين مثّلوا تطوراً فكرياً قل نظيره في أوروبا، حيث ظهرت قامات نقدية مهمة مثل: (بيلنسكي، وتشيرنشيفسكي، ودبرولوبوف)، هؤلاء النفر الثلاثة الذين افتتحوا مدرسة النقد الواقعي بأطر ثورية متقدمة.‏

هكذا ظلّت المدرستان الرومانتيكية والواقعية في النقد تسيطران على الساحة النقدية حتى منتصف القرن العشرين، حيث يعد الشاعر والناقد الفرنسي بول فاليري (1871-1945) ممثلاً لهذا الامتداد، وهو صاحب الرأي القائل: "إن النقد علاقة بين النص والمتعامل، فلا سلطة للكاتب على الإطلاق، ولا معنى مطلقاً لنص من النصوص ما دام النص قد نشر، فإنه يصبح كالآلة التي يملك كل من أراد أن يستخدمها بطريقته الخاصة، وليس هناك ما يقطع بأن صانعها يستطيع استخدامها بطريقة أفضل من أي شخص آخر"(28).‏

ومن هذا المنطلق ينظر الشاعر والناقد الإنكليزي ت.س.إليوت (1888-1965)، فهو ينظر إلى الشعر كونه عملاً تدخل فيه عناصر ثلاثة هي الواقع، الشاعر، المتلقي، فالشاعر مختبر تتم ضمنه العملية الإبداعية (يدخل ضمن هذه العملية وليس كلها)، وعن طريقه يتحول الواقع إلى عالم جديد يثير في المتلقي المشاعر التي كانت قد أثيرت في المبدع، ويتحوّل المبدع بعد أن يتم عمله، ويتخلص منه إلى كائن منفصل عن عمله، ولذلك علينا حين نمارس النقد، أن ننظر إلى الإبداع وليس إلى المبدع الذي انتهت علاقته بنصه بمجرد إنجازه.‏

"إن الأعمال النقدية ومسيرتها مستمرة باستمرار الأعمال الإبداعية، وهي متواصلة، فما قدِّم في القرون السابقة. يشكّل قاعدة لما يقدم الآن، وما يقدم الآن سيكون إضافة نوعية لما سبقه، وقاعدة لما سيأتي"(29).‏

وقد يسأل متسائل بقوله: أين النقد العربي الموازي لهذه الفترة، وله نقول: لقد خفت صوت النقد، إذا نحن لم نقل إنه انحسر وذلك لأن العرب قد دخلوا تحت حكم الأجنبي وسيطرته العسكرية والسياسية واللغوية، وبينما كانت أوروبا تنهض من كبوتها، بدأ العرب سباتهم، ولم ينهض النقد كحركة وناتج فكري إلا في الربع الأول من القرن العشرين، عندها وجدت ثلاثة مناهج نقدية سائدة، هي: المنهج الانطباعي، المنهج التاريخي، المنهج العلمي ـ النفسي، المنهج الاجتماعي.‏

"لقد أثرت الانطباعية في حركتنا النقدية العربية، وكان تأثيرها واضحاً عند أولئك الذين اطلعوا على الآداب الأوروبية، ومسيرتها النقدية، وقد برزت في وطننا العربي وجوه نقدية كثيرة، اتسم نقدها بالانطباعية، التأثيرية، ومن أهم هذه الوجوه عباس محمود العقاد، وإبراهيم عبد القادر المازني، وعبد الرحمن شكري، وميخائيل نعيمة، ويحيى حقي، ولويس عوض، ومحمد مندور، وعلي جواد الطاهر، وغيرهم كثيرون"...‏

أما السيادة في النقد فكانت للمنهج التاريخي الذي صبَّ جلَّ اهتمامه على دراسة تأريخ الأدب ونقده، وعلى دراسة شخصية أدبية بمفردها، وقد امتلأ تاريخنا الثقافي العربي بمثل هذه الدراسات التي كانت تقوم على استعراض السيرة الذاتية وربطها بالنص، حتى برز الدكتور ـ إحسان عباس ـ واستفاد من التأريخية بمعنييها التوثيقي والنفسي.‏

وينتقل إلى حركتنا النقدية العربية المنهج (العلمي ـ النفسي) الذي أغرم به عباس محمود العقاد، وإبراهيم عبد القادر المازني اللذان أُخذا بما صدر عن سيجموند فرويد من آراء وأفكار نقدية علمية نفسية، لذا اعتبرا من المؤسسين لهذا المنهج في الحركة النقدية العربية، ولم يؤصلاه، حيث جاء من يؤصله عن علم ودراية ومكنة لغوية أجنبية، إذ ظهر هذا المنهج جلياً، واضحاً، متمثلاً، عند طه حسين، خصوصاً في دراساته عن أبي العلاء المعري والمتنبي وبشار وحافظ وشوقي، كذلك ظهر المنهج عند أمين الخولي في كتابه الموسوم بـ(البلاغة وعلم النفس)، أما العربي الناقد الأكثر عمقاً، وتمثلاً للمنهج هذا، فكان د. محمد خلف الله الذي أظهر مقدرة فائقة في تجلية معميات النقد العلمي ـ النفسي، في كتابه الموسوم (من الوجهة النفسية في دراسة الأدب ونقده)(31).‏

وهنا نستطيع الزعم، بأن اكتمال المنهج العلمي ـ النفسي، بمساحة نفسية كبيرة في التحليل، قد أتمّ اكتماله على يدي د. محمد النويهي، الذي يعتبر رائد النقاد النفسانيين العرب في النصف الثاني من القرن العشرين، وقد تجلّى هذا في صدور كتابه الموسوم بـ(نفسية أبي نواس)(32)، وقد وضع المنهج الفرويدي كدليل على البرهان الذي يوصل إلى النتيجة.‏

ويُثبت المنهج الاجتماعي للنقد وجوده في وطننا العربي بعد الانتصارات التي حققها رواد المنهج في روسيا، وأوصلها إلى ذروتها ـ فيما بعد ـ جورج لوكاتش، وبنتيجة حتمية للتطورات الاجتماعية التي شهدها وطننا العربي على الصُعد الفكرية والسياسية، وبعد ظهور الإيديولوجيات وسيادة الفكر العربي، وكان أكثر المناهج وجوداً على الساحة الثقافية، وتقبلاً لدى جماهير المثقفين والدارسين والمتعلمين العرب، فمحمد مندور بعد ثورة تموز الناصرية حمل راية هذا المنهج ليسير على طريقه (عن إيمان عقائدي)، محمود أمين العالم وعبد العظيم أنيس، ورجاء النقاش من مصر، وحسين مروة، ومحمد دكروب، ورئيف خوري، ويمنى العيد من لبنان، وفيصل دراج، ويوسف سامي اليوسف من فلسطين، وعبد الرزاق عيد، ومحمد كامل الخطيب من سورية، وعبد المطلب صالح، وفاضل تامر، وحاتم الصكر من العراق، ثم تلتها عشرات الأسماء الجديدة في مدرسة النقد الاجتماعي.‏

ـ التراث النقدي العربي في رؤاه الحديثة:‏

شهدت الحركة النقدية العالمية انعطافات أملتها المعطيات الحضارية التنقية الجديدة، وتحول العالم بنجاح ثورة الاتصالات وتقاناتها إلى قرية صغيرة، وبات التمازج الثقافي سمة العصر، إذ أرادت القوى الكبرى القاهرة أن تسيّسه لمصلحة مطامعها السياسية، وإرضاء لنهم التروستات الاقتصادية، فظهرت العولمة كنهج أريد به ترجمة (النهب الفكري والذاتي)، وسلب الهوية والإرادة وبالتالي إنهاء التطلع إلى الحرية.‏

لقد تحول التلاقح الفكري إلى عملية مثاقفة، وباتت عملية الخلق الفكري إلى آلية فاقت سرعتها الطائرة والصاروخ، وأضحى المرء يطلع على آخر ما تعرضه السوق الثقافية بضغطة خفيفة على أزرار الحاسوب، فتأتيه الوجبة الفكرية من مصدرها مباشرة وساخنة.‏

بدأ الشكليون الروس يوجهون جهودهم لإنجاز المنهج الشكلي الذي بدأت بوارده عام (1914 ـ 1915)، حيث بدأت الدراسات تنصب على اللغة الشعرية، ومرت محاولات تأصيل هذا المنهج بسلسلة من النقاشات والدراسات حتى أنجز أيخنبوم نظرية حملت عنوان /نظرية المنهج الشكلي التي استغرقت مساحة لا بأس بها من كتابه /نظرية الأدب/ الذي فصل من خلاله بين المنهج وقضية الأدب التي اعتبرها المادة المحسوسة التي توحي بالمبادئ النظرية، وهكذا خص الشعر المستقبل باهتمام خاص فصله عن الرمزية، وحول هذا كتب جاكبسون مقالته (المذهب): "الشعر الروسي الحديث براغ"، وفيها يرسم الحدود الفاصلة بين الأدب وعلم الأدب"، علم الأدب ليس الأدب؛ وإنما أدبيته" وبذا ينقطع الشكليون الروس عن التاريخ ويوجهون دراساتهم نحو اللسانيات بوصفها العلم الذي يهتم بالشعرية.‏

وفي موضوع الشعرية يؤكد بريك (Brik) في تكرار الأصوات: على أن الأصوات لا تقوم بإكمال الصور بشكل رخيم (هذه الصور وحدها قد تشكل الشعر)؛ إنما تنشأ عن قصد شعري مستقل، وتكرارها يتضمن بحد ذاته دلالاتها، وفي عام 1914، كتب شكلوفسكي يقول: "إن مبدأ الإحساس بالشكل هو الصفة المميزة للإدراك الجمالي"، والشكل هو عبارة عن تمامية (Integrite) حيوية ملموسة ذات مضمون خاص تقوم بتوجيه إحساسنا الذي عليه أن يطول ليتسنى له التقاط أثر الفن، ويفهم الفن على أنه وسيلة لتحطيم الآلة الإدراكية، وتتصف المرحلة الأولى للشكلية، إذن باكتساب بعض المبادئ التي تتميز اللغة منها بنوعين من اللغة؛ اللغة الشعرية، واللغة اليومية.. ومن ثم بدأت المرحلة الثانية التي تمثلت بدراسة أصوات البيت وهكذا لم يعد موضوع العمل الأدبي هو الموضوع الرئيس؛ إنما هو واحد من العناصر المكونة له" (33).‏

أما المدرسة الألمانية النقدية فقد بدأت بنقد الرومانتيكية والفلسفة الألمانيتين، وكانت خطوتها الثانية تتمثل بفتح نافذة على الأدب الفرنسي، وإتمام التبادلية الثقافية النقدية بين المدرستين الألمانية والفرنسية، وظهرت شعبٌ جديدة في المدرستين النقديتين الألمانية والفرنسية مثل: نقد الوعي. ولهذه الشعبة روّادها وشعبة نقد الخيال، فالأولى تركز على الفاعل حتى جاء غاستون باشلار (1884 ـ 1962)، ليحدث ثورة عندما أدخل خيال المادة كموضوع أساسي للدراسة، فأجرى دراسات تطبيقية، وبهذا استطاع باشلار تجديد النقد الفرنسي بل تحريره من آثار المدرسة الألمانية النقدية، ولكي يتعزز تحليل الخيال عبر التشريح النقدي فإنه يلتقي مع التحليل النفسي حيث وجدت له ظلال باهتة عند باشلار، فيأتي جان بيير ريشار الذي رفض منذ البداية الانتقال من الأحاسيس إلى أي شيء آخر غير الوعي، فقدم في كتابيه (بروست والعالم المحسوس) و(قراءات صغيرة) مفهومات تحليلية نفسية مترابطة بعضها مع بعض دون أن يدمجها في منظومة معينة.. أما النقد الأسطوري فإنه يمتح من تراث جمعي (غالباً) غير زمني بعيداً عن تاريخ الوعي الفردي.. بعده تجيء مناهج جديدة تعزز موضوعات النقد الأدبي الأوربي، وقد كان الربع الأول من القرن العشرين بحركته النقدية المتطورة في أوروبا يركز على موضوعات تتعلق بالوعي الفردي أو على ما وراء الوعي أو ما هو خارج وعي المبدع، لتشهد الحركة النقدية الأدبية انعطافة جديدة أكثر تخصصاً أو دقة: فأصالة سوسيولوجيا الأدب تعود إلى أنها تقيم علاقات بين المجتمع وبين العمل الأدبي، لأن الكاتب مشروط به، يعكسه ويعبّر عنه ويسعى إلى تغييره، والمجتمع حاضر في العمل الأدبي حيث نجد أثره ووصفه، وهو موجود بعد العمل لوجود سوسيولوجيا للقراءة والجمهور الذي يقوم بدوره في إيجاد الأدب وعلى هذا الأساس قامت نظريات التلقي التي احتفت بالعلاقة القائمة بين مبدع العمل، والعمل المبدع والمتلقي.. (34).‏

إن التطور المرتبط بالمجتمع هو الذي دفع بنقّاد أوربا إلى خلق حركة نقدية قامت عليها مئات المؤلفات، وظهرت نظريات واختفت نظريات، وقامت على أنقاضها نظريات، وما زالت الحركة النقدية في أوج تطورها، وكلما اقتربت من علم النفس تحولت إلى نظرية، وكلما توجهت باتجاه العمل كمنتج يتوجه إلى الآخر تحولت إلى تطبيقية، وعلى هذا الأساس ظهرت البنيوية، والألسنية، والتفكيكية والتركيبية وغيرها..‏

أما النقاد العرب الذين درسوا في الغرب فقد قدموا حاملين النظرية النقدية وحماسهم لها في الوقت نفسه، فأجروها على النص العربي، ضاربين عرض الحائط بالبعدين الزماني، والمكاني للمبدع (بكسر الباء) والمبدع (بفتحه)، لذا اختلط الأمر على الكثيرين، وسدر الكثير من شعراء الحداثة في غيّهم فباتوا يكتبون نصوصهم لتتواءم مع ثقافة ناقديهم.‏

لقد انصب النقد المستورد والمعرب والمؤصل والمعصرن، على الشعر في غالبيته؛ وظلت الحركة النقدية العربية منذ الربع الأول من القرن العشرين تدور في فلك الآخر ـ لكن ـ بلسان عربي وعلى هذا الأساس، لا بد من عودة شافة وكاشفة لسيرورة النقد العربي، وتكوين فكرة مجسّمة عن رؤاه الحديثة:‏

ـ النقد العربي في رؤاه الحديثة:‏

كانت أولى المحاولات النقدية ـ في العصر الحديث ـ محاولة سليمان البستاني في مقدمة ترجمته لـ "إلياذة هوميروس" وهي محاولة تذوقية فردية، لم تنطلق من قاعدة أو منهج.‏

في الوقت ذاته، كانت ثمة محاولات، قادها عدد من كتاب وشعراء نزح معظمهم إلى مصر هرباً من السلطة العثمانية، منهم إبراهيم اليازجي، وأحمد فارس الشدياق، وهي محاولات تأثرت بمناهج النقد القديم.‏

غير أن هذه الفترة عرفت طلاقاً بين شعر عهد الانحطاط، وبين تجربة جديدة، تشبه إلى حد بعيد، تجارب عصور النهضة في أوربا، تجد في الماضي جذورها فترتد إليه، تستقي منه عناصر وجودها، في ا لوقت الذي تحاول فيه أن تتطلع إلى المستقبل، ورائد هذه التجربة محمود سامي البارودي، الذي انطلق من تجربة العصر العباسي عبر كبار شعرائه، تلاه شوقي وحافظ وخليل مطران ثم بشارة الخوري وغيرهم، وكلهم سار على الطريق ذاتها، وإن اختلف بعضهم عن بعضهم الآخر في خصائص قليلة.. فماذا كان موقف النقد منهم؟!..... ظهر في هذه الفترة عدد من النقاد، كانت طليعتهم في مصر، منهم: طه حسين، زكي مبارك، عباس محمود العقاد، أحمد أمين، إبراهيم عبد القادر المازني.‏

وكان عمل هؤلاء ينصب على صعيدين: نقد الناتج الأدبي على اختلاف أنواعه، وهو الأقل في جهدهم، لا من حيث الكم؛ وإنما من حيث الجهد النقدي المبذول، بخصائصه العلمية، وأبعاده الثقافية، وتواشجاته الفكرية، بينما لاقى نقد الأدب القديم وتحليله الجهد الأكثر منهم.‏

وقد أفاد بعض هؤلاء من اطلاعهم على الأدب الغربي، وأصول النقد فيه، وبدا أثر ذلك واضحاً في نقد طه حسين، وفي بعض ما كتب العقاد، والذي أخذ ما قرأ من علم النفس الوراثي، فأجراه على ابن الرومي حتى كاد يخرجه عن حقيقته.. كذلك كانت سقطات تطبيق المنهج الغربي على المنتج العربي تظهر في دراسات نقدية لزكي مبارك في إبداع الشريف الرضي، وطه حسين في إبداع المتنبي، لتنتقص من ملكات كثيرة في النقد، عرفتها الفترات اللاحقة.‏

إن جيل طه حسين، رغم جديته في ممارسة النقد، اقتصر على جوانب محدودة بوجه عام حيث ركّز مثلاً على دلالة شوقي الاجتماعية، وانتماءاته الطبقية، ودلالاته النفسية والجنسية إلى ما هنالك من دلالات تبقى طافية على السطح.‏

وحين ظهرت الكلاسيكية الجديدة التي دعا إليها العقاد والمازني، في محاولة لكسر طوق التقليد، بعد أن عدت تجربة جيل البارودي ثم شوقي وحافظ ومطران مثالاً يحتذى به ـ أخذاً وتقليداً ـ حينذاك قام صراع بين القديم والحديث ـ كما دعاه النقاد أو أصحابه ـ مع أن الفوارق كانت طفيفة جداً، فقد حافظ أصحاب الحديث على الأصول الشعرية القديمة. مع اختلاف في سهولة التعبير، والأخذ بعناصر ثقافية جديدة غير أن النقد حوّل الأمر كثيراً، فقد امتلأت المجلات والصحف بالنقد والرد على النقد، مع أنه أهمل ظاهرة هامة جداً، وهي الانتماء السياسي للحركة الجديدة.‏

فقد جسدت ـ إلى حد كبير ـ ردة فعل البرجوازية الصغيرة، أو ما يقارب هذا الوصف، على ارتباط شعر الجيل السابق بالإقطاع والمستعمر، وليس بالضرورة ارتباط الشعراء أنفسهم إذ المستهلك الحقيقي لهذا الشعر هو الإقطاع، المرتبط بطبيعته بالمستعمر، وهذا يتمثل برأي نقاد الحركة الجديدة بشعر شوقي وإحالته إلى البلاط دون الانتباه إلى ظاهرة الانتماء الطبقي لشوقي ذاته (35).‏

في هذه المرحلة ظهرت جماعة أبولو في مصر، وشعراء في سورية ولبنان خاصة ليتبنوا الرومانتيكية، ومنهم أحمد زكي أبو شادي، وصلاح لبكي، وصلاح لبابيدي، والياس أبو شبكة، وفوزي المعلوف، وغيرهم.. بينما تبنى آخرون الرمزية اللفظية، كسعيد عقل، والياس أبو شبكة (لحين من الوقت).‏

كان الانقسام ـ على مستوى النقاد ـ فنقاد يتبنون القديم جملة وتفصيلاً، وآخرون يستقون من بول فاليري ومالارميه ورامبو المفهومات الجمالية، وينطلقون منها في الرد على أولئك، وقد كانت مجلة المكشوف مسرحاً للأخذ والرد، استمر سنين طوالاً.‏

وعلى الرغم من ذلك، راوح النقد (في حيز ضيق) بين مفهوم الشعر القديم العباسي مطعماً بما اعتقد بعضهم أن شوقي أدخله من تطور، ومفهوم الجمالية في المرحلة الرمزية الأوروبية، مطعماً برؤى الفن للفن.‏

وقد استقى بعضهم ملامح من نظرية (الفن لعب) أو غيرهم دون الأخذ بعين الاعتبار صيرورة هذه النظرية عند العبثيين وأسبابها التاريخية والاجتماعية والسياسية.‏

وحتى المفهوم الرومانطيقي طُرح مغلوطاً، وإن اقترب بعضهم من إدراكه شعرياً، مثل فوزي المعلوف، وما زال بعضهم يطرحه مغلوطاً، إذ يكفي أن نطلع على بعض الكتب الجامعية التي يدرسها الطلبة لنتأكد من ذلك.‏

وإذا كان بعض الشعراء قد تبنى الرومانطيقية أو الرمزية أو السوريالية (على سبيل المثال لا الحصر)؛ فلأن الوضع النفسي الناجم عن الظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية ـ في تلك الحقبة ـ رخو، وهلامي إلى حد كبير، ويتوافق مع بعض ما يعانيه الرومانطيقيون ذاتياً في فرنسا خاصة وفي المرحلة التي تلت الثورة الفرنسية، وظهرت فيها البورجوازية والآلة كمؤثرين نفسيين.‏

على أن النقد في تلك الفترة، لم يشر إلى أي من أسباب ظهور موجة الرومانطيقية والرمزية ولم يحلل عناصرها، واكتفى بأن يكون رداً عليها، أو دفاعاً عنها، حتى أن شاعر كـ (إيليا أبو ماضي) نظم أكثر من قصيدة، داعياً إلى الفرح، ونبذ الكآبة.. كذلك أمين الريحاني الذي حمل في كتيبه الموسوم بـ /أنتم الشعراء/ على الشعراء البكائين، غير مُغُرِّق بين الرومانطيقيين وغيرهم، دون أن يتبين الدوافع والغايات، والمشكلات الأساسية، القائمة في ذات الشاعر والمنعكسة على النص.‏

أما مارون عبود فقد تبنى كل المعطيات القديمة في فهم الشعر، وكانت له لفتات جديرة بالاهتمام على أنه لا يمتلك شيئاً من الثقافة الحديثة.‏

والمرحلة التالية، والتي ما تزال لها امتداداتها في حياتنا النقدية المعاصرة، هي مرحلة الضياع في النقد، وربما كانت بسبب الضياع الشعري.‏

ولا بد من الإشارة إلى تعدد المجلات الأدبية، وتعدد الصفحات الثقافية في الصحف اليومية على امتداد الوطن العربي، وتكاد لا تخلو صحيفة من زاوية يومية مخصصة للأدب والعرض الأدبي، حتى لا نتجوز ونقول: للنقد الأدبي.‏

كذلك يجدر بنا أن نشير إلى مجلة الأديب التي ظهرت في هذه الفترة، وأفسحت لتيارات الشعر المختلفة بدءاً بالشعر المطلق، والشعر المنثور، كما أفسحت لتيارات النقد المختلفة.‏

ولا ننسى في هذه الفترة، ظهور الحركات السياسية الفاعلة، بعد أن كانت حركات شبه سرية، إن لم تكن سرية تماماً، وغير ذات أثر فعّال على الفكر، والثقافة، بالإضافة إلى السياسة والاقتصاد والاجتماع، ناهيك عن تبدل مناهج التدريس، جزئياً أو كلياً، وتكاثر الطلبة، وتعدد الثقافات، يضاف إلى ذلك ظهور أحداث سياسية فجرّت الوعي على نحو لم يسبق له مثيل.‏

أضف إلى كل هذا ظهور نظريات متصارعة متباينة في كل حقل، ساعدت على ظهور محاولات جديدة، في الفن عامة، والرسم والشعر والقصة والرواية على وجه الخصوص.‏

لم يلق الشعر الحر، (منذ ظهوره مع نهاية الحرب العالمية الثانية)، تلك الحدة في المقاومة، التي قوبلت بها الحركة الرومانطيقية خاصة، وهذه ظاهرة لم يتصد النقاد لدراستها جدياً.‏

"وقد تناول بعض من كتبوا في النقد ـ ولا أقول النقاد ـ، (إذ لم يقم في هذه الفترة نقاد ذوو مناهج وظيفتهم الفعلية النقد)؛ تناولوا مضامين الشعر الحر، أكثر ما تناولوه كظاهرة جديدة في الشعر؛ تخلت عن الوحدات الثلاث: وحدة الوزن، وحدة التفعيلة، وحدة القافية.‏

ولعل ما وسم بالشعر المنثور، قد لقي عنتاً أشد، ساقته أقلام تعاطت النقد بين الحين والحين". (36).‏

وعلى الرغم مما تقدم؛ فقد ظهرت نظريات نقدية كثيرة، كلها مستوردة (على رأي إنعام الجندي)، لا يعيبك أن تجد مصدرها، و"سأشير إلى بعض هذه النظريات التي طغت على السطح حيناً، ثم انحسرت لتطفو غيرها، أو انكمشت لتساير غيرها..‏

من ذلك النظرية الفرويدية ـ وقد فهمهما كثيرون خطأ ـ لأنهم أخذوها عمن أخذ بها، وهكذا، فجاءت حيناً واضحة (على يد قلّة نادرة) وهنا لا بد من ذكر صدقي إسماعيل الذي جعلها أساساً لتحليل عدد من الآثار الأدبية، وجاءت حيناً شعثاً، لا نستطيع معه تبين ما يريده الناقد.‏

ولا ننسى أن بعض الشعراء وكتاب القصة كانوا قد استقوا كثيراً من شعر فرويد، ليجعلوه في مضامينهم، مما سهّل مهمة النقاد الفرويديين (النقد النفسي)". (37).‏

وظهرت نظرية (الشعر المهموس) في نقد محمد مندور، الذي انقلب فترة إلى نظرية الواقعية الاشتراكية، ولكنه لم يُطل المقام فيها، وتناول الشعر الحر مدافعاً، ولكن نظرته إليه كانت خارجية إلى حد بعيد، فلم تكشف عن قدراته النقدية كلها. (38).‏

ويرى مندور: "أن الشعراء فضلوا أن يختاروا لشعرهم الأوزان الموحدة التفعيلة، وأن يجعلوا الوحدة الموسيقية الجزئية في شعرهم (التفعيلة) لا البيت، على أن تعتبر القصيدة كلها وحدة موسيقية متكاملة، رغم تسلسلها في تفاعيل". (39).‏

كذلك النظرية البنيوية التي تعنى بالأثر مستقلاً عن صاحبه وظرفه، محاولة اكتشاف بنيته، ومضامينه.. وهي نظرية قديمة عاد إليها المحدثون الغربيون، وحاول اقتباسها بعض من نقادنا ولم تأخذ مداها إلا في أخريات القرن العشرين، وأصبح لها أتباعٌ وخاصة في المغرب العربي ثم الواقعية الاشتراكية، وكان من روادها محمود أمين العالم، وفترة قصيرة من الحياة النقدية لمحمد مندور، بيد أن أكثر من تبنى النظرية عن فهم واستيعاب وتمثل حسين مروة الذي جعلها بمثوبة قدر نقدي لـه، وأجراها لتكون أساساً لنقده، في الوقت الذي كان فيه آخرون يتلمسون النظرية تلمساً سطحياً.‏

وثمة ظواهر نقدية (ولا أقول حركة نقدية)، وسمها بعض الهواة، حتى جاء النقاد الجدد من مصر وسورية ولبنان والعراق والمغرب العربي، ولم يحترف معظمهم النقد، (أي لم يتفرغوا للنقد)، وفي رأي هؤلاء: إن الأثر الفني ظاهرة اجتماعية، فهو مرتبطٌ طبقياً بطبقة خاصة، ويعبّر ـ على الأقل ـ عن جانب من جوانب الصراع الطبقي.‏

وكي لا نغبط هؤلاء حقهم، فإن ظواهرهم النقدية (للأمانة والتاريخ) جديرة بالعناية، خاصة وأنها تحاول أن تكشف عن العلاقات غير الظاهرة في الأثر الإبداعي، بينه وبين المجتمع، ولكنها في أغلب الأحيان تتجاهل عوامل أخرى ذات تأثير متباين على الأثر الشعري.‏

"لقد وضع مصطفى عبد الله السحرتي مقاييس دقيقة للنقد وطبقّها تطبيقاً جريئاً على الشعر المعاصر في كتابه الشعر المعاصر على ضوء النقد الحديث، واعتمد على المقاييس في تحديد التجربة الشعرية، والصياغة الشعرية والوحدة الشعرية، والفكرة في الشعر.‏

ويرى سيد قطب في كتابه الموسوم بـ /النقد الأدبي/: أن المذهب الفني في النقد الذي ساد أوربا وعماده؛ الحكم على النص الأدبي من حيث روحه وموسيقاه وأصالته وعناصره، وصدقه وتجربته الشعرية، هو المنهج الفني الذي ساد الآداب العربية القديمة.‏

ويمكن تقسيم مذاهب النقد إلى ثلاثة أقسام كبيرة هي: المذهب الفني، والمذهب الاجتماعي والواقعي، والمذهب الفقهي.. وهذه المذاهب سايرت التيارات الأدبية الكبيرة مثل: التيار الأدبي الواقعي والتيار الأدبي الإبداعي، والتيار الأدبي الاتباعي.."(40).‏

النقد الحديث وبعد أن وعى وتمثل النقد الأوربي، عمل على تشريح النص وأخذه على أجزاء ودرس كل جزء على حدة ثم حلله وأحاله بالتالي إلى عالم الجمال.‏

ففي قراءة النقاد للعمل الشعري توقفوا عند وحدة القصيدة وبالتالي تعمقوا في دراسة الصور الشعرية وبعلاقات هذه الصور فيما بينها من جهة وعلاقتها بعاطفة الشاعر من جهة ثانية.‏

و"لعل نظرية الخيال في النقد الحديث قد هيأت لتقدم مفهوم الصورة الشعرية، لتصبح وسيلة جمالية حين تأزر مع أخواتها داخل العمل الفني، لتبرز القصيدة وتطورّها تطويراً داخلياً من خلال العاطفة السائدة المسيطرة على القصيدة كلها.‏

ويقف النقاد عبر تطور مفهوم الصورة، على مفهومين للصورة: مفهوم قديم: يقف عند حدود الصورة البلاغية الكامنة في التشبيه والمجاز.‏

ومفهوم حديث: يضم إلى الصور البلاغية نوعين آخرين هما: الصور الذهنية، والصور كونها رمزاً، ويمثل كل نوع من هذه الأنواع الثلاثة اتجاهاً قائماً بذاته في دراسة الأدب الحديث" (41).‏

النظرية النقدية الحديثة للعمل الأدبي غدت نظرة عضوية نامية، أساسها البنيان المتماسك الذي يرتبط فيه الجزء بالكل، ارتباط الفرع بالشجرة، حيث يؤثر في هذا الارتباط، كل منهما بالآخر، أو قل يتبادلان التأثير، ووفق هذا الفهم، فإن تقييم العمل الفني ينبغي أن يتم خلال النظر إلى الصور بوصفها لبنة في بناء، أو وحدة في كل، وعلى أساس هذا الفهم صار من الممكن الحديث عن نوعين من الصور:‏

الصورة النامية: وهي التي تسيطر على الألفاظ، ويتسع مدارها بطول تأملنا لها، وتهبنا إشعاعات وطاقات ورؤى كلما عاودنا قراءتها.‏

الصورة الثانية: وهي التي تحددت أبعادها، ووقف نموها، وسيطرت عليها الألفاظ وظلت ذات مدلول إشاري واحد، جعلها أشبه بالتقرير البحت.‏

ويرى د. نعيم اليافي: أن أهم ما يميز الصورة في الشعر القديم؛ هو التقريرية، والمباشرة، والتصميم وأن وظائف الصورة في الشعر الحديث تقوم بمهمتي: التأثير والإيحاء، وفرق بين المفهومين، فالصورة في المفهوم الأول صرفية تسجيلية واضحة نابعة من تفكير مجرد، لا تغوص في أعماق الأشياء، ولا في أعماقنا، لأنها مما نعرف، وهي في المفهوم الثاني تستخدم لتؤثر لا لتوصل، وتوحي بالتجربة في أعماقها وأبعادها متخطية الدلالة الأولى للكلمات إلى قراءة خلفياتها: ما فوقها وما تحتها وما وراءها. (42).‏

* رواد النقد العربي الحديث وتأثرهم بالنقد الأوربي:‏

يعتبر الشيخ حسين المرصفي (0 ـ 1889)، في كتابه (الوسيلة الأدبية للعلوم العربية) أول من قدّم رؤية نقدية عندما توجه نحو وحدة القصيدة، ويعارض ابن خلدون في مقدمته عن (نقد الشعر) في وحدة البيت، ويرفض المرصفي هذا الفهم، بينما يصنع الجودة مقياساً للحكم على الشعر.‏

علماً أن الكثير من النقاد ومؤرخي الأدب الذين جاؤوا خلال عقود أعقبت المرصفي قالوا: إن المرصفي من أوائل الذين تنبهوا إلى الوحدة الفنية وقد أثرّ بالعقاد كثيراً. (43). ومحاولة المرصفي ـ على رأي د. بسام فطوس"، تعتبر من الإرهاصات الأولية لتنبه أولي لم يعلل تعليلاً منهجياً، تلته محاولات أكثر نضجاً، تمثلت في رواية مصطفى السحرتي أثناء حديثه عن المفهوم النقدي لوحدة القصيدة، وعنده أن الوحدة هي الرباط الذي يضم التجربة والصور والانفعالات والموسيقى، والألفاظ في وشاح خفي أثيري، ويؤكد أنه بهذه الوحدة تتكامل القصيدة وتدب فيها الحياة.‏

وتقوم الوحدة عند السحرتي على اتجاه الخيالية بالقصيد اتجاهاً موحداً، فإذا تضاربت الصور، وتضارب اتجاهها تذبذبت الوحدة، وهذا ما نلمسه في شعر بعض الرمزيين الذين تتعارض صورهم الخاصة أو رموزهم في القصيد بعض الأحيان، فينتاب الوحدة الوهن، كما يبدو للعقل الواعي. (44).‏

ولا ننكر في هذا الصدد محاولات خليل مطران (1872 ـ 1949)، في تقديم ملاحظات نقدية عندما طالب بالترابط الفني بين أجزاء القصيدة.‏

أما عبد الرحمن شكري الذي يعده مؤرخو الحركة النقدية من أوائل الباحثين في وحدة القصيدة، مستفيداً من تفريق كولردج بين الوهم والخيال، ويصرّ على الوحدة التسلسلية للفكرة في القصيدة.‏

أما عباس محمود العقاد؛ فينفرد بنظريته التي تنصبُّ على وحدة القصيدة منطلقاً من فلسفة الخيال والتصور، لذا عدّه المؤرخون النقديون من أوائل العرب الذين ناقشوا المفهومات الحديثة، والقضايا الجمالية في وقت مبكر نسبياً.. وجاء حديث العقاد عن وحدة القصيدة مدعوماً بفلسفة تدور حول فهم الخيال مستلة من الفيلسوف الألماني (شيلنج) الذي يذهب إلى أن أساس المعرفة لا يدركه العقل إلا بالحدس المباشر أو عن طريق الخيال، ومن هنا تأتي ضرورة الخيال للمعرفة الإنسانية. (45).‏

والمازني من الرواد الذين قالوا بوحدة الموضوع الداعم لوحدة القصيدة: "إن مزيّة المعنى لا تكمن في شرفه بقدر ما تكمن في صحة الصلة التي أراد الشاعر أن يجلوها عليك في القصيدة جملة، فقد يتاح للإعراب عن هذه الصلة في بيت أو بيتين، وقد لا يتأتى ذلك إلا في قصيدة طويلة، وهذا يستوجب أن ينظر القارئ في القصيدة جملة؛ لا بيتاً كما هي العادة (46).‏

وإذا ذكر النفر النقاد السابقون فلا بد من التوقف عند ميخائيل نعيمة الذي كان شديد الحماس لوجهات النظر التي أبداها جماعة الديوان، وقد انتهج نعيمة منهج العقاد النقدي وتابع خطه.‏

أما الجيل الثاني فكان أكثر وعياً للمصطلح النقدي وخاصة في وقوفهم عند وحدة القصيدة ومفهوماتها، فطه حسين ركّز على الوحدة المعنوية في القصيدة، ومحمد مصطفى بدوي ركّز على الوحدة العضوية، ومحمد النويهي ركّز على الوحدة العضوية، وبذا شكل منعطفاً علمياً رائداً في توجيه النقد وجهة منطقية تقوم على أسس علمية. إذ وضع شرطين لتحقق الوحدة الحيوية في القصيدة، الأول، وحدة الباعث أو الدافع الذي دفع المبدع إلى إبداع نصه الشعري، والثاني، وحدة الغاية أو الهدف الذي دفعه إلى نظمها.‏

ويقف محمد زكي العشماوي موقفاً بينياً بين وحدة القصيدة، والوحدة النفسية، مما يعني أن موقفين تناهبا العشماوي حول وحدة القصيدة, الأول حديثه التنظيري عن الوحدة، والثاني في نقده التطبيقي(47).‏

 

يتبـــــع

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244