|
||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
جغرافية وجه ـــ إبراهيم سليمان نادر ماذا رأيت أيها المسكين في أعوامك الستين رأيت تخطيطاً لوجه يشبه القرد بريشة دهانها دمي...! هذا كل ما علق بتلابيب ذاكرتي عن شيخ بدوي احترق نصف وجهه. يوماً ما كان لـه بيت وزوجة وأولاد، لكنني الآن أعجز عن استحضار اسمه ومكانه. المهم كان هناك زمن، وكانت فيه حكاية. حكاية لا تشبه بقية الحكايات، فيها العجب والذهول والغرابة، سأحكيها لكم منذ انطلاقنا من (سنجار) في سيارة جيب عتيقة إلى قلب بادية الجزيرة لصيد الصقور أو (أمير الطيور) كما يقولون. كان الطقس خريفاً والحصاد يلملم آخر ذيولـه، والسيارة الهرمة تخب بنا على النسيم الترابي. لم نر حينها طيراً يحلق، أو جرادة ترف في الفضاء، ولا حيواناً يدب على الأرض. أحسسنا بالجوع فترجلنا وأكلنا بعض الزاد وشربنا قليلاً من الماء، وبعد نصف ساعة واصلنا المسير. حين مالت الشمس إلى المغيب، أبصرنا عن بعد قافلة من الجمال، فأبطأنا من سرعتنا مخافة أن تنفر من هدير السيارة. لوّح لنا الراعي بعصاة نحو الغرب، ففهمنا أننا قد ضللنا الطريق. عاشرنا الخوف، فتوقفنا ونحن نجول بباصرتنا في كل اتجاه، وأخذنا ندور في التيه كالبلهاء لعلنا نلتمس لنا مخرجاً من المأزق الذي وقعنا فيه. قال أحدنا: ـ لنرجع إلى الوراء حيث المنعطف، ثم نأخذ الاتجاه الصحيح. رد الجميع بصوت واحد: ـ هيا، إنها فكرة صائبة، توكلنا على الله. أخذت العتمة تزحف، وتلف علينا عباءتها الداكنة ببطء، وثمة نسمة باردة تقرص جلدنا منذرة بليل شديد البرودة. بقينا نلف على خط، حتى لاح لنا مرتسم أشبه ببيت من طين، فعجبنا لوجوده في هذا المكان المنعزل. حسبنا في بداية الأمر أن أبصارنا قد خدعتنا، وأن ما نراه محض سراب، لكننا حين اقتربنا وجدنا الأمر جلياً، فبان لنا البيت بوضوح. دفعنا الفضول والعجب أن نقترب إليه ونسترشد من فيه عن معالم الطريق. ترجلنا ودرنا حول البيت فلم نعثر على إنسان، تقدم أحدنا وقرع الباب، فوثب على الصوت كلب ضخم بني اللون، أبتر الذيل، وقفنا مذعورين، صرخ أحدنا: ـ من في الداخل؟، نحن ضيوف. أطل علينا من فتحة الباب شيخ ملفوف ببطانية، لـه عينان كعيني صقر. كان المرض والإعياء بائنين على وجهه. زجر الشيخ كلبه، ودعانا إلى الدخول وهو لا يكاد يتماسك من ضعفه وعوقه، فقد بترت ذراعه اليسرى بسبب ما. أبدينا أسفنا وحكينا لـه ما حل، فاستحسن أن نقضي الليل عنده ونستأنف رحلتنا في الصباح. على ضوء فانوس شحيح، فوجئنا بأن شيئاً ما قد أصاب وجهه. كان وجه الشيخ بنصفين أحدهما سليم والآخر قد تفحّم. أخفينا دهشتنا وأعطيناه علاجاً يعينه على حالته ثم هيأنا لـه الشاي وبعض الطعام وكيساً من التبغ كنا قد جلبناه معنا عند الحاجة. أخذ الليل يدب في رحلته والظلمة تشتد والبرد يتزايد. تحسنت حالة الرجل بعض الشيء، وأخذ يقص علينا نتفاً من حكاياته العجيبة مع الإبل والأعراب والوحوش والرعاة والصقور وكيف اعتاد على الوحدة والبعد عن الناس بسبب عاهته، ولما رأى أن مغامراته لا تلفت انتباهنا قال: ـ سأقص لكم حكاية وجهي الذي احترق نصفه. اعتدلنا في جلستنا متلهفين لسماع ما أثار فينا التساؤل والعجب. قال الشيخ: ـ قبيل سنين خلت، خرجت إلى القنص، أجوب البادية صباحاً على صهوة فرس بلقاء وكان معي كلب سلوقي اسمه (سريع)، وبينما كنت أدور في الأفق، لاح لي عن بعد غزال فحل، كان يرتاد الماء من غدير جنوب بطن وادي الملح. أخذت أفكر في حيلة أتمكن بها من قنصه، فسلكت نيسماً يقترب إليه من وراء طنف مستدير، لكنه ما إن لمحني حتى نط بخفة وراح يعدو كالسهم البارق صوب الجنوب. كانت الفرس أصيلة والسلوقي في أوج قوته، فأخذت ألاحق الغزال عبر الطنوف والوديان، ألفّ عليه من اليمين وتارة من الشمال. مطاردة عنيفة دامت أكثر من ساعتين، كانت فرسي تلهث، وكلبي يلهث وأنا ألهث مع لهاثهما وإصراري لا يتوقف. انحدر الغزال سريعاً إلى واد تحده من الجنبين قطوع شديدة وصخور. تمهل الغزال قليلاً ثم ولج في كهف ليحتمي به، فتبعه السلوقي الأرقط، ثم ذاب الاثنان في ظلمة الكهف. ظلت الهواجس تتوزعني، وصارت تتضخم لي بأشكال مخيفة إلى حد قضيت أفكر وأدخن ساعات حسبتها أعواماً، فقد غاب الاثنان طويلاً واختفيا إلى الأبد. ترجلت عن فرسي واقتربت قليلاً من فتحة الكهف، صفعتني أول وهلة رطوبة لزجة، ثم غارت كفاي في تراب ندي خنقه ظلام حجب عني كل معالم المكان. تريثت قليلاً حتى اعتادت عيناي عتمة الكهف، ورحت أتحسس كل شيء من حولي بحذر واحتراس. تعثرت أناملي بأشواك ونباتات خضراء وأعشاب طرية اغتسلت أوراقها وفروعها بقطرات من ندى خفيف. أزعجتني شعيرات صمغية لعناكب التصقت بوجهي. تنبهت إلى علبة الكبريت فأشعلت عوداً لأتبين حقيقة الأمر. كان الكهف عميقاً، وقد امتلأت سقوفه وجدرانه بنتوءات صخرية كالدبابيس وغطت أرضيته طفيليات وأعشاب خضراء وطحالب، وثمة صمت وسكون يلفان المكان من حولي ويحجبان عني كل ذكاء التخطيط الذي يطن في جمجمتي لقنص الطريدة. أحسست بالوحدة والخوف وبالبرد البطيء يسري في مفاصلي فيزيدها ارتجافاً عشرات المرات. تريثت قليلاً وتلفت يمنة ويسرة. جرعت أنفاساً عميقة متتابعة من نسيم الكهف وأخذت أتحسب ما قد يمرق بي من أحداث دون ترتيب لها. طنين متقطع أو دبيب لحشرات مشلولة طرق أذنيّ. وقفت أول الأمر معطياً ظهري للجنوب، ثم تقدمت قليلاً إلى الداخل وأخذت أتفحص معالم أثر السلوقي والغزال، لكنني لم أفلح. خيوط رفيعة من شعاعات الشمس كانت تخترق سقف الكهف في العمق ثم تختفي. واصلت البحث والتحري برغبة مهزوزة في كشف لغز اختفاء الكلب والغزال وأنا لا أدري كم يوماً أمضيت فيه. على امتداد سقف الكهف العميق، تسترخي رهبة خالية من أي بصيص أمل وأنا أكثر عناداً وإصراراً على نيل الطريدة المزعومة. ترى أين اختفى الغزال والكلب؟. ربما هناك منفذ آخر خرجا منه، أو سقطا في جب لا قرار له؟ أمر محير صفع هامتي فشلها عن التفكير. مع انثيال الرغبة والتصميم في داخلي رحت أتلمس بأناملي علامات بارزة على الحائط الصخري والسقف المنحني. توقفت فجأة ونظرت إلى ساعتي ذات الأرقام المضيئة. كان عقرباها يشيران إلى الواحدة ولا أدري حينها أكانت الظهيرة، أم بعد منتصف الليل؟. اصطدم رأسي بنتوء صخري. ترنحت قليلاً وكدت أسقط. تلمست سائلاً لزجاً بعض الشيء ينزف فوق جبهتي. سال خيط الدم على جبهتي وعينيّ فأغمضتها وأنا أحس بحرقة وصداع. همست مع نفسي: ـ من أين جاءني هذا النتوء اللعين؟. أحسست بالألم والضجر يوهنان قواي. اجتاحتني هواجس متضاربة من إحباط وأمل، ارتاب وأنا أرى نفسي في مواجهة أكثر من مأزق قد أقع فيه وانزلق سريعاً نحو فخ لا خلاص منه. تورمّ الجرح وارتفعت مقدمة جبهتي مثل تلة صغيرة. في مثل هذه اللحظات الصم، تنثال عليّ الأفكار متشابكة مع بعضها غير مرتبة، فاستقبل ما يطرأ على ذهني من تداعيات. ساعات ثقال، وربما أيام خلتها دهراً وأنا ألهث داخل الرمس باحثاً عن شارة أو أثر يدلني عن الحقيقة المخبأة في تجاويف هذه الصخور أو تلك الدهاليز. جمعت أنفاسي وأنا بارك على ركبتي خشية أن أنطح النتوء ثانية. تقدمت إلى الأمام وأنا أحس بعطش شديد وأتذوق ملوحة العرق والرطوبة ورحت أنصت بإرهاف قلق كمن سمع وقعاً لشيء يقترب نحو فوهة الكهف. صوت واهن تسرّب نحوي من العمق السحيق، عبر الظلام الفاصل، أخذ وجهي يغرق في عرق غزير. عرق يتصبب من كل زوايا جسدي المرتعش. حاولت أن أبتعد عن جدران وسقف الكهف ماداً يديّ إلى الجنبين. ضربتني نتوءات عديدة، انغرزت مثل أنصال حادة في لحم كتفي وقفاي وظهري. أصبحت مثل قفا قنفذ بري لا أستطيع التقدم أو الرجوع. بدأت أحرك كفي مع انحناءات السقف المقوس، هنا وهناك، مضت دقائق كثيرة مشبعة بالخوف والتردد، كدت أفقد التوازن فيها، لكنني ثبت ساكناً. تطلعت ببطء نحو الأسفل، فرأيت شيئاً مفزعاً، رابضاً في العتمة قبالتي، لم أر لـه مثيلاً في الدنيا. كان هنالك ثعبان ضخم، ضخم للغاية، قد ابتلع الكلب والطريدة. رأيت بأم عينيّ ذيل السلوقي الطويل وهو ينزلق في جوفه الرهيب ويتلاشى بسهولة بائنة إلى الأبد. ما أن انتهى الثعبان من ابتلاع فريسته حتى بدأ الاقتراب مني محاولاً قضم هامتي. ازدادت غلغلة النتوءات في جسدي وأنا أحاول التملص منه بالرجوع إلى الوراء. كان فحيحه اللاهب يشوي وجنتي اليسرى كلما ازداد اقترابه مني. بدأت أقاوم بكل ما أتاني الله من قوة وجأش، محاولاً التملص والخلاص منه، متشبثاً بالحياة قدر ما يكون. استمرت المناوشة بيننا ساعات عدة، وكلما حاول الاقتراب مني، كنت ازداد التصاقاً بسقف وجدران الكهف حتى أصبحت جزءاً منه. كان فحيحه يقذف سعيراً لا مثيل لـه، حتى كدت أفقد الإحساس بوجهي وكأنه أصيب بالشلل. تمكنت في النهاية الإفلات من جنون هذا الفخ الذي رميت نفسي فيه، والنجاة بنفسي خارج الكهف الملعون. جريت بكل طاقتي ورحت أسابق الريح كالغزال الذي طاردته بالأمس والثعبان المخيف خلفي قاذفاً بقوة حمم الشواء نحوي. كانت فرسي البلقاء قد ولت الأدبار بعد أن يئست من طول الانتظار، وتوجهت وحيدة إلى القرية. هرعت قريتي لما رأت الفرس بدوني، فخرجت بشبابها ورجالها تروم البحث عني وقد تسلح الجميع بالسكاكين والسيوف والهراوات والعصي. اقترب الثعبان مني وتمكن من قضم ذراعي، فتعالى صراخي من شدة الألم، وعم عويلي سهوب البادية والآفاق. معركة ضارية، انهالت فيها الضربات والطعنات، طعنات ضارية متوالية لم تتوقف أبداً، حتى سقط الثعبان الهائج صريعاً وتهشم رأسه وسط بقع الدماء. كنت أنزف بعيداً عنهم وأتألم من الجروح والحروق، ثم غبت عن الوعي، أفقت بعدها وأنا ملفوف بضمادات كثيفة وقد تحلق حولي الأهل والأقارب والأصدقاء من عشيرتي وقريتي. رحت أقص عليهم ما حل بي من رعب وفزع وهول في ذلك الكهف الرهيب. سنين توالت على إصابتي، شفيت فيها والحمد لله، إلا أن حكايتي ظلت، يتناقلها البدو والرواة ويتفننون في سردها للتشويق وجذب السامعين لها، حتى صارت من أطرف النوادر التي يتلهف الناس على سماعها ساعة يحلو السمر وتطيب الجلسات في ليالي البادية. لكن الذي أعرفه أن كل من سمعها كان يتجنب حذراً الطريق التي تمر من أمام الكهف، حتى الرعاة واللصوص، بيد أنه الآن أصبح ملاذاً آمناً تلجأ إليه غزلان البادية حينما يضيق عليها الخناق وتنهكها المطاردة، وغدا الكهف اليوم يعج بالغزلان. جغرافية وجه .. العدد 430 180 2007 العدد 430 183 2007 |
|
| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |