|
||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
درس في التاريخ ـــ خالد علي مصطفى (لقدْ كنتَ في غَفْلَةٍ من هذا، فَكَشَفنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ اليومَ حديد( (سورة ق: 22) ـ 1 ـ نيسانُ ليسَ قاسياً جاءَ وفي جيوبهِ تُصَلْصِلُ الملائكهْ وبعضُ حلوى، قيل عنها: لم يَذُقْ مثيلَها إنسٌ ولا جانْ. ولم يكنْ للعاشقينَ منها سوى انتظار الإذنِ بالرحيلِ عن مفارقِ الطُرُقْ إلى جِنانِ الخُلدِ في صحراءِ (نيفادا) المقدًّسَهْ. ولم يقلْ نيسانُ: "أينَ المدرسَهْ؟" جاءً وظلَّ صامتاً وفوَّضَ الكلام للذّينَ أنكروهُ قبل ألفِ عامْ ولم تعكِّرْ ماءَهم شيخوخةُ الجَسدْ ـ وهذه ليستْ حكايةً جديدةً، وحبلاً من مَسَدْ! همْ يفتدونَ النارَ، ثمَّ يُبعَثونَ بالذيولِ الطاهرهْ، وتنتَقيهمْ واحداً فواحدً موائدُ المقامرهْ في حانةٍ تُديرُها بناتُ آوى: سلالةٌ جميلةٌ تَنْسَلُّ من حَمّالةِ الحَطَبْ، وفي أغانيها المهجَّنهْ تحتشدُ الموانئ المدجَّنَهْ لاجئةً إليها من رجومِ الليلِ في جزيرةِ العَرَبْ ... ... ... نيسانُ جاءَ بالهدايا والْلعَبْ، في يده برقيّةٌ: ـ "من شاطئ النَّهر إلى مداخنِ الفضاء: العُرْسُ أوقدَ الشموعَ، والضيوفْ يُمَوْ سِقونَ رقصةَ العريسِ والعروس بالسيوفْ ينتظرونَ وجبةَ الأسماكِ أن تنزلَ من مائدةِ السماء ... ... ... ـ 2 ـ في اللحظة التي امتَطَتْ فارسةُ السماء فيها المركبَهْ وانطلقت خيولها في الساحةِ الزرقاءْ، تَمدَّدتْ على الرصيفِ حمرةُ اللهب، وشاعَ في الهواءِ عطرُ النارِ والإسمنتِ والخَشَبْ. لم نَرَ غيرَ ضجّةِ الإسْفلتِ: تستدير مرّةً إلى اليمينْ، وتستديرُ مرّةً أخرى إلى اليسارْ. يتّصلُ الهديرُ بالهديرِ حتّى تأزفُ القيامة، وَيرْسِلُ الجحيمُ من أبراجِهِ قَهْقَهَةً: ـ "هذي هي الحمامَة!" كانت وجوهُ مَنْ تَقَوَّسَتْ ظُهورُهمْ في غُرَفٍ ضيِّقَةٍ، تنتظرُ الآتي يجئُ هامساً: ـ "مع السلامَه!" ... ... ... وفي الظهيرةِ التي أزاحتِ الثّلجَ، وَعَلَّقَتْ على المشاجبِ المعاطفْ توقَّفتْ مدا خَنُ الفضاءِ عن صناعةِ الهدايا. قلتُ: "لعلَّ نزهةً قصيرةً تتيحُ أنْ أُحصي توابيتَ البيوتِ فوقَ الأَرْصفَهْ!" رأيت كلَّ شَيء: توقَفَّتْ في ساعةِ المئذنةِ العقاربْ على الدقيقة التي ليس لها رقْمٌ ولا ميناءْ. قالَ الخفيرُ: "هكذا! تَطوَّعَتْ فراشةٌ عمياءْ أن تقذفَ النَّقْشَ بِرُمحٍ خارقٍ... وفجأةً... فاضَ من التّنورْ أَرغفةٌ مسمومةٌ، وقاطراتٌ تنقُلُ (الوركاءْ) إلى جنانِ الخلْد في صحراءِ (نيفادا) المقدَّسَهْ!" ... ... ... قالتْ فتاةٌ من بني عَبْسٍ: ـ "أبي كان يقول هذا، ولم يُصَدِّقْهُ أَحَدْ؛ وهذه هي الصحيفةُ التي ورَثْتُها عَنْهُ ـ خُذوا اقرَأُوها؛ لتعرفوا وقائعَ الأيامِ في الغدِ القريبِ والبعيد!" قالتْ وغابتْ في عباءَةٍ بَنَفْسَجيّةٍ وراءَ رأس (يحْيى). قِيلَ رآها بعضُهم في (صورَ)، قيلَ عند أسوارِ (أريحا)، قيلَ في أوراقٍ (بحر الملحِ)... قيل هذا، وقيل غيرهُ؛ وظلَّ القولُ رجماً بالظنون. نيسانُ ظلَّ صامتاً، لكنّه دَوَّنَ في آجُرَّةٍ تالفةٍ برقيَّةً: ـ "ما قيلَ فهو صادقٌ؛ وَرُبما ترونها ترعى خِرافَ موسى في مئزرِ المسيحِ، أو في خِرقةِ الحلاّج!" وَصَلْصَلَتْ في جيبهِ الملائكهْ تجيرُ ـ في ظلِّ القذائفِ المباركَهْ ـ مواكبَ الحُجّاج! ... ... ... ـ 3 ـ عادتْ مداخنُ السماءِ تصنَعُ الهدايا ـ نيسانُ ظلَّ صامتاً، والنهرُ يجري هادئاً بين العظامِ والخِرَقْ. لم يَدْرِ أنّ الماءْ ما عاد قادراً على تقبيل ضفَّتيهْ؛ وابنةُ عَبْسٍ، عندَ كلِّ مفترَقْ، تكشفُ عن ساقَيْنِ عجفاوَينِ، لم تُغرقُهُما يدانِ في بحبوحهِ العَرَق، تَصيحُ: "من يبتاعُ مِنّي هذهِ الصحيفَهْ لقاءَ ما يُخصبُ رَحْمي؟" كان ضجيجُ السوقِ بحراً هادراً يمتصُّ كلَّ الصافراتِ في السُّفنْ ـ ظلّتْ تنادي وحدَها في وحْشةِ المُدُنْ حتى تَقَعْقَعَتْ عظامُها واسّاقَطَتْ مُغمىً عليها في بلاطِ (ذي يَزَنْ). ... ... ... ... كذا روى من جاءَهُ علْمٌ من الكتابْ؛ أضافَ: "غيرَ أنَّ جِسْمها قد استعادَ نُضرةَ الشبابْ حينَ استقامَ الرَّمْحُ في قامَتِها على مِنَصَّةِ العذابْ! فأخرجتْ، في غفلةِ الجلادِ، منديلاً مُعَطَّراً في غَفْلةِ الجلادِ، منديلاً معَطَّراً من بين ثديَيْها، وَعَصَّبتْ بهِ جبينَها. وقبلَ أ ن ترتدَّ للجلادِ عينهُ إليها، غابتِ العَبْسيّةُ الحسناءْ ولم يلحْ لها أثرْ، والسوطُ ذابَ، لا ذكرى ولا خَبَرْ! ... ... ... يُروى عن الجَلادِ، قالْ: ـ "لربّما زالَ الحجابُ عنها، وربما كنتُ أنا الضحيّةَ العمياءْ في مسرحيةٍ بلا نَصٍّ ولا مُمَثِّلين على مِنَصَّةٍ بلا زمانٍ، أو مكانٍ، أو مشاهدين!" ... ... ... ... وجاءَ في حاشيةِ الخبرْ: ـ "سمعتها تهمسُ أنَّ قطرةً من عِِطْرَها حَطَّتْ على المنديلْ ـ طارَ بها، في لمحةِ البَصَرْ، إلى حديقةٍ من الحَلْفاءِ والبرْديِّ في (قرْطاجْ) ـ قيل هناكَ الليلُ غيرُ داجْ، وليستِ السماءُ ذاتَ أبراجْ؛ وقيلَ إنّ الشمسَ فيها حارسَهْ، ولن تُغادرَ الرّبيئة التي تُشرفُ من قُنَّتِها على الطلولِ الدارسَهْ!" ... ... ... ـ 4 ـ من الذي يَدُقٌّ في الليلِ على نوافذِ البيوتْ مُخَلِّفاً على الزجاجِ رَنّةً غامضةً وَبُقْعَةً من الضبابِ ليسَ تمَّحي؟ ... ... ... ـ ظِلٌّ لتمثالٍ وديعٍ من بقايا الآلههْ يسقي السكارى ما تبقّى من دنانِ قُرطبَهْ. قد رحلَ التمثال في سفينةِ الأسْرِ معَ (الزَّبّاءْ) وخلَّفَ الظلَّ وديعةًَ في حانةِ المطارْ في الليل يَنْسَلُّ إلى نوافذِ المدينَهْ. وفي النّهار ينزوي في غرفة سريّة حصينهْ مستلقياً على الدّنانِ، أو مُحدِّقا في التُّحفِ الثمينَهْ (أسطورةٌ تَمْحَقُ أسطورَهْ تَداوَلَتْها أنملٌ عشرةٌ وهي على القمصان منشورة!) قالوا: "هيّ الأشباحْ"، ومرّةً قالوا: "كلابٌ جائِعَهْ"، ومرّةً: "وَهْمٌ تراءى، آخرَ الهزيعِ، في ثمالةِ الأقداحْ!" نيسانُ ظلََ صامتاً وفي جيوبهِ تُصَلْصلُ الملائكهْ، وابنةُ عبسٍ، وحدها، تحرسُ بئرَ الحبِّ في الكثبان. الليلُ جسرٌ. قد يعبر الحبيبُ هادئاً، في غفلة الشّيطان. ... ... ... ـ "كيف التَحَفتما بحبٍّ صامتٍ، وانتما لم تعبرا الجسرَ إلى الحديقهْ؟" ... ... ... أَلوقتُ غيرُ صالح لنزهةٍ زهيدِة الثَّمنْ فآثرا أن يركبا قطاراً يسيرُ دونَ سِكّةٍ إلى حقولِ البنِّ في اليَمَنْ. مضى القطار تائهاً إلى ثلوجِ (الألبِ)، لم يطلقْ صفيراً، وليس فيه غير بُرجِ المدخنهْ، والطير في دُخانِهِ تحومُ، تَسْتغيث، تلتوي صارخةً: ـ "أريدُ كأسَ ماء!" لم يَسْتَجبْ إلا الصدى: ـ "لا ماءَ في الحدائقِ الغَنّاءْ!" ... ... ... وابنةُ عَبْسٍ لم تَقُل ْ: "كان أبي يقولُ هذا..." لقد تفجَّرتْ عظامُها واسَّاقَطَتْ على نوافذِ القطارْ نيسان ظلَّ صامتاً يَفُضُّ خَتْمَ الليلِ عن قذائف النهارْ. ... ... ... تَجَمْهَرَ القومُ، وَجَمَّعوا أشلاءَها على وَضَمْ وصاحَ صائحٌ: ـ "وجدتُ رُقْعَةً مخبوءةً في شَعرِها؛ مَنْ منكمُ يُجيدُ فكَّ هذه الطلاسمْ؟" ـ "ألكاهنُ الناريُّ يَرْوي ما تقولُهُ كواكبُ الأَعاجمْ؛ هيّا إليهِ نَسْتَخيرُهُ لعلّه يكشِفُ عن كنزٍ ثَموديٍّ لنا، وعن إِرَمْ!" عادوا بلا خفِّيْ حُنَيْن يستقطرونَ الخمرَ من قوائمِ الغنَمْ! ... ... ... ـ 5 ـ ماذا تقولُ رقعةُ العَبْسيّةِ الحسناءْ؟ لم يدرِ أيُّ قارئ عنها سوى نَمِيمَهْ. قيل اختفتْ في زورقٍ يدور أينما تدورُ، في أفلاكها، (عاصفةُ الصحراءْ). لكنَّ لِصّاً من هذيلٍ فازَ بالغنيمَهْ؛ فباعَ ألفَ نُسخةٍ منها لتجار الرّقاعِ في (السّرايْ) لقاءَ ألا يشهدوا على وقائعِ الجريمَهْ؛ ودارتِ الكؤوسُ في الباراتِ سرّاً حولَها، وانتقل الهمسُ إلى البيوتِ والمقاهي، والمخبرونَ عاجزون أن يُدَوِّنوا أينَ استقرتْ رقعةُ العبسيّة الحسناءْ! ... ... ... جاءَتْ صَبا نَجدٍ إلى (المجنونْ) وَوَسْوَستْ في قلبه ما جاءَ في الصحيفَهْ فَشَدَّ في ساقيهِ أشواطَ الصحارى إلى أماسي (مربد الفيحاءْ) ـ وارتفعتْ أرجوزةٌ مطمورةٌ من ظلمةِ البئرِ إلى مِنَصّةِ الألقاءْ: (أنا التي تأتيكمُ في كلِّ ليلٍ أَلْيَلِ أمرُّ بالسّاداتِ من عمروٍ ومن مُهَلْهِلِ ولا يراني أحدٌ في موكبٍ أو محفلِ. وكلّما بلغتُ شُبّاكاً تدقٌّ أنملي على زجاجهِ.. وأنثني بلا تَمَهُّل؛ فتجفلونَ منه خوفاً من بلاءٍ مقبلِ. هذا نذيرٌ للذينَ سَمَّروا بالأرجُلِ أهدابهم، ولم يَرَوْا غير الحصى والجَنْدَلِ زائغةٌ أبصارُكمْ عن كلّ أمرٍ معضلِ وتجهلون، غافلينَ، أنّ سقفَ المنزلِ مرتعشٌ كَعشبةٍ، مُثَقَّبٌ كمنخلِ؛ لكنكم ضَيَّعتموهُ في الحضيضِ الأسفلِ. لسوف تأتي غابةٌ أثمارها من حنظلِ يُغرِقُكمْ طوفانُها في ظلمةٍ لا تنجلي ـ هيهاتَ، بعدَ الآنِ، تزكو وردةٌ في مَشْتَلِ ـ إذا خَسِرْتَ مُرْسَلاً خسرتَ كلَّ مرسِلِ!..) ... ... ... ... ـ 6 ـ وكانَ ما كان... وسارت الوجوهُ تَسْتَظِلُّ قُبَّعاتِها، وتهبطُ النهر على طوافةٍ مثقوبةٍ والماءُ لا يغمرُ حتى موضعَ القَدَمْ لَكَمْ تَوَقَّفنا!.. وليسَ ثمَّ من إشارةٍ، والنهرُ ظلَّ هادئاً لم يَتَسلَّمْ حصّة الدموع من وكالةِ التموين. نيسانُ ذابَ في بقايا الماءْ، وابنةُ عَبسٍ شَدَّتِ الرحالَ بَغتَةً إلى (مغاني الشِّعْبِ) في (دلمون): هناكَ لا يفترسُ الذئبُ الحَمَلْ، لا موتَ، لا ميلادْ، ولا زحامَ أو شَغَبْ. لسوفَ يَستريحُ رأسُها على سريرِ الضوءِ في عرائشِ العِنَبْ، وليس فيها من يقولُ: "أين حَقّي؟"؛ لا ليلَ، لا نهارْ؛ بل شَفَقٌ تهبطُ من أردانهِ آلهةُ الغروبْ في جوقةٍ من الكواكبْ، وتبدأ العَزفَ على أجنحةٍ الجنادبْ ... ... ... لكنّ صوتاًَ هبَّ من (حناجرِ القَصَبْ) ـ "ما هذه الجداولُ التي تفَحُّ كالأفاعي، وتصنعُ الأوثانَ من تبوغِ أعقابِ السجائرْ؟" غادرني، حين دخلتُ الشِّعْبَ ظِلِّي، ولم أجدْ غير صغارِ النملِ، في دبيبها إلى بقايا العظمِ في المقابر! ... ... ... قرطاجُ دلمونُ... ودلمونُ بلا وَجْهٍ ولا جَسَدْ، ولوحُها الطينيُّ وَهْمُ شاعر مُلَوَّثٍ، ينسجُ من شقائهِ أسطورةً مثيرهْ بعد امتلاءِ رأسهِ بخمرةِ الكأسِ الأخيرهْ. ... ... ... ... عليكَ أن تكونَ أنتَ الزوبَعه؛ فالسوقُ ما باعَ، ولا ابتاعَ سوى قلائدِ الآلهةِ المرصّعه؛ أَجَلْ!.. تَساوتِ الوجوهُ في قطارِ الأمتِعَهْ. ... ... ... دعني، إذنْ، أعودُ من حيثُ أَتَيتْ إلى طلولِ نينوى وعسقلانْ أسألُ كلَّ رائحٍ وغادٍ عن آخر الأنباء في جريدة (الأهرامِ) و(الزمانْ)! ... ... ... ... ـ 7 ـ أبعدَ هذا كلّهِ؟ بعدَ الذهابِ والأياب بين حانةٍ ومئذنَهْ؟ بعدَ انتشار النارِ في مبارياتِ الأزمنَهْ؟ بعدَ انتهاءِ موسم الحصادِ، وابتداءِ موسمِ الحنظلِ في الطُّلولْ ـ أبعدَ هذا كله؟ هل يستطيعُ المرءُ أن يُعيدَ لأْمَ رأسِهِ المقطوعْ بالرَّقَبَهْ، ويستديرَ صاعداً إلى بقايا البيتِ فوقَ الهَضَبَهْ؟!. بغداد 25/ 5/ 2003. درس في التاريخ العدد 430 6 2007 العدد 430 1 2007 |
|
| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |