مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 430 شباط 2007
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

عندما تتوقف القلوب ـــ سامر أنور الشمالي

منتظراً دوره في ردهة كبيرة بيضاء، يكسر حدة نصوعها إطار مُذهب يحوي شهادة مكتوبة بحروف أجنبية، ولوحة ملونة لمقطع تشريحي لنصف قلب مشطور إلى نصفين.‏

ليهشم ركود الوقت، أجال بصره في الردهة غير الدافئة. وعلى مقاعد ضيقة متلاصقة، رأى المرضى متهالكين بضجر لا يبعث على الاسترخاء والطمأنينة.‏

كظم شيئاً يشبه ضحكة غير متوقعة، وفكر في سره:‏

ـ "لاشك أن شكواي غريبة.. بل مختلفة عنهم جميعاً!".‏

انتشله من هواجسه، صوت الممرضة الحاد. فالتفت نحوها.‏

امرأة بثوبها الأبيض النظيف، تجلس برتابة خلف طاولة صغيرة، وهي لا تحول عينيها المختبئتين خلف نظارة طبية عن شاشة الكمبيوتر، بينما تتنقل أصابعها الطويلة بهدوء على أزرار لوحة المفاتيح.‏

أردفت الممرضة بحياد:‏

ـ دورك سيدي.‏

قام عن كرسيه، واستند بيده على مكتبها كيلا يسقط جسده الواهن على صلادة البلاط اللامع، ريثما قبضت الممرضة أجرة المعاينة.‏

* * *‏

قرع الباب الأبيض بهدوء، ودونما أن يسمع كلمة (ادخل) فتح الباب ببطء، وتقدم نحو طاولة الدكتور الذي لم ير وجهه، لأنه كان منكباً على صور أشعة يتأملها باهتمام.‏

قبل أن يفتح فمه للتحية، أشار الدكتور إلى الكرسي الذي يواجهه إشارة الجلوس وسأله بإيجاز رتيب:‏

ـ ممَ تشكو؟‏

ـ أشكو من..‏

تمتم، ثم صمت. فحدق إليه الدكتور وقد نحى صورة الأشعة جانباً:‏

أضاف:‏

ـ بصراحة.. لا أحب أحداً.. وأيضاً لا أشعر بالكره حتى للمسيئين إلي.. و.. قاطعة الدكتور منزعجاً:‏

ـ يبدو أنك أخطأت في اختيار الطبيب المناسب لحالتك‍‏

ـ عفواً.. ألست مختصاً بأمراض القلب؟!‏

ـ لا داعيَ للسؤال.. فهذا واضح مما كتب على اللوحة الخارجية للعيادة.‏

ـ أعرف ذلك جيداً.‏

ـ إذاً يجب أن تعرف أن القلب عبارة عن عضو لضبط عملية توزيع الدم في الجسم فقط.. أي ليس لوظيفته أي علاقة بالمشاعر والأحاسيس.‏

قال بعدما وجد أن تمهيده الذي حرص عليه قد نفذه بشكل مقبول، بعدما فشلت محاولته السابقة في شرح حالته لأطباء كثر:‏

ـ حسناً.. قلبي متوقف عن النبض!.‏

حدق الدكتور إليه بريبة، ثم سأله مستفسراً:‏

ـ تقصد أن نبضات قلبك غير منتظمة؟‏

قال المريض، وهو يضع يده على صدره جهة القلب:‏

ـ بل لا توجد أية نبضات.‏

ـ هنا مكان للعمل وليس للتسلية.‏

قال الدكتور بحزم. فقال المريض برجاء:‏

ـ أرجوك افهمني.. أتكلم جاداً.‏

ـ إن علاجك ليس في عيادتي. بل عند دكتور مختص بالأمراض النفسية.‏

ـ ظننت ذلك في البدء.. ولكن الدكتور النفسي أشار علي بمراجعة دكتور مختص بأمراض القلب.‏

ثم ناول الدكتور مغلفاً أبيض رسمت في طرفه أفعى تلتف حول عصى، وقال:‏

ـ أرجوك اقرأ التقرير النفسي.‏

فتح الدكتور التقرير معللاً نفسه بأن يجد ملاحظة من الدكتور النفسي يطلب منه أن يصف للمريض حبوباً وهمية مراعياً حالته النفسية.‏

ما أن أتم قراءة التقرير، حتى أعاد قراءته بعدما تيقن من صحة الأوراق. ثم اقترب من المريض، قائلاً:‏

ـ يدك.‏

ناوله المريض يده، فزاد عجب الدكتور. فوضع سماعته على أذنيه قائلاً:‏

ـ اكشف عن صدرك.‏

أزاح المريض ثيابه عن جسده الضامر. فوضع الدكتور سماعته على صدر المريض في عدة أماكن، ولكنه لم يسمع صوت النبضات المعهودة! فبلغ ذروة الدهشة. فهتف بالمريض:‏

ـ ابتعني.‏

سار المريض باستسلام خلف الدكتور الذي دخل حجرة جانبية تتوزع فيها الأجهزة الطبية. ثم أمر المريض بالاستلقاء على سرير الفحص. ثم وضع أنواعاً مختلفة من الأربطة على جسم المريض، ونظر إلى المؤشرات في واجهات فلم تعط ثمة إشارة!‏

وضع جهازاً فوق صدر المريض ونظر إلى الشاشة، فظهر القلب على الشاشة الرمادية دونما أي اختلاج!‏

مدة صمت خيمت عليهما، لم يقطعها سوى الممرضة بصوتها الرتيب:‏

ـ عفواً دكتور.. لقد تأخرت في فحص المريض.. والمرضى الآخرون أخذوا يفقدون صبرهم.‏

أشار الدكتور للممرضة أن تذهب. ثم سار إلى غرفة المعاينة، وجلس على كرسيه، وقال بروية:‏

ـ يؤسفني أن أبلغك.. أنك طبياً..‏

وأضاف ضاغطاً على مخارج الأحرف:‏

ـ ميت!‏

ـ لكني حي.. ها أنذا أتحدث معك.‏

ـ هذا لن يغير شيئاً مهماً.‏

ـ ماذا تعني؟‏

ـ سأكتب لك شهادة وفاة.. وبذلك تحل مشكلتك.. ولا تتسبب في أية مشاكل متوقعة.‏

ثم كتب في فراغات ورقة مطبوعة وناولـه إياها قائلاً وهو يقرع الجرس للممرضة كي تدخل مريضاً آخر:‏

ـ وقع شهادة وفاتك من المحكمة قبل أن تغلق أبوابها.. فغداً عطلة رسمية.‏

* * *‏

لأنه لم يكن لديه ما يفعله. ذهب إلى المحكمة، وقدم شهادة وفاته للقاضي المختص بشهادات الوفاة، كما أخبره مكتب الاستعلامات.‏

ألقى القاضي على الورقة الرسمية نظرة عجلة، ثم سأله ببساطة:‏

ـ من الميت؟‏

ـ أنا.‏

قال وهو يتوقع دهشة القاضي. ولكن القاضي قال ببرود:‏

ـ اعطني هويتك الشخصية.‏

ـ لماذا؟‏

ـ الأموات لا يحتاجونها؟‏

ـ صحيح.‏

أكد بلا مبالاة. ثم سأل القاضي المشغول بوضع الأختام على شهادة الوفاة:‏

ـ هل تريد مني أن أوقع على هذه الوراق؟‏

فقال القاضي بسخرية وهو يهز رأسه الأصلع:‏

ـ منذ متى كان الأموات يتدخلون في الشؤون القانونية؟‏

ثم تناول مصنفاً كبيراً، وضع شهادة الوفاة فيه، ثم أخذ يبحث في أكداس الأوراق التي أمامه.‏

أدار ظهره للقاضي، وسار بخطوات بطيئة خارج المحكمة.‏

ما كاد يخطو بضع خطوات في الشارع، حتى استوقفه الشرطي قائلاً:‏

ـ هويتك.‏

ـ ليس لدي هوية.‏

ـ أي أوراق تثبت شخصيتك.‏

ـ لا أملك أية أوراق رسمية.‏

ـ إذاً.. لم يعد مسموحاً لك بالتجول في المدينة.‏

ـ أين أذهب؟‏

ـ إلى السجن بالطبع.‏

ـ لكنني ميت والأموات لا يسجنهم أحد.‏

أطرق الشرطي قليلاً. ثم تحدث بالهاتف الجوال مع ضابط الشرطة، ثم وجه كلامه إليه قائلاً:‏

ـ حسناً.. ستذهب إلى المقبرة.‏

ـ لكنني لا أعرف أين تقع المقبرة!‏

ضحك الشرطي، وقال:‏

ـ الأمر بسيط.. نحن نصطحبك إلى المقبرة.‏

ـ حسناً.. سأذهب بمفردي.‏

ـ بل ستذهب معنا.. ورغماً عنك.‏

أكد الشرطي بحزم، ثم أشار لرجال الشرطة الذين سرعان ما ألقوا القبض عليه، وأدخلوه سيارة عسكرية مغلقة، انطلقت في الشوارع يسبقها صوتها الحاد الذي يشق الضجيج. بعيداً عن المدينة المزدحمة.‏

وقفت السيارة العسكرية في مكان مقفر. فترجل منها رجال الشرطة، واتجهوا نحو باب حديدي صدئ قرعوه بأحذيتهم السوداء. ففتح الباب مصدراً صريراً هادراً.‏

عادوا إليه، وفكوا القيود من يديه، ثم دفعوه داخل المكان الرهيب.‏

* * *‏

نظر حوله، فرأى نفسه يقف في صف طويل، حاول أن يرى أين ينتهي الصف ليعرف أين يذهب. ولكن الصف كان يبدو لعينيه بلا نهاية.‏

التفت وراءه، فوجد أنه قد اصطف خلفه رتل طويل، أبعد من أن يرى بدايته!!!...‏

عندما تتوقف القلوب..‏

العدد 430‏

190‏

2007‏

العدد 430‏

187‏

2007‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244