مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 430 شباط 2007
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

شادية الغياب ـــ محمد الفهد

وتقولُ في لهفِ القطا:‏

ما زلتُ أسمعُ صوتَك السحريّ‏

ينبضُ في دمي‏

ويعطّرُ الليلَ الطويلَ بسرِّ غاباتٍ‏

تعيدُ بطقسها فرحَ الأنوثةِ‏

يومَ راودها بعينيْ عاشقٍ‏

فجرت إلى زندِ الوسادةِ‏

ترسمُ الآهاتِ‏

تضحكُ فجأةً، وتعيد دمعتَها‏

دخولَ الدهشةِ الأولى‏

وأطوارَ التجلي‏

ما كانَ من عبقِ اليدين‏

تلونانِ الوجهَ بالخمر الشفيفِ‏

وزهرةِ الجلْنارِ، ما قالتْ دموعُ‏

الغيمِ للحبقِ المزهِّرِ‏

ما ترامى من رذاذٍ يُوقظُ المعنى‏

بأرضٍ تعطشُ الأغصانُ فيها‏

ثم تَنْهَدُ للغموضِ‏

تروحُ من تعبِ السنين‏

وتقول كالناي المسافرِ فجأة:‏

ما زلتُ أجري في دروبِ الشعرِ‏

يأخذُ من عيوني غيمةً، تخلو إلى جسدِ‏

المياهِ وشجرةِ التوتِ العتيقةِ‏

كي تؤاخي خضرةً ترمي علينا سحرَها‏

وتذوبَ في روحِ الحنين‏

حتى إذا آنستُ من ظلٍّ يبرعمُ في دمي‏

أحضرتُ وقتاً للقصيدة، إذ تقيمُ‏

بسحرها وجداً من الألفاظِ، تهجرُ‏

موسمَ الأوراقِ من قاموسها ليلاً‏

وتنسجُ من خمورِ العشقِ ميناءَ الأنينْ‏

فأعيدُ ترتيبَ الحروف، طفولةَ الأشياءِ‏

ما قالَ الحبيبُ. وما تكدّسَ من غموضٍ‏

في دروبِ اللحنِ تأخذُ سرَّنا‏

لأكونَ قربَك في دمي‏

مثلَ الصدى مثلَ الشفاه تعيدُ‏

جناتِ المدى صوتاً وإيقاعاً‏

على ظلِّ الرنينْ‏

وفُجاءةً للمرّةِ الأولى‏

أتاني الصوتُ صوتُك كنت تشدو في الإذاعة‏

كالمدى، فنهضت أركضُ دونَ إذنٍ‏

غير أني كنتُ مأخوذاً‏

بما تركَ الزمانُ بغابتي‏

من ظلمةٍ‏

كيفَ الرياحُ تبعثرُ الأوقاتِ في وترٍ‏

يسيلُ بدمعهِ حباً لذاكَ الياسمينْ‏

هذا هو الصوتُ الذي دقَّ النوافذَ‏

فاستعادَ اللحنُ أغنيةَ الحياةِ‏

وصارَ للخيطِ المسافرِ، من يحوكُ‏

بسرِّه مدنَ الأساطيرِ القديمةِ‏

يفتحُ الشرفاتِ نحو العشب‏

كي تجدَ الغزالةُ موطناً‏

فتصدقَ الأحلامَ‏

ما تركتْ زهورُ الليلِ من عطرٍ‏

على ليل الحبقْ‏

فتضيءُ عتمة سرِّها‏

فوقَ القلقْ‏

وأكونُ أوتارَ الكمنجةِ‏

تجمعُ الأكوانَ من جرحي‏

وحتى غناءِ العاشقين‏

هذا هو الصوتُ الذي قدْ فتَّحَ الشرفاتِ‏

أولَ سرها، ودعا طيورَ الفجر كي ترمي‏

مفاتيحَ الطبيعة في يدي، حتى نضجتُ‏

وصرتُ أعرفُ لثغةَ الإنشادِ، غيمَ‏

دفاتري، لأكونَ أخضرَها وأزرقها‏

وما صارتْ لايلولَ الحدائقُ كلُّها ذهبٌ‏

يفكُّ قميصَه زراً فزراً‏

ثم يفتحُ للفضاءِ غناءَه بدمِ المرايا، تنسجُ‏

الأوقاتِ من لحنٍ وطينْ‏

هذا هو الصوت الذي جبلَ المسافةَ‏

في دمي، كغمامِ هذا الليلِ يمطرُ في‏

الصباح عيونَه، لأكونَ من حبقٍ‏

أعطّرُ فيك نافذتي‏

وأتركُ للبنفسج أن يزنّد‏

ما تبقى في يدِ المعشوق‏

من وجدٍ دفينْ‏

هذا هو الصوتُ الذي سمى المرافئ،‏

ثم أعطى للنبيذِ ظلالَ وجدٍ في الكؤوسِ‏

لتزهرَ الألحانُ في دربِ المزاميرِ القديمةِ‏

والحديثةِ، توقظُ الغافين في روحي‏

على رجعٍ، كأنَّ دروبَها ليلُ السجينْ‏

هذا هو الصوت الذي كشفَ الحقيقةَ كاملاً‏

ورمى بروحي سرَّ أسرارِ الفصولْ‏

فكأنَه قدْ أيقظَ الماء المخبَّأ في دمي,‏

وكأنّهُ قدْ أرجعَ الأكوانَ في‏

هذا النعاس على حريرِ الوقتِ,‏

نجدلُ فيه ما خبّأتُ من قصص‏

الخريفِ، وما تقوَّلَ في الأغاني,‏

حين يرفو عاشقٌ ثوبَ الزمانِ‏

بقبلةٍ أولى، ويجرحُ صمتَ‏

ذاكَ الدربِ بالضمِّ المسافرِ‏

من وميضِ البرقِ في روحي‏

وحتى ظلِّ خاصرتي‏

وأسماءِ الأصابعِ أو رذاذ‏

الماءِ في صدري وما شاءتْيداهُ من الحلولْ‏

هذا هو الصوتُ المخبّأ في الفراشةِ‏

يومَ يزهرُ لحينُها ألقاً‏

وتنسابُ القصيدة نحوَ آخر حلمِها‏

ترمي رخام الكأسِ بالخمرِ المعتَّقِ،‏

ثم تجلسُ فوقَ شهوةِ روحها‏

ألقاً على سفر العنب‏

فجلست أحضن ذلكَ المذياعَ,‏

أرنو للحروفِ تجمّع الأيامَ,‏

ترسمُ روحَها فوقَ التعبْ‏

حتى كأنَّ العمرَ أضواءُ التذكّرِ,‏

كالقرنفلِ يرتمي في بذرةٍ‏

قد طيّرتْ زهرَ الخريفِ‏

وجرّحتْ جسدَ الخشب‏

وجلستُ ينبوعاً من الدمع المخضَّبِ بالأنينِ‏

وقلْ نحيباً جَمّعتْ أسماؤُه تلك المرافئَ‏

ثم ألقى ظلَّهُ في نايه صبحاً‏

ودعا قصائدَه لتروي حرقةَ الأنهارِ‏

في وجه اللهبْ‏

فصرت من وجع المدى خذني إليكَ‏

وضمني، وارحلْ كما شاءتْ حوافُ‏

البئر نحوَ النبع نأخذه على‏

مهلٍ، وننسى ما سؤالُ الوقتِ‏

عن ذاكَ السببْ‏

شادية الغياب‏

العدد 430‏

2‏

2007‏

العدد 430‏

1‏

2007‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244