مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 430 شباط 2007
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

المسرّح ـــ ممدوح فاخوري

رئيس الورشة: "دَهِشاً" أراك هنا.. هل أعادوك؟‏

العامل: أعادوني؟.. إلى أين؟‏

رئيس الورشة: إلى عملك.‏

العامل: أنا في عملي.. لم أتركه حتى يعيدوني إليه...‏

رئيس الورشة: "يتركه قليلاً ويغمغم بكلام غير مفهوم" ثم يقول: أنا غلطان؟ "ويُخرج صورة قرار يُمعن النظر فيها". الاسم اسمك.. أنت مسرَّح.. ألم تُبَلَّغ بعد؟‏

العامل: أٌبلَّغ؟.. أٌبلَّغ ماذا؟..‏

رئيس الورشة: "بأسف" تسريحك..‏

العامل: تسريحي؟.. هل فعلت شيئاً حتى أسرَّح؟..‏

رئيس الورشة: لا أدري.. اذهب واسأل..‏

العامل: كيف لا تدري؟.. أنت رئيسنا، وتعرف شغلي..‏

رئيس الورشة: أعرف.. ولكن العرفان غير الأوامر!‏

العامل: أوامر؟.. الأوامر تستند إلى حقائق.. وأنا لم أرتكب خطأً ولا ذنباً..‏

رئيس الورشة: هكذا بُلِّغنا.. أنا مضطَّر أن أوقفك عن العمل.‏

العامل: تُوقفني؟ ولماذا؟‏

رئيس الورشة: قلتُ: لأنك مسرَّح.‏

العامل: "باطمئنان"، وأنا أقول: إنني لم أفعل شيئاً يستوجب تسريحي؛ وأنت تعلم..‏

رئيس الورشة: "مقاطعاً"، أعلم أو لا أعلم.. إنها الأوامر..‏

العامل: الأوامر؟.. هل ارتكبت شيئاً؟‏

رئيس الورشة: "بضيق"، لا أدري.. اذهب واسأل..‏

العامل: إلى أين؟.. أنت أدرى بي وبعملي..‏

رئيس الورشة: أنا عبد مأمور.. لا تحرجني.. هكذا بُلِّغت..‏

العامل: معقول؟.. حتماً يقصدون غيري..‏

رئيس الورشة: قلت لا أدري.. هذا اسمك..‏

العامل: اسمي.. أحسبهم خلطوا "بين اسمين".. أنت تعلم.. كنت دائماً مثالاً للجِدّ والتَّفاني..‏

رئيس الورشة: لا أحبُّ أن أكرر.. اذهب واسأل..‏

العامل: وأنا لا أكرّر.. لم أفعل ما يقضي بتسريحي.. سِجلِّي نظيف، وعملي..‏

رئيس الورشة: قل لهم ذلك.. عملك جيد.. أشهد أنه جيد.. ولو سُئلت لن أبدِّل شهادتي.. وأكرّر.. اذهب واسأل..‏

العامل: هكذا ترى؟‏

رئيس الورشة: أجل.. لا أستطيع إغفال الأمر الخطّي الذي في يدي.‏

العامل: حسناً.. قلتَ: أمرٌ خطّي.. هاتِ.. أين هو؟‏

رئيس الورشة: هاهو.. اعرضه على من تشاء لتتأكّد.‏

العامل: "يأخذه ويطيل النظر فيه، ولكن نظره الضعيف لا يسعفه.. يسأل زميلاً لـه أن يقرأه له":‏

أرجو أن تقرأ لي هذا الكتاب.‏

الزميل: ولماذا تسأل مثلي؟.‏

العامل: لأن نظرك أحدُّ من نظري..‏

الزميل: ولكنني مثلك، أشكو ضعفَ البصر.. وقراءتي "على قدّها".‏

العامل: انظر الاسم فقط.. هل هو اسمي؟.‏

الزميل: "يحدِّق إلى الورقة"‏

هو اسمك.. لا أتبيَّن الباقي.. أهو نقل أم مكافأة؟!‏

العامل: لا هذا ولا تلك. قل: أجارَنا الله..‏

الزميل: ماذا. شَغلتَ بالي..‏

العامل: لا شغل الله لك بالاً..‏

الزميل: سامحني.. لم أستطع قراءة الورقة.. اعرضْها على غيري..‏

العامل: لن أعرضها على أحد.. سأذهب إلى مكتب المدير نفسه..‏

الزميل: "مشغولاً".. ألم يقولوا لك خلاصتها؟..‏

العامل: لا تشغل بالك.. في الأمر خطأ.. لذلك سأقصد المدير.. أنا واثق أنه لا يعرف عني، كما قال رئيس الورشة، إلا كلَّ خير..‏

الزميل: "بلهفة وقلق"،‏

أنتظرُ النتيجة.. كان الله في عونك.. لا تنسَ.. أخبرني..‏

العامل: سأخبرك.. اطئمن!.‏

الزميل: لعلّ وعسى.. لقد أقلقتني..‏

العامل: لا تقلق.. وادعُ لي.. أعرف نفسي جيداً، وما أحسبه بُلِّغ عني شيئاً..‏

الزميل: ماذا أقول؟ عجِّل قبل أن يشتدَّ الزّحام على بابه!‏

العامل: سأذهب من فوري.‏

"يدخل إلى مكتب المدير.. فيتحرَّك الكرسي الدوَّار".‏

المدير: من أنت؟.. ومن أذِنَ لك؟..‏

العامل: لم أجد أحداً على الباب.. والقضيّة مهمّة..‏

المدير: مهمّة؟ أهذا عذر؟!‏

العامل: تتعلّق بمصيري.. ومصير أسرتي..‏

المدير: مصير أسرتك يهمُّك، فما علاقتي أنا؟ ثم.. لِمَ لَمْ تنتظر قليلاً حتى يعود الآذن؟.‏

العامل: هل أخرج وأنتظره؟‏

المدير: "بجفاء"، لا.. قل ماذا تريد؟‏

العامل: لا مؤاخذة.. لم يُسمح لي بالعمل اليوم..‏

المدير: وما علاقتي أنا؟..‏

العامل: جئت أخبرك..‏

المدير: تخبرني؟.. هات.. لِمَ لَمْ يُسمح لك..؟‏

العامل: قال لي رئيس الورشة إنني مسرَّح..‏

المدير: طيّب.. الأمر بينك وبينه.. هو أدرى بك مني..‏

العامل: هو يقول إنه لا يعرف السّبب.‏

المدير: السبب واضح.. المسرَّح لا يُسمح لـه بالعمل..‏

العامل: أجل.. الأمر كما تقول.. أنا أسأل عن السبب..‏

المدير: تسألني أنا؟.. أسأل نفسك!‏

العامل: ولكن، يا سيدي، عملي..‏

المدير: "بضيقٍ ـ مقاطعاً"‏

اسمع ما يقول رئيسك، ولا تجادلني..‏

العامل: أنا لا أجادلك.. وحاشاك أن أجادلك.. إنّما جئت أعرض عليك الأمر..‏

المدير: لا حاجة.. اعرض الأمر على رئيسك..‏

العامل: هو طلب مني أن أسأل..‏

المدير: وتسألني أنا.. راجع رئيسك.. أو اكتب "عريضة" إذا شئت..‏

العامل: ولكن.. رئيسي يعرف شغلي..‏

المدير: ولذلك سرِّحتَ.. اسمع.. لا وقتَ لديَّ.. امتثل أمرَ رئيسك.. ألم تسمع؟.. عندي شغل.. ماذا؟‏

"بعنف"، ألا تخرج؟‏

العامل: عفوك، يا سيّدي، أنا أمتثل أمرَ رئيسي.. ولكنه قال إن الأمر خارج عن "صلاحيَّته".. ثم، هو راضٍ عن عملي، ومستعدٌ أن يشهد بأنِّي..‏

المدير: "مقاطعاً"، بأنّك ماذا؟.. أتظن أنني هنا لأجلك!‏

العامل: أعرف أن وقتك ثمين.. ولكن.. أنت مرجعنا.. وأخبارنا تبلغك "أولاً بأوّل".‏

المدير: أخباركم؟.. وماذا يهمُّني أو يشوقني من أخباركم؟! لَكَ رئيس.. فاذهب إليه وسله ما تشاء..‏

العامل: سألته، فأشار بأن أقابلك..‏

المدير: أنا لا أعرفك ولا أعرف شيئاً عن عملك.‏

العامل: ولذلك جئتك..‏

المدير: طيِّب.. ما اسمك؟.. ومن أيّ ورشة أنت؟‏

العامل: "يشعر ببعض الانتعاش والأمل"اسمي فلان.. من الورشة رقم واحد.‏

المدير: "يضغط زر الأنترفون".‏

رئيسَ الورشة رقم واحد.. هل تسمعني؟‏

رئيس الورشة: نعم يا سيّدي.. أسمعك جيداً.‏

المدير: ما شأن العامل فلان؟‏

رئيس الورشة: بَلَّغته أمر تسريحه...‏

المدير: فاهم.. هو يَدَّعي أنه بريء..‏

رئيس الورشة: لم "أمسك عليه شيئاً".‏

المدير: أنت تقول إنّك بلَّغته أمر ترسيحه.. إذاً هو مسرَّح.. تعال فوراً.‏

رئيس الورشة: حاضر.‏

المدير: "يلتفت إلى العامل".‏

أنت مسرَّح، فماذا تريد الآن..؟‏

العامل: أنا لا أريد شيئاً سوى العدل والإنصاف..‏

المدير: العدل قضى بتسريحك.. والأمر واضح.. فيه اسمك الصَّريح.. أم ماذا؟..‏

العامل: "مشدوهاً"،صحيح.. فيه اسمي.. ولكن..‏

المدير: إذا كان الاسم اسمك، فلماذا تراجعني؟..‏

العامل: لأنك مرجعنا يا سيّدي.. وأنت الذي تنصفني..‏

المدير: أنصفك؟.. ومن ينصف العمل؟!‏

العامل: "في يأس وشبه استغاثة".‏

يا سيّدي.. عملي يشهد لي.. وكل زملائي يعرفونني..‏

المدير: "في تهكّم واستعلاء".‏

كلُّكم يقول هذا! أتمنّى لو أقرَّ أحدكم بذنبه!‏

العامل: لا ذنب لي.. أقسم بذلك..‏

المدير: "مستنكراً"، من المذنب إذاً؟ أنا؟!‏

العامل: حاشاك..‏

المدير: إذاً ماذا تريد الآن؟‏

العامل: لا أريد إلا إنصافي.. حقّقوا إن شئتم..‏

المدير: "محتدّاً"،ماذا؟.. هل تجدنا عديمي الإنصاف؟!‏

العامل: لم أقل ذلك.. في الموضوع.. في الأمر خطأ كما أظن.‏

المدير: خطأ؟.. تخطئون وتنسبون الخطأ لغيركم!‏

العامل: أستغفر الله.. لم أقصد ذلك.. جئت لأشكو فقط..‏

المدير: تشكو؟ ممّن؟‏

العامل: أشكو إليك.. لم أرتكب ذنباً أُؤاخذ عليه.‏

المدير: الورقة هي الحَكَم.. انظر فيها جيداً..‏

العامل: الورقة ليست شيئاً بجانبك..‏

رئيس الورشة: "يقرع الباب ويدخل".‏

السلام عليكم.‏

المدير: أنت تقول إنّك بلَّغته. أليس كذلك؟‏

رئيس الورشة: بلى.. لقد بلَّغته.. بلَّغته.. وهو كما ترى لم يفهم..‏

المدير: يفهم ماذا؟.. هل قلت لـه شيئاً آخر؟!‏

رئيس الورشة: لم أقل شيئاً.. ولم أرسله إليك..‏

المدير: "ممتعضاً ومغتاظاً".‏

وأخيراً.. أنا عندي مواعيد ولا داعي للإطالة.‏

"ينسحب رئيس الورشة".‏

العامل: يا سيّدي.. لن أطيل عليك.. أرجو فقط أن تسأل عني.. كنت أعمل أكثر مّما هو مطلوب مني..‏

المدير: ماذا.. عدنا؟..‏

العامل: يا سيّدي.. تحمَّل قليلاً.. عندي اقتراح..‏

المدير: احتفظ باقتراحك.. لا وقت لديَّ لسماعه.. والآن؟ ماذا تريد؟ قلت عندي مواعيد..‏

العامل: أرجو فقط أن تسمع اقتراحي..‏

المدير: ومن طلب منك أن تقترح؟‏

العامل: ضميري هو الذي طلب مني.. أنا صاحب ضمير.. أعني (ضمير مسلكي)..‏

المدير: خَلِّ ضميرك لنفسك..‏

العامل: يا سيّدي.. اسمعني قليلاً.. كنتُ محبّاً لعملي، متفانياً فيه.. بل أُسهم في كل ما يضمن نجاحه وتلافي أيّ خطأ فيه..‏

المدير: أيّ خطأ؟..‏

"بغضب"، أهذا ما تفتَّقَ عنه دماغك.. تتَّهمنا بالخطأ أيضاً؟..‏

العامل: "بيأس"، لم أقل إنكم مخطئون..‏

المدير: من سلَّطك عليّ اليوم؟.. أنت تريد أن تجنِّنَني؟!‏

العامل: أعوذ بالله.. كلُّ ما أرجوه هو أن تسأل عنّي وعن إخلاصي..‏

المدير: لقد أشبعتنا إخلاصاً.. صرعتَنا بإخلاصك! الدنيا بخير.. والمخلصون كثيرون.‏

العامل: وأنا أحدهم.. ثق بي يا سيّدي.. أنا منهم.. فلماذا أسرَّح؟..‏

المدير: تسألني؟.. اسأل نفسك!.. اسأل رئيسك..‏

"ينظر في ساعته".‏

وبعد؟.. تنصرف، أم أدعو من يصرفك عنّي؟..‏

العامل: "بيأس"، يا سيّدي.. اسمعني قليلاً.. سأنصرف.. وأرجو أن تسأل عنّي..‏

المدير: "بحدَّة". وهل تظن أنني هنا فقط لأسأل عنك؟.‏

العامل: أعني.. للتأكد من عملي..‏

المدير: هم أدرى بعملك.. لستُ فوق رأسك لأعرف عملك!‏

"ينظر في السّاعة ثانية".‏

لا تُضع وقتي.. افهم جيّداً.. لسنا بحاجة إليك!‏

العامل: أفهمُ إذا بيَّنتم لي سبب تسريحي!‏

المدير: عال! تريد الصّراحة؟.. لا حاجة لنا بك! ماذا تريد الآن؟..‏

العامل: لا أريد شيئاً سوى أن أعيش، وتعيش أسرتي وأطفالي..‏

المدير: الأرض واسعة.. ابحث عن رزقك..‏

العامل: رزقي هنا.. هل تقبلُ أن يجوع أطفالي؟..‏

المدير: في العالم ملايين الجياع.. فماذا لو زادوا قليلاً!‏

العامل: وهل ترضى أن نجوع؟‏

المدير: عدنا؟..‏

"ينظر في ساعته مرة أخرى"..‏

أنا لا أستطيع أن أفهم إلا أنَّك سُرِّحت لسبب معقول!‏

العامل: وما هو هذا السّبب المعقول؟‏

المدير: أتستجوبني؟.. اذهب.. لم يبقَ من الوقت ما أضيّعه.‏

العامل: "باستغراب"، تضيّعه؟ هل في البحث عن العدل والإنصاف مَضيَعة للوقت؟!‏

المدير: عجيب أمرك.. أنت تعلِّمني؟!.. قلت ليس لديَّ من الوقت ما أضيِّعه مع أمثالك..‏

العامل: "بعتب وغضب".‏

مع أمثالي؟.. أهكذا يخاطَب من يشكو مَظلَمة؟‏

المدير: هذِّب ألفاظك.. نحن لسنا ظُلاماً!‏

العامل: يا سيّدي.. لم أعْنِ ذلك.. ولو عنيته، أو كنت أعنيه، ما أتيت إليك.. أنا أطلب إنصافي فقط..‏

المدير: أنت تَزِنُ نفسك بأكثرَ من وزنك الحقيقي.. تدخل مكتبي بلا إذن.. و"تتشدّق" دائماً بعملك.. وتقترح!‏

"يقف ويطلب من العامل أن ينصرف".‏

هيّا اذهب.‏

العامل: "باستعطاف، والدموع تنهمر من عينيه".‏

نظرة عطف يا سيّدي، وتعود المياه إلى مجاريها.‏

المدير: ماذا؟.. أتهدِّدني؟ هل تراني أعكِّر المياه أو أسدُّ مجاريها؟!‏

العامل: عفواً يا سيّدي.. لم أقصد أيّ تهديد.. وما كان لمثلي أن يهدِّد.. قصدت حمايتي وأسرتي من الجوع. وعودتي إلى العمل..‏

المدير: اسمع.. لقد نَفِدَ صبري.. أتفهم؟‏

العامل: أفهم.. أفهم أني عامل مخلص، ومن حقّ المخلص أن يُكافأ لا أن يسرَّح!.‏

المدير: هذا الكلام تقولـه لغيري.. لقد أنصفناك وأنصفنا العمل منك! فماذا تريد الآن؟‏

العامل: لا أريد شيئاً سوى أن أرفع يديَّ بالدُّعاء..‏

المدير: ماذا؟ أتدعو عليَّ؟..‏

العامل: أدعو أن أعوَّض من عسري باليُسر.. أن يُرفَع عني وعن أسرتي سيف الجوع والظلم..‏

"الأجراس ترنّ وتدوِّي، والأضواء ترتجف، والعامل المسكين يجد نفسه خارج المكتب، ومن دون أن يبذل ـ كعادته ـ أي جهد"...‏

المسرّح..‏

العدد 430‏

154‏

2007‏

العدد 430‏

155‏

2007‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244