|
||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
رفقة السلاح... والقمر "سلسلة الكتاب الشهري (كتاب الجيب) رقم (5)" ـــ مبارك ربيع * رفقة السلاح ... والقمر * مبارك ربيع * رواية * اختيار: حسن حميد * سلسلة الكتاب الشهري (كتاب الجيب) رقم (5). * اتحاد الكتاب العرب * شباط 2007 ــ 1 ــ صفاء صيفي والنهار جاوز منتصفه.. شوارع المدينة تهتز بالزينة.. قلبك الصغير يا مدينة الرباط يضطرب خافقاً بالأعلام والألوان، وما أسرع ما يطفح انفعالاً وتأثيراً ويضيق بالخلائق المكدسة على الأرصفة وفوق السطوح. استطال ظل صومعة جامع السنة إلى الشرق، وعلى بابه الغربي المتفتح في أعلى نقطة على الشريان الفسيح نحو قلب المدينة، وقف الشيخ الحاج ميمون الركراكي، على أولى الدرجات الصخرية المنحوتة متكئاً على ركن الباب المزخرف بالنقوش في شبه ظل تصنعه زاوية حافة قوس بشكل حدوة الفرس. هكذا على مبعدة عشرات أمتار من زحام الخلائق بل من بداية الزحام، وعلى متكأ من ركن الإيمان العتيد تجد العظام الواهنة سكينتها وتتطلع العينان الكليلتان تحت الحاجبين الكثين الأشيبين نحو اللحظة المشهودة المنتظرة.. بنيتي، ليعمر قلبك الكبير حب الله الأكبر يا آمنة". قلبك الصغير يا مدينة الرباط مازال يكتظ ويضيق بالخلائق وينفجر بين الحين والآخر في موجات هتاف تنفيساً وانتظاراً.. روّحي، وسعي من صدرك يا ذات القلب الصغير بالهتاف ليتسع للمزيد من ضغط الخلائق المتقاطرة.. على أعلى درجة من باب الجامع يمكن للعين المتطلعة أن ترى بالكامل، ومواجهة، أيما شخص أو مشهد يظهر في عرض الطريق ابتداء من أقواس باب الرواح إلى بضعة أمتار قرب الجامع قبل أن تتقلص المسافة جداً، فتحجبه الجماهير المتراصة على الجانبين، ولكنه كفيل بأن يظهر بعد ذلك من جديد للعين المتطلعة عندما يبلغ أعلى نقطة في طريق انحداره منحرفاً نحو قلب المدينة في رؤية جزئية ومن الخلف، ولفترة أقصر. تموجات الهتاف دورة حياة تسري في الشريان الفسيح المتموج طرداً وعكساً من باب الرواح، وخلفه في شارع النصر لتنحدر نحو القلب، فينبض بها نبضاً قوياً ويهتز لها لحظة عندما تتركز فيه كأنه يشرق بها أو يكاد يغص، قبل أن يدفعها إلى الطرف الآخر في منعرجات أخرى للشريان.. لتغيب في الأطراف وتهمد، ثم تعود الدورة عكساً من الأطراف لتتركز في القلب من جديد مصعدة نحو القمة لتتناهى متباعدة وراء الأقواس في شارع النصر. آمنة، نفسي يا بنية نفسي، وسعي قلبك يا ذات القلب المؤمن الكبير.. الكبير بحولـه وقدرته. هاي.. هاي.. الأطراف تهتز، الشريان العظيم يهتز والقلب، الكيان كله.. كله.. عشت يا ذات القلب الكبير.. عشت وهتافات النصر، رعود التصفيقات تلتحم لها السماء بالأرض.. يومك المشهود يا ذات القلب الكبير يومك.. هاي.. هاي.. يا عز الشام يا عز العرب يا نصر الله للمظلوم.. بشائر الشام أطلت قامات رجال فارعة وجباه خير، وسواعد الرجال أقدام الرجال تركض في حزم.. عشتم يا فلذات الشام يا عز الشام.. ذات القلب الصغير الكبير لكم أوفياء.. بركاتكم.. بركاتك يا بو علي يا بو محمد.. بركاتك يا رئيف محيي الدين يا هاشم يا عطفة محمد خليل.. بركاتك يا سامية أبو عزيز.. بركاتكم يا أبنائي لأخوتكم الأوفياء.. بركاتك يا سلاَّم، يا سلام، يا سـ.. لا.. م يا ابني بركاتك لآمنة ذات القلب الكبير.. يخف ركض الفرقة العسكرية السورية في سمع الحاج ميمون، لكنه يراها من الخلف في انعطافها نحو مركز المدينة، خوذات جنودها أولاً تعلو وتنخفض على إيقاع ركضها الحازم، ثم الأكتاف بتمويهات لباس الميدان، تسايرها تموجات هتافات النصر، والتصفيق والأعلام، عائدون من نصر، عائدون إلى نصر بإذن الله.. يا جباه الخير يا أوفياء، ذات القلب الكبير لكم.. يا صلات الرحم دامت الصلات.. موجات الهتاف تتناهى بعيدة من الأطراف النائية وراء قلب مدينة يتواهى اهتزازه كأنه يوشك أن يهمد.. لكن الشعلة لا تنطفئ، هي ذي الأطراف العليا تنبض وتهتز من جديد وأعلام التجريدة المغربية العائدة تلوح وراء الأقواس، تحت الأقواس وأمامها.. الله الله يا وجوه بررة حجاج، من نصر إلى نصر بإذن الله. خطوات العزم والتصميم وشمم الأطلس الشامخ، أسلحة الحق مشرعة.. حماة العروبة حماة الإسلام حماة الحق، المجد لكم.. دماؤكم في الشام في سيناء مدادكم للوحدة والإيمان.. أبا المخاطر يا بو علي مفزع الموت بركاتك لأخوتك، بركاتك يا بو محمد الولد والوالد.. من نصر إلى نصر.. يا عيسى الرايح يا أوباها يا سامية بركاتكم يا أبنائي لأخوتكم الأوفياء صلات الرحم. بركاتكم لذات القلب الكبير وبركاتك يا سلام، يا سـ.. لا.. م.. بركاتك لأخوتك، لآمنة والأولاد. أسماء تلتحم بالأرض من جديد في هتاف ودعاء ورعد الحماس.. الكون كله رعشة عناق وتحية واعتزاز.. من نصر إلى نصر.. السماء تلتحم بالأرض في عناق التحايا على البعد والقرب وهتاف الترحاب.. ــ 2 ــ تلتحم السماء بالأرض.. عبير التحايا وهتافات الترحاب تتمازج في مشارف دمشق، يا غضبة الأطلس الأشم، نحن فداكم.. سوريا ترحب بكم، الشام لكم يا أخوة النضال.. الأرض تهتز تحت آليات العتاد وزغاريد النصر المأمول.. آه يا ابني يا سلام دمشق تتطلع لوجوه أخوتك.. حجكم مبرور وسعيكم مشكور. دمشق تعانقكم.. أ رأيت يا بني نظرات العزم والتصميم؟ حدق في المصطفين على الجنبات تفحص عيون الأطفال والشيوخ.. لعل عمك الشيخ بو عطفة يرمقك دون أن يعرف أو تعرف.. وعيون الشام فوق الخمر الشفافة أو حاسرات الوجوه ترمقك.. وسعي وسعي قلبك يا بنية يا ذات الكبير الكبير بحول الله وقوته.. وبركاتك لها يا سلام.. يا سلام.. يا سـ.. لا.. م. بقايا الهتاف والزغاريد تتضاءل في مسامع جنود التجريدة المغربية، وقوافل جنودها تتجاوز مشارف دمشق في طريقها إلى خطوط الجبهة. سحب الغبار تنسحب خلف الشاحنات والمصفحات والدبابات وضروب العتاد.. يا ابني يا سلام لا تمسح عن وجهك غبار الشام، غبار الحج والجهاد. آه، يا ابني يا سلام، آه على وجوه لطختها الأوحال في جهاد غير الجهاد في أدغال الهند الصينية والرقيب ميمون الركراكي يتقدم فرقته في بحيرات راكدة ليس لها آخر، والمياه إلى الصدر والطحالب تلتف بالأقدام والسلاح مرفوع فوق الرأس. أوحال قتال وجهاد لا كالجهاد وبلا غبار، بلا حج ولا دمشق والشام ولا عز العروبة، بلا زغاريد بلا هتاف التحايا والترحاب! لم يكن ثم شيء عدا مغامرة الفتوة والشباب وبراءة المروءة واندفاع التحدي أمام الصعوبات وأمام الفرنسيس.. بطولات في الفراغ ضاعت ضاعت يا ابني يا سلام.. غابت مشارف دمشق أو كادت، حتى جبل المهاجرين المطل من علاه اختفى والصوامع، وبدأت فرق التجريدة المغربية تتوزع في أماكنها المحدودة على خطوط الجبهات. وشرع الجنود يحفرون الخنادق ويقيمون التحصينات.. كل شيء هنا جهاد من جهاد الرسول الأعظم.. كل ضربة فأس، وكل حبة عرق، كل نبضة في عرق جهاد وكل زفرة.. الله الله يا حج يا جهاد. توقفت اللندروفر بقوة مثيرة حولها سحابة من غبار خفيف وقفز الملازم منير أبو سعد.. قوة أسود الشام.. واتجه صوب المقدم سلام بن ميمون قائلاً: ـ هيا نلقي نظرة على الجبهة. فنادى سلام على الرقيب أوباها وعيسى الرايح، وقبل أن يصعدوا توقف الملازم أبو سعد وأشار إلى المنطقة حولهم يتمم ما سبق شرحه على الخرائط بغرفة القيادة العامة: كانوا على الخط الأول في الجبهة الثانية وإلى يسار موقعهم تتركز قوات سورية وهناك إلى اليمين قوات فلسطينية في وضع تتقدم فيه اليسار واليمين نسبياً نحو المرتفعات وتتخلف عن ذلك قليلاً نقطة الوسط حيث هم.. هي نقطة القلب يا ابني يا سلام.. رجالك في قلب الشام وقوة النبض وظيفة القلب يا بني.. انتهى الملازم أبو سعد من شرح الوضع وعلق باقتضاب: ـ لم نختر.. إنها الضرورة. وانطلقت بهم السيارة إلى يمين النقطة التي كانوا بها في هذه المنطقة من جبهة عريضة معقدة في الهضاب والسفوح. ثم ترجلوا وساروا في سلسلة من الخنادق يلتوون، تارة يصعدون وتارة ينحدرون يمرون بجنود في أمكنة المراقبة وأصابعهم على الزناد.. والخنادق والتحصينات تتسع وتضيق تتشابك فوقها حيناً أو على حافتها أكياس الرمال في بناءات متراصة وجدران الإسمنت المسلح.. والجنود مجتمعون ومتفرقون في نشاطهم الرتيب المعتاد وأحاديث لا تخلو منها حياة جندي، ويؤدون التحية كلما مر بهم الموكب.. يا ابني يا سلام روح الجندي في كفه يمرح ويضحك في خضم الرعد القاصف.. بطولات الفتوة والشباب ضاعت يا ابني ضاعت في أدغال الهند الصينية ومعارك نابولي.. ـ يا.. أهلاً.. أهلاً، يا أخوة النضال.. هكذا استقبلهم المقدم هاشم عزت فاتحاً نفسه وذراعيه في مدخل سرداب متسع مسقوف، وتم التعارف، ودخلوا غرفة مضلعة ترتفع الأرض قليلاً فوق سقفها بدون شك وقد علقت على جدرانها خرائط تتوسطها طاولة كبيرة عليها رسم مجسم لجهات المنطقة تحت واجهة زجاجية متحركة.. دعا المقدم هاشم بقهوة وتبادلوا أثناءها بعض أحاديث مجاملة وود ثم أحاطوا بالطاولة وقد نشر هاشم على واجهتها خارطة كبيرة.. قهوة من سويداء قلوب محبة يا بني.. وهل كان لنا نحن هدف؟ هل كنا نعرف الغاية والنتيجة؟ والمبدأ؟ لا.. وإنما.. كلما عرض موقف حرج كان الفرنسيس من القبطان أو الكولونيل حتى الجنرال يعمدون إلى زجاجات الكونياك يعبون منها حتى تحمر عيونهم وتحتقن خدودهم، وبعدها ينادون السرجان ميمون أو أشباهه.. ونعب نحن أيضاً معهم ونقول لأصحابنا: "توكلنا على الله.." ونطلق في غربة "الله أكبر" صيحة غريبة، ونتقدم نفتح الطريق.. آه يا ابني على ما ضاع.. وهنا ,, هنا قهوة من سويداء قلوب محبة مجاهدة. غادر الجماعة المكان وقد انضم إليهم هاشم وبعض رفاقه وسارت بهم سيارتا لندروفر تتجهان بهم يمين المنطقة، واستلمتهم تحصينات وخنادق جديدة والكوفيات المخططة تطل من تحت الخوذات.. وصرير الأسنان على عزم لا يلين.. قل يا ابني قل، احك كل شيء وصف كل كبيرة وصغيرة مما ترى.. صف الملامح والعيون تقدح شرر العزم والتصميم.. والجباه تنضح استنصاراً واستشهاداً.. عيون وجباه ترتوي من أعماق الجنة.. الله الله يا جهاد.. ـ أهلاً ومرحباً بالرفاق. وشد القائد أبو علي على الزائرين وهو يرمي طرف كوفيته إلى الخلف ويقبلهم واحداً واحداً ثم يتقدم أمامهم نحو غرفة القيادة في سراديب التحصينات وأسوده متحفزة منتظرة لحظة الانطلاق.. ـ نحن في منطقة ساخنة جداً.. وانطلق القائد يطلعهم على نشاط الدوريات والمعارك والكمائن التي ينصبها رفاقه للعدو.. وسلم رفاق أبو علي على الزائرين ووقفوا جميعاً على تفاصيل مواقع القوات الفلسطينية على الخرائط يتابعون حركات بو علي. وفي لحظة توقف أجمل هاشم عزت الموقف لزملائه المغاربة قائلا: ـ قواتنا تعمل في تنسيق تام مع القوات الفلسطينية.. وقدم أبو علي إحصائيات تؤيد هذا التنسيق وتعطي نتائجه: دوريات العدو تناقصت في المنطقة بنسبة ستين بالمائة وكأنه في موقف دفاع أو على الأقل هو يميل إلى التزام الهدوء.. وعلق الملازم أبو سعد باقتضاب: ـ طبعاً هدوء العدو ظاهري، وهو يتربص ما دام في موقف المحتل. هو ذا رأي أريب يا بني.. العدو دائماً عدو.. والحرب دائماً حرب.. صغار انتم يا أولادي وواجبكم أن تكونوا حكماء زمانكم.. وتريث أبو علي كأنه ينتظر أن تنهي الإفهام ما تستخلصه من تعليق الملازم أبو سعد، ثم استأنف، وهو يرفع بصره عن الخارطة فيبدو وجهه عريضاً دقيق الشفتين وخط لحيته المهملة شيب جد مبكر أو موروث: ـ بالإجمال هذه هي الوضعية.. عاد يشير بإبهامه إلى مواضع معينة ويتابع خطوطاً سوداء وخضراء متعرجة تشرح التحركات المعتادة للدوريات الفلسطينية في المنطقة وتسللاتها الاستثنائية في العمق عبر خطوط العدو.. وحركة العدو ومواقعه.. هي يا ابني سلام لو كنا في أيام عز السرجان ميمون لقلنا "قريب تطيب(1)". يا ابني يا سلام اسمع وافهم الخطوط هنا تقول لي شيئاً وأشياء.. والباري أعلم.. وعلا صوت بو علي وقد تخلص من الخرائط كلية وانصرف إلى مستمعيه قائلاً: ـ المبدأ دائماً: احتياط واستعداد ومناورة مستمرة.. وتوقف يمر بعينيه على إشارة مستعجلة وضعها أمام ناظريه أحد المناضلين، وعاد إلى حديثه. ذهب.. كلام ذهب.. شهْد يا ابني سَّلام.. لا تنس شيئاً.. كل شيء.. ملامح الوجوه.. الخطوط الأرض والتراب لون السماء والقمر والشمس وهب النسيم.. أريد أن أكون معك.. مع جميع الأولاد. إني معكم جميعاً. ــ 3 ــ نظر المقدم سلام بن ميمون إلى ساعته على ضوء مصباح يدوي، والتفت إلى الرقيب أوباها قائلاً: ـ هيا. أشار الرقيب إلى بضعة رجال خلفه وساروا في الظلام إلى الأمام مبتعدين عن خط الجبهة نحو أول مرتفع يفصلهم عن خط تحركات العدو ومكامنه. ظلام ليل دامس تتراقص نجومه لامعة في ابتهاج، ونسيم يوشك أن يصبح برداً قاسياً مناقضاً لحرارة ظلت سائدة طوال النهار، وهدوء شامل لا يسمع فيه إلا أصوات ارتطام الأحذية الثقيلة بالحجارة والأشواك الجافة. سارت المجموعة بدون أي حذر قرابة ثلث الساعة، ثم خفت سرعتهم وهم يصعدون في أول هضبة من سلسلة هضاب غير منتظمة بين يدي المرتفعات تتخللها بعض أودية ومساحات سهلية تنفسح كثيراً أحياناً لتضيق فجأة وترتفع هضاباً نبتت أكثر صخورها مستوية بسطوح الأرض، كأنها صحون مبسوطة بين ركام الحجارة الصغيرة يكاد يغطي وجه الأرض يعلو فوق بعض الحشائش البرية حيناً وتعلو فوقه حيناً.. خففت المجموعة من سرعتها وشتتوا من نظامهم بعض الشيء.. القمم والمنعطفات وسواحل الأدغال ومخارجها كمائن طبيعية يا بني، يتصيدك فيها العدو أو تتصيده هدية باردة. توقف المقدم سلام فتوقف الرجال خلفه وهم على مقربة من سطح أكمة عريضة، وأصدر أمره بالانبطاح، ثم تقدمهم صحبة الرقيب أوباها وعيسى الرايح، وساروا ثلاثتهم منحنين حذرين حيث انبطحوا على سطح الأكمة متطلعين إلى ما وراءها في الظلام الدامس والهدوء الشامل، ومكثوا هناك فترة يرهفون السمع.. في الهند الصينية كمائن أشد عجباً والحرب خدع وتجارب، والمحارب الحق يتعلم من تجارب غيره يا بني.. أجل.. تصور نفسك مع بضعة رجال في فرقة السرجان ميمون في جولة استطلاعية في عمق الأدغال.. الظلام والهدوء تامان كاملان لا يتخللهما إلا نقيق الضفادع وأصوات حشرات الليل وطيوره.. هها.. نقيق الضفادع وأصوات حشرات الليل وطيوره قد يكون أوضح لغة يتفاهم بها العدو.. وهكذا يمكن للسرجان ميمون أن يطمئن بعد استشفاف ساعات إلى أن الطريق في الأدغال مأمون.. مضت برهة والمقدم سلام ورفيقاه على قمة المرتفع يتسمعون.. لم يكن أحد منهم يرى رفيقه لكنه يعرف موضعه بالضبط، ويدرك بالتأكيد ما يموج به خاطره.. كل منهم يود أن يخترق باطن الأرض وحجب الظلام تسمعاً. لا نقيق ولا أصوات، الهدوء شامل إلا ما يلتقطه السمع المرهف من صدى ارتطام النسيم البارد بصفحات الوجوه والخوذات الفولاذية، حينئذ يغادر عيسى الرايح مكانه، ويعود أدراجه منحدراً إلى بقية الرجال ليرتقوا خلفه إلى سطح الأكمة، ويتشتتون منحدرين على سفحها الآخر بغاية الحذر.. وتسير فرقة كاملة على هدى السرجان ميمون تتلمس طريقها بين الأعشاب الطويلة الملتفة والظلام ووحشة أدغال تنتصب أشجارها لا نهائية الطول والتفرع كمردة الخيال.. تسير الفرقة مخترقة نقيق الضفادع وأصوات هوام الليل وطيوره، حتى تضرب بعيداً في أعماق المجهول وحينئذ ماذا؟ ينهمر الرصاص من كل جانب! مباغتة لا ينفع معها الرد ولا تجدي الشجاعة؟ أين دقة التصويب والتمييز؟ بل أين العدو؟ ويبيت السرجان ميمون منبطحاً مع أفراد فرقته كل حيث وجدته المباغتة وكيفما اتفق حتى الشروق، حيث لا نتبين من آثار الليل إلا موتانا وجرحانا يا بني! ـ نتوقف هنا. جملة سلام الأولى منذ ابتداء المهمة، لا يرد الرقيب أوباها بشيء لكنه يتوقف ويتوقف معه الرجال متفرقين، مستندين بظهورهم أو مرافقهم إلى سفح المنحدر.. من أين انصب الرصاص علينا ليلاً؟ لم يكن النقيق والصوات الليلي إلا تمويهاً من عدو غير مرئي، ولغة يتخاطب بها حول مصائر رجال فرقة السرجان ميمون. ومن ثم يتعلم السرجان ميمون أن الصخور والأشجار والبرك وكل مظاهر الطبيعة إنما هي مجرد تمويهات يتخفى بها العدو بطريقة ما.. انتهت قبضة المقدم سلام إلى أن تصبح شديدة على ذراع الرقيب أوباها إلى جانبه: ـ مالك؟ وتمتم سلام بنفس الهمس: ـ تصنت. أرهف أوباها سمعه ثم رد: ـ لا شيء. لا شيء إلا الصمت والظلام، وانصرمت دقائق طويلة مديدة والعيون المحدقة والأسماع تحاول اختراق كون يختفي وراءه أو في ثناياه وجود عدو ما زال إلى اليوم غامضاً مجهولاً بالنسبة لمجموعة سلام. وما لبث الرقيب أوباها أن لكز رفيقه بقوة، ولم يكونا هذه المرة بحاجة إلى شدة إرهاف ليتبينا حركة ما أو صوتاً، فتحفز الجميع.. وردد الظلام طقطقة خفيفة يمكن أن تكون بالفعل صادرة عن بعض هوام الليل وكائناته الغريبة في أي مكان من أدغال الهند الصينية أو مرتفعات الشام ووديانها.. مضت برهة وترددت نفس الطقطقة على فترات منتظمة، حينئذ ضغط الرقيب أوباها بتنبيه من سلام على قطعة معدنية بيده عدة مرات منتظمة، فتكررت استجابة مماثلة من جوف الظلام، لتبرز منه في الظلام على بعد أمتار ثلاثة أشباح، يعلو فوقها صوت هاشم عزت: ـ كيف الحال؟ تصافحوا في الظلام وعلق سلام: ـ وصلنا منذ دقائق. لم تصادف مجموعة هاشم في طريقها إلى المكان المحددة أية صعوبة. ـ هدوء تام. وأصدر هاشم أوامره إلى رجاله للاختلاط بالمجموعة الأولى، وأخذ أماكنهم المناسبة، حين برزم من الظلام القائد أبو علي بالمجموعة الثالثة من الطرف الأيمن فاختلطت المجموعات الثلاث، وسمع بينها لأول مرة صوت ناعم لسامية أبو عزيز من المجموعة الفلسطينية تحيي رفاقها الجدد.. قال هاشم وهو يرنو إلى نجوم الليل المتلألئة: ـ أمامنا ساعتان قبل أن يطلع القمر.. وانتظم القواد الثلاثة في شبه دائرة ينشرون الخرائط ويحددون عليها مكانهم على ضوء خافت لمصباح يدوي. إذن فقد بدأت تتشكل إحدى اللحظات البسيطة المتناهية الصغر التي يتكون منها التاريخ، ويجب أن يظهر في المكان المحدد المضبوط الموقع الأول المتقدم نحو خطوط العدو وأمام الخطوط الأولى الرئيسية للجبهة الثانية من جبهات الجهاد. وتكونت بالفعل منذ هذه اللحظة الفرقة الأولى المشتركة مكونة طليعة جنود الموقع، وطليعة القوات المناوشة والمناورة. وعلق أبو علي: إذا استمر العدو في هدوئه الغريب فعشرة أيام كافية لإنشاء الموقع.. ورد هاشم: ـ ما أظنه بعد الآن يستمر في الهدوء.. سلمت رؤيتك يا بني. والأولى ألا تنتظروا هذا الهدوء، كل شيء هنا وراءه خدعة وتخطيط.. ولقد بدت أطراف الجبهة الثانية ساخنة نسبياً أو ساخنة جداً كما عبر أبو علي مراراً ولكن ذلك من جانب واحد فقط.. أما العدو فقد بدا غير راغب هنا في المناوشات عكس موقفه في الجبهات الأخرى.. ومحاولات الدوريات التي تكاثرت في الجانبين الأيمن والأيسر لم تخرج بالعدو إلا لردود غير منتظمة كأنه لا يريد أن يفصح عن نفسه هنا لسبب ما، وكأن الخطة المعارضة لتصميم العدو تعمل على إخراجه من هذا الصمت.. ومن ثم ملاحظة هاشم بأن العدو لن يستمر في هدوئه إذا ما أنشئ هنا موقع متقدم نحو خطوطه الأمامية، بل إذا ما أنشئت مواقع أخرى موازية تدفع بوسط الجبهة المقعر إلى أن يصبح في مستوى الطرفين أو يكاد.. ورغم كل شيء فالجندي الفرد أو الفرقة الواحدة لا تكاد تدرك إلا دورها المحدود.. وعلق سلام على الوضع كله، كأنه يُعرب عن فكرة رفاقه جميعاً وقد امتدت إلى مستقبل الأيام تستشف خباياه: ـ كأننا نعد هنا لهجوم بينما يلتزم العدو خطة للدفاع.. لولا الظلام ولو أمكن لسلام وبعض رفاقه أن يتطلعوا إلى ملامح بعض رجالهم لرأوا ملامح بو محمد، من المجموعة الفلسطينية قد انصرف بانتباهه عن أحاديث رفاقه وأرهف السمع إلى كلام سلام. نعد لهجوم؟ تلك أمنية عظمى، أمل أقصى، ومتى؟ الدهور تتتالى ولا برق أمل في ذلك يضيء. ولو أمكن الغوص إلى أعماق هذا الفتى، لبدت أخاديد جراح تتعفن ولا يكاد بلسم الأمل يمسسها إلا لماماً. أنهاجم؟ متى يهاجم عُربٌ؟. أطفئت المصابيح الصغيرة، وطويت الأوراق، وعلا الصمت والظلام وهواجس النجوم المتلألئة في انتظار القمر والبرد القارس يشتد. واتكأت أكتاف الجنود ومرافقهم على السفح المنحدر بعيون متيقظة وأصابع على الزناد. وتداخلت على السفح المنحدر لمع الذكريات والخواطر في صمت يلتحم فيه شارع الجزاء بغوطة دمشق وسوق النورية وحي السيدة زينب ومخيمات اللاجئين في تضارب منسجم تعلو فوقه حيناً بعد حين أصوات المجندين الأفارقة السود والبيض وأنخاب الكونياك في أدغال الهند الصينية.. ثم انبثق من سجف الظلام نور القمر يؤانس النجوم يسامر فريقاً من أشباح جنود في منحدر سفح بأرض الشام يحفرون مخابئهم بينما فريق منهم يترصد الخطر في نقط متفرقة للحراسة إلى إشراقة النهار.. ومع إشراقة النهار أصبح الموقف مربكاً في الأدغال.. تصور نفسك السرجان ميمون ذاته، تتحمل مسؤولية كاملة في تعرض فرقة كاملة لشبه إبادة.. وتصور أنك تقضي الليل منبطحاً حيثما اتفق على أرض رطبة معشوشبة جنب شجرة تلمس جذعها بيدك وتتخيل امتداده في الظلام كما تتخيل المردة في أحلام طفولتك.. وتصور أنك لم تختر هذه الشجرة كما لم يختر أي واحد من رفاقك حيث انبطح، وإنما كانت أول شيء بجانبك عند ما انهمر الرصاص.. وتصور رفيق سلاح كرفيقك أوباها أو عيسى الرايح منبطحاً جنبك.. ومع إشراقة الصباح تحرك الرفيق فإذا هو مطعون بسلاح أبيض وقد فارق الحياة! كيف ولم تحدث معركة سلاح أبيض؟ كيف ولم تر أشباح الليل المهاجمة؟ كيف والرفيق بات بجانبك يهمس لك وتهمس لـه وأنتما منبطحين في ظل الخطر لا تتحركان أثناء الرصاص وبعد انتهائه؟ كيف ولم تحدث نأمة أو حس مثير بجانبك طول الليل وفرقة كاملة متيقظة أيما تيقظ وأصابعها على الزناد؟ كيف وكيف وكيف؟ لا شيء إلا أن تكون الشجرة قد طعنت رفيقك! أليس هذا منتهى السخافة في التفكير؟! ولعل أسخف منها تلك الحركة التي عبر بها السرجان ميمون في كامل يأسه وأطلق رشاشته على جذع الشجرة فأفزع الجنود وقدم على أثر ذلك الملازم الفرنساوي منذراً مكشراً.. لكنه وقف متجمداً كما تجمد السرجان ميمون قبله والدماء تنبجس من جذع الشجرة! حينئذ صدر الأمر بإطلاق الرصاص على جذوع الأشجار بدون تمييز، وكانت معركة غريبة بدا الجنود ممسوسين مهوسين وسالت فيها دماء الأشجار المجوفة التي تخفي في باطنها أفراد العدو السحري الغامض.. ودارت معركة رهيبة بالسلاح الأبيض والعدو يترك مخابئه.. ومنذ ذلك الحين كان السرجان ميمون شاهداً لخطة حربية جديدة.. خطة حرق الأدغال..! ــ 4 ــ كل يوم بعث جديد لرفيق السلاح، كل صبح، وصبح اليوم يشهد ميلاد موقع متقدم ثابت للمراقبة والمناوشة تفصله عن خطوط العدو بعض تلال بسيطة يمتد وراءها سهل أجرد تقع فيه خطوط العدو وراءها المرتفعات ووراء الوراء تعود الأرض الحبيبة السليبة لتخضر سهولاً وهضاباً. أعد كل شيء على ضوء القمر وهمس النجوم حتى إذا حل إشراق الصباح وارتفع الضحى شهد النهار وصول وحدة هندسية عسكرية بكامل عدتها وبدأ التشييد والتحصين.. لم يحدث شيء يعكر سير العمل طوال اليوم الأول، والجنود متمركزون في أماكنهم المحددة يتناوبون على الاشتراك مع الوحدة الهندسية في الحفر والبناء.. إلى أن صاح أبو علي وهو يمسح أفق السماء بمنظاره المقرب: ـ هه. لسنا وحدنا هنا.. وقع ذلك في صبيحة اليوم الثاني، ولم يكن أبو علي وحده الذي لاحظ شيئاً، بل إن غيره أيضاً التقطوا في الأجواء العليا أزيزاً يتناهى من بعيد في الفضاء. ودارت في الحين فوهات المدافع المضادة تمسح الفضاء بحثاً عن مصدر الأزيز.. وسمع صوت يبلغ القيادة: أزيز على ارتفاع شاهق لأكثر من طائرة.. وعلق سلام وهو يجوب الآفاق بمنظاره: ـ لا يظهر شيء واضح.. وسرعان ما توزع الأزيز بمحاذاة الموقع تقريباً.. وأبلغت القيادة مرة أخرى: طائرتان للعدو افترقتا عند نقطة مسامتة للموقع واتجهتا شماله وجنوبه دون أن تنحدرا أو تظهرا بوضوح. سرب تائه أم طلائع غارة؟ وتابع هاشم عزت نقطة بدت تلمع في أقصى الجنوب تحت أشعة الشمس وقال: ـ عملية استطلاع. خف التوتر قليلاً وتوقفت الفوهات المتحركة حول نفسها صوب الفضاء.. وعلق الرقيب أوباها: ـ إنهم يرحبون بنا. ـ المهم أن يتحركوا. ـ المهم أن يتم الموقع قبل ذلك. وصفت المسامع إلا من أصوات المعاول والفؤوس وارتطام الحجارة الصلدة بالفولاذ وخليط الإسمنت والعرق والعزيمة. من يزعم أن الجندي يحفر أو يبنى مخبأه فقط؟ إنه يهيئ قبره وقبر عدوه أيضاً وللقدر أن يختار بعد ذلك، الجندي لا يخرج بفكرة العودة أبداً ومع ذلك قد يعود ويعود، والمهم أن ينتصر حياً أو ميتاً والنصر في الجرأة.. وما خرج السرجان ميمون بفرقته في نزهة الأدغال إلا بفكرة مبيتة عن الموت وتلك هي التعويذة السحرية التي حقق بها وفرقته المعجزات في سجل فخار ضاع في رطوبة الأدغال الموحشة النائية، أمام دهشة أصحاب النياشين الكبرى من قادة أوربا.. آه يا بني. لكل حرب شبابها وأمجادها.. نسيج الظلمات وإشراق الشمس، نبض القلوب والتماع النجوم، تسللات البدر خلف السحب وتدافع الأفكار والخواطر.. كلها تنضاف أبعاداً في صرح بناء يعلو تارة ويعمق أخرى، يستقيم ويتعرج، تنضاف وجوهاً جديدة إلى المجموعة الأولى من فرقة الموقع، وعتاداً وأخباراً من مناطق ساخنة وأخرى في برودة الثلج وهدأة الموت.. وقد بدأت بالفعل نقط أخرى موازية للموقع تبرز لتكون شيئاً فشيئاً مواقع جديدة متراصة.. وأكثر ما يثير الحماس أخبار الفدائيين داخل وخارج الأرض المحتلة ينطلق بها لسان أبو محمد أو سامية أبو عزيز نقلاً عن سجل الثورة.. وتتمزج أصوات الحفر والبناء بأزيز جديد في غبش قبيل الإشراق، ويرتفع صوت المذياع مبلغاً وتتحرك الفوهات شبه غائبة في التحصين، والعزائم، بحثاً عن نقطة لامعة فلا تظفر بشيء: ـ إنهم الآن يعرفون مكاننا ومرمانا بالضبط. ـ ولا يتحركون مع ذلك. ـ ربما كنا في عمليات الدوريات أنجع وأشد فعالية.. ـ كيف لا يزعجهم تمركزنا هنا.. وهناك.. ويتوقف الحوار على الشفاه لكنه يستمر في الضمائر.. ثم لا يلبث أبو محمد أن يعرف عن شيء خفي منه: ـ إننا نتجمد هنا.. ـ مؤقتاً. ـ أو أبداً. وينظر الرقيب أوباها لرفيقه. كأنه يرى بو محمد للمرة الأولى.. ينظر إليه بهيئة من باغتته لهجته الغريبة لكن نظرة رفيقه وتصميمه على ما قال لا ينبئ عن ندم، أو شعور بفلتة لسان: ومهما يكن الجندي على استعداد منتظراً، فإنه يفاجأ بالضربة الأولى ما لم تكن منه المبادرة. ودوى هدير رعد قاصف متتالٍ، تراصت بعض مواقع ضرباته على بعد أمتار أمام الموقع وخلفه ثم في مركزه بالذات! وانبعث صوت المذياع مبلغاً عن مدافع بعيدة المدى تقصف من عمق خطوط العدو.. وترددت في الحين استجابة المدافع المضادة بعيدة المدى ترد على مصدر القصف من عمق خطوط الجبهة الثانية خلف الموقع.. أمر بك مثل هذا يا عم الشيخ ميمون: أن تقع بين نارين ولا ترد بشيء بل تظل متحفزاً تنتظر؟ واشرأبت فوهات مدافع الموقع المتوسطة والقصيرة السريعة، نحو أبعاد الأرض وآفاق الجو منتظرة ما يمكن أن يفصح عنه قصف العدو من تغطية لزحف أرضي أو غارة جوية.. لكن شيئاً من ذلك لم يحدث وإنما استمر القصف لبضعة دقائق ثم توقف مخلفاً عدة هوات فتحتها المتفجرات في عدة أماكن تصاعدت منها أبخرة ودخان ورمت بباطن أرضها شتاتاً فوق الرؤوس.. أصيبت بعض نقط التحصين ولكنها أثبتت فعاليتها المبدئية.. وعاد السكون دون أن تجود الأرض أو السماء بشيء ظاهر في متناول العين أو اليد.. ـ جس نبض. قالها هاشم ملتفتاً عن مدفعه الرشاش يراقب حركات سامية أبو عزيز وقد أزاحت خوذتها جانباً على أرضية الخندق منصرفة إلى تضميد ذراع الرقيب أوباها من إصابة أول قذيفة مدفعية تطايرت شظاياها بقربه.. أنهت عملها بسرعة ومهارة وعادت تضع خوذتها فوق الكوفية وتحتضن سلاحها من جديد. ـ سليمة. ورد عليها أوباها مبتسماً: ـ في بلدي نقول "البركة في الرأس"! وتمتم سلام وهو يراقب المشهد: الرأس.. الر.. أ.. س.. وغاصت الحروف في حلقه.. السرجان ميمون معسكر بفرقته على مدى نصف ميل من مدخل الأدغال والكل منبطح أرضاً في انتظار أمر بالهجوم وبجانبه على الأرض الكومندان كوبير.. وقبل دقائق من لحظة الصفر، عدل الكومندان كوبير من رباط خوذته حول ذقنه وهو يكرر للسرجان ميمون نظريته العتيدة: "الرأس، الرأس قبل كل شيء، والسلاح لا يفرط فيهما جندي أبداً.." وكرر كما يفعل دائماً: "حافظ على رأسك وسلاحك." ثم لكز السرجان ميمون وهو يفتح فاه ليعطي إشارة الهجوم: "إلى الأمام". لكن الإشارة لم تصدر وضاع الأمر في هدير رعد قاصف مفاجئ.. وحدق السرجان ميمون بدهشة في الفجوة الدموية السوداء التي غارت بين كتفي الكومندان كوبير مكان الرأس الذي لم يعد..وصاح برجاله: إلى الأمام! عاد سلام من جولته السريعة بالخنادق معلناً أن الإصابات لا أهمية لها. وربت هاشم على كتف أوباها قائلاً في لهجة تنبئ عما تحتها من عزم: ـ ترى أنهم يحسنون الاستقبال. اتسعت ابتسامة الرقيب، وهو يرنو إلى عصابة ذراعه: ـ عندنا أمتع من ذلك: "كسكسو بسمن حار". همة جديدة تولد في السواعد والقلوب تحفر وتشيد، في إيقاع تنسجم فيه ضربات الفؤوس، بطرفات العيون المترقبة، والفوهات المفتحة.. والمركز الآن يوشك أن يستوي كاملاً تاماً في خطوطه الرئيسية ما عدا بعض ما تستلزمه تركيباته الداخلية من تعقيدات تتطلبها آليات خاصة، لا يؤثر تأخر إتمامها في القيام بالمهام الأساسية.. وبدأ الموقع يتعزز يوماً بعد يوم بما يفد إليه من عتاد برجاله المختصين.. وعلق ذات يوم أبو محمد على الوضع وهو يضع صحيفة وجبته جانباً: ـ قصف دقائق وهدوء شهر؟! ورد رئيف محيي الدين وهو يجذب نفساً من سيجارته: ـ أعلمونا أنهم أيقاظ ولم يبخل أصحابنا بالجواب. ـ المهم إلى متى؟ لم يرد رئيف بعد ذلك وإنما نفض رماد سيجارته وجذب منها أنفاساً متتابعة، يرنو إليها حيناً بعد حين وهي توشك أن تتم احتراقها الكامل بين أنامله، قبل أن يضغط رأسه بقوة في تربة الخندق ويهتف بصاحبه: ـ هيا، جاء دورنا. ــ 5 ــ فض سلام غلاف الرسالة، وهو ينتحي جانباً مستنداً إلى جدار السرداب المؤدي مباشرة إلى سطح الموقع ببعض درجات.. كل حرف، كل نقطة تنضح حباً وحناناً وذكرى، فيض أريج يفوح من بين سطور دقيقة أنيقة تتضخم معالمها شيئاً فشيئاً، وتتداخل كما تتداخل تفاصيل لوحة تكاد تلتصق بها العين.. يضيع بينها التمييز وتتشابك المعالم. ويمر هاشم فيربت على كتف سلام في طريقه إلى سطح الموقع، وينتزعه من عالمه بصوت قوي متسائل: ـ خير.. إن شاء الله؟ ويرد سلام: ـ كلهم بخير. ـ والوالد؟ والدنا الحاج ميمون كيف حاله؟ ـ لا بأس. يسلم عليك وعلى بقية الإخوان هنا واحداً واحداً. ظلت خطوة هاشم متجمدة على الدرجة الأولى، وكأنه يقاوم رغبة في أن يقف وقتاً أكثر بجانب رفيقه يحادثه، ويخشى في نفس الوقت أن يضايقه.. لكنه ما لبث أن خطا صاعداً وهو يرجو من سلام إبلاغ الشيخ الطيب أشواقه، والأولاد. تعود السطور تتضخم من جديد، تغيب معالم بعضها في بعض وهدوء تام يشمل بيت سلام لا تتردد فيه إلا حنحنات الوالد أو سعلاته بين الحين والحين وهو يتململ في فراشه، ودقات ساعات صغيرة رتيبة تتجاوز عقاربها منتصف الليل، ترنو إليها لحظة بعد أخرى عينا آمنة الساهرتان في ريعان شباب لم يكتمل ربيعه الثالث بعد، ترنو ثم تعود بنظرتها من جديد إلى كراريس تلاميذها تصححها.. حيا سلام زوجه وهو يفتح أزرار بذلته العسكرية، ويرتمي على السداري بين الوسائد الصوفية الثخينة متسائلاً: ـ لم تنامي بعد؟ أجابت دون أن ترفع بصرها إليه: ـ أمامي بضعة كراريس كما ترى. لم ترفع إليه بصرها حتى لا ترف عيناها بسرعة كعادتها عندما تقول ما لا تعتقد. لم تقل لـه أنها في الواقع لم تجد دافعاً للنوم ما دامت اجتماعاته في القيادة تتوالى وتطول منذ أسبوع أو أكثر.. لم تقل لـه أن أعصابها في حالة استنفار منذ أعلمها بخبر لم يكن قد تأكد رسمياً بعد، يتعلق ببدء تشكيل التجريدة المغربية الأولى للدفاع عن الوطن العربي، ولم تقل لـه أنها وهي أمامه أمام الكراريس، لا ترى شيئاً وإنما تنتظر أن يعلن لها خبر الرحيل وأنها تحاول أن تتخيل نفسها لحظة سماع النبأ فلا تستطيع. . وهي بدون شك لم تنتبه إلى أن الكراريس بدأت تفلت منها واحدة بعد أخرى بطريقة آلية بدون تمييز وبدون علامات. كانت تتبع ذكرياتها القريبة، وتستعيد سلوكها لحظة أعلمها بأنه تطوع في التجريدة المنتظرة، وأن تطوعه قبل ولم يبق إلا تحديد لحظة الرحيل. ألا ما أصعب لحظات المفاجأة وكم هي عصية الذكرى. لقد استعدت الآن، ورفعت عينيها تحدق لأول مرة في عينيه مستطلعة ما وراءه قبل أن تعلنه شفتاه. كان يدخن بهدوء ناشراً يديه فوق وسادتين فظهر منكباه أكثر عرضاً وقامته المتوسطة مديدة، وانعقد حاجباه الكثان كأنه يتأمل سطوراً عسيرة الحل.. ظلت ترمقه وبين لحظة وأخرى تتحرك إحدى يديه وتلتوي نحو ظهره لتحك البقعة المعهودة فيه على العمود الفقري في أسفل الظهر، حكة (إكزيما) موسمية تراوده بين الحين والآخر كلما بالغ في الخروج عن نظام أكله. ولطالما عركت آمنة بقعتها الصغيرة بالمحاليل، بينما يؤكد الشيخ أنها علامة استمرار الدم في ثلاثة أجيال من أسرته، فلا زالت تراوده هو ذاته وقد أدركها في والده.. تساءلت آمنة في هيئة من تتعجل إنهاء الكراسات: ـ هل تتناول شيئاً؟ عادت يده تلتوي وراء ظهره وهو يقول: ـ الوقت متأخر. وقام متوجهاً نحو الغرفة المجاورة. وقف عند الباب نصف المفتوح لغرفة الوالد الغارقة في الظلام إلا من أشعة تتسرب من صحن البيت. أطل سلام برأسه يتسمع أنفاس الشيخ الواهنة تتردد في الفراش، مخالفة في إيقاعها البطيء الطويل تردد أنفاس الحفيدين اللذين يصر على أن يشاركاه غرفة نومه. وأوشك سلام أن يعيد أدراجه حين هتف به صوت والده الشيخ: ـ عدت يا بني؟ ـ نعم.. ظننتك نائماً. ـ الله يرضى عليك.. ـ تصبح بخير. قال سلام وهو يخلع معطفه. ـ وجدته غير نائم، ويبدو مجهداً. ردت آمنة وقلمها الأحمر يعمل في الكراسات بطريقة آلية: ـ إنه يتكلم كثيراً، جمال يتعبه بالأسئلة.. لكن الشيخ يحب الحديث رغم كل اعتراض، وتنتابه حمى الكلام كلما سمع أخبار حرب، فيصبح راوية لا يجارى تتوالى على لسانه الأحداث والمغامرات يمسك بعضها بأطراف بعض، وكأنه يعيد حياة الجندي حقيقة من جديد.. وتأمل سلام خصلة متمردة تسقط باستمرار على عين زوجته اليسرى.. خصلة من شعرها الفاحم كانت من أول ما عشق فيها قبل الزواج. يا لله كيف تنعقد الألفة فيفقد كل شيء سحره أو يكاد! وظل يرنو إليها في انحناءتها على الكراسات وحربها المستمرة مع الخصلة المتمردة، وخط استغراقها المرسوم عند الحاجبين فوق الأرنبة الصغيرة والشفتين المزمومتين، تبدو في براءة صبية أمام إشكالٍ مستعص في امتحان عسير.. اضطرب قليلاً لنظرتها وهي تفاجئه يراقبها، وتطوي آخر كراسة. ابتسمت قائلة: ـ إنه يتحدث عن الحج كما لو كان رغبته الأخيرة. ـ أعرف. لكنه لم يعد يحتمل متاعب الطقس والزحام. ـ إنه يصر على أن نصحبه معاً أو أنت على الأقل.. ـ أنا؟! والتقت نظراتهما. أفلت منه التساؤل المستغرب بفعل الأمر المفاجئ. وبدا كالمتضايق فالتوت يده من جديد نحو ظهره.. بينما عيناها تغوصان في أعماق عينيه. تدرك الآن أنها ليست وحدها من يعاني من سرعة حركة العينين عندما تقول ما لا تعتقد أو لا تريد أن تقول ما تعتقد.. عيناه تتحركان بسرعة تحت حصار نظرتها.. وأخيراً خفض بصره متمتماً: ـ أنا لا أستطيع يا آمنة. ومرت برهة وجيزة مديدة.. انتهت لحظة المباغتة وكأنها لم تفاجأ. وهذا سلوكها عادي طبيعي. بل هاهي ذي تنظر إليه باردة متجمدة وهو منذ خفض بصره، انصرف إلى إشعال سيجارة دون أن ينظر إليها مرة أخرى.. وتساءلت بهدوء ولا تزال تتابع حركاته: ـ ومتى؟ أجاب وهو يتجه نحوها يهز من كتفيها وينهضها مبتسماً: ـ ليلة الغد.. إن شاء الله. ــ 6 ــ النجوم عرس في السماء. البدر سلطان. والظلمة برنوس وقفطان. القفطان تحت البرنوس. يرتديه السلطان.. يغطي به الأرض. والأرض عروس.. ترانيم أطلسية حزينة بهيجة تدندن بها أعماق أمي رقية وهي تتوسط أسرتها الصغيرة بين كومة أعواد الذرة الجافة، في البيدر الصغير على سفح قمة عممتها طلعة البدر. وبدت على بعد ميلين مدينة القصيبة الصغيرة متشبثة بصدر الجبل كصبية لعوب تخشى الانزلاق عن صدر والد رحيم.. وعلى السفح والسهل انتشرت البيادر متفرقة جنب بيوت وأكواخ متباعدة يعلو من بينها حيناً بعد حين، ثغاء وخوار مختلطاً بنباح الكلاب، وترانيم قلوب متعبة تزفر أجهاد النهار. تراصت أسرة أمي رقية في نصف دائرة حول كومة الذرة المثقلة تنزع منها عرانيسها وتسلخ عنها الغلاف فتبدو حبوبها الصفراء المتراصة منتظمة قوالب بهيجة.. أسرة محدودة الأفراد والنشاط يتقاسم حياتها الجبل والسفح. ففي أعلى الجبل يغيب أفرادها نصف سنة في الغابة يحتطبون ويحرقون الفحم، وفي نصفها الآخر يحرثون السفح ويجمعون محصولهم الزراعي الضئيل.. وبدت أمي رقية عوداً جافاً متجعداً ضئيلاً قعد على يسارها أصغر ابنيها أوباها يعدو العشرين قليلاً، وعلى يمينها أكبرهما بجانبيه زوجته وابنته سعدية في الرابعة من عمرها. وكان التجاوب تاماً بين الطرفين الأقصيين من نصف دائرة الأسرة، بين الطفلة سعدية وعمها أوباها في لعبة العثور على العرانيس الداكنة النادرة. كانت يدا الطفلة تتعثران في إزالة الأغلفة الجافة المتلبدة الأوراق، وصوت عمها يرتفع تارة بعد أخرى قاطعاً تيار الدندنة العميقة. ـ هاهو.. حمار عليك! ويرمي إلى الطفلة بالعرناس عارية حباته متراصة داكنة، فتتحمس اليدان الصغيرتان بعامل منافسة قوية، وتنتقلان من غلاف إلى غلاف مكتفيتان بمجرد شقه والتطلع إلى لون الحبات تحته على نور القمر المضيء.. ويسود الصمت إلا من خشخشة الأغلفة والأعواد الجافة، فتعود الدندنة تنبعث من أعماق أمي رقية حزينة بهيجة رتيبة: النجوم عرس في السماء. والبدر سلطان.. ـ عمي.. هاهو.. حمار عليك! وترمي سعدية نحو عمها بعرناس وقد استبد بها المرح. وتقطع أمي رقية دندنتها متسائلة: ـ متى تتعقل ويصبح لك أولاد؟ ويرد أوباها ببديهته الحاضرة: ـ عندما أتزوج يا أمي. ـ ومتى تتزوج؟ ـ عندما يكون عندي أولاد! وتتوقف يدا أمي رقية عن نشاطها لحظة، ثم تستأنف نشاطها متجاهلة الموضوع مؤقتاً. إنها منذ سنوات وهي ترقب وجه أوباها وقد رشه الزغب الخفيف ونتأت عظام خديه وذقنه مكتسباً أصالة آل أو سعيد في الملامح، وإن تأكد لها أنه لا يملك شيئاً من هذه الأصالة في التفكير. ولا أدل على ذلك من أن أهله جميعاً يتزوجون باكراً أما هو فكل حديث معه في هذا الموضوع أو في غيره ينتهي إلى دعابة أو دور متسلسل. وكانت تأمل أن الخدمة العسكرية ستغير منه لكنه أنهاها منذ أكثر من سنة وأمضاها بامتياز كما تعرف ذلك، مثل أي فرد من آل أو سعيد عندما يتصدى لشيء، لكنه فيما عدا هذا ظل هو هو. وكلما تأملت وجهه على ضوء الليل أو النهار تأكدت من أنه يشيخ قبل أن يتزوج وينجب، ذلك أن ذهنها لم يكن يتصور فسحة بين الشباب والشيخوخة.. وكل ما تعيه من أمثال يعني إنجاب الكبر.. وكأنما يدرك أوباها من عدم استجابة أمه لرده أنها مستاءة فيحاول أن يجتذبها من جديد: ـ سأتزوج قريباً. إنها يائسة منه، ولذلك لن تجيب. فيضيف أنها لن تجرؤ على خطبة من يرغب فيها. وهنا يكون قد استفزها بما فيه الكفاية. فتتساءل غير ناظرة إليه على ضوء القمر ومتظاهرة بلا مبالاة مصطنعة: ـ من هي؟ ـ عويشة.. إنه يلفظ اسمها بتلطف وظرف، لكن والدته لا تعرف واحدة بهذا الاسم فيمن تعرف.. وحين يشتد بها التساؤل يقترب من أذنها هامساً بالسر بنفس لهجة التصغير المحببة: ـ عويشة قنيديشة! ويغرق في الضحك، بينما تتفل أمي رقية حواليها متعوذة باسم الله الرحمن الرحيم من شر ذلك الاسم على الصغار! ويتدخل أخوه الأكبر لأول مرة ناهراً: ـ أنت لا تعرف الجد. ويهتف أوباها رامياً بشيء إلى طرف الحلبة الأقصى: ـ حمار عليك! ثم يستدرك في هيئة جد: ـ الحق أني لن أتزوج إلا أرملة تكون غنية. ويتساءل أخوه في هيئة متشكك في لهجته الجدية: ـ ومتى تجدها إن شاء الله!؟ ـ عندما يموت الفقيه سي حمو إن شاء الله! * * * هيه.. ايه.. هيه.. ايه.. نغمة رتيبة قوية ترتفع بها أصوات فتيان البيادر وأيديهم ترتفع وتنزل بالعصى الرفيعة الغضة على كومة العرانيس في حركة دائرية تحت ضوء القمر، وبعزم تنفصل معه الحبات عن عظمها.. هي.. ايه.. هيه.. وكلما تضاءل ارتفاع الكومة تحت الضرب واتسعت الدائرة توقف الضرب، وحلت فترة راحة، ينصرف فيها البعض إلى قلل الماء يعب منها، بينما ينصرف آخرون إلى تصفية الكومة وتغذيتها من جديد. وحوالي منتصف الليل تقبل عليهم قصعة الكسكسو الكبيرة، فيتحلقون حولها في العراء، ويصيبون منها متنافسين في اختطاف أطاييبها بهرج ومرج.. ثم يقومون لاستئناف العمل إلى أن ينبلج الفجر. هكذا يقضون لياليهم طيلة المواسم يعملون متنقلين بين البيادر بدون أجر عدا ما تعارفوا عليه من القصعة العتيدة، ومن التزام كل منهم في العمل مع الآخرين، وعدا قابلية نفوسهم للتعالي بالإجهاد والأرق والألم إلى مراتب المرح.. ولكل ذلك كان من غير المألوف أن يتخلف أوباها واثنين من رفاق الجماعة بعد مشاركة ليلتين أو ثلاث.. ولذلك أيضاً هبطت همة المرح في الجماعة منذ ذلك الحين، عاجزة عن أن تتعالى إلى مراتب البهجة الكاملة. فالعقد قد انفرط بتطوع مجموعة من شباب الدواوير في تجريدة الدفاع عن الوطن العربي، والنجوم عرس في السماء.. والبدر سلطان. ــ 7 ــ ضجت أصوات الأطفال العابثين، وباعة الخضر والمأكولات في حي الويلي، كما تضج أية ساحة في حي من أحياء القاهرة القذرة العتيقة. وغادر الطالب محمد أبو محمد عبد الباقي حانوت المعلم عبده متأبطاً زجاجة المشروبات، ومجيباً في نفس الوقت عن سؤال المعلم: ـ عندنا ضيوف يا معلم. وانعطف إلى اليمين بعد خطوات معدودات ليصعد درجات في نفس البناية التي يقع تحتها الدكان، بناية المعلم عبده ذاته.. فلقد بدا الطالب اليافع كأنه يرى كل شيء لأول مرة، فكأنه لم ينتبه قبل هذا اليوم لقذارة السلم ووساخته المتناهية، ولا لأزرار الضوء المقلوعة ومصابيحه المكسورة في كل دور، مما يجعل النازل أو الصاعد ليلاً يتلمس طريقه مهتدياً بالاعتماد على الجدران أو على شعاع شمعة في يده. وكذلك بدت لهم شقتهم في الدور الرابع شقة والده أبو محمد عبد الباقي ووالدته، لا تنافسها شقة في القذارة وسوء الحال. وإن إعلان قدوم ضيوف اليوم هو ما جعل طالب التوجيهية يكاد يرى كل مألوف بعين جديدة. وبينما كانت والدته هادئة باردة غارقة في سوادها وصمتها، كان هو قد استعار من جارتهم أم سعد زوجة صاحب البناية المعلم عبده نفسه، ثلاثة كراسي وضعت في الغرفة الصغيرة الثانية التي ستكون حجرة استقبال الضيوف، بعد أن جمع الحصير الصغير واللحاف الذي يستعمله لنومه فيها، جمع ذلك وكومه في ركن منزو بين الحجرتين اللتين تتكون منهما كل الشقة. ونفض بالإضافة إلى ذلك غبار بساط أو بقاياه المهترئة العتيقة على الأصح، ووضعه وسط الحجرة على بعد خطوة من كنبة أعتق وأشد تهرؤاً تقابل في شكل دائرة الكراسي الخشبية الثلاثة. وكان كل من بقايا البساط والكنبة نفايات جمعتها والدته بدون ثمن.ولئن لمس الفتى في هذا الوضع بعض تأثيره في الأشياء فقد وقف عاجزاً عن إحداث مثل ذلك في بناء الحجرة التي تشققت وتقشرت فبدت البقع المقشورة المتنوعة ووراءها معالم التقاء الآخر في الجدران، وتقاطع القضبان الحديدية في السقف، كخطوط الطول والعرض لأرخبيل كثيف. كما عجز عن فعل أي شيء للتأثير في الأوساخ الراسخة التي أصبحت لوناً أصيلاً لأرض وجدران الشقة كلها. وبعد أن اطمأن إلى أنه بذل كل ما هو ممكن لتحسين الوضع في هذه الحجرة، توجه للحجرة الثانية حيث كانت والدته في سوادها وهدوئها تعالج وضع والده في السرير وتزيل من تحته آنية صفيحية صدئة. كان أبو محمد عبد الباقي والد الفتى أو ما تبقى منه على الأصح ممداً جامداً على السرير لا يتحرك منه طرف، وهو ينظر أمامه في تسديد. ولولا حركة صدره لما شك أحد في أنه جثة هامدة، ومع ذلك فهو على هذه الحال منذ ست سنوات أو أكثر. أدى به داء المفاصل المتأزم إلى تصلب تام في الأطراف، وأعجزه عن عمل أمضى فيه ربع قرن كمدرس ابتدائي. ومنذ ذلك الحين وراتب معاشه يعجز عن تغطية نفقات البيت فضلاً عن مصاريف الأدوية والأطباء المستمرة الباهظة.. وهكذا وجدت كل محتويات البيت طريقها إلى البيع، حتى بلغ الأمر غايته بتغيير المسكن ذاته عدة مرات مع التأخر في دفع الإيجار.. وساعد محمد (أو أبو محمد كما يطلق عليه أيضاً) والدته في زحزحة كيان والده المتصلب، وإزالة البيجاما عنه وإلباسه البنطلون والمعطف اللذين يكونان البذلة الوحيدة المتبقية من العهد السابق، وآخر ما كان أبو محمد عبد الباقي المدرس يرتديه منذ أكثر من ست سنوات. وبدأ الهيكل المتصلب الشاحب الذي لم يبلغ تمام الخمسين من عمره بعد، ببذلة المدرس وربطة العنق ممداً على السرير أشبه بمومياء حديثة.. وسمعت جلبة الجارة أم سعد تدفع باب الشقة وتعلن لأم محمد مقدم الضيوف. ولأمر ما كان محمد (أبو محمد الابن) ينتظر أن يكونوا ثلاثة على الأقل، لكنهما كانا اثنين فقط شابين متوسط وفارع الطول، تغطي الكوفيتان المخططتان منهما الرأس والكتفين، وسرعان ما قادهما الطالب إلى حجرة الاستقبال، وتقدمت أمه فسلمت عليهما باحترام وطلب أحدهما وبيده محفظة سوداء أن يتقدم إليهما أبو محمد عبد الباقي، فغاب الفتى ووالدته وعادا بعد قليل يحملان بينهما الهيكل المتصلب، ويضعانه على الكنبة العتيقة.. وبادرت الجارة أم سعد تزيل بعض الحرج وتشرح الموقف: ـ إنه يسمع ويفهم كل شيء، لكنه لا يرد ولا يتحرك.. ـ لتكن مشيئة الله.. رددها أحد الضيفين، وهو يحاول أن يزيغ قليلاً عن مجال النظرة الجامدة المسددة التي لا تطرف ولا تتحول عن اتجاهها، بينما فتح الآخر محفظته، وأخرج ما يشبه الملف وأخذ يقرأ: باسم الله. باسم الثورة الفلسطينية.. نقلد وسام الثورة لكل من الشهيدين الأخوين شفيق وصلاح عبد الباقي اللذين فاضت روحاهما صبيحة الاثنين 4 آذار.. في ساحة الشرف بأرضنا المحتلة.. رحم الله الشهداء.. ".. وإنها لثورة حتى النصر..." ترى ماذا يدور في عالم الصمت وراء النظرة المسددة الجامدة؟ أية خواطر ومشاعر؟ وعندما تقدم الشاب الثاني من الهيكل المتصلب يعلق على بذلة المدرس القديمة وسامي استشهاد ابنيه خيل لمحمد أن طيف بسمة خافت يحوم حول ثغر والده.. لكن عضلة واحدة من وجهه لم تتحرك. .. وتأخر الشاب قليلاً إلى الوراء وهو يؤدي تحية الثورة، ثم يعلق الثاني أن لأسرة الشهيدين منذ الآن الحق في معاش عسكري من الثورة.. لم تتحرك في الكيان الجامد كله إلا سبابة ارتفعت بعض الشيء عن مستوى بقية الأصابع المبسوطة فوق الركبتين، لتعود إلى مستواها الأصلي دون أن تكاد تلمح.. وقال الولد محمد: ـ إنه يحرك إصبعه يتكلم.. والدي يرفض.. وعاد الشاب يحدق في سبابة الكيان المتصلب ومعه بقية العيون.. ثم تقدم إلى الأمام وهو يقرأ من جديد فقرة المعاش، حتى إذا انتهى تحركت السبابة من جديد حركتها الواهنة التي لا تكاد تلمح، تعني الرفض.. وانبرى محمد (أبو محمد الابن) يشرح لمبعوثي الثورة أن والده يتنازل عن معاش الشهيدين للثورة.. وتحركت السبابة من جديد حركتها العتيدة في اتجاه الموافقة.. وحينئذ طلب مبعوث الثورة توقيعاً، فوضع طالب التوجيهية القلم بين أصابع والده وأمسكها وضغط على الورق يكتب: "والد الشهيدين أبو محمد عبد الباقي.. الفلسطيني.. من بلدة رام الله..". لم تكن عبارات التوقيع الغريب مستمرة بل كان الولد يخط لفظاً ويتوقف قبل أن يضيف آخر، رافعاً بصره بين الفينة والأخرى إلى وجه والده الجامد، وكأنه يخط على الورق بإلهام روح الوالد التي تركزت في أطراف الأصابع المتجمدة، تحتضنها أصابع الابن الفتية.. أو كان من الضروري أن يؤكد وطنه، بلدته، ومسقط رأسه، وقد هاجر منذ قرابة ربع قرن؟! أو كان من الممكن أن ينسى؟! خيل للولد وهو ينهي العبارة أنه يرى من جديد طيف الابتسامة الغامضة يراود ثغر الوالد من جديد دون أن تتحرك عضلة وجهه الجامد ونظره المسدد.. أي سحر هذا الذي تسمو به الأشياء فتتعالى فوق المكان والزمان؟ لقد اكتشف طالب التوجيهية أن كل شيء قد تم وانتهى، ولم يجلس أحد على مقعد ولا شرب، بل إنه هو بالذات قد نسي في خضم الدقائق المعدودة المشهودة التي استغرقتها الزيارة كل ما كان قد أعده من عبارات: دعوة الضيفين إلى الجلوس والشرب.. وغابت عن ذهنه في ثنايا الموقف وساخة الجدران وتقشرها ولا يبدو أنه أن أحد زائريه كان ينظر إلى ما حوله.. موقف سحري تعالى فيه كل شيء عن طبيعته.. أي نبض خفق به هذا القلب، الحي الوحيد في موات التجمد ووساما الثورة يثبتان على صدره؟! المرة الأولى التي رفت فيها عين الوالد أبو محمد كانت منذ ست سنوات مع ضوضاء مظاهرات الهزيمة في القاهرة، يونيه 1967، لتعود النظرة إلى تسديدها الجامد بعد ذلك مباشرة، كما كانت من قبل أو أحد قليلاً وأكثر اتقاداً.. المرة الثانية التي رف فيها الطرف الجامد حدثت مع أنباء معركة الكرامة وبطولاتها ولم تنفتح العينان بعد ذلك أبداً، فقد أغمضتهما يدا أم محمد بعد أن أراحهما الموت، لكن شعاعهما وآفاقهما البعيدة ظلت مرتسمة منقوشة في ضمير الولد، كآخر درس يتلقاه من مدرسه الخالد، والده، وهو أنها لا تطرف لآلام المرض الممض، أو مرارة العلاج، ولا لتقلبات العيش أو محنة الثكل، إنها ترف فحسب للهزيمة وللنصر! ــ 8 ــ زقاق النورية بأحذيته وخضرواته، بباعته المتجولين وحوانيته المتلاصقة، تفصل بينها حيناً بعد حين أبواب ما يرتفع فوقه من دور عتيقة ذات طابق أو طابقين.. زقاق سوق النورية بقعة من بيروت لا تكاد تخلو من ضجة في أي وقت من ليل أو نهار، لكنه لم يشهد فيما يبدو ضجة من قبيل ما حدث عصر يوم من بداية أكتوبر (تشرين الأول)، أو لنقل إنه إن كان يذكر ضجة من هذا القبيل فما عهدها تنبعث من منتصفه تقريباً، ومن بيت آل القراعي على الخصوص، تلك الأسرة المتواضعة المحافظة غاية التحفظ، والمحدودة العلاقات رغم قدم عهدها بالزقاق، والتي ضمت بين جوانحها الرحبة وحجراتها الضيقة طالبة آداب بالكلية أصبحت فيما بعد تحمل اسم سامية أبو عزيز.. لقد أقامت الطالبة طوال ست سنوات في بيوت متعددة مع عدة أسر من أوساط متباينة متقاربة، وفي أحياء متفرقة من بيروت، ولكن زقاق سوق النورية على ما به من عيوب الإقامة لطالبة، أصبح لديها أثيراً برفقة سلمى القراعي وحيدة الأسرة وجارتها علية.. كون ثالوث الطالبات المجدات انسجاماً قل نظيره، وقد أغلقت نوافذ الحجرة على ضجة الزقاق ليخف وقعها عليهن وهن يذاكرن.. ولأول مرة تناقض إحساس سامية في هذا البيت بأنها ليست فلسطينية مشردة.. فرغم صميمية العيش المتواضع والمسافة الطويلة التي تفصلها عن الكلية، ورغم ما فقدته الجراح القديمة من طعم، ورغم ما في البيت الطيب من بلسم، تضخم النداء: "أنت مشردة فلسطينية". فلئن غدا الأخ البكر المهندس جرحاً قديماً وهو يقضي بين الجدران الحالكة لسجون الأرض المحتلة.. ولئن دكت قوات المحتل بيت الأسرة في هزيمة يونيه، ودفعت بالوالدين والصغار إلى ما وراء نهر الأردن، فبلسم الزمان وعمق الهزيمة القومية جعله بدون طعم خاص.. ولكن سبتمبر (أيلول) الأسود لا يتسلل إلى أعماق سامية هوناً من شقوق نوافذ آل القراعي، ولا يتسرب ممتزجاً بأصوات الباعة المتجولين.. بل يضرب في أعماق الذات مباشرة صارخاً بما فوق الهول وأغرب من الخيال، يحصد الكبار والصغار ويدك البيوت محيلاً إياها أرقاماً من جثث وركام.. أي خيال يتحقق وأي هول! نعي الوالدين والصغار ضائع في نعي الحصاد العام لأيلول الأسطوري، ولكن طعم الحصاد فوق طعم كل هزيمة قومية.. واستحالت مذكرات ثالوث الطالبات إلى أخبار ونشرات وإذاعات يسابق بعضها بعضاً، وتتنافس في إضافات أصفار إلى يمين ما بلغته أكوام الجثث والخرائب من أرقام قياسية. وعندما تجري الدموع أنهاراً فلا بد أن تجف العيون. ويرتفع من جوف سامية صوت لا تعرف لمن هو، يفتح نافذة الغرفة ويطل على زقاق النورية يطغى على ضجته المعتادة: "ليسقط الخونة.. ليسقط العملاء والمتآمرون.. عاشت فلسطين عاشت الثورة..." وتقفز درجات بيت آل القراعي قفزاً إلى الباب وتقف والصوت يعلو من جوفها مرددة الحياة والسقوط.. لا لم يعتد سوق النورية أن تنبعث فيه مثل هذه الضجة، ومن منتصفه تقريباً. وانحدرت سامية والسوق يتحرك خلفها ويتضخم هديره مردداً نداءها إلى ساحة البرج، ساحة الشهداء حيث تلتقي أمواج بشرية على غير ميعاد تجوب طريق الشام وشارع المعرض والمنارة وحتى حي الزيتونة والحمراء..! وحين يتجمد الموج مع الفجر، وتمتصه من جديد ملتقى كل الأجناس والضمائر، بيروت الصخب والتناقض، تظل سامية ونسخ مماثلة لها على الطريق. لم تعد أزقة بيروت الضيقة ولا شوارعها الفسيحة، لا براءتها ولا عهارتها بقادرة على أن تمتصها من جديد. مشردة فلسطينية ونسخ مماثلة لها من بقايا الخضم الذي أتعبه السعي والهدير، تقف على طريق الشام العتيد المستقيم وتخطو فيه بلا أضواء زاهية ولا ألوان، ربما لأول مرة في تاريخ الطرق.. حتى الفجر الكاذب غاب ضياؤه، تخطو في الظلام ووراءها خطوات بعزم وتصميم. بقصيدة شعر وبندقية! |
|
| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |