مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 430 شباط 2007
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

اللسان العربي والفرانكفونية وجراحنا القديمة ـــ د.خالد محيي الدين البرادعي

ـ 1 ـ‏

لؤلؤة جون شتاينبك التي عثر عليها أحد الصيادين في جوف محارة، حاصرت صاحبها المسكين أياماً بلياليها، وهو محاط بالقراصنة والصيادين الأقوى، حتى فكر بالانتحار. لكنه تذكر أن اللؤلؤة لعنة. فقذفها في البحر واستراح. وعاد إلى فقره، ذلك هو محور قصة شتاينبك.‏

لكن اللؤلؤة ظلت لؤلؤة محتفظة بندرتها وقيمتها العالية وإن انفصلت عن كيان صاحبها. أمّا اللسان العربي المبين لؤلؤة الوجود العربي؛‏

التي يحاصرها القراصنة والمستعمرون والمستكبرون منذ عمق التاريخ، فلا يمكن قذفها إلى البحر على شاكلة لؤلؤة جون شتاينبك، لأنها جزء من الوجود العربي، وهي بصمة الإنسان العربي وهويته، وتشكل نسيجه الحضاري وعمقه المعرفي، وارتبطت به عبر مسيرته، تطوراً أو تخلفاً، إشراقاً أو انحساراً. وهذا ما آلم ويؤلم حاملي ألوية الحصار، والذين افتنوا في ابتكار ألوان الأسلحة للقضاء على الوجود العربي بدءاً من لسانه، اللؤلؤة التي تخلقت معه ومازالت تتوهج عبر ألوف السنين.‏

ويؤلم رافعي ألوية الحصار أن ينهض رجل من بين جلدتهم من مستوى "ماسينيون" فيتحدث عن اللسان العربي بلغة العاشق الواجد الموله، فيراه: أقدر اللغات على التطور والبقاء، وأطوعها في التعبير، وأعذبها فصاحة ونطقاً، وأكثر اللغات الإنسانية قدرة على الاستيعاب مما أتاح لهذا اللسان أن يحيا مع العرب ألوف السنين، بدون أن ينقطع جيل عن جيل بحكم الأساس الأصولي الذي ينقل تراث السابقين إلى اللاحقين. ولم يبق عالم لغوي أجنبي ـ محايد ـ لم يطنب في وصف اللغة العربية ويعدد مآثرها، ويذكر أسباب استمرارها.‏

والعرب يعلمون ذلك، وبلغ تعلقهم بلسانهم العربي حدود الفتنة، وتجاوز المحسوس. فرأوا أن اللسان العربي لغة الله والملائكة وأهل الجنة. واشتط بعض المؤرخين العرب في تأريخ اللسان العربي إلى أن عثروا على شعر نسبوه إلى أول إنسان خلقه الله على هذه الأرض. وفي تراثنا أشعار منسوبة إلى آدم باللغة العربية. وهذا شطط ينتمي إلى الخرافات طبعاً. لكن دافعه حب اللسان وتعلقهم به، واحترامه. ويكفي أن يكون كتاب العين بمجلداته الضخمة للخليل بن أحمد الفراهيدي أول قاموس من نوعه في تاريخ الدنيا.‏

وجاء زكي الأرسوزي المفكر ليطور نظرية ابن جني حول أصول اللسان العربي. ليرى في كتابه المهم: عبقرية الأمة العربية في لسانها، أن ألفاظ اللسان العربي مشتقة من أصوات المظاهر الطبيعية. كالهدير. والخرير. والحفيف. وهذا حديث طويل يحتاج إلى أكثر من المجلدات التي كتبها ابن جني والأرسوزي معاً.‏

* * *‏

الذين حاصروا العرب منذ تكون العرب في إطار قومي بعد الإسلام. اكتشفوا أن وجود العربي مرتبط بلغته، وأن اللسان كأساس لإنهاء الوجود العربي برمته، جاءت تتويجاً علمياً منظماً بعد قراءة التاريخ. وبعد أن عرف هؤلاء أن الوطن العربي مزود بقابلية عجيبة للهضم والتفاعل والامتصاص والتذويب، وقادر على تمثل كل ما يهضمه من الروافد الحضارية، ومن المحاولات الشريرة حتى الضربات الموجعة التي توجه إلى الجسد العربي في فترات الراحة والاسترخاء.‏

وعرف هؤلاء أن العرب هوجموا عبر تاريخهم من ثلاث جهات، الشمال والشرق والغرب وعلى امتداد عصور بكاملها، لكنهم ظلوا عرباً وكأن شيئاً لم يكن. وكأن كل ما أحاط بهم من الغزو والحرائق ومحاولات التذويب والاقتلاع، لم تفعل أكثر من تفرقة الصفوف ـ تلك الآفة التي رافقت العرب مع لسانهم ـ وكانت سلاحاً مضاداً يستخدمه الغزاة والقراصنة والسفاحون عبر موجات زحفهم على هذا الكيان العربي، الذي كان ينهض مجدداً بعد كل ضربة أو كارثة زحف ليستأنف وجوده وإسهامه في صنع الحضارة الإنسانية، كما ينهض طائر العنقاء من رماده بعد كل حريق.‏

أليس من نافلة القول والكتابة، تكرار أجناس الهجمات الشرسة التي تزودت بكل عوامل التذويب والتي زحفت على الكيان العربي؟ أجل. لكن الإشارة إلى بعضها يتلاءم مع طبيعة هذا الحدث.‏

السلاجقة هاجموا العرب، وصنعوا لهم مُلكاً امتد من شرقي العراق إلى أواسط الشام. ومعهم لغتهم التي نشروها في الدوائر وعلى المنابر وفي الأسواق، لكن العرب امتصوا الصدمة وذوبوا السلاجقة، واندثرت لغتهم وإلى الأبد، وتحولوا إلى بقايا متناثرة ذابت في الكيان العربي حتى أمحت.‏

والبويهيون هاجموا العرب، ومعهم لغتهم وسلاحهم، وحكموا أجزاء من الوطن العربي، وامتد تأثيرهم وأثرهم إلى وادي النيل بغية امتلاك الوطن العربي كله، لكنهم تفسخوا وذابوا أمام قدرة الجسم العربي على الامتصاص، ونهض العرب عرباً بلسانهم العربي المبين، والذين زحفوا من البويهيين تحولوا إلى خلايا في النسيج العربي.‏

والطولونيون غزو العرب، العراق والشام ومصر، ولم يكن مصيرهم ومصير لغتهم أفضل من السابقين واللاحقين من المحتلين.‏

والمغول، والتتار، اكتسحوا الوطن العربي بكامله تقريباً فقتلوا بوحشية لا مثيل لها، وهدموا، وأحرقوا الكتاب مستودع اللسان وحاضن المعرفة، وتمادوا في الإحراق والقتل والاكتساح حتى وصلوا إلى مصر، ورسمت بداية نهايتها في عين جالوت الشهيرة كموقع في التاريخ، وعندما لم يبق من آثارهم إلاَّ صور بشرية توحدت بالصورة العربية فيما بعد، لكنها تتكلم العربية التي حملها القرآن والشعر.‏

وجاء الصليبيون في تلك الغزوات الحاقدة المنظمة التي استمرت مائتين إلاَّ خمساً من السنين، حكموا خلالها سواحل الشام ومصر، وكانوا يتبارون في القتل ويتساجلون في الإبادة، وبلغ توغلهم بين العرب بعد إنشاء دويلاتهم أن بعض الحكام العرب كانوا يستنصرونهم على حكام آخرين من العرب، وعندما حُددت نهاية وجودهم بدءاً من حطين، وعاجلهم الذوبان، ذابت لغاتهم معهم لتنهض من جديد لغة الضاد، ومن أغرب المصادفات أن البقية الباقية من فلول الصليبيين رحلوا جماعات وقوافل في صحارى العرب، واستقر آخر رجل منهم في الجزيرة العربية وهم المعروفون بـ "عرب الصليبية" أو الصلب، أو الصلبة. ومازالوا يتناسلون ويحيون إلى الآن على أرض الجزيرة الطيبة. لكنهم فصحاء اللسان ببداوتهم وحضارتهم. وبمهنة الحدادة التي يحترفونها ـ على ذمة المؤرخين السعوديين المعاصرين ـ ولكنهم على امتداد القرنين لم يستطيعوا اقتلاع الإنسان العربي من أي جزء مارسوا سيادتهم عليه، لأن العربي مسلح بلسان لا يزول.‏

وعلى امتداد أربعمائة سنة ـ تقريباً ـ هي عمر الحكم العثماني في العالم والوطن العربي، حاول العثمانيون فرض اللغة التركية إلى جانب العربية أولاً، ثم حجبوا الوظائف عن العرب الذين لا يجيدون اللغة التركية، وبعد خلع السلطان عبد الحميد وحرائق العنصرية الطورانية حاول الأتراك حرق اللغة العربية عن طريق التتريك الإجباري ـ معتمدين نظرية مدحت باشا في دستوره الشهير ـ ونصبوا المشانق والخوازيق وحاولوا ـ اختراع تاريخ جديد للعالم، تكون اللغة التركية فيه محور التعامل، وظهرت نظرية شمس اللغات التي هي اللغة التركية.‏

لكنهم ذهبوا بعد أن تاهت جحافلهم على أرض الشام وانخلعوا من التاريخ كالشوكة المسمومة وانهارت نظرية "شمس اللغات" أمام المد الجديد للإنسان العربي ولسانه المبين. كان هذا خلال الحرب العالمية الأولى، ودول الاستعمار كانت تراقب بعد أن درست الظاهرة بوعي وذكاء. ولكي لا ينهض الإنسان العربي قوياً موحداً معافى كطائر الخرافة من جديد. ركز مفكروها على تحييد الإنسان العربي عن لغته. وكان هذا الهجوم ممنهجاً، مغلفاً بالعلمية، مثقلاً بالحياد وحب المعرفة. لكن كيف؟‏

تتبع الجنرالات خطا الآثاريين والمكتشفين الذين انبثوا كالجراد في الأرض العربية من طنجة إلى البصرة، ومن حلب إلى عدن. يحصون عليهم أنفاسهم ويراقبون حركات أصابعهم، وتعاون الفريقان فريق العلماء المكتشفين وفريق الجنرالات المستعمرين على وضع تسميات ذات خصوصية للبؤر الحضارية المكتشفة على الأرض العربية، وأرفقوا تلك التسميات بخرائط تثبت انفصال الهنا عن الهناك. وانقطاع القديم عن الأكثر قدماً. فقرروا أن الفينيقيين الذين توطنوا غرب سورية "أمة" لها خصوصيتها الحضارية ولغتها الخاصة. علماً أن الفينيقيين قبيلة عربية خرجت من أرض "دلمون" البحرين. ومن ساحل عمان الشرقي.‏

وقرروا أن الفراعنة أبدعوا حضارة ما أبعدها عن العرب وعن العروبة وعن اللسان العربي المبين.‏

وقرر أن المغرب العربي ـ مراكش ـ الجزائر ـ تونس، ينتمي إلى حضارة بربرية والبربر لهم لغة خاصة هي الأمازيغية وأن العرب دمروا تلك الحضارة وفرضوا لسانهم بالعنف فتقلص البربر وانحسرت "الأمازيغية".‏

وقرروا أن العراق ملاذ لحضارات ـ ليست عربية ـ سومرية ـ بابلية ـ أكادية، وكانت علاقات هذه الحضارات مع العرب في "جزيرتهم" علاقات احتلال وصراع وعداء. لكنهم ليسوا شعباً واحداً على أي حال. ولكي يضمدوا أو يستروا هذه السورة العلمية المشينة وضعوا التساؤلات المريبة أمام الأصول العرقية والجغرافية التي تنتمي إليها تلك الحضارات. فجاء السوريون من بلاد الواق واق. والأكاديون من المريخ. والبابليون من العالم السفلي. لكنهم ليسوا من جنوبي الجزيرة العربية.‏

ولأن أوروبا بكاملها وأمريكا بجملة ولاياتها تريد أن تتخلص من اليهود الذين تحس حيالهم بالعار. وبعد أن طاردت أوروبا فلول اليهود عبر التاريخ المسيحي كله، بالكرابيج والحرائق والزفت والحجر وزيت الكاز. اخترع علماؤها نظرية عجيبة مفادها أن عرب فلسطين ليسوا عرباً. إنما هم مجموعة مغامرين بحريين هبطوا عليها من الشمال واستوطنوها. أمّا اليهود الذين اعتنقوا اليهودية ديناً في القرون المسيحية المتأخرة. سواء كانوا في روسيا أو في القوقاز أو في أواسط أوروبا فهم "أهل فلسطين الأصليون" هل فهم أحد عبقرية النظرية الغربية؟‏

ولأن هذه الدعوات المزيفة والمبنية على أساس استعماري قوي يحكم العالم. استجاب لها بعض العرب، وتبنوها كمسلمات علمية. فنشأت في مصر جبهة مسلحة بالعلم والمعرفة والإعلام، تدعو إلى إحياء الحضارة الفرعونية والانفصال عن العرب. لكن الجبهة سقطت لأنها تفتقر إلى الأساس الحضاري الأول وهو اللغة. ولأن العربية هي اللسان الذي يدافعون به عن لسان مفقود، وعن حضارة دارسة.‏

سقطت دعوتهم في مكانها بعد محاولة ترقيعها بنظرية لاحقة. مفادها: إننا فراعنة نتكلم العربية، ولأن حالة من السخرية وقعت فيها الدعوة. سقطت وإلى الأبد.‏

أمّا الدعوة الفينيقية فلم تجد أمامها إلاَّ اللهجة "الزحلاوية" التي ادعى مؤسس الدعوة وكبير جنوده الذي علّمهم السحر سعيد عقل، أنها هي اللغة الفينيقية الأصلية خاصة عندما تكتب بالحرف اللاتيني. ولا نعرف كيف يسقط شاعر من مستوى سعيد عقل في هذه الحفرة؟ فينسى أن الكلمة التي تبدل إعراب حرف فيها لا تتحول إلى كلمة من لغة أخرى. وهل إذا كتبنا اسم سعيد عقل: سعيد عأل. يخرج من جلده العربي ويصبح مخلوقاً ينتمي إلى أمة أخرى؟ هذه المضحكات المبكيات رافقت الدعوات الشعوبية والإقليمية المشبوهة وكانت كفيلة بإسقاطها في مصر والعراق وبلاد الشام.‏

ولاحقت الدوائر الغربية المشبوهة في إحدى فتراتنا التاريخية المخلخلة حضارياً، لغتنا، ولساننا العربي المبين، بالاتهامات والصفات العجيبة. منها تخلّف اللغة العربية عن اللغات الحديثة وعدم قدرتها على استيعاب منجزات العصر، ومنها: أن اللغة العربية لغة للدين لا غير، لكنها لا تصلح لما وراء ذلك. ولماذا لا تفعلون مثلنا. عندما حاصرنا اللغة اللاتينية في الكنائس وصنعنا من فروعها ولهجاتها لغات لشعوب أوروبا؟‏

وقد أوغل المشبوهون الغربيون في تطبيق هذه النظرية فترجم المستر كوكس الإنكليزي مسرحيات شكسبير إلى اللهجة المصرية العامية. وحمدنا الله على أن شكسبير مات واستراح قبل أن يطلع على هذه المهزلة، ولم يسمع المستر كوكس ينادي هاملت: شرفت مصر يا بيه.‏

لكن المستر كوكس مات. ودعوة سعيد عقل لم يبق لها غير سعيد عقل نفسه. ومسرحيات شكسبير بقيت شامخة بلغتها الأصلية وبترجمتها العربية ذات اللسان المبين. ورحل أصحاب الدعوة الفرعونية ولم يتركوا أثراً.‏

لكن كل الدعاوي التي تسلحت بنظرية قصور اللغة العربية "وتخلفها: ساقطة لاغية أمام الوقائع التي تحققت في التاريخ وفي العصر الراهن. ففي العصر العباسي الذي شغل العرب بالنحو وجمع شوارد اللغة وصناعة المعاجم وتدوين اللغة وتسجيل آدابها، في تلك الفترة استطاعت اللغة العربية أن تمتص كل ما نقله العرب من علوم وآداب الأمم الأخرى. ولم يجد العرب أي إرباك خلال عملية انتقال اللغة العربية من لغة للعرب إلى لغة للعالم. واحتلت نفس الموقع الذي تحتله اللغة الإنكليزية في عصرنا. وما أظن أن واحداً من الأحياء اليوم يجادل في صحة هذا السرد التاريخي لموقع اللسان العربي في تلك الفترة.‏

وفي عصرنا الراهن قررت سورية بصفتها قلب العروبة ومرسخة الانتماء العربي، أن تدرِّس كافة العلوم في جامعة دمشق أولاً باللغة العربية. ثم في الجامعات اللاحقة، من آداب وعلوم، من الطب إلى الهندسة إلى الزارعة إلى الطيران إلى الفلسفة إلى التربية إلى الرياضيات إلى الصيدلة إلى الاقتصاد إلى العلوم السياسية. إلى كافة الأقسام العلمية التي تدرّس في جامعات العالم المتقدم. ولم نسمع أي عالم أو خبير أو هيئة علمية عالمية تعيب على الخريجين في جامعات سورية قدراتهم العلمية، أو تشكو من قصورهم العملي لأنهم هضموا المعرفة الإنسانية المعاصرة بـ "اللسان العربي" والمواقع العلمية التي يتبوَّؤونها في أي مكان يذهبون إليه. هو الدليل على قدرة اللسان العربي المبين، وتقدمه بين لغات الشعوب والأمم.‏

أمّا الواقعة الثالثة فتتلخص في الترجمة. ترجمة العلوم والآداب العالمية إلى اللسان العربي. فمنذ بدايات عصر النهضة في أوائل القرن التاسع عشر أحس العرب بضرورة الاطلاع على ما يدور في أرجاء الدنيا من حولهم. فنقلوا كل ما أنجزه العالم تقريباً قديماً وحديثاً في مجالات المعرفة. وتحوّل الكتاب المترجم إلى جزء من الحقول المعرفية للإنسان العربي، ولم نسمع من يقول أن اللغة العربية عجزت عن نقل المعرفة الإنسانية إلى العرب.‏

أذكر أن فيلسوف الفكر المعاصر الراحل زكي نجيب محمود قال لي بالحرف الواحد: لو قدّر لملفل أن يكتب روايته الكبيرة: موبي ديك، باللغة العربية، لما استطاع أن يكتبها أفضل مما ترجمها إحسان عباس. فقلت مستفهماً: هل تم هذا الإنجاز بفضل المترجم لمعرفته أسرار اللغة الإنكليزية؟ قال: هل نسيت عبقرية اللغة العربية التي ساعدت المترجم على نقل الرواية الكبيرة المعقدة اللغة والمصطلحات؟.‏

* * *‏

ولكي تتلاحق الضربات وتكثر الأكاذيب تحقيقاً لنظرية أحد الساسة الأوربيين: اكذب. اكذب. اكذب. مثنى وثلاث ورباع. فلابد أن يصدقوك في النهاية. اخترع أحدهم نظرية اللغات "السامية" وافترض أن لغات المنطقة: العربية والعبرية، والآرامية، والحبشية. تنتمي إلى لغة "مفقودة" لا يعرف عنها شيئاً واصطلح لها اسماً هو: اللغة السامية.‏

لكن هذا السويسري. كان يفكر بالأمر وفي ذهنه اللغة اللاتينية التي تفرعت لغات أوربا عنها. فأسقط النظرية على لغة موهومة. ولم يخطر على ذهنه أن اللغة العربية التي قاومت حالات الفناء والذوبان هي نفسها اللغة "السامية" التي يبحث عنها. لأن غناها بالمفردات والصفات وقابليتها المذهلة للاشتقاق والتوليد واستمرارها في التاريخ وقدرتها على الاستيعاب. كل تلك الخصائص حجبت عنها الإبادة والانقراض كما انقرضت لغات في أحقاب التاريخ.‏

ولأن العرب كانوا في حالة سبات لحظة اخترع السويسري هذه النظرية الساذجة صدقوه. وتبارى فريق من المؤرخين العرب إلى إثبات تلك النظرية فطفقوا يلهثون وراء الأدلة والشواهد ليكسبوا ثقة "العلمانية" الأوروبية، ويحصلوا على نياشين تشهد بـ "عبقريتهم" فصدقوا موافقين على أن النقوش المكتشفة على شواهد القبور في البلاد العربية والتي لا يرقى أقدمها إلى أبعد من الشعر الجاهلي الذي بهرنا وأسرنا هذه النقوش برأي "علمائنا" أو "قساتيذنا" هي الدليل الملموس على تكوّن اللسان العربي وبدايات تطور اللغة. وأن سذاجة هذه النقوش مقارنة وموافقة للغة العربية وهي في طور سذاجتها.‏

لنناقش هذه النظرية على مذهب الأعرابي الذي قال: إن البعرة تدل على البعير، وأثر السير يدل على المسير، فكيف بالسموات والأرض لا تدلان على اللطيف الخبير.‏

أولاً: الذين كتبوا تلك النقوش على الحجارة، وشواهد القبور ليسوا علماء كتابة بالضرورة، ولم نعلم أن رجالاً من مستوى الجاحظ، أو ابن قتيبة، أو الأصمعي، أو الخليل بن أحمد الفراهيدي. صنعوا شواهد قبور بعد الإسلام أو شاركوا في كتابتها. مما يدفعنا إلى الشك أولاً بالقدرة اللغوية ومدى المعرفة الكتابية لأولئك الذين كتبوا تلك النقوش، في عصرٍ جاهلي مبكر أو متأخر.‏

ثانياً: المعرفة العربية كانت حضارة شفاهية وهي سابقة لعصر الكتابة بزمن لا يعرفه إلاَّ الله. والدليل أن تسعين بالمائة من الشعراء الجاهليين الكبار ليست لهم معرفة بالكتابة، لا نقشاً ولا تدويناً.‏

ثالثاً: عندما نزل القرآن الكريم دوّنه كتبة الوحي بالتتابع عقب فترات نزوله. والذين دوّنوه كانوا علماء كتابة في ذلك العصر وهو آخر العصور الجاهلية. وهم بالاستدلال متطورون بمعرفة الكتابة إلى الأفق الأعلى في عصرهم. هؤلاء لم يكتبوا الكلمة كما تُلفظ. وألغوا الألف الممدودة في وسط الكلمة سواء كانت فعلاً أم اسماً، فكتبوا: مشارق الأرض ومغاربها: مشرق الأرض ومغربها، وكتبوا: باركناهم وأغرقناهم: بركناهم، وأغرقنهم. وكتبوا التاء المربوطة تاء مفتوحة مثل: كلمة ربك: كلمت ربك. وكتبوا: طائرهم: طئرهم. وكتبوا: الصالحات: الصلحت، وكتبوا كلمة: افتراه: افتره.‏

هذه نماذج من الكلمات التي ظلت في القرآن كما كتبها كتبة الوحي أول مرة حفاظاً على قداسة التنزيل. لكن هل نلفظها نحن كما هي مكتوبة في القرآن؟ ويتعقد الأمر أكثر بين الكتابة واللفظ عندما نعلم أن التنزيل العظيم كتب بدون نقاط. وسأقوم بنقل آية واحدة من القرآن قبل ضبط حروفه وشكله وتنقيطه في العصر الأموي: (مال تقوم ارايتم ان كنت على بينه من ربي وانني رحمه من عنده فعمت عليكم انكرتموها وانتم كارهون(. هكذا دوّن كتبة الوحي القرآن الكريم لحظات نزوله. ولم يتبين شكل هذه الحروف ونوعها وحركاتها!" إلا في أواخر القرن الهجري الأول. والحجاج الثقفي هو صاحب الفضل في إحداث نقاط الحروف وحركات إعرابها. فهل يرى "علماؤنا" اللاهثون وراء أساتذتهم في أوروبا ليحصلوا على النياشين وشهادات الاعتراف، أن كتابة القرآن بالطريقة التي كُتب بها دليل على "سذاجة" لغة القرآن؟ إن الإجابة عن هذا السؤال بالتحديد، تلزمنا برفض الاستدلال بالنقوش على تاريخ اللغة. لأن النقوش كما رأينا دليل مضلل ومرشد أعمى.‏

وكيف لا يخطر على أذهان هؤلاء الطيبين هنا وهناك. أن الشعب الذي منح السيف. أو الناقة، أو الأسد، أو النار مئات الصفات لم يرتجلها ارتجالاً. بل أضافها إضافة وفق الحالات والمواقف على امتداد ألوف السنين؟‏

لكن هذه النظريات التي تسابق واضعوها لإضعاف ثقة العربي بلغته. وطواعية لسانه، ومخزونها المعرفي الهائل. حيناً بقصورها، وحيناً بقدمها وعدم قابليتها للتعامل مع معطيات العصر. وحيناً ثالثاً بغنائيتها واحتفاليتها. وأنها ليست لغة علم، وإن كانت لغة دين.‏

هذه النظريات اللاغية والمتهافتة تحولت بفعل الإلحاح والتكرار والاستلاب إلى طعم ابتلعه بعض أهلنا وأحبتنا في الجناح المغاربي من وطننا. وسأقول كيف:‏

ـ 2 ـ‏

عندما احتلت القوات الفرنسية الجزائر عام 1830، وفتحت عيونها الجائعة على ربيع الشمال الأفريقي ـ العربي تاريخاً وحضارة ولساناً وديناً ـ أسمت ذلك الغزو الاستعماري الكاسح: فتحاً. وحاولت إقناع العالم بأن الجزائر جزء من فرنسا. كما أحلت الدول الكبرى وهي: بريطانيا وفرنسا وروسيا فيما بعد وخلال الحرب العالمية الأولى. أحلت لنفسها توزيع المنطقة العربية برمتها غنائم حرب فيما بينها في مؤامرة سايكس بيكو الشهيرة. واقتسمت الوطن العربي على الخريطة أولاً بالأقلام الحمراء والزرقاء والبنيِّة. وكأن الوطن العربي الثائر آنذاك والمستيقظ من كابوس تركيا ذي القرون الأربعة. لا وجود لأناسه ولا لتاريخه ولا لحضارته ولا للغته. بحكم قانون القوة الذي ساد التاريخ الإنساني منذ بدء الخليقة حتى الآن.‏

ولأن العقلية الاستعمارية الفرنسية تعلم ربما أكثر من بقية الدوائر الاستعمارية الأخرى، قيمة اللغة العربية في عقول الجزائريين، وأن كافة عرب شمالي إفريقيا يربطون بين الإسلام ولغته ربطاً قداسياً. ولأنهم لا يستطيعون اختراق الوحدة اللسانية الروحية للإنسان الجزائري أولاً. قرروا عزل الإنسان عن لغته عبر سلاحين. السلاح الأول: تعميم اللغة الفرنسية بالقوة كلغة أولى تتلقاها الأجيال. واعتبار اللغة العربية لغة ثانية يمكن اختيارها اختياراً. وطبقت هذا المبدأ بالعنف كما هو معلوم. أمّا السلاح الثاني وهو الأخطر والأخبث. فتلخص في تجنيد فريق من العلماء الفرنسيين تحولوا إلى حاشية علمية للسلطة العسكرية الحاكمة في الجزائر. مهمتهم غسل أدمغة الجزائريين وتصوير اللسان العربي كمضاد للتطور ومعاكس للحضارة، ومخالف للعلم، وأن اللغة العربية لا تصلح لأكثر من الشعائر الدينية والشعر. أمّا لغة العلم فهي الفرنسية.‏

وكانت تعقد في فرنسا مؤتمرات علمية لتعليم كره اللغة العربية، وعدم قدرتها على هضم الحضارة الفرنسية، وتوصيل مبادئ الثورة الفرنسية إلى الجزائريين، وكانت الدولة تنفق على تلك المؤتمرات كمنجزات علمية تحتاج إليها فرنسا من أجل فرنسة الجزائر كما تنفق على جيوشها.‏

وكما قلنا آنفاً. بلع بعض الجزائريين هذا الطعم، وتحولوا إلى جنود في خدمة الاستعمار الفرنسي، يلهثون وراء الأكثر معرفة والأقوى نفوذاً، وكان الإحساس بالدونية الذي يلاحق المغلوبين والمهزومين والمستضعفين يسيرهم وراء الجبهة المستعمرة.‏

وكانوا كلما تقربوا من اللغة الفرنسية، اتسعت الهوة بينهم وبين اللسان العربي، ولأن اللسان جزء من النسيج الحضاري للإنسان، كان طبيعياً أن يبتعد هؤلاء المتفرنسون عن الأصول العربية. ومع امتداد الزمن أصبحوا أعداء لما يجهلون. والمجهول بالنسبة إليهم هو اللسان العربي المبين، بتاريخه وتراثه وحضارته ومنجزاته في أحقاب التاريخ.‏

في هذه المنطقة يقف الدكتور عبد الله الركيبي. ويبدع كتابه الهام: الفرانكفونية. ليكشف، ويضيء. ويعرف. ويحلل. بلغة العالم وأسلوب الأديب، وتخرج هذه الدراسة من مرحلة التعريف بكتاب إلى موقع التعرف الدقيق على خطورة ظاهرة. قد تكون من أخطر الظواهر التي تنخر كالداء في الجانب المغاربي من الوجود العربي.‏

يحدد الدكتور ركيبي معنى الفرانكفونية، والفرنسيين الذين اصطلحوا هذه التسمية، وكيف ظهرت إلى الوجود الجزائري بعد عام 1962 وهو عام الاستقلال الذي توج حرية الشعب الجزائري فوق دماء مليون شهيد، وكيف أن الذين روّجوا ظاهرة الفرانكفونية كانوا يعتمدون على الجزائريين المفرنسين الذين نسوا أصولهم القومية وانتماءهم الحضاري ولسان أمتهم. ليتحولوا إلى جبهة صنعها الاستعمار الفرنسي لكن من الشعب الجزائري نفسه هذه المرة وليس من صفوف العسكرية الفرنسية.‏

ويصل بنا الدكتور ركيبي إلى حدود القناعة بأن التحول اللغوي والاستلاب الحضاري والذاتي. أدى بهؤلاء المتفرنسين إلى خلع جلودهم والعمل على تعميق ظاهرة الاستعمار تحت شعار التقدم والحضارة والتفوق على بقية فصائل الشعب العربي. وهذه الظاهرة حرب تفتيت داخلي، وتمزيق ذاتي يمارسه العربي على نفسه وهو في قعر داره.‏

ولم يغفل الدكتور ركيبي مقولة الجنرال ديغول الذي رفض أسلوب الاستعمار التقليدي المحقق بقوة السلاح، ولابد من آليات جديدة في التعامل مع الشعوب التي زرعت فرنسا فيها اللغة الفرنسية. وهذا يعني تحويل اللغة إلى أيديولوجية تحمل الفكر الاستعماري بكل قنواته السياسية والثقافية والحضارية بكامل الرضا والطواعية وبدون أي عنف، وهذا يكذب دعاوى الجزائريين الذين خلعوا جلودهم طوعاً وادعوا أن الغرض من تعميم اللغة الفرنسية توجه إنساني يعني الرقي والانفتاح على الغرب.‏

ويعرج الدكتور ركيبي على كشف الأقنعة عن الأحزاب التي تشكلت في أقطار المغرب خلف شعارات الوحدة العربية، ورأى فشلها من خلال تكوينها في ظل التوجه الاستعماري نفسه. لأن اللغة والثقافة والانتماء لمؤسسي هذه الأحزاب فرنسية بأصولها وبعيدة عن تطلعات الإنسان العربي. وكأن الفرانكفونية بدأت تحقق الأهداف السياسية المستترة وراء الثقافة. أو خلف القناع المعرفي بعد خروج فرنسا من الجزائر بزمن طويل.‏

وعندما تحدث عن الأدب المغاربي وهو يرفض هذا المصطلح، رأى أن الأدب القصصي والروائي والشعري والمسرحي والنقدي الذي كتبه عرب المغرب باللغة الفرنسية هو أدب إقليمي معزول. لأنه بعيد عن الشمولية القومية التي تكونت ضمنها آداب عرب المشرق. وبعيد عن الأدب الأوربي بحكم اغتراب جذوره وإن كتب باللغة الفرنسية. واستشهد بأسماء لكُتّاب مغاربة وأشار إلى نصوصهم. وكيف أن كتاباتهم جاءت تعبيراً عن اغترابهم الطوعي. وتطلعهم إلى أقطار أوروبا لمحاولة تهديم كل الجسور بينهم وبين عرب المشرق، وهذا ما كانت ترمي إليه الفرنكفونية كإيديولوجيا.‏

والمؤلف يرى الرأي الذي نراه هنا في الشام حول علاقة اللغة بتفكير صاحبها. ويرى أن اللغة هي الهوية، وهي نسيج الإنسان المعرفي وبصمته في الوجود. ويستشهد المؤلف بكاتب ياسين الذي تحول جهله باللغة العربية إلى دفاع مستميت عن الحضارة الفرنسية التي يكتب ويعبر بلغتها. إلى أن اعتبر العروبة خرافة. وأن اللغة العربية الكلاسيكية يجب أن تموت كما ماتت اللغة اللاتينية.‏

وليست الدعوة إلى الكتابة باللهجات الدارجة في الأقطار المغاربية إلا ثمرة ناضجة من الشجرة الفرنكفونية التي غذتها فرنسا واستساغها أهلنا ـ أو بعضهم ـ في الجناح المغاربي.‏

وحديث الدكتور ركيبي عن التعريب حديث موجع مفجع. لأننا هنا في الشام لا نعرفه من الداخل. وكان مفاجئاً لنا فعلاً. فحملة التعريب التي من شأنها إنقاذ عرب الجزائر من الازدواجية ومن الاغتراب اللغوي لم تكن جادة. وإن كان السلطان السياسي هو الذي رفع لواءها منذ الاستقلال إلى اليوم. ويرى أن الذين حكموا الجزائر بعد الاستقلال هم الفرنكفونيون. وضمن هذه الواقعة فشلت حملة التعريب وانتصبت أمامها الحواجز ومازالت الفرنكفونية سائدة بخطرها ونتائجها. ومن هذه الأخطار أن مواقع القرار أو المراكز الحساسة محرمة على العروبيين حتى لو كانوا يمتلكون أرقى المؤهلات وأغناها. وأن القرار السياسي والقرار التربوي ظلا بأيدي الفرنكفونيين الذين يتهربون من الانتماء القومي لباقة أو فجاجة بحكم تكوينهم الفكري والنفسي والذي هو تكوين لغوي أولاً.‏

وتتستر الفرنكفونية بوجه جديد بعد أحداث أكتوبر 1988 الدامية في الجزائر. وترى النزعة الاستعمارية فرصتها للظهور في تلك المرحلة التي نشأ عنها واقع خاص في الجزائر. فالعروبة متَّهمة بتسميات وأوصاف لا أساس لها. ووجه إسلامي جديد تفجر على ساحة الأحداث لا يؤمن بالعروبة. ونهضت فكرة إحياء الأمازيغية كاتجاه سياسي ولغوي. وساد الشارع الجزائري شعارات عجيبة مثل: الجزائر الإفريقية، والجزائر الأمازيغية، والجزائر الجزائرية، ولعل من أخطر هذه الشعارات التي رفعت: الجزائر الفرنسية. مجدداً بعد استقلالها أكثر من ربع قرن.وتضاعف عدد الصحف التي تحمل أفكار وآراء المتفرنسين. وعلت أصوات تطالب بفرض اللهجة البربرية كلغة حية إلى جانب العربية والفرنسية.‏

ولا يجوز إغفال النعرة الشعوبية الجزائرية التي تخلقت في حضن الاستعمار الفرنسي. تلك الفئة التي تناصر وتهاجم أي اتجاه يتحرك ضدها أو معها. فهؤلاء الشعوبيون يناصرون الإسلام عندما يتجه نحو أوروبا ـ فرنسا خاصة ـ ويعتبرونه إسلاماً حقيقياً، ويهاجمون الإسلام عندما يتجه الإسلام الجزائري توجهاً عربياً نحو أصوله الأولى.‏

ويتجه الدكتور الركيبي نحو المشرق ليبحث آثار اللغتين الفرنسية والإنكليزية على المثقفين بهما في المشرق العربي. فلا يرى أي أثر إيديولوجي لبريطانيا أو فرنسا لدى المثقفين بلغتيهما، ويضرب الأمثلة التي يجيء أولها طه حسين. وكيف أنه لم يتخل عن عروبة لغته ولا عن انتماء مصر القومي. ومثله معظم كبار المثقفين المشارقة. في مصر والشام والعراق، وعلى رغم وقوع طه حسين أولاً في إطار الإقليمية المصرية ـ التي تخلى عنها فيما بعد ـ ظل من المدافعين عن قدسية اللغة العربية. ومن أساطينها المؤصلين والمرسمين. ورفض بشراسة وقوة فكرة إحلال العامية مكان العربية الأم.‏

ولم ينس ركيبي الإشارة إلى أن الكُتّاب المغاربة الذين يفوزون بجوائز فرنسا الكبيرة مشبوهون في توجههم ومعالجاتهم وفرنسا لا تمنح جوائزها لمن يكتبون بالفرنسية وحسب. بل للذين يصورون عرب المغرب صوراً ساخرة مقززة. ويهزؤون بالقيم التي يؤمن بها عرب المغرب.‏

وكان هذا الكتاب الغني الثمين سجلاً جديداً لبعض الأدباء المغاربة الذين كنا نحترمهم ونتعاطف معهم لأنهم ـ كما كنا نظن ـ هنا في الشام. أنهم فرنسيو اللغة بحكم الإكراه، لينزع أديبنا ركيبي عنهم هذا الستار. فنراهم عراة حتى العظم. بنواياهم وتطلعاتهم العدائية لا للعرب والعروبة وحسب. بل لأنفسهم كذلك. لأنهم ينتحرون ببطء.‏

* * *‏

إن كُتّاب الفرنكفونية مشرقاً ومغرباً يشكل ظاهرة تُدرس بوعي ودقة، ويطلعنا على الظاهرة في موقعها التاريخي. ويكشف الأغطية عن كثير من الوقائع التي إن كنا نعرفها، فمعرفة الملامسة لا معرفة السبر العميق، ولعله ينفرد ببحث ظاهرة الاغتراب اللغوي التي تجذرت في المجتمع المغاربي لتتحول إلى إيديولوجيا تستلب عرب المغرب بتصميم وتخطيط.‏

فالفرنكفونيون في المغرب ـ الجزائر ـ تونس ـ ليسوا مجرد كُتَّاب فتنهم سحر اللغة الفرنسية كأداة ثقافية، بقدر ما تحولوا إلى خطر على تاريخ المغرب العربي، لفصله حضارياً عن المشرق العربي. كما يعملون بدأب وجد ـ المضللون منهم والمصممون ـ على تحييد الأجيال الشابة عن مسار التواصل الحضاري مع أصولهم. ووضعهم غرباء في وطنهم مغتربين عن تراثهم. مبعدين عن لغتهم التي هي هويتهم وبصمة وجودهم.‏

والأخطر الأخطر لهذه الظاهرة. أن ما حدث عام 1988 في الجزائر لم يكن وليد الأخطاء السياسية في ممارسة السلطة، بقدر ما كان نتيجة للمقدمات التي خطتها الفرنكفونية بذكاء وخبث. وكانت الدوائر الاستعمارية تعمل لتأجيج ذلك الخبث من وراء ستائر التقدم والحضارة.‏

والإشارات المجزوءة والمبتسرة لفصول الكتاب والنقاط الهامة فيه لا تعني الغنى عن قراءته. وإذا كان لنا اقتراح أو رأي حوله، فهو إعادة طبعه وتوفيره لعرب الشام كافة ليطلعوا على ما يدور في الدوائر الاستعمارية الغربية التي تخلت عن المدفع والدبابة في الاحتلال والقهر. ولجأت إلى الفكر كسلاح أخطر. لكنها سلمته هذه المرة لمن تريد أن يقتلوا أنفسهم به. أو على الأقل يبحثون عن متاهات الاغتراب والاستلاب من خلاله.‏

والكتاب الذي أثار مواجعنا، ونكأ جراحنا القديمة. أثار فينا مجدداً تعلّقنا بالأصول، التي هي أسس وجودنا. كما نحن تتمة واستمرار لها.‏

اللسان العربي والفرانكفونية‏

العدد430‏

36‏

2007‏

العدد430‏

45‏

2007‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244