|
||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
الطاهر لبيب: من علم اجتماع الأدب إلى تفكيك صورة الآخر ـــ د.محمد عبيد الله الطاهر لبيب واحد من أحفاد ابن خلدون العربي، منذ مطلع السبعينات فرض اسمه بسلاسة وقوة على المشهد الثقافي العربي وعلى الدوائر الأكاديمية، ولعل القارئ العام يعرف كتابه المبكر (سوسيولوجيا الغزل العربي) الذي مثل فتحاً جديداً في منهجيته ونتائجه، وقد تمثل لبيب في ذلك الكتاب منهجية صديقه: لوسيان غولدمان في مجال البنيوية التكوينية، وتمكن من خلال تطبيقها على تجربة عربية من تقديم بحث شديد التكثيف والتأثير في مجال علم اجتماع الأدب، وهو ما دفع أندريه ميكيل إلى الإشادة بالطاهر لبيب والاعتراف بالأثر الكبير لكتابه الذي صدر بالفرنسية ثم ترجم إلى العربية وخلال بضع سنوات صار كتاباً أساسياً مشتركاً بين المهتمين بالأدب وعلم الاجتماع. واهتم لبيب بسوسيولوجيا الثقافة وألف فيها، ولكن تجربته الفكرية ظلت نامية متطورة لباحث قلق بالمعنى الإيجابي، حتى صار اسمه يتكرر في مجالات وحقول فكرية واجتماعية متنوعة. وإضافة إلى علم اجتماع الأدب الحقل الذي قدم لنا اسمه منذ سنوات طويلة، اهتم لبيب بحقول جديدة من مستجدات الحالة الفكرية والثقافية مما يتعلق بصورة الآخر والعلاقة معه، ومما يرتبط بالترجمة والتعريب بالمعنى الثقافي الحيوي وليس على المستوى التقني فحسب. ومع أنه بدأ من الجامعة وعمل أستاذاً لعلم الاجتماع في الجامعة التونسية فقد نهض مع آخرين بدور كبير في رفض الصورة النمطية للأكاديمي العربي، ويبدو أنه ظل وفياً لتأثيرات فرنسية إيجابية ترفض تلك الصورة التي تعزل الأكاديمي وتغلق عليه أبواب الجامعة، وقدم لبيب إسهامات كبيرة في المجال الثقافي والفكري بمعناه العام المتحرر من القيود الأكاديمية. في منتصف الثمانينات أسس الطاهر لبيب مع عدد من الباحثين العرب جمعية ثقافية مقرها تونس باسم: الجمعية العربية لعلم الاجتماع، وقد ترأسها لسنوات، وهو اليوم الرئيس الشرفي لها تقديراً لدوره في مجال علم الاجتماع العربي. واهتم لبيب بالترجمة بوصفها أحد الأذرع الضرورية للتنمية الثقافية كما ونوعاً، ويعمل اليوم مديراً للمنظمة العربية للترجمة في بيروت ويبذل جهوداً جبارة لإنجاح هذا المشروع العربي الحيوي الذي يعد بمزيد من العطاء لتحجيم المساحة السوداء التي تجلل مشهد الترجمة كانعكاس لتراجع دور الثقافة والفكر في حياة المجتمع العربي. وفي السياق نفسه ينتقد لبيب خضوع اللغة لقانون السوق ووحشة الربح، نظرا لوظيفتها الثقافية والاجتماعية. ورغم أن الطاهر لبيب معروف في وسائل الإعلام وفي المنتديات العربية فإنه دوماً ينبه إلى نموذج خطر من نماذج المثقف العربي يسميه بالمثقف المقاول، وهو عند مثقف مستعد لتلبية كل الدعوات وهو خبير بالأسئلة المتوقعة ويمتلك إجابات مرضية لا تزعج أحدا، وقد حول هذا النمط الثقافة من فعل تغيير إلى مناسبة وعزومة اجتماعية بالوجاهة وأضواء الإعلام. هذه الظاهرة التي حولت أناساً محدودي المعرفة والخبرة إلى خبراء بحسب تصنيفات الإعلام والمناسبات تحرف الثقافة عن واجباتها في التغيير ورفض السائد والمكرس، بهذا المعنى يحافظ الطاهر لبيب على روحه المتجددة ويرفض الاستجابة للدعوات التي تأتيه من كل جهة، وهو في ذلك وفي لمسيرته في التجديد والتنوير واحترام دور المثقف والمحافظة على استقلاليته وحريته بعيداً عن نوازع السيطرة والتوجيه والتبعية. اهتم لبيب بصورة الآخر وصورتنا عنده، وحاول أن ينتج خطاباً جديداً لا يرتهن إلى السائد في مسألة العلاقة بين الشرق والغرب. ويلاحظ لبيب أن العربي الذي يشكو من التشويه الذي لحق بصورته لم يسأل نفسه عن تشويه صورة الآخر ولا عما فعل هو من أجل تصحيح صورته وتقديمها بصيغتها اللائقة للآخر الغربي. إنها أنماط من الندب والبكاء تلك المهارات التي يكرهها لبيب ويتجاوزها بعقل نقدي مضيء، ينتقد ويفكك من دون يأس أو تفاؤل مفرط. في مساهمته الأخيرة ضمن أعمال مؤتمر فيلادلفيا الدولي قدم لبيب تصوره الحيوي لثقافة الخوف التي تعاني منها مجتمعاتنا المذعورة، لكنه شدد على ثقافة التخويف بمعنى صناعة الخوف واستثماره في المجال السياسي وعلاقة العرب بالغرب، وأشار بوضوح إلى أن الخوف غدا خوفاً معولماً يتم تسويقه وصناعته للتأثير على مجتمعاتنا العربية. وهكذا صار الخوف بصيغة دولية مقصودة بعيداً عن عقلية المؤامرة ونظرياتها. ويقول لبيب بأن الإنسان العربي لو لم يخف لانقرض، ولكن على أن يكون الخوف مناسباً للخطر.. فالمشكلة بحسب لبيب ليست في الخوف وإنما في تمثله، أي أنها في وعي الخوف وخوف الوعي، وأما مقترح الحل عنده فيتمثل في المجتمع المدني الفاعل القادر على تفكيك ثقافة الخوف، (إنه قادر على تفكيك ما يتعولم منها وما يرتبط به من إرهاب، وعلى تعديل معادلة الخوف بين الحاكم والمحكوم وعلى رد المخاوف إلى مصادرها الاجتماعية الأولى). على المستوى الإنساني، يبدو لبيب أقرب إلى شخصية الشاعر الأليف من المفكر أو العالم الجاف، وهو من قلة قليلة تمتلك مهارات الاتصال الكتابي والشفوي، يبهرك بعربيته مكتوبة أو منطوقة، ويمتلك مهارة نادرة في اجتذاب الجمهور وآليات الإيصال، وعندما تصغي إلى أعماقه تدرك أن الأفكار الكبيرة تولد واضحة لا ملتبسة، مثلما تتذكر فيالق الرطانة ممن يغطون على سطحيتهم بالتباسات مقصودة سوريالية لا يفهم الناس منها شيئاً. الطاهر لبيب في حيويته وحراكه وفي سعيه للتطور الدائم منهجياً وفكرياً، يقول لك: إن العتمة العربية ليست حالكة وإنما تخترقها بعض الأنوار الكاشفة ومنها كائن ضوئي يدعى: الطاهر لبيب. العدد 417 152 2006 العدد 417 153 2006 |
|
| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |