مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 430 شباط 2007
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

أرض الفستق ـــ أنور عبد العزيز

الرجل المخنوق بركام من عمر ثقيل مخزون، مازال يتذكر، ويمتلك ويحتضن أطياف حلم متوهّج بهي.. شجرة فستق وبستان فستق مضيء تلتمع في خضرة أوراقه وبياض عناقيده وتشابك أغصانه بؤر وذرات من شمس حمراء صفراء تقترب من المغيب وتترك بقية من ظلال تسيل على الأوراق والعناقيد المكتنزة بحبات الفستق النديّة الخضراء والبيضاء.. الفتى اللابد تحت الشجرة الزاهية عينان متحفزّتان منتبهتان يغرق ويتيه منهما الضوء ليستقرّ ثابتاً على تلك النافذة وستارتها المسحوبة قليلاً من ذلك البيت المواجه ذي الغرفة الواحدة الوحيدة.. رغم اقتراب المساء فإن وضوح الرؤية كان صافياً تؤكده استمرارية العينين في التقاط كلمات وحروف الكتاب، ومع أنَّ تلك الكلمات كانت قصيدة تبحر في الماء والسماء والطير والشجر والنجوم، ومع محبّة القصيدة وسهولتها، فإن قراءة النافذة المواجهة وحركة خفق الستارة المهتزّة بنعومة والمشيرة لوجود حياة نابضة خلفها كانت هي الأحلى عند الفتى، منذ العصر ومهما حاول أنْ يحفظ من القصيدة شيئاً، فإنَّ النور الذي انفتح على قلبه وعينيه من تلك النافذة وستارتها المنفرجة قليلاً أوقف قدرته على الحفظ رغم كل تهديدات ذلك المدرّس وقسوته وخشونته...‏

منذ أيام وأشهر يقبع تحت شجرته الأليفة، صار البستان وشجرة الفستق مكمناً لـه يرصد ذلك البيت بحجرته الوحيدة وبشبّاكه المستطيل الصغير وباهتزازات الستارة.. يبدأ نوباته منذ العصر.. اعتادت الفتاة أو تكلّفت أنْ تُخرج موقد الفحم لتشعله فحماً مضيئاً وجمراً لاهباً على عتبة الباب الصغيرة.. وكان شتاء، يحسّ لذع ولذّة تلك الجمرات الكاوية في روحه وقلبه، هل كان حبّاً؟! كل ما سمعه منها كان نثاراً من كلمة أو كلمتين عن الصباح وخيرٍ في إشراق ذلك الصباح الجميل، بعدها ما عاد الفتى ينام لياليه، صارت أرقاً وهواجس وأذىً، كلّ المحلّة ـــ خاصّة شبابها ـــ أوحَوا لـه أنّ الفتاة قد اختارته، وهو الغريب عن المدينة، وبعد أن استقر تاركاً وهاجراً مطاردته وملاحقته لأبيه ووظيفته البائسة التي طوّحت به في مدن صغيرة كئيبة معزولة وبعيدة.. صار يتحسّس كلما مرّ يوم صدق النبض في روحه وسهره وقلقه، وفي جمرات الموقد المشعّة وتَفتّح الستارة كزهرة، ومن بعض همسات أبناء المحلّة من الفتية الغيورين وإشارات ملغزة من الفم الأدرد للمرأة الأرملة العجوز المقتعدة لعتبة دارها كل ساعات النهار بفمها العاري ولسانها الحادّ كسكّين وهي تعلّق على كل عابر وحدث وسيرة...‏

زادت مسرّته منذ أن صار وحيداً مع بستانه وشجرته، فصاحب البستان كان قد وضع شرطاً لمن يدرس فيها أو يقرأ أو يتنزّه، أن يأكل ما يشاء من الفستق شرط ألاَّ يخرج وقد ملأ عبّه من عناقيدها، وألاّ يؤذي ويجرح ويهتك حالة تلك العناقيد المزدهرة الجميلة المكتظّة بحبّات الفستق الناعمة.. أخلّ أكثرهم بالشرط، ورغم أنّ صاحب البستان كان عجوزاً فقد كان قويّاً نشيطاً بحركته ومراقبته، ورغم أنه كان يحمل دائماً مطواة لامعة في عُبّ زبونه، فقد كان يفضّل أنْ يهدّد بالعصا الرفيعة الطويلة، ما ترك النزقون عنادهم وعادتهم السّيئة بانتهاك روح الشجر، كانوا يقفزون كالقردة وبعصيّ طويلة يرفعونها بعصبية عارمة ليمزّقوا عناقيد الثمرات اليانعة المنتظمة ليحيلوها نثاراً على الأرض الطينية مع حزم من أغصان منبطحة متكسّرة، وما نفعت معهم أبوّة وطيبة صاحب البستان وحارسها، غير أن العصا الطويلة في اليد المتصلّبة المتقشّرة أوقفت العدوان والأذى...‏

الفستق يؤكل صُلباً متيّبساً متفطّراً مملّحاً، وهؤلاء كانت أفواههم تتحلّب وتسيل بلعاب مرّ من ثمر هشّ ناعم رقيق أخضر أبيض... هكذا صرت وحيداً أتأمّل وأبحلق في نافذة الحلوة وقد أزهرت في روحي تعريشات من ورق أخضر زاهٍ من زهر بهيج وعناقيد فستق ذهبي، عيناي تتقلبان بين موقد الجمر الملتهب والستارة التي تختبئ خلفها فتاة العباءة الحلوة البهيّة، كان ذلك اللهب يظلّ مضيئاً في روحي رغم عتمة ليلي، كاوياً لأحلام فتى، حارماً عينيّ من إغفاءة ولو قصيرة، فحدّة يقظتي وتوتري أجليا النوم بعيداً...‏

عندما كانت الستارة تنسدل كاملة لتغطي كلّ الشباك، كنت أعرف أنها غائبة فيغرقني ويتآكلني حزن، ومع الغياب يظلّ طعم الانتظار اللذيذ متغلغلاً في دمي وخاطري سارياً مسرى الأمل، كنت أنشغل قليلاً بمراقبة الشوارع القريبة من البستان، أنظر عبر الشارع المقابل فأرى محل (علي العورة) بائع السندويش، الرجل الطويل العريض كجدار، ذو البطن الناتئة المكوّرة المدوّرة، رجل السندويش النظيف وقد وقف منتصباً كهامة أمام خزانة زجاجية لامعة مصقولة محتشدة بشرائح اللحم وأمخاخ الغنم والصمون والبيض والطماطم وشدّات الكرافس والبصل وقناني الزيت والملح والفلفل والحوامض...‏

كان رجلاً مسالماً ظريفاً بطيء الحركة لدوالٍ في ساقيه وتضخّم في خصيته، ورغم بُعده، كنت أراه يشقّ صمونة ليعبئها بأصابعه الغليظة، تذكّرت تلك الليلة الجميلة وصباحها في ختان صغار من المحلّة، انتهت حفلة تلك الليلة الخارقة بفرحها ورقصها وغنائها وجنونها، وعند الصباح، وكانت العادة أن يختاروا أقوى الرجال جسداً وقلباً وأشجعهم ليضعوا في حضنه الطفل الذي سيختن، وكان (علي العورة) منزوياً بعيداً عن ضجّة الختان وطقوسه، وإذا به يُفاجأ بطفل زاعق مرتعب ببكاء كالعواء يسقط في حضنه، لقد اختاروه للمهمّة، ارتبك الرجل واضطرب، أراد أن يقول شيئاً، لكن كلماته المخنوقة تاهت وامّحت في صخب هلاهل النساء وعويل الصغار والشفرة الملتمعة الحادّة متحفِّزة في يد الحلاق، وما هي إلاَّ لحظات، وبعد أنْ ضيّق الخاتن وحصر الجلدة الخارجية الزائدة بكمّاشة، وبعد أنْ لمع النصل الحادّ بقطرات ساخنة من دم فوّار، ارتعب الجميع وهم يرون (علي الأعور) وقد انبطح على وجهه وانزاح الطفل من حضنه، الكل رأى النساء والصغار بائع السندويش مطروحاً ممطوطاً وقد ظللّت وجهه صُفرة الأموات، منذ البداية لم يستطع الاعتراض، وما سمعوه، خجل من وجود النساء، استحيا من تهمة الجبن، مع ذلك فقد همهم بكلمات ضاعت مع صخب الهوسات والغناء، وعندما وقعت الواقعة، ومع أوّل زخّة دم، دار رأسه في فراغ، وغامت عيناه بضباب حجب عنه كل ضوء وكل الوجود..‏

أراه الآن أمامي كثور ذبيح وقد انحسر زبونه الأصفر فاضحاً بطنه المكوّرة المدوّرة ولباسه الداخلي الأبيض الطويل، وكانوا يرشقون ـــ مذهولين ـــ ومنهم من كان ضاحكاً، وجهه برشقات قوية من ماء شتوي منعش غسل عرقه النابع المتحدّر رغم البرد..‏

عندما كانت تهجع النافذة وتمتدّ الستارة وينسحب موقد الجمر والوجه المضيء لداخل الدار وتغلق الباب، وعندما كان ضجري يصل أقصاه وقد أعيتني كل الحيل في فهم أو حلّ مسألة رياضية أو هندسية، كنت أرمي الكتاب لينطرح جانب الطين والتراب والجذور العتيقة البارزة المنشقّة والتي تبدو وكأنها سئمت ظلمة الأرض وعمق التراب لسنين فتمرّدت وبرزت ناشفة متصلّبة ملتوية... كانت الحالة معي تتكرّر فأحسّ بوحدة موحشة وعزلة، اهرب منها متسليّاً بمراقبة واجهة السينما وإعلاناتها الكبيرة العريضة برسومات رجال الفلم والأكثر حلاوة نساء الفلم، عيناي تتابعان حركة ووقفة شرطي المرور ببنطلونه الأبيض القصير وبحركات يديه وانتباهته رغم قلة عدد السيارات العابرة ومحدودية الشوارع المتّصلة بساحة ودائرة وقوفه، كان عارياً من أيّ غطاء يحمي رأسه من برد أو زخّات مطر، كان مثلي يتسلّى برؤية الداخلين والخارجين من السينما، فقد كانت واجهة السينما هي اللوحة الوحيدة المضيئة بإشعاع وهاج مما يفرح القلب ويسرّه، وإذا ما طال صمت النافذة ونامت الستارة نومة طويلة دون خفقة من حركة مهتزّة، أبتعدُ قليلاً بناظري للشارع الضيّق المحصور الذي يوصل القصّابين إلى (المسلخ)، يأتون من جهة باب الطوب بشبابهم وعنفوانهم وصلابة وخشونة حركتهم وهرولتهم، بقمصانهم المفتوحة الصدور وبأحذيتهم المطّاطية السمكية الطويلة، بسواطيرهم وسكاكينهم الطويلة اللاهثة بحدّها الجارح وبكلاّبات مربوطة في أحزمتهم الجلدية العريضة، وجوههم وشعورهم وسواعدهم أيديهم العارية ولُطخ من دماء متيّبسة، يسوقون أو يسحبون الأبقار والثيران، أكثر ما كانت تتعبهم الثيران وقد شدّوا بين أيديهم المتصلّبة القاسية حبالاً قويّة تنتهي بحلقات معدنية تطوّق أعناق الثيران، حتى المسنون من هؤلاء القصابين كانت لهم قوّة الشباب وعنفوانهم واندفاعهم، كانوا أقلّ من الشباب في تكلّف بعض مظاهر القوّة والشراسة غير المسوَّغة.. رغم أنني كنت بعيداً، إلاّ أنّ اندفاعات الثيران كانت تبدو مخيفة...‏

مرّة جُنّ ثور وهاج، رغم فولاذ اليد القويّة التي كانت تمسك متشبثةً بالحبل، فقد انفلت الثور الهائج، وما اختار لحلبة عصيانه وهيجانه غير مدخل السينما، كان ذلك المدخل ضيّقاً، ولولا أنّ الباب الحديدي الذي يفصله عن الداخل كان مغلقاً، لكان قد حصلت كارثة ولكان الثور الهائج الجامح قد هتك ليل السينما وظُلمة الفلم، ربما كان سيكسر بقوائمه المتشنّجة الثقيلة رؤوساً وأيادي وأرجلاً، ربما كان سيبقر عدداً من البطون ويدلقها، نفث غضبه الأخرق في زجاجيات اللوحات الخشبية والمعدنية للإعلانات الملونة، وحطّم كرسي الحارس الذي كان فارغاً، وكان الحارس محظوظاً عند هجمة الثور، فقد كان يدور بمصباحه في الصالة الداخلية بحثاً عن مكان لزائر بطر جاء بعد نصف ساعة من بدء الفلم...‏

عندما كانت تلك السينما تعرض فيلماً عاطفياً غنائياً حزيناً، وعندما كنت أطمئنّ لخلوّ الشارع من قطعان مدفوعة للمسلخ ومن زعيق وتهديد القصّابين بضربات موجعة أقوى، أسير إليها قرب نهاية الفلم وهدوء الواجهة الأمامية لأتملّى صور الفلم والأفلام القادمة، مع دقّات الجرس الأخير معلنة انتهاء الفلم، أجد لي حيّزاً جانبياً أرقب منه الخارجين، وكنت أرى مع أفلام الحب ـــ آثار دموع ممسوحة أخفاها الظلام وكشفتها الأضواء الساطعة للسينما وضوء العصر، دموع أسىً وحنين، أكثر الوجوه كشفاً عنها كانت دموع النساء والصبايا حتى بعض العجائز...‏

لم يكن ذلك الهيجان حادثاً منفرداً وحيداً، في مرّة أخرى هاج ثورة عجوز مكشوط الجلد مبقّع بجروح وحفر دموية، استطاع أنْ يتجاوز كلّ دورة شرطي المرور ساحباً سائقه ومؤذيه الذي سقط أرضاً وراح يتدحرج خلف الثور معانداً أنْ يترك الحبل الحادّ الذي حفر جُرحاً في باطن كفّه، كانت رقبة الثور محزوزة بالحبل الخشن، كان القصّاب يتقلّب ويتمايل محاولاً وبإرادة خارقة وكجذع قويّ لشجرة معمّرة، استعادة حالة الوقوف والثبات، لكن الثور استمرّ، كان علي العورة منحنياً يبحث عن قنينة الفلفل وجاء ارتطام قرني الثور بالدولاب الخشبي المزّجج في واجهة المحل، وقبل أنْ يرى بائع السندويش أطعمته وصمّونه وطماطمته مهروسة بمائها الأحمر معجونة بطين وتراب الرصيف متناثرة لبعد أمتار، كان ذلك الجسد الطويل العريض الثقيل قد طار بقفزة كنغر ليلتجئ للمقهى المجاور لمحلّه، أغلقوا بابها الحديدية ووضعوا خلفها تخوتاً وكراسي وصخرة كانت منزوية في جانب من عمق المقهى، ربّما أراد أو حلم الثور بتأخير ساعات ذبحه وموته، وهو يرى ويسمع هرجة القصّابين المدجّجين بسكاكينهم وسواطيرهم وقاماتهم...‏

في قابل من العمر والسنين، حكى لي قصّاب عجوز أنّهم وفي نفس هذا المسلخ كانوا يجدون فيه أُنسهم وتسليتهم، ويكون للشتاء فيه طعم ألذّ، يسهرون ـــ رغم البرد والعناء ـــ الليل كلّه يأكلون ما يُشوى لهم ويدخنون ومنهم منْ يشرب فلا يصحو ولا يصل لأسماعهم غير صمت الليل وخوار الثيران ورغاء الإبل وثغاء الغنم وهي قابعة في ملاجئها، مرعوبة مضطربة غير صابرة تخشى صباحاً لامعاً بشفرات السكاكين والسواطير والقامات حتى القدّوم، في ضباب الفجر وتجمّد الريح والأنوف السائلة للقصّابين والماشية والغنم، ومع ارتشاف أقداح من الشاي الساخن وبعد سهرة ليل وحكايات عن البشر وطبائع الحيوان يرويها العارفون، تبدأ حكايات جديدة منظورة للدم الحار المسال والرقاب المجزوزة المحزوزة والعيون المرعوبة الجاحظة المنطفئة والألسنة المدلاة بلعابها والأطراف الخامدة والبطون المندلقة والرؤوس المعزولة، ورائحة بول وبراز‏

مسالين على أرض من طين، بعدها نجد تلك الهياكل المنطرحة الساكنة قد أنهضتها سواعد متصلّبة وأيدٍ حازمة لتعلّقها شاقولياً في كلاّبات حديدية عالية، وليبدأ القصابون عملاً ثانياً في تقطيع الجثث وبدراية وفن وصبر وهدوء بعد أنْ هدأت تلك الفورة الدموية التي رافقت عمليات الذبح..‏

كان القصّاب الشيخ يروي، حلو الحديث، نظيفاً في ملبسه، نظيفاً في وجهه، جميلاً في خضرة عينيه، لكنني كنت أراه غارقاً بالدم، أرى عينيه محمرّتين مخنوقتين بالدم، شعر رأسه مجبولاً بالدم، أرى وجهه ملطّخاً بدم، وكذا رقبته وصدره، وعندما أصل إلى يديه لا أجد غير أصابع مخلبية مغموسة بدم يسيل من أطرافها دم متدّفق..‏

عندما يخبو الأمل ويضجر مني الانتظار وتخمد النافذة وتتعب روحي وتوجعها حكايات المسلخ والثيران والذبح، أسلّي نفسي بتأمّل تلك الدار القريبة في الناحية اليسرى من البستان، بطابقيها الحجريين وكبرها ومهابتها وسعة جمال حديقتها الأمامية.. بيت (الست نجمة)، المعلمة العجوز الشقراء المتقاعدة، تخرج مرة واحدة كلّ أسبوع لشراء حاجياتها من السوق القريبة، بشوشة جميلة لطيفة، بنتاً لم تتزوّج تسكن وحدها تلك الدار المترفة الكبيرة، وكما في مثل حالتها، لابد أنْ تنبع عنها ولها حكايات يزخرفها المتقوّلون بما يزيدها غموضاً وزينة، وككل الحكايات المتعدّدة المتغيّرة القابلة لكل تأويل وإنْ كانت قد استقرّت أخيراً على صيغة واحدة، والصيغة والصياغة لحكاية (ست نجمة) أنها أحبّت في شبابها عاشقاً لها بجنون، غير أنّ هذا العاشق ـــ ولسبب مجهول ـــ هجر حُبّها، ضاع واختفى، وهي ظلّت أمينة وفيّة لعهد ذلك الحب وقد ضاع منها في تيه السنين.. وإذا ما أراد الفتى أنْ يدفع عنه سأم الضجر والحزن والأسى، امتدّ ببصره لتلك الناحية، ذلك الزقاق الضيّق المغلق عند نهايته، وكان ذلك الزقاق هو النقطة القاتمة المخجلة لأهل المحلّة، زقاق راقصات الملهى الليلي الوحيد في المدينة، كان دملة ونتوءاً غريباً وجيفة، ما كان لذلك الزقاق نهار، صامتة هاجعة كانت نهارات ذلك الزقاق، لكنه وبعد منتصف الليل وعند عودتهن لا تسمع غير أصوات عارية سكرى وحمحمة خيل العربات العائدة بهن والبخار المتدفّق من المناخير الكبيةر اللاهثة، وأصوات الكرابيج والرعد ولمعة البروق ورنين المطر في المزاريب وصوت بائع الشلغم بعربته وقدره الكبير المغلي بالسائل الأحمر المثير للشهيّة بحرارته وبخاره وبطعم ملحه، كان معهم رجال، ورغم البرد يقفن يأكلن بتلذّذ حزوز الشلغم والشوندر الطرية كاللحم ويندين حلوقهن التي أتلفها وأيبسها الخمر والدخان، أو يوصين بطاسات وكاسات منه لبيوتهن القريبة.. عدد من الطلاب الساهرين للدراسة والامتحان تثير شهيّتهم وضجرهم من الدرس تلك الكاسات بالسائل الأرجواني المثير وقطع الشلغم والشوندر المطبوخة الساخنة، تذوب في الحلوق لميعانها وحلاوتها.. الأمّهات يحذّرن الأبناء الساهرين من عمق الليل وظلمته ومطره وأصواته الزاعقة وراقصاته ومن الشقاة والتائهين وقد تفرقوا في زوايا الزقاق أو طوّقوا رائحة الراقصات بحمايتهم أو تعرّضهم لهن.. لم تكن الأمّهات الرحيمات يغلقن الأبواب إلاَّ بعد أن يعود الأولاد ساخنين مرتوين من حُمرة الشراب اللذيذ (للمستوى) الليلي، وما انشغل الفتى أبداً عما توهّمه حُبّاً وجنوناً لفتاته الباهرة إلاّ عندما كان يحين وقت العصر، ذلك الوقت الثابت وفي كلّ عصر، تمرّ البنت الأرستقراطية محلولة الشعر المرسل المغطي نصف ظهرها، وبتلك المشية البطيئة المتكبّرة، وبسمرتها وسواد عينيها وكعبها العالي، وقد برز منها الثديان المنتفخان والساعدان العاريان والفخذان المكشوفان، ورائحة عطر قويّ وهّاج نافذ يسود على كلّ رائحة في الهواء والأرض والشجر والبشر.. كلّ يوم هي هي مع تغيير وتبديل مستمرّ في ألوان أزيائها وأحذيتها وثبات على الشعر المرسل الغامر لمنتصف الظهر وأكثر، وثبات على الحمرة الأرجوانية في الشفتين، وعراء الصدر والساقين والثبات الأشدّ إصراراً للعطر الذي أحسّه حتى الآن فوّاراً في أنفي ودمي.. ما كان لتلك المشية الناعمة الهادئة المحسوبة والتوقيت الدقيق لمرورها كل عصر أن تخلص وتنقذ البنت الأرستقراطية من التقوّلات، وكنت عندما أقارن بين ما أسمعه عنها وبين فتاتي المستورة المخبوءة خلف ستارة الشبّاك والمتوهجة ببياضها وحُمرة جمر الموقد، أتحسّس فخراً وكبرياءً وغروراً في أنني كنت المحظوظ من أبناء المحلّة، ولأنّ ذلك العطر الأخّاذ النفاد قد انتشر بحكايات كثيرة لا حياء فيها، يكفي أنْ تفتح امرأة العتبة الأرملة العجوز فمها الأدرد لتمسح أيّ أثر لعطر الأرستقراطية الملتهب اللذيذ لتحيله إلى رائحة كريهة تنشرها إلى أبعد الآماد وتزكم بها حتى الأنوف الجافة المتيّبسة المنغلقة...‏

كل فسحة من حقل البرسيم بين طرف الشارع المقابل حتى الشارع المبلّط بالإسفلت، كلّ بقعة ومكان بيني وبين فتاة المنقل والشبّاك والستارة تُضيء بعناقيد الفستق وحلو البرتقال والتّفاح وأزهار النارنج وعرائش الكروم وحدائق الورود والجمبد الأرجواني، ومن عطر لذيذ غير منثور ومنشور، حتى الهواء يأنس بعطر روحينا مهما كانت جهة الريح..‏

ذلك البيت الصغير ذو الحجرة الواحدة الوحيدة والنافذة الصغيرة بستارة القلب، تهدّم وصار خراباً، ضاع واندحر ذلك الحبّ الوهمي، تهرأت وشحبت تلك الستارة وصارت خرقة عتيقة بلا لون، برد ذلك الموقد وانطفأت فيه كل الجمرات واستحالت رماداً تائهاً غيّبته والتهمته العواصف الهوجاء.. ماتت (الست نجمة)، بات بيتها الحجري الكبير بطابقيه كقلعة مغلقاً مختوماً بالشمع بلا وريث، منغلقاً بصمته على السرّ الدفين الحزين للمرأة الغائبة التي رحلت فأطفأت وأخرست بموتها كلّ حكاية موهومة عن حبّها وحبيبها المهاجر الذي ما باحت باسمه لأحد.. مات (علي العورة) وأُزيلت دكانه.. كبر المختونون وصاروا رجالاً.. ماتت الأرملة العجوز المبنيّة مع عتبة دارها، وكانت أذناها مجرفتين ولاقطتين حسّاستين تقتنص بهما حتى همسات النمل لتترجمها وتذروها أقاويل لتلوكها وبعد أن تدور في فمها الأدرد الشره للكلام كلقيمات فاسدة، تهدّمت وانقرضت مع عتبتها، طارت (لوادي عكاب)1 بقدسيته وصمته ووقاره حيث لا تجد عند الموتى المهمومين من ينصت إليها وقد احتقنت رؤوسهم وآذانهم وأدمغتهم بثرثرة دنيا البلاء التي خلّفوها وراءهم..‏

ما يزال جرس السينما يدقّ معلناً منبّهاً لبدايات الأفلام ونهاياتها مع توّقف تلك الموسيقى الجميلة العذبة في فترات الاستراحة، أفلام الحبّ والغناء استمرّت تترى في ذات السينما، لكنني لم أعدْ ألمح دموعاً ممسوحة في أعين الصبايا والنساء إذ لم أجد أو تلتقط عيناي صبيّة أو امرأة تتجرأ على دخول سينما طوال سنيّ الأخيرة.. المقهى التي التجأ إليها (علي العورة) مازالت تطقطق فيها ضربات الدومينو متشنّجة أو منتشية بطعم الشاي الساخن وعبق السجاير.. شرطي المرور ما عاد يرتدي ذلك البنطلون الأبيض القصير في برد الشتاء، ورغم الإشارات الضوئية المنظّمة للمرور أراه حائراً في زخم ازدحام السيارات وضجيج حركة السير واضطرابها وصعوبة توجيهها.. خلا زقاق الراقصات من أي أثر لهن، وسكن دورهن الخربة أناس مستورون، ولإعلان أنّ زقاق الراقصات ببيوته العشرة قد مات وامّحى، ولمسح الشبهات عن أعين المارين ولخنق أيّة شكوك قد تنبت في رأس أحد، فقد ارتفعت وتسلّقت أعلى الأبواب ـــ بخطوط ملّونة بارزة ـــ لوحات خشبية أو معدنية احتضنت أسماء الساكنين الجدد وألقابهم، وتأكّد واطمأنّ الجميع لموت الزقاق القديم، مات من مات من الراقصات أو تهن في دروب أخرى، هرم الحوذيون ونفقت خيول العربات الليلية، وما عاد بائع (المستوى) يصبر على برد الليل، مات من مات أو ضاع من فتية السهر ودروس الليل والأمّهات غادرن منذ سنين باتت بعيدة..‏

خلت عصريات الشارع المواجهة للبستان من سمرة الفتاة الأرستقراطية وشعرها الغجري الفاحم، تلاشى ذلك العطر، غابت الفتاة ولم يعد أحد يفتقدها أو يتحسّر على ضياع عطرها الساحر، زال بستان الفستق الجميل، مات صاحبه وحارسه الذي كان يحذّر الفتية الدارسين المشاكسين والمستهترين من مرارة طعم الفستق قبل نضوجه.‏

مات القصّاب العجوز ذو العينين الخضراوين، راوي حكايات الذبح والدم وتاريخ المسلخ الكبير، وطبائع البشر والحيوان، وما عاد مرتادو السينما وأصحاب الدكاكين والمارّة يخشون من ثور سائب هائج بعد أنْ صارت شاحنات كبيرة عالية مفتوحة بباب حديدي مغلق تنقل الأبقار والثيران إلى المسلخ بضوئه الساطع وأرضه المبلّطة اللامعة وبنظافة صدريات أطباء البيطرة والفاحصين والقصّابين، صار المسلخ الكبير مذهلاً بما يحتويه من آلات الذبح والتعليق والثرم والتقطيع والفرز والحفظ وبتلك السكاكين الآلية القاطعة، وآلات الغسل والتنظيف والتنشيف والتجميد، وآلات سلخ الجلود وانتزاعها وقشطها وتجفيفها، مات صاحب البستان ذو العصا الطويلة والمطواة المخبوءة والذي كان يأسى للفتية الطائشين وهم يلوكون بأسنانهم الحادّة ويمضغون الفستق الأخضر المرّ المتحلّب بلعابهم المتحدّر من أطراف أفواههم بوجوه منقبضة لمرارة ما ينزلق إلى بطونهم.. زال بستان الفستق الجميل، تاهت تلك الطيور المغرّدة الآمنة في أعشاشها، احتلّت أرض البستان بناية كونكريتية كبيرة سوداء كحيوان أسطوري كريه شائه مقبض للروح، وقبلها كانت الجرّافات الضخمة قد مزّقت بطن الأرض بأسنانها الفولاذية المسنّنة اللامعة لتقطع وتقتلع حتى الجذور العميقة الغليظة وتميت فيها نسغ الحياة الطرّية المانحة وتحيلها أكواماً ناضحة بمياه طينية مخلوطة بالحصى والحجارة وأشواك الأرض وأوساخ ما تجلبه عواصف الريح من الطرق مدفوعة بالرياح نحو الأرض المنكودة.. أتأمّلُ الأرض التي كانت كحديقة للقلب، فلا أرى إلاَّ شقوقاً وأخاديدَ وأكواماً من طين وجذور مهترئة ميّتة، وبعد أن استوت الأرض، هبطت على قلبها وأخرس نبضها أطنان من الإسمنت والحديد نهضت بالمبنى الأسطوري المقيت، لم يبق منها غير اسم (أرض الفستق) تردّده السنون والأعمار على الشفاه، فتوالي سنوات الزمن كان كفيلاً أنّ يضعف ذكراها وينهيها ويوقفها جامدة منسيّة فوق الشفاه.. برد ذلك الاسم الجميل، غامت صورته في خيال الناس.. أبحلق كحالم ساهٍ مدهوش غير مصدّق في الجدار الأسود المتطاول الكئيب وقد أطاح وطوّح بالفسحة الخضراء، وقد حجب ضوء الشمس وأُنس الهواء عن واجهة السينما ودورة شرطي المرور ومقاهي الأرصفة، بعد أن غاب ذلك الأفق الممتدّ من شجرة الروح بتلاوين الشمس الساطعة، حتى عند الغسق، كانت نقط من نور أحمر أصفر تتراقص مع حركة الأغصان لتذوب مع المساء في خضرة الأوراق النديّة..‏

أتنصّت فلا تلتقط أذناي نأمة من هدير الماكنة النشيطة وهي تدفع بماء البئر الرقراق منساباً متدافعاً غامراً السواقي العشبية متغلغلاً في جذور الشجر البهيّ.. أبحث عن تلك البئر التي كانت لابدة في خضرة القصب المتشابك المترف، فلا أرى غير حفرة جافّة مطمورة بالرمل والحصى والحجارة والأشواك، أتشبّث أنْ تسعفني البئر بخبر ما حدث، فلا أسمع غير همس باكٍ مخنوق عن حكاية بستان للفستق وارف وكبير كان في هذا المكان، ولم يعد غير طيف شاحب من تذكارات النواظر والقلوب..‏

الموصل ـــ العراق 31/12/2002‏

1 وادي عكاب: مقبرة واسعة فسيحة تقع في الجهة الغربية من الموصل.‏

أرض الفستق..‏

العدد 430‏

170‏

2007‏

العدد 430‏

175‏

2007‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244