|
||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
مع الناقد عبد الحميد العقار ـــ وحيد تاجا هناك اتجاه نحو بناء فكر نقدي عقلاني منظّم في المغرب المشهد الثقافي في المغرب... أسباب تقدم النقد الفكري في المغرب عنه في المشرق.. التحديث والتراث والديمقراطية... الخطاب النقدي العربي.. الأسباب وراء التفات الشعراء العرب إلى الشعر الصوفي.. تطوّر الرواية..؟ هذه النقاط وغيرها شكّلت أهم المحاور في لقائنا مع الناقد الأدبي المغربي الدكتور عبد الحميد العقار ? هل يمكن أن نطل من خلالك على المشهد الثقافي في المغرب؟ ?? يتميز المشهد الثقافي في المغرب بقدر كبير من الحيوية ومن الخصوبة، كما يتميّز بكونه مطبوعاً بالصراع الفكري لأن الثقافة في المغرب متعددة المرجعيات ومتعددة اللغات. وهذا يتيح للإنتاج المغربي أن يكون متسماً بالتعدد ومتسماً بتكريس قيم العقل والتقدّم وتكريس قيم احترام الرأي الآخر. وعموماً فإن السنوات الأخيرة شهدت تراكماً كمياً لابأس به في مختلف مجالات الإبداع الأدبي والفكري، مثلما تشهد نقاشاً شديد الحيوية بخصوص الموقف من التراث وبخصوص السبل التي من شأنها أن تعيد الثقافة واللغة الأمازيغية ومختلف التعبيرات الشعبية إلى موقعها في النسج الثقافي في المغرب. ? ما هي أهم القضايا المطروحة للنقاش حالياً في الساحة الثقافية المغاربية؟ ?? قضية التحديث والديمقراطية. وبالرغم من اختلاف التصورات بصدد هذين العنصرين فالطابع العام للحوار وللسجال الثقافي يكاد يتمحور حول هذين العنصرين منذ سنوات. وهما عنصران يتكرسان كذلك من خلال الإبداعات الداخلية، ففي الرواية كما هو الشأن في القصة أو في الانتاجات الدرامية هناك إلحاح كبير على أن تكون هذه الانتاجات ملامسة للحداثة. وعموماً فالمشهد الثقافي في المغرب رغم هذه الحيوية فهو مشهد لا يختلف عن الواقع الثقافي العربي من حيث إنه مطبوع بالتناقض فحيوية المثقفين وكثافة حضورهم في الصراع الثقافي والاجتماعي لا يعادلها طبيعة التأثير التي يحققها أولئك المثقفون في مستوى الرأي السياسي العام فما زال رأيهم محدود الفعالية على مستوى التأثير وعلى مستوى التغيير للرأي والتصوّر السائدين. ? المثاقفة مع الغرب هل تفسر نهوض الفكر النقدي في المغرب عنه في المشرق؟ ?? هناك العديد من العناصر التي جعلت الفكر النقدي فكراً حاضراً بقوّة في الإنتاج الثقافي بالمغرب. وميزة الحضور الفكري هذه تقترن بجزء منها في الصلة المباشرة بالثقافة العالمية بغض النظر عن اللغة التي يتم الإنتاج فيها. وبالتأكيد أن هناك تغليباً للمرجعية الفرنسية على غيرها. لكن بعض الكتاب المغاربة أصبحت لديهم القدرة على التفاعل مع الثقافة بمختلف مرجعياتها ومختلف أسسها. العامل الثاني يعود إلى التجربة السياسية والثقافية في المغرب. وقد ارتبطت هذه التجربة منذ بدء النهضة الحديثة في مطلع العشرينات بنموها وتفاعلها مع ما كان يشهده المشرق العربي من تطوّر كبير في المجال الفكري والثقافي. وبما كانت تشهده الثقافة الغربية من تأثير وضغط وقوّة للحضور، وتفاعل المثقفون بالمغرب مع هذين العنصرين بتوازن عميق كانت نتيجته تغليب الجانب النقدي على غيره من أساليب الاتصال والتواصل مع الغير.. النقد للذات.. والنقد للآخر.. ومع ذلك لا أرى أن المفاضلة بين المشرق والمغرب أسلوب إيجابي في فهم طبيعة التطورات التي تشهدها الثقافة والفكر في المغرب، وإنما تعتبر كذلك لأن الثقافة في مختلف تجلياتها في المشرق، وما يميّز فكر الجابري والعروي وغيرهما ليس صفة تقتصر عليهم ومنعدمة الحضور فيما ينتج بالمشرق العربي، لكن درجات الحضور ودرجات التجلّي تختلف من قطر إلى قطر وعموماً فالفكر النقدي الذي يمثل الاتجاه نحو بناء فكر نسقي.. منظم.. عقلاني.. والاتجاه نحو إعادة فهم العلاقة بالتراث والعلاقة بالآخر والعلاقة بالذات.. يمكن القول إنه يشكل السمة الغالبة في الإنتاج الثقافي والفكري في المغرب الآن. ? يرى الدكتور عبد الله الغذامي أن النقد العربي اقتصر على الناحية الأدبية وابتعد عن مفهوم النقد الثقافي الشامل؟ ?? أخذ النقد الأدبي منذ العشرينات يقاوم الإحيائية ويقاوم التقليد ويسعى لتأسيس منحى جديد في قراءة النصوص وأي منذ مرحلة العقاد وطه حسين وميخائيل نعيمة والنقد العربي يجتهد في أن لا يظل مقتصراًً في قراءته للنصوص الأدبية على تلك النصوص، بل يجتهد في أن يصبح معرفة شمولية مركبة للظاهرة الأدبية في سياقها الثقافي العام وفي خصوصياتها الخطابية الداخلية وهناك تجارب عديدة تؤكد هذا التوجه، فهناك العديد من النقاد العرب اليوم الذين لم يتوقفوا عند تحليل النصوص بل أخذوا يطرحون أسئلة تهم الوضع الثقافي بشكل عام وأصبحت لديهم مشاريعهم النقدية الخاصة. ? هل يمكن ذكر بعض الأسماء من المغرب؟ ?? هناك الباحث عبد الفتاح كيليطو الذي يهتم بالنصوص والآثار الإبداعية العربية الكلاسيكية ويتجه نحو إعادة تذوق هذه الآثار وإعادة تجنيسها، أي تحديث الخصائص الأدبية التي تنتمي إليها، ونحو إعادة بناء الإطار النظري والنسق الفكري الذي يمكن من خلاله أن نقرأ التراث السردي العربي الكلاسيكي. وهناك محمد برادة ومشروعه يتمثل في إعادة بناء المتخيّل في الثقافة المغربية والعربية في زاوية تجلياتها في مجالي القصة والرواية وفهم الآليات والوسائط التي يشتغل بها التخيّل في المغرب وفي العالم العربي والوصول إلى تجديد فهم خاص للظاهرة الأدبية، ليس باعتبارها تكميلاً للواقع أو الإيديولوجيا، بل اعتبارها خطاباً له خصوصيته ومقوماته، ولكن في خصوبته شديد الارتباط بمكونات الذهن البشري، وهناك أيضاً النقاد الذي يطرحون مشروعاً متميزاً مثل الباحث السيميائي محمد مفتاح. وهو الآخر يعمل على ترسيخ منهجية شمولية تتسم بالنسبية وتتسم بالتسامح... منهجية قوامها القدرة على الإفادة من تنوّع وتعدد المعارف. ومن خلال هذه المشاريع مجتمعة يظهر أن هناك وجهة جديدة في ممارسة النقد الأدبي في المغرب. ? وأين الدكتور عبد الحميد عقار من هذا؟ ?? أعتبر نفسي منتمياً إلى هذا التوجه العام. فعندما أشتغل على رواية فإنني لا أشتغل عليها كنصوص تتميّز بجملة من الخصائص بل أشتغل عليها كظواهر ثقافية تعبيرية تصح لأن تكون مدخلاً، من جهة، لتطوير الفهم الجمالي لدى القارئ، ومن جهة ثانية تصلح لأن تكون مرآة أو مدخلاً لفهم طبيعة البنيات الذهنية والثقافية والتخييلية التي تتحكم في ثقافة معينة في إطار وسط معين، انظر إلى النقد وأمارسه باعتباره بناء معرفياً غايته لا تقف عند التسجيل والتقويم بل تتجاوزه إلى محاولة بناء نسق نظري يفسر الظاهرة الثقافية ككل. ? هل يمكن الحديث عن ملامح لخطاب نقدي عربي أخذت تتشكل مؤخراً؟ ?? بالتأكيد هناك تطور عميق بالظاهرة النقدية في العالم العربي، فكما أشرت، أجتاز النقد العربي مرحلته الإحيائية في العشرينيات وعاش بين العشرينيات والأربعينيات مرحلته الرومانسية والوضعية، وحتى الستينات عاش رحلته التنويرية بأفق جدلي حيث كان النقاد وقتها يستلهمون تصوراتهم الفكرية من التفكير الجدلي المادي ويحاولون قراءة الآثار الإبداعية الأدبية في ضوء الصلات التي تقيمها مع الواقع ومع الإيديولوجيا كما كانت تمارس وتعاش في العالم العربي، ومنذ منتصف الستينات تقريباً اتسع مجال النقد الأدبي في العالم العربي وانفتحت آفاقه لكي لا يظل قراءة جزئية للنصوص ولكي يصبح سعياً وراء بناء نسق نظري معرفي شامل. وهذا المسار يظهر في المغرب العربي وفي مصر والسعودية وغيرها من الدول العربية، حيث نجد أكثر من اسم وأكثر من عالم وجهته تأسيس توجه نقدي قوامه المعرفة والنظرية التركيبية للآثار وللنصوص. ? أشرت إلى أهم القضايا التي تناقش في المغرب... ومنها النظرة إلى التراث. فما هو موقفك منه؟ ?? موقف نقدي، بمعنى أن العلاقة بالتراث هي علاقة إعادة بناء للتراث وللذات في آن معاً، فالتراث الذي يشكل جزءاً من الهوية جزءاً من الذاكرة الجمعية للمغاربة وللعرب أو العالم من حولنا. هذا التراث لا يمكن قبوله بطريقة سلبية ولا الاكتفاء بتركه، بل هو بحاجة إلى إعادة بناء وإعادة تكوين وإعادة فهم، وذلك من أجل أن نعيد طبيعة الأدوار التي قام بها هذا التراث في تاريخيته ومن أجل أن نحقق المسافة الضرورية مع هذا التراث حتى نستطيع أن نتميّز عنه، حتى نستطيع أن نغنيه ونثريه، لا أن نبقى سجناء الماضي. النظرة النقدية للتراث تعني أيضاً التمييز بين المستويات المعرفية التي يتألف منها، فهو ليس كتلة موحدة ولابدّ من تفكيكه تفكيكاً نقدياً يظهر ما هو متصل بالمقولات الكونية للتفكير ويقبل أن يعاد استثماره، وما كان إنتاجاً لحظياً تبرره خصائص المرحلة التي أنتج فيها. ? وماذا عن الحداثة والديمقراطية؟ ?? الحداثة والديمقراطية متلازمتان ومترابطتان، فالحداثة هي القبول بالنسبية وهي القبول بالعقلانية. أي أن كل شيء قابل للنقاش وتبادل الرأي.. والحداثة أيضاً هي نمط الحياة.. منظورنا للزمن.. ومنظورنا للمكان.. ومنظورنا للعلاقات.. والديمقراطية باختصار شديد ليست شيئاً آخر سوى توسيع دائرة سلطة القرار، وسوى القطع مع أسلوب الحكم الذي أساسه الاحتكار والاستفراد وتهميش المواطنين. معنى ذلك أن الحداثة والديمقراطية يلتقيان في كونهما يؤسسان لمجتمع يقل فيه الاحتكار وتختفي منه النزعة الوصائية ويختفي منه التهميش، ويحل محلّه أساليب تمكن كل أفراد المجتمع في أن تشتغل وتساهم في بناء التنمية وبناء الذهنية. ? من الظواهر اللافتة للنظر توجه معظم الشعراء العرب إلى الشعر الصوفي، ما رأيك؟ ?? بالفعل هي ظاهرة، ولكنها ظاهرة إيجابية عميقة الدلالة. لأن الشعراء من خلال استدعائهم للمكون الصوفي في إبداعاتهم سواء ما تعلّق بالمستوى التركيبي أو بالمستوى الدلالي أو المستوى الرؤيوي فإنهم يحرصون من خلال ذلك على تجديد المتخيّل في الشعر العربي المعاصر ويبحثون من خلال ذلك أيضاً على رفد اللغة الشعرية بطاقة إبداعية وتخيلية هامة جداً، لأن الإنتاج الصوفي رمزي وفيه قدر كبير من طاقة التخيّل، وفيه قدر كبير من التعبير عن ما هو لا شعوري أو عن التعبير عما هو شخصي وذاتي.. عما هو نابع من تجربة لها فضاؤها الخاص والحميم. أيضاً فإن الشعراء باستدعائهم للمكون الصوفي يساهمون في تقليص التهميش الذي طال العديد من أشكال التعبير الأدبي لفترة طويلة، لأنه وإلى سنوات قليلة كان ينظر إلى الإنتاج الصوفي كجزء من الفكر الفلسفي. فعندما ينفتح الشعراء والكتّاب على المكون الصوفي معنى ذلك إعادة الاعتبار لهذا الإنتاج ليصبح بدوره عنصراً فعالاً في تجديد الذاكرة وفي تجديد المتخيّل. هذا فضلاً عمّا يكسبه المتخيّل الصوفي للغة الشعرية من تطور ومن عمق ومن قوّة في الإيحاء. ? أمر آخر لافت للنظر وهو ازدهار الرواية في العالم العربي على حساب الشعر.. ما قولك؟ ?? العالم العربي يعيش الآن في مرحلة النثرية، أي مرحلة التغير الجذري والعميق في القيم، لقد تغيرت النظرة إلى اللغة وتقلّصت أو تراجعت إلى الظل تلك النظرة التي تتعامل مع اللغة بقدسية وبمنطلقية تامة، وحلّت معها نظرة أخرى تنظر إلى اللغة ببعدها الوظيفي والجمالي وبعدها الاجتماعي. الجانب الآخر أن التعبير في العالم العربي لم يعد يبحث عن ما هو سامي عما هو مثالي بل اتجه لكي يدخل ويأخذ في الاعتبار اليومي، ولكي يأخذ في الاعتبار المدهش والعجائبي والتاريخي والأسطوري والصوفي، ومثل هذا الموقف من التعبير ومن أدوات التعبير ساهم إلى جانب عوامل أخرى في أن يكون للرواية حضور أوسع من باقي الأجناس الأدبية، وهذا الشكل من الحضور لا ينطوي أبداً على نوع من المفاضلة: من هو الأنسب أم من هو الأفضل؟ هذا غير وارد في مجال الإبداع، فلا يزال الشعر العربي يستقطب اهتمام الجمهور واهتمام القارئ، ولا تزال جهات واسعة من القرّاء تجد ذاتها ووجدانها في الشعر. ولكن على مستوى التداول اليومي تظهر الرواية على أنها الجنس الأدبي المعاصر الذي يضع الواقع موضع نقاش وموضع إضاءة متجددة، فالرواية تبحث وتسائل الوجود في كلياته وتسائل الواقع في تعقيده وفي تركيبه.. وتسائل الذاكرة الجمعية. واليوم يزداد الحضور من أجل أن تكون الرواية هي الجنس الذي لديه الاحتمالات الكافية والقدرة على رؤية التشظي والانكسار الذي يعيشه الإنسان العربي سواء في ذاكرته أو في وجوده اليومي. مع الناقد عبد الحميد العقار العدد 430 194 2007 العدد 430 191 2007 |
|
| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |