|
||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
مع الأديب عزمي خميس ـــ محمد ضمرة كان لابدّ من لقاء صاحب تجربة تفيض بالتجارب المتنوعة، وكان لابدّ من إثارته ومحاولة استفزازه ليبوح بالمسكونات في دواخله. فلا أدري إن كنت قد وصلت إلى ما أريد مع أنني واثق بأن هذه المحاولة الأولية لا تكفي لقراءته كنص يحتاج إلى كثير من المحاورة والقراءة. ? لقد بدأت شاعراً في نهاية الستينيات مع أن الكثيرين لم يعرفوا ذلك. فلماذا ابتعدت عن الشعر واتجهت إلى أنواع أدبية أخرى؟ ?? الإنسان لديه قابلية لكي يكون كاتباً، وهو بالطبع لا يملك إلغاء هذه القابلية أو تجاهلها لأنها تفرض نفسها عليه، بمعنى أن الكاتب يتجه للكتابة نتيجة قابلية مركوزة في داخله وهذه القابلية حينما تظهر إلى العلن بمعنى ممارسة الكتابة، فهو المسؤول عن التعامل معها بمعنى أنه يستطيع أن يرعاها أو يهملها أو يستثمرها وهكذا. والشاعر لديه قابلية لأن يكون شاعراً أصلاً لكنه هو المسؤول عن مستوى شعره، ومسؤول عن الموضوعات التي يتناولها وهكذا. وفي بداية تعرّفي على هذه القابلية لدي وجدت أن الشعر يعبّر عمّا كنت أود قوله في تلك المرحلة. ومنذ البداية كنت أنظر إلى الكتابة باعتبارها هواية ولم أشعر يوماً أنني محكوم بها، فلم أكن حريصاً أن أكتب قصيدة كل أسبوع أو خلال فترة زمنية محددة، وهذه النظرة للكتابة كهواية هي المسؤولة عن الأجناس الكتابية التي مارستها. لذلك كتبت القصة والمسرحية والدراما التلفزيونية والإذاعية والمسرحية الشعرية أيضاً والكتابة بشكل عام هي وسيلة تعبير، أما شكلها أو جنسها فهو أمر ثانوي، لأنني لا أشعر أن من الضروري أن يكون للكاتب إطاراً محدداً كأن يكون شاعراً أو روائياً فقط، أنا شخصياً لا يوجد عندي مثل هذا القرار. ? إذن فأنت لا تؤمن بالتخصّص أو الميل الخاص إلى جنس أدبي خاص؟ ?? أنا أنظر إلى الإبداع باعتباره شيئاً يشبه الينبوع المائي، وهناك بعض الكتّاب أو المبدعين يضع هذا الماء في زجاجة، وبعضهم يضعه في صفيحة معدنية وبعضهم يقطره ويضعه في قارورة صغيرة وبعضهم يلوث هذا الماء أو يضيف عليه ألواناً من عنده أو يشربه. فإذا فهمنا الإبداع بهذا المعنى فمن المهم المحافظة على روحه الأساسية أما الشكل فهذا من اختيار المبدع وهذا الاختيار محكوم بهدفه من الكتابة. ? ولكنك انجذبت كما هو معروف إلى المسلسلات الإذاعية والتلفزيونية والكتابة الدرامية أكثر من سواها، فهل لذلك تفسير مادي مثلاً أو محبة بتلك الأعمال. ?? من المعروف في عالمنا العربي أن الكاتب لا يستطيع العيش من كتابته، فأشهر الكتب العربية لا توزع أكثر من ألف نسخة، ولا يمكن مقارنتها بالكتابة في الدول المتقدمة. لذلك نجد الكاتب مجبراً في عالمنا العربي على إيجاد معادلة يحافظ من خلالها على تحقيق مستلزمات العيش والمحافظة على قدراته الإبداعية. هذا جانب وهنالك جوانب أخرى تشير إلى أن الكتابة التلفزيونية أو الإذاعية أو الدراما المسرحية هي أجناس أدبية لا تقل قيمة ولا أهمية عن الشعر أو الرواية أو القصة، إذ لا يوجد أي سبب منطقي أو واقعي لاعتبارها جنساً أدنى من الأجناس الأخرى. بل على العكس فإن الكتابة الدرامية تستلزم الجمع بين الإبداع الأدبي والحرفة التي تحكم كتابة الدراما. ? لقد صدرت لك مجموعة قصصية وحيدة، وقد لاقت هذه المجموعة صدى في الأوساط الأدبية والنقدية فلماذا لم يحفزك ذلك إلى الاستمرار في هذا الطريق؟ ?? لا يوجد لدي قرار خاص لكي أكون ضمن إطار محدد. ? هناك تساؤلات أخرى حول اهتمامك بالسينما والكتابة عنها باستمرار، هل لك أن تزودنا بسر هذا الاهتمام؟ ?? أنا أؤمن أن السينما العالمية قد تفوقت على كل أجناس الكتابة والفنون المعروفة، فالسينما العالمية خلال العقدين الماضيين قدّمت أفلاماً تطرح موضوعات لم نكن نقرأ عنها إلا في كتب الفلسفة ولم يكن من المتخيّل أن تستطيع السينما تقديم أعمال فلسفية وفكرية بالغة العمق بهذه الطريقة الجذابة والمقنعة والمحكمة والممتعة أيضاً. لذلك جاءت كتاباتي عن السينما خلال السنوات العشر الأخيرة نتيجة هذا التطور الذي لمسته في الأفلام العالمية لاسيما أنني من المهتمين بالسينما ومن مشاهديها المدمنين منذ أكثر من أربعين سنة. وثمّة ملاحظة عن النقد السينمائي الشائع هو أن هناك ما يشبه الكليشيهات الجاهزة والمفاهيم الجامدة حول السينما العالمية تتكرر في الكتابات النقدية السينمائية. فهناك أحكام ثابتة حول السينما الأمريكية مثلاً تضع كل الأفلام الأمريكية تحت خانة ما يسمونه السينما الهوليودية من قبيل التعريض بهذه الأفلام والتقليل من قيمتها ومضامينها وكأن آلاف الأفلام الأمريكية تنتجها جهة واحدة ليس لها من عمل إلا تشويه العرب والمسلمين. وهذا خطأ فادح وحكم مسبق غير علمي وغير دقيق، فالأفلام الأمريكية لا حدود للموضوعات التي تطرقها. وأخطر الأفلام السينمائية التي تفضح السياسة الأمريكية وفساد الإدارات وأجهزة الشرطة والمخابرات وبعض أوساط الكونجرس والتحالفات المشبوهة بين السياسيين ورجال الصناعة والشركات العملاقة، إنما هي أفلام أمريكية، هذا مثل على عدم موضوعية كثير ممّا يُكتب تحت باب النقد السينمائي. ? كمدير تحرير لمجلة أفكار التي تصدر عن وزارة الثقافة منذ سبع سنوات كيف ترى المشهد الثقافي الأردني؟ ?? المشهد الثقافي الأردني هو جزء من المشهد الثقافي العربي، وتجليات هذا المشهد لا تختلف كثيراً عن تجليات منباراتها العربيات. والملاحظ بشكل عام هو أن ما يعتري الثقافة العربية الآن يمكن أن نسميه الحيرة الشاملة التي تشبه حالة انعدام الوزن، وأسباب هذا الوضع ليست خافية على أحد فالحال العربي الآن تغزوه كثير من عوامل الاضطراب والتمزّق والإحباط الذي ينعكس على مجمل الأوضاع العربية سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، وبالضرورة ثقافياً. ويمكن أن نقول إن هذه المرحلة الثقافية العربية تشهد غياب اليقين. لهذا نرى الانكفاء على الذات هو الذي يميّز معظم أجناس الكتابة الأدبية كما أن النقد مشتت بين الموروث وبين المناهج والنظريات الوافدة، وهذا أيضاً ينطبق على الكتابات الفكرية، سواء أكانت سياسية أو اجتماعية أو غير ذلك. نحن أمام مفترق طرق على كل صعيد والمشكلة الراهنة أننا عاجزون عن اختيار طريق محدد نسلكه ونتحمّل نتائجه بكل شجاعة وثقة. ? فهل معنى ذلك أن وضع الأمة يؤثر سلباً أو إيجاباً على الأدب أم أن الأدب هو الذي يؤثر على الأمة من حيث قيادتها واستنهاضها؟ ?? هذا السؤال من الأسئلة الكلاسيكية التقليدية التي لا توجد إجابة حاسمة عليها، فالعصر الذي نعيشه بالغ التعقيد بحيث يصعب الجزم بالمؤثر الحقيقي على مجمل الأوضاع العامة، ربما في الزمن القديم كانت قصيدة جيدة يلقيها شاعر في القبيلة تؤثر في قناعات الناس وتدفعهم نحو سلوك معيّن أو حرب أو حدث هام لكن لا يمكن أن نتحدث اليوم عن قصيدة أو كتاب أو أي شكل من أشكال الإبداع له هذه السطوة. ? هل يدل ذلك أن وسائل الإعلام الحاضرة قد سحبت البساط من تحت هيمنة الأدب وقوته؟ ?? هذا الزمن قادر على توظيف أي شيء في لعبة المصالح وله من الأدوات ما يمكّنه من فرض ما يريد بطرق بالغة الذكاء وبالغة القوة، وبالغة التأثير. فالذي لا يحققه الإعلام المتطور تحققه حاملات الطائرات والأسلحة الحديثة، ويمكن أن تحققه الثروة الاقتصادية ومصادر الغذاء العالمي أو يمكن أن تحققه التحالفات بين الدول النافذة في المنظمات الدولية. والأدب في كل الأحوال وفي عصرنا الراهن بالذات هو أمر شخصي وفردي سواء بالنسبة لمنتجه أو لمتلقيه ولا أعتقد أن له تأثيراً عاماً أو جماعياً أو شاملاً. ? من خلال تجربتك الإبداعية هل استطعت مثلاً أن تضع إجابات حول أسئلة تشكّل معقد الفهم والرسم، وهو الإنسان والحياة والوجود؟ ?? هذه أسئلة حيّرت البشرية منذ فجرها وشغلت الفلاسفة والمبدعين على مدار التاريخ. ولا أحد يستطيع أن يزعم أنه وضع يده على الإجابة الحاسمة التي تعطيه اليقين المطلق لكن من الضروري أن يسعى المبدع الحقيقي إلى تحقيق نوع من المصالحة مع نفسه وأن يركن إلى قناعات تعطيه شيئاً من الطمأنينة، وتجيب بلا مواربة على أسئلته الوجودية المؤرّقة. وأعتقد أن لا قيمة لأي كلام يطلقه أي كاتب إن لم يكن هذا الكلام هو حياته الفعلية فالقناعات والإجابات الكبيرة يجب أن تكتشف كي نعيشها وليس أن نكتبها أو نعلنها على الناس. مع الأديب عزمي خميس العدد 430 192 2007 العدد 430 191 2007 |
|
| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |