|
||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
أسطورة قدموس ومأساته ـــ د.شاكر مطلق "قدموس ـ kadmos هو ابن الملك "أغينور ـ agenor "الذي حكم في آسيا (لبنان: صيدا وصور)، وفي رواية أخرى لأسطورة "قدموس" فإنه وأخته "أوروبا" أبناء الملك "فوينيكس ـ foinix” وليس الملك أغينور". أرسله والده برفقة أخيه للبحث عن "أوروبا ـ europa” التي خطفها كبير آلهة الإغريق "زيود" (تويس ـ zeus) لأنه فتن بجمالها وكان متنكراً على شكل ثور جميل وديعٍ. خطفها وطار بها على ظهره فوق البحر، وحطّ في جزيرة "كريت" حيث أحبها فحملت منه، فزوجها من ملك الجزيرة وغاب ـ كعادته ـ بحثاً عن مغامرات عشق جديدة مع بنات البشر، كما فعل مع "غانيميد ـ ganymed” التي خطفها وهو متخفٍ على شكل نسر. لوحة من الفسيفساء (القرن 3 ق. م): "زيود" يخطف "أوروبا" إلى جزيرة "كريت". وصل "قدموس" إلى بلاد اليونان وزار العديد من مدنها، وأبدت جميعها الترحاب به وقدمت له حسن الضيافة لأنه كان يقدّم الخدمات للسكان ويضحي للآلهة، آلهتهم، كلّما حلّت مناسبة لذلك. حمل وعلّم "قدموس" الأبجدية الفينيقية للإغريق. وفي تجواله الطويل في بلاد الإغريق بحثاً عن أخته المخطوفة "أوروبا" وصل "قدموس" إلى مدينة "دلفي ـ delphe” التي تضم المعبد الشهير والعرّاف الأكثر شهرة في بلادهم. هناك ترجّى الرب "أبوللو ـ Apollo ـ إله الموسيقى ـ أن يكشف له عن مكان وجود أخته، فنصحه بأن يتبع خطى البقرة المقدسة، التي ستريه المكان الذي سيستقر فيه وينشئ مملكته عليه. توقفت البقرة في موضع يسمى "بووتين ـ boeotin"، وهو الموقع الذي قامت عليه مدينة "كادميا ـ kadameia” والكلمة مشتقة من اسمه ا لمعروف أيضاً باسم "طيبة ـ theben” كما سميت مملكة أخيه "كليكسْ ـ kilix" تيمناً باسمه "كيليكا" وكذلك مملكة "فينيقيا" باسم أخيه الآخر "فوينيكس ـ foinix” أصبح إخوته بعد موتهم قضاة في العالم السفلي. قبل أن يتسلم "قدموس" مقاليد الحكم في مملكته الجديدة، كان عليه أن يقتل الأفعى العملاقة المريعة التي تحرس للرب "آريس ـ ares” إله الحرب الجميل الشرس ـ النبع الوحيد هناك، نبع "آريس" وهذا ما لم يستطعه احد من قبله وقضوا نحبهم في القتال مع الأفعى. بما أن "قدموس" كان على علم بدعم الربة "أثينا" له فإنه أقدم على المواجهة وأضعف الأفعى برميها بالحجارة قبل أن يقضي عليها بسيفه. هذا المشهد، مشهد قتل "قدموس" للأفعى، مرسوم على جرّة “Hydria” ومحفوظ في متحف "إرميتاج" ـ “Ermitage” الشهير في مدينة (سانكت بيتر سبورغ ـ لينينغراد سابقاً) في روسيا، وهي المدينة الشهيرة التي بناها بطرس الأكبر في أرض المستنقعات على ضفاف نهر" نيفا". يصور المشهد كيف تتابع مجموعة من الأرباب الحدث المثير: في وسط المشهد نرى الخصمين (الأفعى وقدموس المسلح بالسيف) وبينهما تقف ربة الحكمة (أثينا) بخوذتها الشهيرة مستندة إلى الرمح، تحمل في يدها اليمنى إكليلاً من الغار، وتلتفت نحو " قدموس" الذي تحميه .. فوقه في المشهد نرى " نيكه ـ Nike" تحمل إكليلاً النصر، مشيرة إلى انتصار "قدموس" في الصراع المنتظر، بين الأرباب المشاهير نتعرف على إله البحر "بوزيدون ـ Poseidon” من خلال رمحه ذي الرؤوس الثلاثة الذي يستند عليه واضعاً يده اليمنى على خاصرته واقفاً فوق صخرة، ونرى "هيرميس ـ Hermes” ـ ساعي الآلهة ـ وكذلك "ديميتر ـ Demeter” ربة الزراعة ـ بصولجانها الملكي، وفي أسفل المشهد إلى اليمين نرى الربة "برسيفون ـ Persephone” ابنة الإله "ديميتر" تحمل مشعلان "إيلوسينيان". أمام "قدموس" وتحت أقدام "أثينا" نرى إله اللذة "إيروس ـ Eros” يضع إكليلاً عند قدمي حورية الماء الخاصة بموقع "طيبة". بعد انتصار "قدموس" على الأفعى وقتلها، أشارت عليه "أثينا" بقلع أسنانها ونثرها على الأرض، حيث منها سينموسكان "طيبة" (!!). كان على "قدموس"، قبل أن يبدأ حكمه، أن يعمل بخدمة الرب "آريس" مدة ثمانية أعوام تعويضاً له عن قتل أفعاه. (يذكرنا هذا بخدمة "يعقوب" ـ إسرائيل لاحقاً ـ مدة سبعة أعوام عند والد زوجه المستقبلي للحصول عليها وكانت الابنة الصغرى، وبعدها أخلف وعده وزوجه أختها الكبرى وعاد يطالبه بالعمل السخرة عنده مرة أخرى ليتزوج لاحقاً من الأخت الصغرى التي أحبها، كما ورد في التوراة). بعد أن أنهى "قدموس" ما ترتب عليه القيام به من عمل سخرةٍ عند "آريس". أسّس الـ "كادمييا ـ Kadmeia” ـ الأكروبوليس ـ المرتفع، التي ستنشأ حوله لاحقاً مدينة" طيبة". بعد أن تصالحا قام "آريس" بتزويجه ابنته" هارومونيا ـ Harmonia”، من زوجته "أفروديت"، باحتفال صاخب مهيب، أهدت فيه "أثينا" العروس ثوباً رائعاً، وأهدتها أمها "أفروديت" عقداً ثميناً من صنع "هيفا يستوس ـ Hephaistos” ـ إله الحدادة ـ. نتج عن هذا الزواج أولاد خمسة: أربع بنات هنّ "سيميله ـ Semele” ، "أغاوه ـ Agaue”، "أوتونويي ـ Autonoe” والابنه الأخيرة "إنو ـ Ino” وولد وحيد "بوليد ووروس ـ Polydoros”. كل حياة بناته وجدت نهاية مأساوية فاجعة، سببها، مرة أخرى، حبّ كبير الآلهة "زيود" لابنة "قدموس" من البشر "سيميله" كما أحب قبلها عمتها "أوروبا" وقام بخطفها. أثار هذا الحب، كالعادة، غيرة أخته وزوجته الشريرة الربة "هيرا ـ Hera” التي عانت من نزواته العديدة مع بنات البشر الشيء الكثير، وقامت بقتل غريمتها "سيميله" بعد أن حملت منه بابنتهما "ديونيسوس ـ Dionysos” ـ باخوس إله اللذة والخمرة والمرح ـ فأخرجه" زيود" سريعاً من بطن أمه القتيلة وخبأه في فخده حيث نما هناك. عند ولادة الطفل "ديونيسوس" استشاطت "هيرا" غضباً، وانتقمت من عمته "اينو" التي كانت ترعاه وزرعت الشقاق بينها وبين زوجها" أتاما نتاس ـ Atamantas” الذي قتل ابنهما "ليرخوس ـ learchos” في ثورة غضب، فأصيبت أمه بالجنون وألقت بنفسها وابنها الصغير الآخر" ميليكيرتيس ـ Milikertes” بين ذراعيها من أعالي الصخور إلى البحر فماتا معاً. استقبل البحر جسديهما وعطفت عليهما الآلهة وحولتهما إلى كائنات بحرية أطلقوا عليها اسم "لؤيكوتيا ـ Leukotea” و"بالأيمون ـ Palaimon”. أما الابنة الأخرى "أغاوة" فقد عاقبها "ديونيسوس" بقسوة لرفضها علاقة والدة "زيود" بأمها "سيميله". هذه المرحلة المأساوية الدرامية عالجها المسرحي العظيم "أويريبيديس ـ Euripides” في عمله "باكشين ـ Bakchen". بعد انتشار عبادة "ديونيسوس" وطقوسه الحسية في مناطق عديدة شملت لاحقاً حوض البحر المتوسط كله، جاء مع أتباعه إلى "طيبة" ليبشر فيها بديانته الجديدة، غير أنه وجد هناك رفضاً من الملك وأمه، وكان ملك طيبة يومها "بينتيوس ـ Pentheus” وهو ابن "أغاوة"وزوجها "إيشيوش"، أي أنه حفيد "قدموس"، ولا سيما أنه جاء مع أتباعه بشكل بشري جعلهم يشكون بكونه إلهاً، وكادوا يقبضون عليهم ويزجونهم بالسجن، خلافاً لما نصح به "قدموس" ـ الجد الهرم ـ وكذلك العراف "تاير يستاس ـ Teiresias” فانصرف عنهم حانقاًً، وقرر "ديونيسوس" الغاضب أن يري الجميع بأس وسطوة مذهبه، فقام بإصابة الملك بالجنون ونفخ في نساء "طيبة" من روحه الماجنة وقادهم إلى صخور جبال "كيتايرون ـ Kitairon"، وهناك أصابهم انفلات المشاعر فأخذوا بالرقص والغناء والمجون والصيد في الغابات والتهام الطرائد نيئة كما يفعل الـ "مانادين ـ MAENDEN" المتوحشون. عندما علم الملك "بينتيوس ـ Pentheus" بالأمر أسرع إلى هناك ليتحقق مما يجري ومما يسمع. هناك أمسى الملك ضحية لمجموعة من النسوة الهائجات بقيادة أمه "أغاوة" التي قتلته بيديها وذهبت إلى "طيبة" حاملة رأسه بفخر واعتزاز. هذا المشهد المأساوي يمثل انتصار طقوس عبادة "ديونيسوس" وعزمها على سحق كل معارض لها. الابنة الثالثة من "قدموس" "أوتونييو" لم تكن أيضاً بأحسن حظٍ من أختها، وكانت نهايتها سيئة، فبعد موت ابنها "أكاتيون ـ Akation"، وكان صياداً شهيراً، قتلته ربة الصيد "أرتيميس ـ Artemis" وهو يسترق النظر إليها وهي تستحم، قتلته بان جعلت كلابه تنهشه (لديّ صورة عن المشهد وهو من الفسيفساء من القرن الثالث أو الرابع الميلادي، على ما أذكر، عثر عليه في سورية). أما الابن الوحيد لهما ويدعى "بوليدوروس" فكان لـه حظ الوصول إلى عرش "طيبة" ويتزوج من "نيكتايس ـ nykteis", ويلد لهما الابن "لابداكوس ـ Labdakos", وهو الجد الأكبر لكل اللبداكيين وبالتالي لـ "أوديبوس ـ Oedipus” ـ أوديب ـ الذي اقترن اسمه بأحداث مأساوية وباضمحلال "طيبة" وهو ينتمي إلى نسل "قدموس" أيضاً. عوْدة "قَدْموس" "قدموسُ"، يا "قدموسُ" لا تذهبْ إلى أرض الخديعةِ والذئابْ بحثاً عن الأخت لسبيهْ "أوروبةُ "العذراء ضاعتْ خلف أمواجٍ عتية. وهناك تنتظر المصائبُ والصّراعاتُ الخفيةْ ما بين آلهةِ الظلامْ وهناكَ تأكلك الوحوشُ بدونِ ذنبٍ أو قضيهْ ولسوفَ يدرككَ السّقامْ... لا تعطيهمْ سرْ الحروفِ ونورَ لوّحِ الأبجديهْ دَعْهُمُ عراةً في البراري كالأفاعي يزحفون ويأكلونَ مع الكلاب فلسوفَ يَنسونَ الجميلَ وَيحرقونَ لنا البلادْ وعلى شواطئكَ الوَديعة سوفَ يسبونَ العذارى في مدائنَ تشتعلْ ويُسمونَ لك الترابْ واحذر من البقرِ المقدسِ إنّ عرّافاً بـ "دلفي" سوف يكذب في النبوءةِ لا تصدقْ ما يقالُ فسرُ أختكَ سوف يبقى في الدهاليز الخفيةِ دونَ كشفٍ في الظلامْ و"أبولونُ" الجذاب يبغي أن يراكَ بأرضِ "طيبةَ" سيداً من دون عرشٍ جالساً فوق الترابْ يبكي ويحلمْ بالإبابِ إلى شواطئهِ القصيةْ والأماني من سرابْ فعلامَ تقتلّ حيةَ تحمي لـ "آرس" نبعةً لترش من أنيابها فوقَ المراعي والهضابْ شعب العذاب المنتظرْ في "طيبة" الأحلام تنمو لعنة الأجداد سراً كي يكون من نسلك الملعونِ جيلٌ للخطايا والجنونِ ممزقاًَ بين الذئابْ في لعبةِ الأربابِ والأمل الجميلِ بعودِ "أوروبا" لـ "صور" فالأحبة في انتظار لكنَّ وحشاً من حديدٍ سوف يأتي بالمزيدِ من المآسي والدَّمارِ إلى مآذنَ في مَدائنَ مثل "طيبة" في انهيار... "قدموس" يا روحاً يجولْ في الحلم في وضح النهارْ بحثاً عن الوجه الجميلِ سباهُ ربٌّ صار ثوراً طائراً فوق البحارْ من أجل مائدة الجسدْ تعطي لنا نسلَ الأفاعي والخطايا في انتشارْ لتصير وشماً في الجبينْ جرْحاً على مرِّ العصورْ... لحفيدكَ الأرضي "دينوس"(1) اللذائذ والمكائد والعذارى ـ قابعات في المحارِ ـ بكلِّ أصنافِ الرّغابْ في حقدِه الهَمَجيِّ يرمي أهلْ "طيبة" بالجنونِ فهم وحوش في البراري والفناء هو العقابْ السمُّ يسري في العروقِ يجولُ من جيل لجيلْ ليطالَ "أوديبَ" اللعينْ يعمي عيونه كي يصيرَ رهينَ آلهةِ الظلامِ فلا يرى وشمَ الخطيئةِ في المرايا مثل جمرِ غائرٍ فوقَ الجبينِ ولا يرى صمت القبور يجولُ كالشبحِ النحيلْ بينَ الخلا يا والجذورْ والكل في خدَرٍ يدورْ بين الجريمة والعقابْ... "قدموس" يا رمزَ الحضارةِ والرّقيَّ على العصورْ أهلُ الجهالةِ لنْ يكونوا غير نارٍ في ثرانا يَحفرونَ لنا القبورَ ويبعثونَ لنا الوباء رمزاً لعربونِ الوفاءِ ونورِ تلك الأبجدية وقناعُهم ـ رغم الشطارة ـ من نفايات الحضارةِ والمجازر شاهداتْ في قواميس الثوابْ... هلْ عَمَّرَ الرُّومانُ في "بيروتَ" مدرسة الحقوقِ لكي نصير بلا حقوق؟ وعلامَ يغزونَ الشواطئَ والشواطئُ شاهداتٌ كيفَ غادرها الجدودُ مع الحضارة للشِّمالِ وليسَ في زيّ الجنود؟ لكن أحفادَ الخطايا يرجعونَ لنا الجميلَ بدون حدّ أو حدودْ ناراً وقتلاً ـ يا صديقي ـ يحرقون لنا الهواء وكل ما ضمّ الترابْ... دعهم ولا تحزن عليهمْ إنَّ حلْمَكَ من سرابْ وارجع لـ "صورك" ـ يا حبيبُ ـ فأرض أهلكَ في خرابْ وابن المدائن والجسورَ وكلَّ ما هدمَ الوحوشُ على شواطئك الأبيةْ دَعْ "طيبة" اللعناتِ تفنى عُدْ لأمَّتكَ المجيدةِ فهي صخرُ الأرضِ يبقى صامداً رغمَ العواصفِ والمآسي والكلابْ أكتب لنا سِفَر الحياةْ وأعِدْ بناءَ الأبجديهْ... حمص ـ سورية 20/ 8/ 2006. (1) هو "ديونيسوس" رب اللذة والمجون، طقوس عبادته كانت واسعة الانتشار،وهو ابن سفاح بين كبير آلهة الإغريق" نسونيس" (زيود) ـ خاطف "أوروبة" أخت "قدموس" ـ مع إحدى بناته الأربع (سيميله) من زوجته "هارمونيا" ابنة خصمه السابق الرب "أرس" صاحب الأفعى التي قتلها "قدموس" ومن أسنانها نما نسل "طيبة". أسطورة قدموس ومأساته.. العدد 430 6 2007 العدد 430 11 2007 |
|
| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |