|
||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
أشكال التناص الشعري شعر البياتي نموذجاً ـــ د.أحمد طعمة حلبي التناص Intrtextuality مصطلح نقدي جديد وفد إلينا مؤخراً من الدراسات النقدية الأجنبية وأخذ مكانته في الساحة النقدية العربية المعاصرة، وهو يعني، فيما يعني، حدوث علاقات تفاعلية أو وشائج بين نص وآخر، أو بين نص ونصوص أخرى، وقد تعددت التيارات والمذاهب النقدية التي تبنته، كما تعددت تعريفاته ومعانيه وأشكاله وآلياته من ناقد لآخر، ومن مذهب نقدي لآخر. وفي بحثنا هذا سنحاول أن ندلي بدلونا في هذا المجال، فنقدم اقتراحات وتسميات لما يسمى (أشكال التناص)، وسيكون مجال تطبيقنا النقدي الإجرائي منصباً على نتاج شاعر معروف جداً في ساحة الشعر العربي المعاصر، وهو عبد الوهاب البياتي، وسبب اختيار هذا الشاعر من بين أقرانه من الشعراء العرب المعاصرين، هو كثرة وجود هذه الظاهرة (التناص) في شعره، مما يمد الناقد بمادة شعرية وفيرة، تسهم بشكل فعال في إنجاح هذه المقاربة النقدية الإجرائية. وقد تبين للباحث أن أشكال التناص الشعري في شعر البياتي يمكن أن تصنف ضمن خمسة أنواع هي: 1ـ التناص الاقتباسي. 2ـ التناص الإشاري. 3ـ التناص الامتصاصي 4ـ التناص الأسلوبي. 5ـ تناص الشخصيات / قناع. وفي بحثنا هذا سنتطرق إلى الأنواع الثلاثة الأولى من التناص، مرجئين الحديث عن التناص الأسلوبي وتناص الشخصيات إلى وقت آخر. 1ـ التناص الاقتباسي: لا تنشأ عملية الإبداع من فراغ، إذ لا يمكن لأي مبدع أن ينطلق من الفراغ أو اللاشيء. والبياتي ـ كغيره من الشعراء ـ كثيراً ما كان يستحضر بعض النصوص الشعرية، أو النثرية القديمة بنصها، هادفاً من وراء ذلك إلى إغناء تجربته الشعرية الخاصة، وربطها بتجارب سابقة، تحمل بعض صفات التجدد والاستمرارية. إن كماً غير قليل من شعر البياتي مقتبس من نتاجات سابقة، وليس ذلك بمعيب، ما دام الهدف من هذا الاقتباس ليس سرقة نتاجات الآخرين، أو التعدي على إبداعاتهم، بل محاورتها والاستفادة منها. فالاقتباس ليس ((عدواناً على أملاك الآخرين، ومحصولات قرائحهم. وسبب هذا أن الطريقة الشعرية تعتمد على التداعي، والتداعي يسوق محمولات تشبه أن تكون ضرورية، تمتد من عناوين الصحف إلى محفوظات أيام الطلب إلى ألف ليلة وليلة...))(1). ويمكن أن نرد التناص الاقتباسي في شعره إلى ثلاثة أشكال: أـ التناص الاقتباسي الكامل المنصص. ب ـ التناص الاقتباسي الكامل المحوَّر. جـ ـ التناص الاقتباسي الجزئي. أ ـ التناص الاقتباسي الكامل المنصص: وهو أن يعمد الشاعر إلى نص مستقل ومتكامل بذاته، سواء أكان بيتاً، أم أبياتاً شعرية كاملة، أم شطراً من بيت شعري، أم جملة نثرية كاملة، فيقتطعه من سياقه السابق، ويضعه في نصه اللاحق على حاله، من دون أن يغير في بنيته الأصلية لا بزيادة ولا بنقصان، ولا بتقديم ولا بتأخير. سواء في ذلك أوضعه ضمن علامتي تنصيص أم لا. وأجلى نص شعري يتحقق فيه هذا النوع من التناص الاقتباسي نجده في قصيدة البياتي (كلمات إلى الحجر)، ففي المقطع الثالث منها المعنون بـ (قال طرفة بن العبد) يقتبس البياتي أربعة أبيات من معلقة طرفة بن العبد، متفرقة الترتيب، من دون أن يحدث فيها أي تغيير أو تحوير، أو حذف أو إضافة. يقول البياتي(2):
ومما لا شك فيه أن الأبيات الأربعة السابقة ـ اقتبسها البياتي من معلقة طرفة، والتي تمثل موقف طرفة الرافض لقيم مجتمعه وعاداته، وتعبر عن تمرده على عشيرته التي نبذته، كما ينبذ البعير الأجرب ـ تعبر عن موقف البياتي الرافض لهذا الواقع المتحجر، الذي تعيشه الأمة، ولهذه الغفوة التي تسيطر على عقولهم. فالبياتي مثل طرفة، فكلاهما يمثل موقف الرفض، وكلاهما يعاني غربة نفسية حادة والأبيات الأربعة تأتي مقطعاً من قصيدة طويلة ذات خمسة مقاطع، يصور فيها الشاعر عشقه للثورة، وانتظاره لها، وتعلقه الشديد بها، ورفضه للواقع (من خلال أبيات طرفة)، ثم يأسه من نهوض الثورة، وما اعتراها من قمع أو تزييف، ثم ينهي المطولة بحلم الثورة ونهوضه العربي الشامل. وتأتي أبيات طرفة لتشكل في بنية المطولة مقطعاً شعرياً متكاملاً يتلاحم مع الرؤية الفنية والفكرية للقصيدة، مما يجعل المقطع منسجماً والبنية الكلية للقصيدة، التي يفتتحها الشاعر بمقطع استهلالي ينظمه على البحر السريع، ووفق عمود الشعر العربي، يتحدث فيه عن عشقه للمحبوبة عشقاً صوفياً عذرياً، وما المحبوبة هنا إلا الثورة. وثمة نصوص شعرية أخرى يقتبس فيها البياتي بعض الأبيات الشعرية كاملة من دون أن يحور فيها، ففي قصيدته (محنة أبي العلاء) وفي المقطع السابع منها المسمى بـ (لزومية)، يقتبس البياتي بيتين كاملين من لزوميات المعري، مضمناً إياهما قصيدته تلك، من دون أن يمزجهما ببنيته اللغوية الخاصة ومن دون أن يعمل فيهما يد التحوير أو التغيير، يقول البياتي(4):
يقول المعري في إحدى لزومياته(5):
ويعرض هذان البيتان، اللذان يقتبسهما البياتي من المعري، لقسم من حياة المعري المضطربة، التي عانت عذابات سجني الروح والجسد معاً. وقصيدة البياتي هذه قناعية يتحدث فيها البياتي على لسان المعري نفسه، عارضاً لمأساته وإخفاقاته المتكررة، من العيش وسط واقعه المر الذي يحيط به، وهو ما تبينه المقاطع الستة من قصيدة (محنة أبي العلاء) التي تسبق مقطع (لزومية)، ((واللزوميات كما تطرحها قصيدة البياتي، نتيجة هذه الخلافات والمزاج المعتكر. ولهذا فإن لزومية البياتي صيحة عميقة من داخل بئر الشقاء الذي غرق فيه المعري، وقرر ألا يخرج منه إلا إلى القبر))(6). ويعمد البياتي إلى اقتباس بين المتنبي المشهور(7):
حيث يرد في قصيدته (الباب المضاء) على هذا الشكل(8): والذئاب تسطو على من لا كلاب له، وسفاكو الدماء يقامرون بما تبقى من رصيد ((لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى حتى تراق على جوانبه الدماء)). وواضح أن التغيير الذي أحدثه البياتي في بيت المتنبي لا يعد تغييراً أو تحويراً، إذ إن كلمة (الدم) عند المتنبي، ترد عند البياتي مجموعة جمع تكسير (الدماء)، وهذا التحوير الطفيف لا يمكن أن يعد تحويراً أو تغييراً للبنية القديمة، بالمعنى الكامل لهما. وكما اتفق بيتا المتنبي والبياتي في اللفظ، فإنهما يتفقان في الدلالة والمغزى، فالمتنبي يؤكد أن صون الأعراض، لا يتم إلا بالتضحية وإراقة الدماء، دفاعاً عنها، وكذلك البياتي يؤكد ـ من خلال استحضار بيت المتنبي هذا ـ أن الحقوق لا تصان إلا ببذل الدماء، كما أن الشرف لا يمكن أن يصان إلا بالدفاع عنه، وببذل الأرواح في سبيل الحفاظ عليه. ولعل إدخال نص المتنبي هنا يعني ، المقولة صالحة لكل زمان ومكان، ومعبرة عن كل زمان ومكان، كما تشير هذه المقولة إلى أن الصراع بين قوى الشر وقوى الباطل، بين العدل والظلم، صراع مستمر، غير محدود لا بزمان ولا بمكان. ولم يقف البياتي عند حدود اقتباس المقاطع أو الأبيات الشعرية الكاملة، إذ ثمة نصوص شعرية بياتية، اقتبس فيها البياتي صدراً أو عجزاً من بيت شعري، ففي قصيدته (شيء من ألف ليلة) يستعين البياتي ببيت ابن خفاجة القائل(9):
فيقتبس منه عجزه، فيقول(10): رأيت خائنَ المسيح في بلاط الملك السعيد منجماً ومخبراً وكاتباً .... رأيته هراً بلا نيوب ((يحكي انتفاخاً صولة الأسد)). وجلي أن التناص هنا قد تحقق من خلال اقتباس عجز بيت ابن خفاجة السابق، ووضعه كاملاً في نص البياتي الجديد. ويعرض البياتي في المقطع السابق، كما في البيت القديم بذلك الصنف من الناس، الذين يتباهون بما لا يملكون، وينعتون أنفسهم بما ليس فيهم، فيتحدثون عن القوة والشجاعة، على حين أنهم يفتقدونهما، كما يفضح البياتي في هذا المقطع، ضعف هذا الصنف من الناس، وجبنهم الذي ليس لـه حدود. ومما يؤيد ما ذهبنا إليه أن بيت ابن خفاجة كان الهدف منه التعريض بملوك الطوائف والدويلات، الذين كانوا يحكمون في الفترة التي سبقت سقوط الأندلس على أيدي الفرنجة، حيث كان هؤلاء الملوك يتخذون الألقاب التي تشير إلى عظمتهم وعظمة ممالكهم، على حين أنهم كانوا مجرد حكام لإمارات صغيرة متناحرة، كانت تنهار الواحدة تلو الأخرى، وتسقط في أيدي الفرنجة، ولعل البياتي يسعى من وراء استحضار هذا الشطر الشعري إلى تأكيد استمرارية ظهور هذا الصنف من الناس في كل زمان ومكان. وصفوة القول:إن طبيعة التناص الاقتباسي الكامل المنصص، تقوم على اقتباس جملة أو جمل كاملة تامة المعنى، تشكل بحد ذاتها نصاً مستقلاً، سواء أكانت شعراً أم نثراً. ب ـ التناص الاقتباسي الكامل المحور: وهو ن يعمد الشاعر إلى نص مستقل ومتكامل بذاته، سواء أكان بيتاً، أم أبياتاً شعرية كاملة، أم شطراً من بيت شعري، أم جملة نثرية كاملة، فيقتطعه من سياقه، ويضعه في نصه اللاحق، بعد أن يغير في بنيته الأصلية، فيزيد فيها أو ينقص، ويقدم فيها أو يؤخر، سواء أكان هذا التغيير أو التحوير بسيطاً أم معقداً. ويزخر شعر البياتي بأبيات شعرية وبنصوص نثرية متعددة ومختلفة المصادر، أخضعها البياتي للغته الخاصة، وانزاح بها عن بنيتها اللغوية الأم، وأعاد صياغتها من جديد، لتقدم لنا رؤيته الشعرية الجديدة. ففي قصيدته (النبوءة) يقول البياتي(11): تأكل الحرة ثدييها إذا جاعت، وفي أرض الملوك الفقراء زهرة الدفلى على جدول ماء تتعرى في حياء. والبياتي في المقطع الشعري السابق، يقتبس مثلاً معروفاً: ((تجوع الحرة، ولا تأكل بثدييها))(12). بعد أن يحور صياغته اللغوية بما يتلاءم والمغزى الذي يريد أن يثبته، فعلى مستوى البنية اللغوية، نجد أن التركيب النحوي للمثل قد حصل فيه تقديم وتأخير، وحذف وإضافة. فقد حذف البياتي من المثل كلاً من (ولا)، و(الباء) في كلمة بثدييها. كما أضاف البياتي الأداة (إذا)، وتغيرت صيغة الفعل (تجوع) إلى الماضي (جاعت). أما على مستوى الدلالة فقد حاول البياتي أن يعمق الدلالة القديمة للمثل، فقام بتوليد دلالة جديدة أشد قوة وعمقاً، فإذا كانت المرأة الحرة قديماً، والتي تتمتع بالطهر والعفاف، تجوع ولا تلجأ إلى ما يجلب لها العار، فإن المرأة لدى البياتي تفعل ما هو اشد من ذلك، إذ تأكل نفسها من جوعها، ولا تبيع جسدها، تفني هذا الجسد وتدمره ولا تهينه، أي إنها في النهاية تعمد إلى الانتحار حفاظاً على شرفها. ويبرع البياتي في اقتباس بعض الأشطر الشعرية التي تتساوق مع مواقفه، ورؤيته الخاصة، فيحاول إخضاعها للغته الخاصة، من دون أن يكون هنالك تغيير كبير لصياغتها النحوية الأولى، يقول البياتي في سياق عرضه لمشاهد متنوعة من (سوق القرية)، وإبرازه للتناقضات الاجتماعية التي تسيطر هناك (13) وبائع الأساور والعطورْ كالخنفساء تدبُّ: ((قبرتي العزيزة)) يا سدوم! لن يصلحَ العطارُ ما قد أفسدَ الدهر الغشومْ. والبياتي في المقطع السابق، يقتبس عجز بيت شعري قديم، مضيفاً إليه بعض الكلمات، وحاذفاً منه بعضها الآخر(14):
وقد أضاف البياتي إلى هذا الشطر الشعري، الأداتين (لن) و(قد)، وكلمة (الغشوم) كما حذف منه الأداة (هل)، وقام باستبدال كلمة (أفسد) بكلمة (أعطب). كما تحولت دلالة التركيب النحوي من الاستفهام الإنكاري في النص القديم، إلى الإثبات المؤكد في نص البياتي. ودلالة المعنى في كل من النصين القديم والجديد متساوقة، حيث يؤكد النص القديم أن ما فات لا يمكن إعادته إلى ما كان عليه، كما أنه لا يمكن إصلاح هذا الواقع الفاسد، كما يؤكد نص البياتي. وتتنوع الطرق الفنية التي يستخدمها البياتي في اقتباس النصوص القديمة، ففي قصيدته (الموت والقنديل) يقتبس البياتي بيت المتنبي(15): كان الروم أمامي وسوى الروم ورائي، وأنا كنت أميل على سيفي منتحراً تحت الثلج، وقبل أفول النجم القطبي وراء الأبراجْ فلماذا سيف الدولة ولى الأدبارْ؟ فعلى مستوى التركيب النحوي، أضاف البياتي إلى بيت المتنبي جملتي: (كان الروم أمامي)، و(أنا كنت أميل على سيفي منتحراً تحت الثلج). كما أضاف كلمة (ورائي). وحذف من البيت جملة (خلف ظهرك روم) وجملة (فعلى أي جانبيك تميل). أما على مستوى الدلالة، فقد ظهر سيف الدولة في بيت المتنبي قائداً شجاعاً، يحاربه الروم وغير الروم من الأعراب، وهو في كل ذلك يتصدى لكلا الطرفين، ويعمل فيهم القتل. وفي نص البياتي يتحول سيف الدولة إلى مجرد قائد مهزوم، يفر من المعارك، ويولي الأدبار. ولعل البياتي أراد من خلال ذلك أن يصور موقف المثقف الذي يثبت أمام العدو، ويتصدى له وحيداً بقلمه وكلمته، ويموت شهيد موقفه، على حين يفر السياسي والحاكم. وتصل بعض نماذج الاقتباسات المحورة، عند البياتي حدوداً واضحة جداً، بحيث تبدو النصوص المقتبسة، وكأنها استشهادات من نصوص سابقة، نقلت من مواضعها الأصلية، ووضعت في سياقات جديدة. وهذا ما نجده في قصيدته (عذاب الحلاج)، ففي المقطع الثاني منه (رحلة حول الكلمات)، يقتبس البياتي قولاً مشهوراً للحلاج هو(17): ((يامن أسكرني بحبه، وحيرني في ميادين قربه)) يقول البياتي(18): يا مسكري بحبه محيري في قربه يا مغلق الأبواب. ويبدو واضحاً مدى التشابه أو التطابق اللفظي والتركيبي بين النصين، فالفعلان (أسكرني) و(حيرني) في بيت الحلاج، تتحول صيغتاهما إلى اسم الفاعل في نص البياتي، فيصبحان (مسكري) و(محيري)، كما يحذف البياتي كلمتي (من) و(ميادين). ويتحقق التطابق بين النصين على مستوى الدلالة أو المعنى أيضاً، فكلاهما يتحدث عن حالة العشق والهيام أو السكر الصوفي، التي يعيشها الحلاج، والبياتي هنا يتخذ من شخصية الحلاج قناعاً يتحدث من خلاله عما يريد أن يعبر عنه. وتتجلى بعض صور الاقتباس الكامل المحور، لدى البياتي في قصيدته (سفر الفقر والثورة)، حيث يقتبس البياتي عبارة الإمام علي ((لو كان الفقر رجلاً لقتلته))(19). ويضعها في صلب قصيدته التي تتحدث عن مشكلة الفقر ومعاناة الفقراء، يقول البياتي(20): لو أنّ الفقر إنسان إذن لقتلته وشربتُ من دمهِ لو أنّ الفقر إنسان. ويلحظ المتلقي أن التحوير الذي أحدثه البياتي في عبارة الإمام علي، تحوير بسيط غير معقد، فقد حذف كلمة (رجلاً) ووضع مكانها كلمة (إنسان)، كما وضع الحرف المشبه بالفعل (أنّ) مكان الفعل الناقص (كان)، وأضاف كلمة (إذن) إلى نصه الشعري الجديد. ويلاحظ تكرار (لو) للتعبير عن الشعور بالخيبة، وعدم تحقق الرغبة، كما يلاحظ اللجوء إلى المبالغة بشرب الدم تعبيراً عن مرارة المعاناة. ويلجأ البياتي إلى المقولة النقدية العربية القديمة التي تعرض فهم النقد العربي القديم لأفضلية الشعر ووظيفته، وهي: ((أعذب الشعر أكذبه)، فيحورها على مستوى اللفظ، يقول البياتي في قصيدته (12 قصيدة إلى العراق / الشعر والثورة)(21): ((الشعر أعذبهُ الكذوب)) قالوا وما صدقوا لأنهم تنابلة وعُورُ كانوا حذاءً للسلاطين الغزاة بلا قلوب. ويلحظ المتلقي أن الغرض من هذا التحوير البسيط، الذي لا يغير معنى تلك المقولة النقدية، أو ينقصه، هو غرض عروضي بحت، كيما تستقيم تلك الجملة في سياق قصيدة البياتي، هذا من ناحية الوزن والموسيقا، أما من ناحية الدلالة فالقصيدة ـ كما هو واضح ـ فيها تعريض بتلك المقولة النقدية، كما أنها تشن حملة شعواء على أولئك الداعين إلى فصل الشعر عن قضايا الناس وهمومهم، على حين يرى البياتي أن غاية الشعر هي الالتزام بهموم الناس وقضاياهم، فالبياتي هنا يورد المقولة النقدي بمعناها القديم لينقضها ويرد عليها بأسلوب واضح مباشر. وفي قصيدته (النبوءة) يقول البياتي(22): عندما ينفخ في الصور، ولا يستيقظ الموتى ولا يلمع نورْ ويصيح الديك في أطلال أور آه ماذا للمغني سأقول؟ وجلي أن البياتي في المقطع السابق يجتزئ تركيباً من الآية الكريمة: ((وله الملك يوم ينفخ في الصور، عالم الغيب والشهادة وهو الحكيم الخبير))(23). وهذا التركيب مكون من الفعل (ينفخ) والجار والمجرور (في الصور). والبياتي يوظف النفخ في الصور والتماع النهار للتعبير عن الثورة، التي يؤذن كل شيء باندلاعها، ولكن الناس لا ينهضون ولا يثورون، وهو يحس بالخيبة عندئذ، فلا يعرف ماذا سيقول للمغني الشاعر الذي تنبأ بالثورة ودعا لها، وإذن فإن هذا الاقتباس هنا جاء رمزاً لقيام الثورة وتحققها. وفي بعض الأحايين يلجأ البياتي إلى تحوير مقتبساته، دون أن يكون له هدف محدد من وراء هذا التحوير، اللهم إلا محاكاة الشعر القديم والتلاعب بصياغته اللغوية، ففي قصيدته (محنة أبي العلاء)، وفي المقطع السادس منها (قمر المعرة)، يقتبس البياتي بيت المعري الشهير(24):
حيث يصوغ البياتي هذا البيت صياغة جديدة، فيقوم بتفكيك بنيته اللغوية، ويعيد تشكليه في بناء جديد، يقول البياتي(25): الليل في معرة النعمانْ زنجيةٌ على رخام جيدها قلائد الجمان. ويلحظ المتلقي أن عملية التحوير هنا، قد تمت على مستوى الحذف والإضافة، فقد أضاف البياتي إلى نصه شبه الجملة (في معرة النعمان)، و(على رخام جيدها) مع المضاف إليه في كل منهما. وحذف من البيت القديم كلمتي (هذه)، و(عروس) كما حور في الكلمات والتراكيب: (من الزنج ç زنجية). و(قلائد من جمان ç قلائد الجمان). ويتضح مما سبق أن طبيعة التناص الاقتباس الكامل المحور تقوم على اقتباس جملة أو جمل تامة المعنى وكاملة، تشكل بحد ذاتها نصاً مستقلاً، ولكن حصل فيها بعض التغيير أو التحوير من حذف أو إضافة، وسواء أكانت هذه الجملة أو الجمل شعراً أم نثراً. جـ ـ التناص الاقتباسي الجزئي: وهو أن يعمد الشاعر إلى نص نثري أو شعري، فيتقطع منه عبارات، أو جملاً، أو تراكيب جزئية غير مكتملة، ويضعها في نصه اللاحق. وبعض هذه الاقتباسات الجزئية ترد في شعر البياتي عفو الخاطر، وانسياباً لمختزنات الذاكرة الشعرية البياتية، من دون أن تحمل أية دلالات فكرية محددة وواضحة. وهذا النوع من التناص الاقتباسي موجود لدى البياتي بكثرة، ففي قصيدته (الجرادة الذهبية) يقتبس البياتي جزءاً من عجز بيت المعري المشهور(26):
يقول البياتي(27): بكى أبو العلاء وهو يراني ميتاً حياً، وحياً ميتاً في ساعة الميلاد. فالاقتباس هنا، مكون من شبه الجملة (في ساعة) والمضاف إليه (الميلاد). ويقول البياتي في قصيدته (كتابة على قبر السياب)(28): أبكي على الحسين وسوف أبكيه، إلى أن يجمع الله الشتيتين، وأن يسقط سور البين. والمقطع السابق يقتبس فيه البياتي، شطراً من صدر بيت للمجنون، يقول فيه(29):
والاقتباس هنا ينصب على جملة كاملة، مكونة من فعل وفاعل ومفعول به، وهي (يجمع الله الشتيتين). ولعل البياتي يهدف من وراء هذا التناص تأكيد استمرارية حزنه على الحسين، الذي يمثل لديه رمزاً لصاحب المبدأ أو القضية، الذي يموت في سبيل الدفاع عن قضيته. وثمة نص شعري يقتطع فيه البياتي عجز بيت شعري لعمر بن أبي ربيعة، يقول البياتي في قصيدته (محنة أبي العلاء/ سقط الزند)(30): ـ مولاي، هل يخفى القمر؟ فجملة (هل يخفى القمر؟) مقتبسة من بيت عمر بن أبي ربيعة القائل(31):
وفي قصيدته (البحث عن الكلمة المفقودة)، يقتبس البياتي تركيباً جزئياً من بيت المعري(32):
يقول البياتي(33): الزمن الضائع في تزاحم الأضداد يخلع عن كاهله عباءة الرماد. والاقتباس هنا مكون من شبه الجملة (من تزاحم) مع استبدال حرف الجر (في) بـ (من)، والمضاف إليه (الأضداد). ويتضح من خلال النماذج السابقة، أن التناص الاقتباسي الجزئي يقوم على اقتباس بعض المفردات، أو الكلمات أو أشباه الجمل، أو الجمل غير التامة. ونستنتج مما سبق: 1ـ غالباً ما تكون الوظيفة الفنية للتناص الاقتباسي الكامل المنصص كامنة في نقل تجربة شعرية كاملة، يرى البياتي في مبدعها مماثلاً أو مشابهاً له، بحيث يحمل كل منهما صفات متقاربة كالتمرد والثورية....، وقد ظهر ذلك من خلال عدة قصائد (كلمات إلى الحجر/ قال طرفة بن العبد) و (محنة أبي العلاء / لزومية)... وغيرهما.. أما الوظيفة الفنية والفكرية للتناص الاقتباسي الكامل المحور، فهي غالباً ما تحقق إحدى غايتين: الأولى: تعميق الدلالة القديمة للنصوص المقتبسة، ومن ثم إسقاطها على التجربة المعاصرة، كما في قصيدة (النبوءة). والثانية: عكس الدلالة القديمة، وتقديم رؤية جديدة، مناقضة لها: كما في قصيدتي (الموت والقنديل) و(12 قصيدة إلى العراق / الشعر والثورة). وأما التناص الاقتباسي الجزئي، فمعظمه لا يحمل أي دلالات فكرية أو فنية إذ يأتي عفو الخاطر، أو انسياباً لمختزنات الذاكرة الشعرية للبياتي. 2ـ جميع تلك الأنواع من التناص الاقتباسي موجودة بكثرة في شعر البياتي، غير أن أكثرها حضوراً هو التناص الاقتباسي الجزئي. 2ـ التناص الإشاري: وهو أن يستحضر الشاعر نصاً، أياً كان مصدره أو نوعه، سواء أكان قصيدة شعرية، أم نصاً نثرياً، أم أسطورة، أم حادثة تاريخية معينة، أم نصاً من التراث الشعبي أو الصوفي،... عن طريق الإشارة المركزة، بحيث تغدو هذه الإشارة، بمثابة الاستحضار الكامل لتلك النصوص، من دون أن يكون هنالك حضور لفظي كامل، أو محور، أو جزئي لها في النصوص اللاحقة، وغالباً ما يعتمد هذا النوع من التناص على لفظة واحدة أو اثنتين. ويتميز هذا النوع من التناص، بقدرة كبيرة على التكثيف والإيجاز، مع الدقة في التعبير، حيث تثير المفردة المستحضرة وجدان المتلقي ومشاعره، وتنقله إلى أجواء النص المستحضر بسرعة فائقة، وبأقل قدر ممكن من الكلمات. يقول البياتي في المقطع الأول (المريد)، من قصيدته (عذاب الحلاج)(34): صَمْتُكَ بيتُ العنبكوت، تاجك الصبَّار. يلحظ المتلقي أن التناص الإشاري في المقطع السابق, يتبدى من خلال امتياح الصورة الشعرية المتحققة، من القرآن الكريم، حيث يقفز إلى الذهن مباشرة، صورة بيت العنكبوت الواهن في الآية القرآنية(35): ﴿مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء، كمثل العنكبوت اتخذت بيتاً, وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون﴾. وتتخذ قصيدة البياتي صفة المونولوج الداخلي، حيث يخاطب الحلاج نفسه، واصفاً موقفه بالوهن والضعف والهشاشة، حيث تتنازعه الرغبة، بين أن يقف موقفاً سلبياً فيدير ظهره للفقراء ويتخلى عنهم، وبين أن يقف في صفهم، ويناضل من أجلهم، فهو في صمته وتخليه عن الفقراء يكون قد صنع لنفسه بيتاً مثل بيت العنكبوت. ويتحقق التناص الإشاري، في قصيدة (سفر الفقر والثورة)، من خلال اعتماد البياتي على مفردة (الصخرة)، التي وردت في القرآن الكريم، يقول البياتي(36): أتنطق هذه الصخرة؟ وتفتح في غد فاها ويجري الماءُ منها قطرةً قطرة وتنبت فوقها زهرة. وواضح أن المقطع السابق، يستدعي الآية القرآنية التي تشير إلى حصول بني إسرائيل على الخير والخصب، بعد الجدب والقحط، وذلك من خلال ضرب موسى الحجر، التي تفجَّرت ينابيع وأنهاراً، فشرب منها قوم موسى، وكثرت الخيرات بين أيديهم/ تقول الآية(37): ﴿وإذ استسقى موسى لقومه، فقلنا اضرب بعصاك الحجر، فانفجرت منه اثنتا عشرة عيناً، قد علم كلُّ أناسٍ مشربَهم، كلوا واشربوا من رزق الله، ولا تعثَوا في الأرض مفسدين﴾. ويلحظ المتلقي أن مفردة (الصخرة) المستدعاة من النص القرآني، قد لعبت دوراً مهماً في تأكيد ضرورة الثورة، وفعلها العجيب، إذ إن نطق الصخرة وانفتاحها لدى البياتي، رمز لحدوث الثورة، وما تحمله من معاني استمرارية الحياة والنماء والخصب، حيث ينسال الماء من الصخرة، وترتوي الأرض، فينبت الزهر، ويعم الخير. ولعل مفردتي (الصخرة) و(قطرة) تستدعيان أيضاً، بشكل مباشر، قصيدة (الأرض اليباب) للشاعر الأمريكي ت.س.إليوت, التي يقول فيها(38): الصخور بلا ماء نعم، الصخرة جافة والطريق مليء بالرمال ....... آه لو أسمع صوت الماء لا صوت الجرادة أو حفيف الحشائش الجافة بل صوت الماء فوق الصخور هنالك حيث العصفور يغرّد للناسك على أشجار الصنوبر قطرة قطرة قطرة قطرة قطرة قطرة قطرة دون أي أثر للماء. وعلى الرغم من تأثر البياتي الواضح بإليوت، فإن المفارقة بين نصيهما تكمن في أن قصيدة إليوت تشير إلى استمرارية الجدب والجفاف، وانحسار الحلم بالماء، أما قصيدة البياتي ففيها تفاؤل قوي بالمطر/ الخصب، وفيها تأكيد قوي لحصوله. وثمة نماذج شعرية بياتية كثيرة، تحيلنا إلى أقوال شعرية أو نثرية متعددة، فالمقطع الآتي من قصيدة البياتي (يوميات العشاق الفقراء)، يشير إلى عدد من الآيات القرآنية التي تتحدث عما يفعله بنو إسرائيل، من تحريف للكتب السماوية، بما يوافق أهواءهم الخاصة، ومصالحهم الذاتية، وذلك من مثل قوله تعالى(39): ﴿أفتطمعون أن يؤمنوا لكم، وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله، ثم يحرّفونه من بعد ما عقلوه، وهم يعلمون﴾ وقولـه(40): ﴿يحرّفون الكلم عن مواضعه﴾. يقول البياتي(41): لم يظهرِ النجمُ ولكنْ ظهر السادة واللصوص وشعراءُ الحلم المأجور وأغمدوا سيوفهم في جثث الأطفال وفقراء المدن الجياع وحرَّفوا شهادة الأموات والكتب المقدسة. وتظهر القراءة التحليلية للمقطع السابق، تحقق التناص الإشاري من خلال قول البياتي: (وحرّفوا شهادة الأموات/ والكتب المقدسة)، حيث يسهم النص القرآني الذي يستحضره البياتي، في تعرية لصوص هذا العصر من الأغنياء، الذين يستغلّون الفقراء، ويأكلون حقوقهم، ويقتلون براءة الأطفال، ويتحكمون في مصائر الناس، ويفعلون ما يحبون. وتتركز الإشارة في قصيدة البياتي (العبير المسعور) على نصين شعريين، يقول البياتي(42):
يحيلنا المقطع الشعري السابق إلى قول الشيخ الرئيس ابن سينا(43):
كما يحيلنا إلى قول معن بن أوس المزني(44):
ولعل الفعل (هبطت)، وكلمة (حمامة) في نص البياتي المرادفة لكلمة ورقاء في بيت ابن سينا، هما اللذان عملا على تثوير الذهن، والعودة بالذاكرة إلى نص ابن سينا الغائب. وهذا ما حصل أيضاً مع نموذج التناص الإشاري الثاني، فالفعل (علّمتها) بالإضافة إلى التركيب الشرطي المكوّن من الشرط وجوابه: (حتى إذا علمتها) و(طارت بأجنحة)، استدعيا على الفور بيت معن بن أوس السابق. وقد أسهم كلا النصين الغائبين في التعبير عن عدم ثبات علاقة الحب بين الشاعر ومحبوبته، حيث إن الفعل (هبطت) يفيد بأن عملية الهبوط اضطرارية سرعان ما تنتهي، وأن هذا الهبوط ليس نابعاً من قلب الحمامة/ المحبوبة. كما إن جواب الشرط (طارت) في نص البياتي، و(رماني) في نص معن بن أوس، كليهما يؤكد أن علاقة الحب تلك علاقة مؤقتة وغير مستمرة، مبنية على مصلحة تريد الحمامة/ المحبوبة تحقيقها، إذ ما إن تتحقق تلك المصلحة، حتى تغادر الحمامة/ المحبوبة البياتي، تاركةً إياه في حزن قاتل. وفي قصيدة (إلى ساهرة)، يبدو التناص الإشاري واضحاً من خلال كُمون بيت أبي نواس القائل(45):
في مقطع للبياتي يقول فيه(46): على شاطئ الوهمِ نامي كمقبرةٍ في الثلوج ولا تسألي عن غرامي ولا تسألي من يعوج على طللٍ دارس أعاد الحبيب؟ ففي صمته العابسِ أمانٍ تذوب قبيل الغروب. يلحظ المتلقي أن مفردتي (يعوج، طلل) قد أحالتا فوراً إلى بيت أبي نواس الذي ينعي فيه على من يقف على الأطلال، وجلي أن البياتي يهدف من وراء استحضار بيت أبي نواس في المقطع السابق إلى تأييد ما ذهب إليه أبو نواس، من رفض الوقوف على الأطلال الدارسة، وضرورة التخلي عن مناجاتها، حيث إن ذلك لم يعد له مكان، لا في عصر أبي نواس ولا في عصر البياتي. وإذا كان التناص الإشاري يعتمد ـ كما قلنا سابقاً ـ على إشارات، أو علامات، أو قرائن تصل بين النص الحاضر والنص الغائب، فإن هذه العلامات، أو الإشارات قد لا تكون واضحة تماماً، بحيث لا يكون هنالك نقل أي مبنىً من النص الغائب، وهذا ما يتطلب من المتلقي إعمال الذهن أكثر، لاكتشاف النص الغائب، يقول البياتي في قصيدته (مراثي لوركا)(47): غرناطة البراءة تُمعِن في إلقاء ما تحملُ، من ريحٍ ومن نجوم تنام تحت نتفِ الثلج على القرميد تشير في خوف إلى كثبانها السوداء فَمِنْ هناك الإخوة الأعداء جاؤوا على ظهر خيول الموت وأغرقوا بالدم هذا البيت. يشير البياتي في المقطع السابق، إلى النزاع على السلطة، الذي حصل بين أبي عبد الله محمد (الحادي عشر) آخر ملوك غرناطة، الملقب بالملك الصغير، وعمه أبي عبد الله محمد (الثاني عشر)، والذي انتهى بعد معارك ضارية بينهما، إلى شطر غرناطة بينهما، ومن ثم سقوطها نهائياً في أيدي الفرنجة(48). ولعل البياتي قد هدف من وراء هذه الإشارة إلى تلك الخلافات التي حصلت بين الأندلسيين، التوحيد بين مأساة غرناطة في السابق، ومأساتها في الحاضر، إذ شهدت في الماضي سلسلة من الحروب الدامية بين العرب والفرنجة من جهة, وبين العرب أنفسهم من جهة ثانية، كما شهدت في الحاضر مصرع الشاعر الإسباني لوركا، الذي هو عند البياتي، رمز للمناضل الذي يموت شهيداً من أجل الحرية، وكأن القدر قد حكم على هذه المدينة، بأن تستمر فيها مشاهد الموت والدمار والخراب إلى أجل غير معروف. وثمة تركيب شعري آخر، يقوم البياتي من خلاله بامتياح بعض الصور الشعرية القديمة، إذ تحيلنا بعض الصور التي يستخدمها في بعض قصائده، إلى صور أخرى من الموروث الشعري العربي القديم، ولعل ذلك ما نجده في قصيدته (إلى جوادٍ سليم)، حيث يقول(49): الكلماتُ نزفت دماً على الكتاب توهجتْ وانطفأت وغابَ حضورُها ـ الكلماتُ مطْهرُ العذاب ـ تكدست وأنتَ في الضباب تفتح للشمس طريقاً تفتح الأبوابْ يا إخوتي ادخلوا، قميصُ الليل، مبتلٌّ ويا أحباب حرائق الشباب في زماننا البخيلِ هذا تصنعُ العُجاب. في المقطع الشعري السابق، تعيد صورة قميص الليل إلى الأذهان بيت ابن المعتز الذي يقول فيه(50):
وواضح أن صورة قميص الليل لدى كل من البياتي وابن المعتز، مختلفة الدلالة، فابن المعتز يشبه الليل بقميص يرتديه الإنسان، وهو يريد بذلك الإشارة إلى أن صاحبه أو قاصده، قد جاءه في ظلمة الليل، أما البياتي فهو لا يقصد بقميص الليل ما قصده ابن المعتز، وإنما يقصد تأكيد قرب وزوال هذا الليل، الذي هو رمز للظلم والقهر، وخاصة أن دماء الشباب تصنع العجائب/ الثورة، كما أن كون القميص مبتلاً يعني أنه سرعان ما يُخلع، وأنه لن يستمر، ويشير البياتي أيضاً إلى دور الشاعر ومعاناته، إذ يحاول دوماً أن ينير للناس دروبهم، وأن يشق لهم طريق الحرية، طريق الشمس. | ||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||