|
||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
ظل حارس لـ .محمد ديب ـــ تقديم: لويس آراغون ـ ت.حسين علام مقدمّة: يتولّد النشيد عن الألم عادة، ففي البداية، يكون مذهولاً من نفسه، ثم كأنما يريد أن يتعرّف إلى ذاته بشكل أفضل، لذا يمسك الإنسان المرآة جيداً في يده. وبعدما يكون قد وازن بين العالم وكلمته، فإنه لا يمعن النظر إلى هذه الأداة الممنوحة، لأنّه، وكما في الوهلة الأولى، لا يفعل ذلك سوى لكي لا يجد مرّة أخرى غير ما كان يتردّد في حنجرته. سينصت مليّاً إلى صدى الأعماق هذا.الاختيار... أنحن من يختار ما وراء دهشة القلب هذه أم هو هذا الألم الذي يحدّق فينا بأعين مجنونة؟ إني لا أعلم حقاً... هل ننشد من أجل أن نستكين. أم لأجل أن نخمد فينا بعض الشعاليل؟. لكن لماذا نتغنّى بهذا النشيد دون ذاك؟ إنه سؤال الشاعر المرعب لنفسه أمام هذه المرآة الباطنية. ثم هذا القرار، وهو خطير دائماً ـ مثلما هو ذلك المنعرج الذي تأخذه حياتنا (سأكون نجاراً أو طبيباً..) يتدخل في القصيدة: كنت سأقول هذا وليس ذاك... وتكمن المأساة في أن المسألة ليست كوميديا نلعب أدوارها أمام أنفسنا فقط، لسنا نتنكّر ولن نستطيع على الأقل أن نخلع أبداً عنّا ومن الجلد هذا القناع المثير للشفقة. هذا الحلم سيكون معروضاً بكل بهرجته في العلن على الناس. وتكفّ اللعبة عن كونها لعبة. ومن يتكلّم لن يكون وحيداً. سيكون مواجهاً للعالم الذي سيحاكمه. إني أنتمي إلى العالم. فماذا سأفعل؟ إني أتصوّر محمد ديب على طريقتي... وهل يمكنني أن أتعامل معه بشكل آخر؟ هل أستطيع بعيني الفرنسيتين هاتين أن أحيط بولادة الشعر الجزائري؟ الرواية والحكاية والقصة دعوات للرحيل دائماً. وها أنا أدخل مع الكاتب إلى جزائره المجهولة، لكنه الشعر... تلميحي بالضرورة، مثقل بالممكن الغريب، وبكل ما يستدعيه اقتصاد اللفظ من احتمال للحقيقة التي يتقاسمها الشاعر وحده مع آخرين غيري. أفاجئهم وهم يتكلمون في ما بينهم متعودين على الإشارات التي تختصر. أما أنا فغريب داخلها عن هذا السرّ الذي يتقاسمونه. والمدهش في الأمر أني لا أجد نفسي أمام شعر مترجم. فالعبارات عباراتنا، عباراتي أنا. وهذا رجل لا يمتّ بصلة إلى شجر نافذتي ولا إلى أنهار أرصفتي. ولا إلى أحجار كاتدرائياتنا. إنه يتكلّم، يقول، مستعملاً ألفاظ فرانسوا فيون Villon. أو شارل بيغي C.peguy. وها هنا بلا شك يكمن ذلك المظهر الأساسي من المأساة الجزائرية، التي يبدي أغلب الناس عندنا من حولها كثيراً من الآراء دون أدنى رويّة. هؤلاء أنفسهم، المخلصون لشعبهم لا يملكون سوى هذه الفرنسية كلغة عندما يريدون التعبير عمّا هو سام، وعندما يريدون القبض على ما ينفلت على الاستقصاء، عندما يريدون التعبير عمّا لا يمكن الإحاطة به. هذه الفرنسية هي القيثار الجماعي (Clavecin). هي آلة سواحل اللوار (Loire). هذه التي يتكلّم لها أولئك الجنود أثناء الليل، هي معجم للتمشيط العسكري أيضاً، شرحٌ للغة التعذيب والجوع.. في يوم ما ستوزن هذه الأشياء وهذه القصائد التي بين أيدينا وستكون ربما ثقيلة مثل فاكهة في كفّة فرنسا. أتصوّر محمد ديب على طريقتي. وفي الزمن الذي لم يعد يساوي فيه شيئاً ما كان حياة وموسيقى الروح والقلب. عندما تكفّ العلاقات الإنسانية عن ذلك التبادل، لكي تنتهي في الأخير إلى الاستعباد أيّام الحرب وإلى رضوخ الإنسان للآلة المتوحشة. وعندما يكون القتل هو القاعدة. عندما يقرر الآخرون ما هو خيّر، عندما يتساءل الشاعر عن نشيده. هل يصمت أم يرضخ هو أيضاً للمطالب العسكرية؟ كنت في الثانية والأربعين من العمر سنة 1939 وكان جوابي عن هذا السؤال آنذاك بـ:الغصة (le créve Coeur). انطلاقاً من هنا يمكنني ربّما أن أفهم الشاعر صاحب (ظل حارس). وانطلاقاً من معسكرات (crouy-sur-ourcq) أستطيع تتبعه في (أوراس) الكلمات هذا بهضبات النار والعشب اليابس. غريب هو بلدي هذا الذي تتحرّر فيه كثير من العواصف في زمن التحولات العميقة يجد البشر، هكذا، في أنفسهم النبر غير المتوقع للنور الخارجي، عندئذ وفي خضم الإشارات الميكانيكية للنشاط الظاهري، كنت أجد القواعد المنسية، أجد المذاق المعقّد للّغة والعقل الإلكتروني للقوافي، حينئذ يأتي الصدى البعيد للأساطير والتاريخ لخرافات الحب والموت. كما تأتي أيضاً طروادة ومدريد ونبتة العشاق الدائمة الخضرة (LA CHEVRE FEUiLLE). يأتي ترستان (TRISTAN) متصنعاً الجنون وتأتي إليونور الأكيتينية (Eleonor d'aquitine). كل هذا يأتي، على شكل أناشيد من خلال إشكالية العقل. أين كل ما كان انفلاتاً من الحقيقة أصبح يخدم الآن الحقيقة المحرّمة. في 1960 لا أحد يمكن أن يمنع الشاعر الجزائري عندما يقول (الأوراس) ولا أحد يمنعه من أن تكون نصب عينيه الصور التي يستدعيها كل ذلك. ومهما كانت درجة (براعة) الشرائع ليس فيها من يستطيع أن يوقف إذن هذا الحزن.. هذا الحزن (الذي لا يقهر). وكم هو غريب تحوّل هذه اللغة التي يتحدث بها (باسكال) و(فالمور) بين شفاه من وراء البحار. كما هو غريب أيضاً أن يظل في نظر العيون بلون أعناب العتاب هذه مشهد المنفى الذي هو بالنسبة إلي أمر مألوفٌ، أن يظل ممزوجاً بالألسكندري alexandrin. يا مساءات باريس الوسنى، كم أنت عندي مرّة إن لهذا الديوان مصراعين، أحدهما ينفتح على الجزائر والآخر، لنقل على أوروبا باتجاه بوردو وباريس... ومن اللازم ربما أن نكون قد تسكعنا في هذه الطرقات، على أرصفة مناخنا لكي نعود إلى القصائد أين: ...النعناع الغض قد أزهر والتينة أهدت ثمارها... وحتى يمكننا فهمها بكل نوستالجيا ذلك الذي تكون بالنسبة إليه جحيماً. وحتى نستطيع استعادتها مع هذا الصديق الذي التقينا به في مدننا. وفجأة أشعر أنه لم يعد غريباً عنّي. ليس لأن لغتنا مشتركة بل بفضل الرؤيا. بفضل ذلك النوع من الإشراقات بالمعنى الرمبوي. تلك التي من خلالها سيستضيفني عنده، ويمنحني حفاوة (دواره). أشعر أني لست غريباً بالنسبة إليه عندما يقول ما هو مألوفٌ لديه. مطر شاحب جداً يحرق كل البساتين أيها الطاووس الناعس أما حان الوقت كان ينتابني أحياناً أمام لوحات الرسامين ذلك الإحساس بالظلمة المنجلية للوهلة الأولى، وعندما نعيد النظر مرّة أخرى، ربما عندما نراها من وجهة أخرى. نلفيها قماشاً يأتلق النور فيه فجأة. لقد كتبت هذه القصائد من أجل شمس أفريقيا العظيمة جداً. وكان يلزمها جدراناً سميكة جداً وبلاطات حتى لا يسمع عليها وقع الأقدام أبدا.ً تفكروا أن لفظة بستان مثلاً، عندما تعودون إلى خيالاتكم الخاصة، تعني شيئاً آخر غير تلك الأزاهير المغاربية. والحال نفسه عندما لا نكترث بالماء لما نكون قد تجافينا عن الصحراء. إني أقف شاعراً بالفضول الغريب أمام مدخل عالمه الخاص. أين تنضج الأشياء بطريقة أخرى. ثم أسمعه يقول: الكلمات التي أحمل على اللسان نبوءة غريبة أنا لست متأكداً فعلاً من أنني أسمعه، من أني أملك الحق في أن أسمعه. إني مندهش فقط لحفاوته هذه التي تمكنني من أن ألج حميمية بيت أشعر أني فيه لست إلا منتهكاً لحرمته. فأيا محمد، لماذا هذه الثقة بيني وبينك؟ وما الذي يفرّق بيننا؟ ويبتسم لي لأول مرة ثم يجيبني بأقل قصائده طولاً.. المستقبل. ل. أراغون 1961 * ـ ظل حارس1 أغلقن أبوابكن أيتها النساء فالنعاس المرّ سيملأ أعصابكن، الماء والرمل محيا آثار خط خطواتكن بعيدة هي ذلك اللألاء القليل للنجوم كثيفة هي الأرض في الجوار إن البيوتات المعتمة هي ما يخفي هدأتكن أغلقن أبوابكن أنا الحارس لا شيء تملكنه * ـ ظل حارس2 لكني سأغني بالكاد حتى لا يمتزج أبداً الألم بنعاسكن سلام عليكن أيتها الأمهات والزوجات المستبد شارب الدم في مناسفكن(1) سيغدو غباراً أتمشى على الجبال أين يأتي الربيع يخلق أعشاباً فوّاحة أنتن الائي تسمعنني عندما يلين الفجر سآتي لأغسل عتباتكن وسأغمر بالأناشيد نعيق الزمن * ـ ظل حارس3 تسألن إذا ما كانت الريح التي تتلكأ على القمم تأجج بيتاً إذا ما هي نار للفرح إذا ما هي نار الفقراء أم إشارة عسّاس في الليل الذي لا يزال مخضلاً، أيتها النساء الرائعات اللائي تغلقن أبوابكن، اُحلمن. أمضي وأمضي الكلمات التي أحمل على اللسان نبوءة غريبة عند السحر ها الفجر يبزغ والمشهد تصنعه ملامح الدم والريح، الصمت والعواصف الشاحبة نشيد صوت رائع يجوس بلا نهاية فوق التلال انصرفت كل الروابط ـ آه كيف نحيى؟ بيتي مسكن للندى الفضي إنها تهب حدّ الموت ـ لكنّك تتمتمين ((لينتهي المنفى فحسب؛ النعناع الغض أزهر والتينة أهدت ثمارها لينتهي الحداد فقط)) في زمن العذابات، أنت وحدك ابنة الخزامى، صاحبة القلب القاتم أنت وحدك تستطيعين الغناء هكذا. * ـ ساعة مخبولة الساعة المخبولة تهيم. سوداء، ستتحققون منها. بها من الحقد الأسود أكثر مما ينبغي. كثير من الصراخ بها، وكثير من الرّيح. ولدت من كلس عتيق ومن نيران البحر ورْشانها للموت يزدهي غريباً. ستتحققون منها: إنها ساعة الحداد، ساعة الدم الأصهب على الكروم تلك الهائمة بالشمس. (1) جمع منسف، وهو طبق تذروا النساء به الحب في الريح. ظل حارس.. العدد 430 6 2007 العدد 430 9 2007 |
|
| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |