|
||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
دواء لذيذ جداً ـــ صالح الدمس اشتد به السعال لثلاثة أيام متتالية، تبدأ النوبة منذ الصباح، وتأخذ في التصاعد كلما تقدم النهار، وتبلغ ذروتها حين يأوي إلى الفراش ليلاً، فيظل صدره ينتفض يكاد ينفجر كلما أخذه السعال، ولا يأتيه النعاس، فتسهر بجانبه أمه الحاجة خديجة، تمده بالماء كلما أخذته الشهقة، أو تدفئ لـه كوباً به خليط من ورق الطرنجية ليحتسيه جرعة فجرعة، فحنجرته المجرحة لم تعد قادرة على ابتلاع السائل دفعة واحدة، وتطبطب على كتفه وتمسح على شعر رأسه وتقول له: لا بد لك من دواء يا ولدي، منذ ثلاثة أيام وحامد ولد الحاج محمد لا يقدر حتى على مضغ كسرة، ولا على تجرع كأس طرنجية دافئة، السعال وجروح الحنجرة والقشعريرة ما تركت فيه غير الجلد على العظم. كانت الحاجة خديجة، أمه، توصيه هو وأخاه بأن يتدثرا جيداً، وأن يغطيا رأسيهما كلما خرجا من المنزل لأخذ قاربهما الصغير والذهاب إلى البحر، ولكن ماذا يصنعان إذا فاجأهما المطر والريح وهما في سرة البحر، بين ماء وماء، أي غطاء يمكن أن يمنع الريح من سلخ الجلد وشق الجنب. حين عادا ليلتها، سخنت أمهما الحاجة خديجة سطل ماء حتى يتدفأا، وأعدت لهما العشاء، وراحت، وهم يتغدون، تتنهد قائلة، لو أن الحاج ما زال حياً لأراحكما من هذا القارب وهذا البحر، ولكن ما الحيلة، لا بد لنا من الخبز، ستمر أيام النوء ويأتي الجو البديع، وتعودان بالسمك الوفير. وبعد ساعة أو أقل من ذلك دلف حامد وأخوه الناصر إلى غرفة النوم، تغطيا جيداً وراحا في صمت كثيف يهيئان نفسيهما لسفرة الغد القادمة على القارب، فوق الماء، باتجاه السمك الشارد، ضد الريح والمطر والوحشة الداكنة، وقبيل الفجر بدقائق أفاقت الحاجة خديجة على صوت سعال ابنها حامد يكاد يخلع باب الغرفة. ثلاثة أيام مرت على نزلة البرد التي باغتت حامد، والحاجة لا تفتأ تغلي الحشائش، النعناع والطرنجية والعطرشاء وغيرها، ويتجرع ابنها الملعقة تلو الأخرى، ثم تُضَمِّخ جبينه بماء الزهر، ولكن سعال حامد لا يخفت، وأخوه الناصر وحده يصارع مجدافي القارب الصغير، وحده في البحر على الماء، يطرح قطع الشباك صباحاً ليعود إليها مساءً، يسحبها مثقلة بالطحالب، ولا يعثر فيها ولو على سمكة واحدة، فيكوم تلك القطع في مؤخر القارب، ويعود لاعنا البحر والريح. والحاجة أم حامد تغرف من خابية المحمص والكسكسي، وتطبخ الغداء والعشاء، وتغلي لحامد صحفة من الحساء الدافئة، وتسقيه ملعقتين أو ثلاث من سائل العطرشاء، وتدثره جيداً، وترفع يديها نحو السماء تدعو الله أن يهدئ الريح، وأن يزيل السحب عن السماء، حتى يعود ابناها بالسمك، وتفوح رائحة السقيفة بالمقلي والمشوي، ولكن سعال حامد لم يخفت، وصدره ما زال يخشخش، وجبينه سخنة، والحاجة خديجة لم تدخر حيلة لتخفف عن ابنها هذه المصيبة التي حبسته في الفراش، قالت لـه وهي تطبطب على جنبه: ستبرأ يا بني، الشدة في الله، أجابها بصوته المبحوح: لا بد أن أذهب إلى طبيبة المستوصف، هذا السعال يلزمه دواء يا أمي، مدت يدها وبسطت كفها على جبينه وأجابته: نعم يا ولدي غداً صباحاً اذهب إلى المستوصف. في قريتهم التي تتكئ على البحر لا يوجد مستوصف ولا طبيب، بل كان ما هنالك أن الحلاق هو الذي يقوم بذلك، فهو الذي يقتلع الأسنان المسوسة، وهو الذي يضمد الجروح وهو الذي يحقن المرضى، أما المستوصف فإنه يبعد عن القرية أربعة كيلومترات تتوسطها هضبة شاهقة لا بد من اجتيازها، والطريق متربة غير معبدة، وليس هنالك من وسيلة نقل سوى عربات تجرها الأحمرة والخيول يتسوق بها أصحابها من المدينة القريبة التي يوجد فيها المستوصف، والحاجة خديجة أفاقت وابنها حامد باكراً، في الخامسة، الليل ما زال يجثو على المنازل، لعق حامد بعض الملاعق من حساء ساخن أعدته أمه، لف عنقه بخرقة قماش سميكة وغطى رأسه بمنشفة وكفن رجليه بزوجين من الجوارب ولم تنس أمه أن تعطيه دفتر العلاج المجاني، فدسه في جيب سرواله، وانطلق إلى الخارج حيث الريح الباردة تجرح الخدود وتنفذ إلى العظام، كم من خطوة سيخطوها ليصل إلى المستوصف، أربعة كيلومترات في البرد اللاسع والظلام، بعد قليل سيستيقظ أخوه الناصر ويذهب كسائر الأيام إلى البحر، يجدف لساعة أو أكثر ثم يرمي بقطع الشباك، ويعود يرتعد، ما أقسى الدنيا، قال في نفسه، لم يكفها أننا فقيران ويتيمان لتضيف إلي هذا السعال. الخطوة تلو الخطوة، والصباح بدأ يطل من خلف الهضبة باسماً، وحامد يمسك بيده على رقبته حتى لا تنحل عقدة الخرقة التي طوقها بها، سمع وقع حوافر خلفه، التفت فإذا بعربة قادمة، لا بد أنها ذاهبة إلى سوق المدينة، تمهل حامد حتى تدركه هذه العربة، لا بد أن يحمله صاحبها معه، فهو مريض، والسعال لم يرح صدره ولو ساعة، حتماً سيدعوه للركوب وسيسأله عن وجهته، وسيقول لـه حامد: أنا مريض وذاهب إلى المستوصف، اقتربت العربة منه، كانت محملة بأكياس من التراب، وكدس من الحجارة، أومأ حامد إلى صاحب العربة فتوقفت ونط، وهو يسعل، فوق الأكياس وانطلق ركبهما صاعدين الهضبة، وسعال حامد لا يكف، وعلى عكس ما كان يتصور حامد فإن الرجل لم يحادثه ولو بكلمة، تمنى لو أنه سأله عن وجهته، ولكن يبدو أن الرجل معتاد على حمل الناس مع أحماله إلى المدينة الأخرى، فليس هنالك من وسيلة للتنقل، والأكيد أنه فهم مقصده وأن سعاله كان لافتة واضحة، وإلا إلى أين سيذهب هذا الفتى في هذا الصباح البارد وهو يسعل، مرت ساعة تقريباً حين أدركا المستوصف، أوقف الرجل عربته ونط حامد على الأرض، شكره ورحم على والديه، وصعد الدرجات الثلاث ودلف إلى قاعة الانتظار حيث لم يكن هنالك سوى رجل واحد كاشفاً عن رجله المتورمة التي يكسوها الدمل، وكان لا يكف عن الجلوس والوقوف، يئن حيناً وحينا يزفر منتظراً أن يناديه الممرض حتى تفحصه الطبيبة التي تقدم باكراً ولكنها تغادر المستشفى بسرعة، فهي لا تكاد تقضي فيه أكثر من ساعة ثم تنطلق، ومن قدم بعد ذلك عليه بالعودة في الغد، تمنى حامد لو أن الممرض أدخل الرجل حتى تبادره الطبيبة بالأدوية وتزول آلامه، ولكن أمنيته لم تتحقق إلا بعد أكثر من ربع ساعة حين أفرج الممرض الباب وأشار للرجل بالدخول، تزحزح حامد إلى أول الكنبة التي يجلس عليها المنتظرون، قدم عجوزان، رجل وامرأة، انكفأا في ركن بهو الانتظار، قرفصا دون أن يأخذا مكانهما على الكنبة، المرأة لا يكاد يظهر من وجهها سوى عينيها، وتبدو واهنة جداً، ولكنها كانت تمسك بيد الرجل وتضع الأخرى على صدره وتقول له: تجلد يا حاج، والحاج بالكاد يتنفس، ويشير بيده إلى باب الممرض، فتجيبه المرأة بأنه عن قريب سيأتي دوره. من قاعة الانتظار يسمع حامد صوت الممرض من داخل بيت التمريض وهو يحادث الرجل الذي تؤلمه رجله، سمعهما حامد يتحدثان فظن أن الممرض ينصح الرجل بكيفية استعمال الدواء، ولكن فهم بعد دقائق أن الرجلين صديقان وأنهما لا يتحدثان في مرض رجل الرجل المتورمة ولكنهما كانا ينتقيان اسماً لابنة الممرض الذي يبدو أنه سيرزق بها بعد أيام قليلة، عشرة أسماء سردها الممرض على صاحبه المريض الذي يبدو أن رجله شفيت تماماً، لأنه كان يضحك ويقول للمرض: لا.. لا.. هذا اسم قديم، حامد نفسه وهو يسعل بدأ يفكر في اسم عصري يناسب طفلة من هذا الزمن، قال في داخله ماذا لو اسماها حنان، فهو اسم لطيف، وكل الناس في هذا الوقت في حاجة إلى الحنان، ولكنه عدل عن ذلك وقال اسم نسرين أفضل، فهو اسم زهرة ويوحي بالجمال والدعة، ودارت في رأس حامد عشرات الأسماء، وشغله البحث عن الإنصات للرجلين اللذين واصلا نقاشهما أكثر من نصف ساعة، بعدها انفرج الباب، وأطلت رجل المريض العارية، كانت كلها حمراء قانية كقرن فلفل كبير، نهض حامد من مجلسه ودلف إلى قاعة الممرض، أخرج دفتر العلاج وسلمه له، فمسكه الممرض الذي سيرزق ببنت بعد أيام، ودون على دفتر عريض بيانات حامد المريض، ثم قاده إلى غرفة أخرى تفتح على نفس غرفة الممرض، وهنالك كانت الطبيبة منتصبة، على عنقها جهاز قيس دقات القلب، وعلى طاولة بجانبها آلة قيس ضغط الدم، أمرته بأن يتمدد على محمل حديدي، فتمدد حامد، وهو يجاهد، ثم أمرته بأن يفتح فاه، ففتحه، وأولجت الطبيبة فيه ملعقة خشبية صغيرة وقربت رأسها من وجهه، فخاف حامد لو ينهار تجلده ويسعل فيتناثر بصاقه على وجه الطبيبة، ولكن الأمر مر بسلام، تنصتت دقات قلبه بجهازها ثم أمرته بالنهوض، استقام حامد ووضع رجليه على أرض الغرفة، وذهبت الطبيبة إلى مكتبها وأخذت قلمها ودونت على ورقة كتابة لا يفهمها حامد ولا كل المرضى، ثم فتحت الباب ففهم أن الزيارة انتهت، فدلف إلى غرفة الممرض وسلمه الورقة التي ما أن نظر فيها حتى قال: لا بأس.. لا بأس بعد ثلاثة أيام ستزول النزلة وتصبح كالحصان، ابتسم حامد وتمنى لو أنه كان حصاناً، إذاً لركض بسرعة وعاد إلى منزله، اتجه الممرض إلى خزانة بلورية وأخرج قارورة كبيرة من سائل أحمر كلون الورد، صب في قارورة أخرى أصغر منها ربع لتر وأحكم غلقها بسدادة وقال لـه أن عليه أن يتناول ملعقتين صباحاً وملعقتين بعد الظهر وملعقتين قبل النوم، أمسك حامد القارورة، وشكر الممرض وانطلق إلى الخارج، ماداً عنقه نحو الهضبة، أعاد النظر إلى قارورة شراب السكر، أحكم مسكها، وأسلم رجليه للطريق، سار لنصف ساعة مفكراً في أخيه الذي يصارع الموج والبرد والنوء على القارب الصغير وحده، كم هو مشتاق للعودة إلى المجداف، تمنى لو أنه يبرأ في يوم أو يومين ليؤوب إلى البحر يساعد أخاه على هم الزمان، تذكر وهو ينحدر من الهضبة ما قاله لـه الممرض، فأزاح سدادة القارورة ورفعها إلى حد شفتيه ومز جرعتين، لعلهما أكثر مما أوصاه به الممرض، وجد نكهة لا تضاهى، وحلاوة لم يذقها من زمان بعيد، أعادته إلى طفولته الأولى، حين كانت تحمله أمه على ظهرها إلى المستوصف نفسه، أعاد غلق القارورة، وأحكم مسكها، وانطلق من جديد إلى حيث تنتظره أمه في بيتهم العتيق، قريباً من البحر الذي يطوق قريتهم التي بدأت تظهر الآن بجلاء وخاصة صومعة جامعهم الوحيد. وصل حامد إلى منزلهم بعد أكثر من ساعة، فقد فاجأه السعال أكثر من مرة في الطريق، ولم تعترضه أية عربة عائدة إلى القرية، دفع فردة الباب ونادى: أمي، أتاه صوتها الرخيم من داخل المنزل: عدت يا ولدي، قدمت إلى السقيفة، وجدته واقفاً وفي يده قارورة المشروب السكري، أسرعت بأن وضعت كفها على جبهته ثم رأسه وقالت: لا بأس، ستبرأ بعد يومين، أعلمها حامد بأنه مز جرعتين في طريق العودة، وأن عليه أن يتناول ملعقتين بعد الفطور وملعقتين بعد العشاء، كان البرد لا يزال يسكن عظامه، لذلك قال لأمه بأنه يود أن يتمدد في فراشه في انتظار الغداء، جرجر رجليه إلى الغرفة، واندس تحت الغطاء السميك في فراشه الذي وجده كما تركه صباحاً، وكان وهو مدد يستمع إلى صوت أمه المنشغلة بإعداد الغداء، ويسمع ارتطام الأواني بالأرض، وصوت بابور الغاز الذي تضع فوقه الإناء، وارتطام فردة الباب بالحائط، وبعد ربع ساعة قدمت الحاجة إلى حد فراش ابنها حامد، ومكثت حذوه تمسح على جبهته وعلى رأسه وتقول له: أن الدواء سيزيل الداء، بعد يومين ستبرأ، وهي تمسح على ابنها وتطبطب على ظهره سمعت صوت انفراج فردة الباب، فنادت من مكانها: من هناك، فأجابها ابنها الناصر أنه هو الذي فتح الباب بعد أن عاد من البحر ورمى بقطع الشباك، ساد الصمت من جديد، الحاجة خديجة تطبطب على ابنها حامد وتنتظر قدوم أخيه الناصر الذي عاد تواً من البحر، لا بد أن يكون جائعاً، نادته من الغرفة أن أقدم يا ولدي، ماذا تصنع وحدك في السقيفة، مرت عشر دقائق أخرى، بعدها انفرج باب البيت ودخل ناصر، كان أسفل سرواله مبللاً بالماء المالح وكان وجهه أزرق، قالت له: تعال يا بني دثر رجليك، واجلس حذو أخيك حتى آت لكما بالغداء، فقال لها الناصر: قدمي الغداء لحامد، أما أنا فالحمد لله فقد تغديت منذ قليل، بهتت الحاجة خديجة وقالت لـه مستفسرة: ومن أين تغديت يا ولدي، وأنت لم تعد من البحر إلا منذ ربع ساعة، أجابها بأنه حين دخل إلى السقيفة، ولما هم بخلع جمازته البلاستيكية، انتبه إلى القارورة التي فيها السائل الأحمر الوردي والتي لم تكن موجودة قبل ذلك هناك، فأنزلها من الرتاج، وأزاح سدادتها وتذوق ذلك المشروب السكري اللذيذ الذي لم يجد صبراً عليه، فأخرج صحناً من الخزانة الصغيرة المعلقة في الجدار، وسكب ذلك السائل فيه، وفتت عليه ربع خبزة اقتطعه من الخبزة الموضوعة على الطبق حذو بابور الغاز وخلط كل ذلك جيداً، وملعقة تلو الأخرى، أتى على ذلك الصحن بمشروبه السكري وخبزه، ارتعدت الحاجة خديجة وهي تسمع ذلك، صاحت فيه: لم فعلت ذلك يا ولدي، فذلك المشروب هو دواء أخيك حامد الذي أتى به منذ قليل من المستوصف، ماذا سنصنع الآن؟ كان حامد قد سمع كل الحكاية، قال بصوته المخنوق وهو يسعل: لا بأس يا أمي.. بالشفاء له، ودار على جنبه الأيسر وسرعان ما راح في إغفاءة. دواء لذيذ جداً.. العدد 430 164 2007 العدد 430 167 2007 |
|
| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |