مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 430 شباط 2007
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

ــ 9 ــ

إعدام.. إعدام للجميع! قالها لسان وفكر بها رأس مهووس من عهود الظلم. وقلبك يا دمشق لا يملك إلا أن ينبض بعبير الذكرى لطليعة شهداء الحرية منذ نصف قرن ويزيد، وكم قبل ذلك وبعده قدمت من شهداء يا عز الشام، يا ملء خيال واهن في أقصى المغرب. وتطلعت أبصار مجموعة من جنود الجبهة الثانية إلى قمة العمود المنتصب في مركز الميدان، ساحة الشهداء. وطفق عطفة محمد خليل يشرح في حماس ويفصل لرفاقه في ملامح عاصمة العالم العتيقة مع الحرية والأحرار. كل شيء في دمشق يبدأ من هنا وهنا ينتهي، حتى إجازة الست والثلاثين ساعة كفريق من الجنود كان مقدمهم قد انفرط بمجرد وصول السيارات التي أقلتهم إلى مركز دمشق، وظل بعضهم مع عطفة يكشف لهم عن معالم مدينته وأسرارها، بينما انصرف هاشم عزت إلى بيته متشوقاً وعلى موعد مع الجماعة.‏

آه يا بقاع عز الشام، عبير إيمان وجهاد يفوح من تعاريج الرخام الأبيض الرائع عليك يا قبر العز يا صلاح الدين، وأمجاد بنى أمية.. والطفل العربي السعيد وهو يعبث، لا بد أن يعثر بالقمقم يوماً ويفتحه، فينطلق المارد الجبار من جديد يعيدها أمجاداً وانتصارات.. آه يا حج ويا جهاد..‏

وعند الأصيل توقف عطفة بالجماعة بقامته القصيرة المتينة قرب الحميدية منبهاً:‏

ـ مئذنة دمشق التاريخية تطالعكم من هناك.. وأمامكم الحميدية الشهيرة.. ومن هنا بيت تاجرها العريق محمد خليل!‏

كان يتكلم بلهجة دعابة خطابية وهو يتقدمهم نحو بيت أسرته.‏

واستقر المقام بالجماعة في بيت أبو عطفة تاجر الحميدية، وأسرته المحدودة لا تسعها الدنيا فرحاً وترحيباً:‏

ـ أهلاً بالأبناء.. شرفتم في بيتكم.‏

وطافت عليهم أم عطفة بالقهوة والحلويات. وجه مشرق بالإيمان، وقلب عميق العقيدة بحسن المصير رغم الجرح الثاوي في أعماق نفس فقدت طياراً شجاعاً كان بكر الأبناء لديها.‏

وبدت شوارع دمشق الرئيسية بخيلة بأضوائها والجماعة تغادر البيت رغم إلحاح الأسرة المضيافة عليهم بالعشاء.. سيعودون للمبيت ولكن دمشق تغري زائرها لأول مرة بألا يستكين وأن يكتشف.. الساحات الكبيرة لا تكاد تفصح عن شيء ليلاً، والصغيرة منها تتراقص منها أشعة خافتة، أنها حالة حرب. وقال سلام مستأنفاً حواراً باطنياً لا شك أن نفوس الجماعة تزخر به:‏

ـ يخيل إلي أنه لا يكاد هنا يخلو بيت من شهيد.‏

وأكد عطفة ذلك بأمثلة كثيرة من بيوت يعرفها استشهد جل أفرادها في المعارك، أو ضحية الغارات الهوجاء، وعلق على ذلك:‏

ـ نستطيع أن نقدم المزيد.. وما نحن إلا ذرة من أمة المائة مليون..‏

الصوت وحده كان لعطفة، أما العبارة فقد كررها والده مراراً منذ لحظة أمام الجماعة وتجسدت في إشراق ملامح أم عطفة رغم الجرح العميق.‏

وعلق أوباها في تضايق مصطنع وأحذيتهم تضرب في بلاط أزقة ثانوية فرعية:‏

ـ ألا تتركونا من الحزن والجد؟!‏

الحزن والجد يا بني مِسَنُّ العزائم، ولك كل الحق. كفى المجاهد جداً أن يكون تحت السلاح، رهن إشارة الانطلاق، والباقي.. لم لا يضحك ويمرح؟ المرح سنان عزيمة الجندي أيضاً.. وفرقة السرجان ميمون كانت تطلق الفكاهة تحت قصف المدافع وهدير التفجير! ماذا يبقى بعد أن تضع روحك في كفك هدفاً للرماة وإصبعك على الزناد تتصيد أرواح عدوك؟ ذاك هو الجندي الحق والجهاد، وإجازة فرقة السرجان ميمون كانت أعراساً في خضم الحرائق والتقتيل في أي مقهى أو مطعم أو في أي مكان قابل لأن يصلح كذلك في أرض الغربة والأدغال..‏

وكل مكان كان قابلاً ليصبح مرتع مرح في قرية أو مدينة من عالم بطولات ضاعت حيث لا مرشد ولا ناصح، وحيث لا أمان في نادل أو ساق.. كل شبح قابل لأن يطعنك من أمام أو خلف في أرض الغربة والأدغال، ويجب أن ترفع الكأس بإحدى يديك وترفع معها بصرك الحاذق إلى ما يكمن لك بالسقف، ويدك الأخرى على الحزام، حيث تخفى سكيناً محددة الحافتين لا يعلم أمرها إلا عند ما تفصح عن نفسها في طعن بطن أو ظهر...!‏

ودلفت الجماعة وراء عطفة تحت ضوء خافت لمطعم الغوطة، ووقف صاحب المطعم نفسه على خدمتهم، وقدم لهم مشروباً أصيلاً من صنعه الخاص، حتى إذا تهيأوا للخروج، وطلب عطفة من النادل الحساب، تقدم صاحب المطعم يفرك يديه، حانياً رأسه بصلعته الصغيرة الأنيقة ووجهه المستدير يقطر وداً وابتساماً قائلاً:‏

ـ حساب؟ أي حساب؟!‏

ورغم إلحاح سلام وعيسى الرايح، ظل الوجه الودود مبتسماً يردد:‏

ـ حساب؟! أنتم ضيوفنا.. وفي بلدكم.‏

ولم تتوقف حركة يديه وانحناء رأسه كما لو كان في موقف يستدعي الخجل والاعتذار.‏

ـ كيف نقبل يا أبنائي أرواحكم هدية ولا تقبلون منا القليل؟! وألح عليهم في أن يزوروه كلما وردوا على دمشق.. لم يقدم في معارك القنيطرة إلا شهيدين وليس لـه ما يقدم من مثل ذلك.. وفتح الباب للجماعة ووقف يودعهم واحداً واحداً:‏

ـ محسوبكم خالد عبد العليم العكل.. شرفوا في أي وقت. وعلق أبو علي والجماعة تتوزع غرفة عطفة الخاصة، بعد أن أضافت إليها والدته سريرين، ورصت على أرضيتها بعض حشايا فوق البساط:‏

ـ لا يدهشني هذا الخلق من أبناء شعبنا العربي، فهو هو في كل مكان.. وطافت به ذكرى ما بعد الهزيمة بشهور قلائل، وقد بعث إلى القاهرة ضمن وفد للثورة للاتصال ببعض المسؤولين العرب في فندق شبرد، وطالت المهمة أكثر مما كان منتظراً، واضطر أبو علي إلى مغادرة الفندق بعد الاجتماع مباشرة ليدرك طائرته قبل الإقلاع. وطوال الطريق إلى المطار ظل سائق التاكسي يحدثه حديث الصفاء والود كأنه يعرفه من زمان. كان رجلاً في أواسط عمره يبدو الإهمال على مظهره واختلطت معالم شاربه الكث القصير بنبات لحية لم تحلق منذ أيام.. وقطع الرجل حديثه ليتناول من جانبه رغيفاً بطعمية، وقبل أن يقضم منه عرضه على صاحبه ليأخذ منه شيئاً قائلاً:‏

ـ أعرف أنك تحبه!‏

بالفعل كان أبو علي يحبه وكان جائعاً. ولكن كيف؟‏

وتساءل أبو علي:‏

ـ كيف عرفت؟‏

والتفت السائق يحدق في صاحبه، كأنه يراه لأول مرة، وتساءل بدوره:‏

ـ ألست.. ألست الجزائري؟‏

ـ جزائري؟!‏

واعتذر الرجل عن خطئه، وحدثه صاحبه عن الشاب الجزائري الذي خاله إياه لما بينهما من تشابه في الملامح. كان ذلك الشاب شقيقاً لجندي استشهد في معارك القناة، وقد جاء إلى القاهرة في مهمة ما، وكان رغيف الطعمية سبباً في بداية تعارفهما منذ أول مرة استقل فيها هذا التاكسي بالذات.. وكرر أبو علي:‏

ـ لا لست من تحسب..‏

ورد الرجل في تودد:‏

ـ كلنا أخوة.‏

كانت القاهرة تنطوي على جراح لم تلتئم بعد. ومعالم الحرب بادية عند كل خطوة.. أكياس الرمال مرصوفة في الساحات والمنعطفات، وجدران الوقاية قائمة أمام المباني العامة، والشعب كأي شعب عربي في أي مكان، يخطو على مضض في انتظار لحظة مجهولة من عمر الهزيمة، تنطلق فيها إشارة الأخذ بثأر الوطن والشهداء..‏

وانطلق السائق يقول:‏

ـ هكذا.. هكذا ننهزم ونقف مقيدين.. لماذا لماذا؟‏

ماذا ننتظر؟ مرحباً بهزيمة ثانية وثالثة ورابعة.. لكن النصر لنا في النهاية بقوة الحق والعزيمة والصبر..‏

لم يكن لحماسه حد وهو يتحدث، وبين الحين والحين يضرب بيديه على المقود أو يضغط عليه مؤكداً كلامه..‏

وعندما وجد أبو علي فرصة للكلام، قال:‏

ـ إنها السياسة.‏

ورد الرجل بصوت أجش عملت فيه قوة الذكرى:‏

ـ نفس ما قاله لي صديقي الجزائري شقيق الشهيد. وقال لي أيضاً: السياسة ألاعيب وحرب التحرير لا تقبل الألاعيب. وقال أشياء أخرى كثيرة..‏

وتوقف السائق عن كلامه، والتفت إلى صاحبه واستأنف مؤكداً كلامه:‏

ـ "شايف الغلبانين دول عملوا إيه في العدو؟"‏

كان يقصد معركة الكرامة التي لم تكن قد مضت عليها إلا أيام ولا تزال أحاديثها ملء السمع واللسان.. وحين توقف التاكسي أمام المطار، ترجل أبو علي، ومد يده ليؤدي الثمن، فرفض الرجل رفضاً قاطعاً ومد يده يصافح صاحبه بقوة.. حينئذ قال أبو علي وكأنه يرد ديناً أثقله طويلاً:‏

ـ أنا فلسطيني.‏

وازداد ضغط الرجل على يد صاحبه وهو يودع:‏

ـ فلسطيني أو جزائري كلنا واحد.‏

وخطا أبو علي داخل المطار، وهو يقضم من رغيف الطعمية.‏

ساد الصمت فترة وأنفاس الجماعة تتردد في الظلام، كأنها تتابع تتمة الحكاية التي أنهاها أبو علي، وأصبحت غرفة عطية الضيقة عالماً فسيحاً بلا حدود تنتقل فيه المشاعر والإدراكات من مشهد إلى آخر بلا قيد ولا تحديد..‏

ـ أعماق شعبنا واحدة.‏

بذلك همس سلام ونظرته تائهة في الجموع الحاشدة التي تقاطرت على مراكز تسجيل المتطوعين والمتبرعين بدمائهم وأموالهم. حقاً إن الحكومات تفتح هذه الأبواب أمام الشعوب، وتستطيع أن توصدها، ولكن، هناك ألف دليل على تلقائية الشعور الموحد في أعماق الشعب الكبير كما يقول أبو علي.. في استطاعة أية حكومة أن توحي للشعب بالتطوع أو تدفعه إليه.. ولكنها عاجزة عن خلق الشعور الصادق العميق بقيمة الفعل الأخلاقية.. والدليل.. ألف دليل.. خذ على سبيل المثال رجلاً بسيطاً كعلي سائق سلام. لقد رفض الطبيب أخذ دمه تبرعاً لعلة ما بعد الفحص، فأقبل الرجل يبكي لحرمانه من أبسط مظاهر الجهاد.. إن أي جهاز حكومي في أي مكان، مهما تكن سلطته غير قادر على أن يفجر الدمع من أعماق هذا الإنسان.. وخذ ملامح الرضا والارتياح على وجوه من قبلت طلباتهم للتطوع.. ومعالم الابتئاس على من تأجل قبولهم من الضباط وجنود الاحتياط.. خذ تحسر الحاج ميمون على ما ضاع من فتوته في الباطل والفراغ وخذ أساه وحسرته لما أدركه من عجز الشيخوخة والمرض.. خذ أمثاله في طول الوطن الكبير وعرضه.. كم منهم تهتز أعماقه الواهنة لمجرد خبر صغير عن معركة أو عن تخطيط لها.. خذ وخذ ما تشاء ممن يعيشون بأرواحهم على البعد وفي فراش العجز، لحظات الجنود كأنهم يظلون معهم ويبيتون في الخنادق تحت السلاح.‏

***‏

تداخلت أجسام الجماعة في سيارة هاشم "السكودا" متجهاً بهم إلى بيته للغذاء أو بيت أصهاره على الأصح، حيث كانت زوجه وابنته تقيمان منذ غيابه في الجبهة. ساروا في اتجاه أبي رمانة أجمل أحياء دمشق الحديثة. وكان أصهار هاشم من أسرة حددت الثورة من مواردها لكنها ظلت ميسورة الحال. واستقبلتهم الدمشقية الوسيمة بلباس التدريب، فلم تكن بدورها إلا في إجازة محدودة، بمناسبة قدوم زوجها من الجبهة لتعود بعد ساعات معدودة إلى "منتدى سكينة" العسكري للنساء..‏

أخذوا أماكنهم في صالة بالطابق الأرضي تنفتح واجهتها الزجاجية العريضة على أرض معشوشبة خضراء تحيط بجوانبها ورود ورياحين.. وكانت أشعة الشمس الدافئة في تدرجها نحو كبد السماء ترسل شعاعها على المجلس.. وغير عيسى الرايح مكانه مراراً متجنباً شعاعها المركز من بعض المنافذ، فالشعاع الضعيف المسلط يصيبه بدوخة غامضة أشبه بالسكر، حتى إذا اطمأن إلى موضعه، قال وهو يرمي برأسه قليلاً إلى الوراء فتبدو رقبته الطويلة أكثر نحافة وثمرة آدم أكثر حجماً:‏

ـ شيء جميل.. شيء يسر..‏

ـ الحديقة؟‏

ـ لا، تجنيد الشعب كله رجالاً ونساء.‏

وعلق أوباها:‏

ـ يقال أن الدمشقية مشهورة بأنها امرأة سياسية..‏

كان هاشم يداعب ابنته نهاد، وسلام يرنو إليها. أنها في سن آمال تقريباً، حتى إذا أقبلت لتسلم عليه احتفظ بها يداعب شعرها المضفور في سنبلتين إلى الخلف، ويسألها عن بعض شؤونها.‏

جاءت زوجة هاشم ببعض المشروبات، فصبت لضيوفها مرحبة، بينما زوجها يعلق على فكرة أوباها:‏

ـ بالفعل كانت الدمشقية سياسية وربما أكثر من اللازم، عندما كانت سياسة العرب كلاماً.. أما الآن فالكل يعمل بصمت علنا نعوض ما ضيعناه في الكلام..‏

قال ذلك وهو يومئ لابنته لتشارك في توزيع الكؤوس.. لتعود إلى حضن سلام.. كانت تقاسيم الوجه البريء وعبير الشعر تذهب به بعيداً بعيداً.. ويهتف من بين أشجار البلوط الباسقة، وظلالها الوارفة:‏

ـ بابا إنه يغش!‏

ويبرز وجه آمال بالضفرتين السنبلتين، تنتفض في حدة وحنق تضرب الأرض برجليها صائحة:‏

ـ غشاش.‏

وتترك مخبأها متجهة نحو الغشاش الكبير أخيها جمال لتصب عليه جام الغضب الصبياني الجارف. ويرتفع الحلف من جهة، والتكذيب من جهة أخرى، فيغادر سلام مخبأه أيضاً لفض النزاع.. ثم تعود لعبة الاستخفاء من جديد، وتتردد في أرجاء "المعمورة" الغابة السعيدة بيوم عطلتها، صيحات الطفولة والبراءة والهناء، تتابعها على بعد أمتار معدودات عيون مشفقة رحيمة: فعلى فسحة معشوشبة فرش بساط رقيق مزركش، جلس عليه الحاج ميمون الركراكي واهناً متكئاً على وسادة، يرقب مرح حفيديه مع والدهما، وعلى مقربة منه آمنة زوجة ابنه سلام تعد وجبة الغداء..‏

وينتزع أوباها رفيقه من عالمه البعيد بلهجة ود ساخرة:‏

ـ خليك معنا يا مقدمي!‏

وعاد سلام بخواطره لمجلس الجماعة، وشعور قوي يملأ أعماقه بأن صلته ببيت هاشم تتوطد وترسخ، فخط عنوان ولديه لنهاد طالباً منها أن تكاتبهما.‏

ــ 10 ــ‏

تنقلت نظرة أبو محمد (الولد) مع سطور الصحيفة تتبع مناوشات القتال وعمليات الفدائيين داخل الأرض المحتلة، ومناورات السياسة، لتتوقف على الهدوء الغريب في الجبهة الثانية حيث هو الآن: هدوء لا مبرر لـه بعد أن كانت هذه الجبهة مصدر تحركات عميقة قرب خطوط العدو الأمامية وداخلها أحياناً. تحركات كانت محدودة ولكنها كانت فعالة نتيجتها أن قيادة هذه الجبهة تعرف الكثير عن إمكانيات العدو في هذه المنطقة، وطبيعة تحصيناته. لقد قالها مرة عن إيمان: إننا ببناء هذا الموقع سنتجمد.. وهل يطيق كيانه أن يتجمد ولو مؤقتاً كما يمكن أن يقال على سبيل العزاء؟ وكيف ولأي سبب..؟ ومن عالم الغيب تحدق فيه عينان جامدتان لا ترفان إلا لنصر أو هزيمة تحديقاً أبدياً يهزه هزاً عنيفاً.. وعند ما آثر أن يلتحق بهذه الجبهة بالذات من جبهات الجولان، فما ذلك إلا لنشاطها الذي أثاره قبل الالتحاق بها، وأثاره أيضاً مدة بعد هذا الالتحاق. فدوريات الاستكشاف التي شارك فيها منذ التحاقه الأول، والمعارك الصغرى التي خاضها هنا ضد دوريات العدو، ومناوشات الخطوط الأمامية لم تكن إلا عمليات جزئية صغيرة لا ترفُّ لها بالتأكيد العينان المتجمدتان في نظرتهما الأبدية، لكنها مع ذلك كانت عزاء في انتظار هزيمة أو نصر حقيقي يرضيك يابو محمد (الوالد)، المدرس، صاحب وسامي الاستشهاد، الفلسطيني..!‏

على بعد خطوات كانت سامية أبو عزيز متكئة على الحائط الترابي للخندق، تشيي بضعة خيوط بخصلتها الفاحمة تحت الكوفية، وبجانبها خوذة الميدان والسلاح، ويرتاح على ركبتيها ديوان شعر! ماذا يقول الشعر وأي هجر أليم مقيت لصوت الحق الفصيح السلاح، وأي بديل؟!‏

ـ السلاح والشعر عندي توأمان!‏

أيمكن أن يحمل أبو محمد مثل هذا الاعتقاد يوماً؟ لئن وقع ذلك فهو السقوط بلا أدنى ريب، وإن كان يصعب عليه أن يصدق أن سامية في سقوط بهذا الاعتقاد. لم إذن؟ لن تكون إلا سخافة من سخافات ضحالة تجربته، وضعفه أمام براءة رفيقته ووضوح أفكارها.. ولو صدرت فكرة التوأمة الهجينة هذه عن بو علي أو أي غيره لما تردد في أن يطمئن إلى أنها سقوط.. إذن هو في مجرد ضعف أمام براءة سامية، وسحر أفكارها. ولكنه لا يمكن أن يتصور نفسه يوماً على مثل هذا الاعتقاد. صوت المعركة الفصيح الأوحد، سيظل عنده: السلاح. أيكون ذلك لفقر في مواهبه الأدبية وضحالة في خياله؟ ربما. لكنه لا يأسف على ذلك، ولو قدر لـه أن يتابع دراسته الجامعية لما كان غير مهندس زراعي أو ميكانيكي أو أي شيء آخر عدا حماقة الشعر والخيال.‏

رئيف محي الدين إلى جانبه يفكك سلاحه قطعة قطعة، يمسح ويُزَيِّت، وطقطقة قطعه المعدنية صدى طلقات تتردد في سمع بو محمد واهنة على سطور الصحيفة، متفرقة هنا وهناك على مسافات متباعدة في جبهة القتال، في الضفة.. في مناطق عميقة من الأرض المحتلة، أو حواليه هنا في جبهات الجولان وما يؤدي إليه، إلا هنا بالذات في هذا المكان من هذه الجبهة حيث أصبح...‏

كانت سامية قبالته تقريباً. وكلما خفت صدى السطور المقروءة في ضمير بو محمد قويت معالم الوجود الحي المحيط به فتساءل وهو يرنو إلى جانبه حيث رئيف: ماذا يمكن أن يجول بخاطر هذا الحلبي قليل التجربة والمتحمس مثله لشيء يفجر هذا الركود؟ يفكك ويركب ليفكك ويركب! أيعبر هذا عن غير طاقة حبيسة ولهفة لهزيمة أو نصر؟‏

وظهر الرقيب أوباها في أقصى منعرج الخندق، عائداً من إحدى جولاته ووراءه رفيقه عيسى الرايح يبدو في كيانه المتراخي وحركات أطرافه الطويلة النحيلة، وكأن مفاصله فقدت قوة التحامها الأصيل.. هو أيضاً لن يكون إلا مثلك يابو محمد، ومثل الآخرين، طاقة حبيسة ولهفة على نصر أو هزيمة تطرف لهما عينيك يا جامد الطرف الخالد.‏

تهاوت قامة عيسى الرايح بجانب بو محمد إلى اليسار، وقال وهو يضع سلاحه وخوذته جانباً على الأرض:‏

ـ ما الأخبار؟‏

ورفعت سامية بصرها عن كتابها برهة، لتعود إليه. هاهي ذي لهفة تطل، في شخص يناظرك يا بو محمد. وانطلق أبو محمد ينقل الأخبار ويعلق عما قرأ.. في الواقع لا شيء تجسده سطور الصحيفة، لا شيء عدا كلام يراد منه أن يحفظ شعلة الحماس، كان بالإمكان أن تنطفئ الشعلة، كان بالإمكان أن تهتز أعصاب جمدتها الآلام لغير ما يهز أعماقها بعنف، أو تطرف العيون الجامدة المحدقة لغير ما يجب أن تطرف لـه وبه وحده، كان بالإمكان أن تندمل، أن تنسى جراح الأرامل والأيتام وأشباح الضحايا البريئة والمشردة عن الأراضي المحتلة قديماً وحديثاً.. أيها العرب يا أبناء جلدة تهزها البلاغة، لقد ولى عهد البلاغة ولتهجروا فكرة توأمة هجينة بين الشعر والسلاح.‏

ـ السلاح والشعر لا يتعارضان، لكل وقته ومكانه! لو لم يكن صوتك البريء يا رفيقة هو الذي يتردد بمثل هذا.. لو كان صوت بو محمد مثلاً لأخرسه أبو محمد نفسه. كانت سامية تبدو غائبة في سطورها، ولكنها تنطق في أعماق رفيقها بو محمد بصدى مناقشات سالفة.‏

ورد عيسى الرايح وهو يتناول الصحيفة من رفيقه:‏

ـ الجندي منفذ وليس مخططاً.‏

صحيح. جد صحيح يا عيسى الرايح لدرجة تكفي للتعزية والتمويه على من يحترق تحت السلاح بنار انتظار فقط، لكنها لا تكفي لإطفاء أجيج برهة قصيرة، تحت نظرة كيان جامد في حي كئيب من أحياء القاهرة..‏

وطغى على الجو حديث بين أوباها ورئيف. إذن لقد دخلنا في مرحلة الإجازات والتفسح، ولا يدري أحد متى تنتهي. وما لبث أوباها أن أخرج جوالاً ورقياً صغيراً ورمى منه شيئاً في فيه، وفتح راحته بكمشة منه أمام عيني رئيف قائلاً:‏

ـ فستقة؟‏

ورنا رئيف إلى راحة رفيقه وهو يركب آخر قطعة من سلاحه في مكانها المضبوط، ثم يتناول بضع حبات من الكف المبسوطة، وهو يعلق عن أجود أنواع فستق بلدته وكيفية تناولها. ورمى أوباها حبة أخرى في فيه، وهو يقول بابتسامة عريضة مستطلعة:‏

ـ سمعت لـه اسماً آخر؟‏

ـ حب الفهم.‏

أرسل رئيف جوابه بتلقائية وتجاوبت ضحكات أوباها متتابعة بتلقائية أيضاً.. يضحك ويكرر جواب رئيف.‏

حب الفهم.. حب..‏

وبدت معالم التضايق والاستغراب على رئيف وهو يتابع حال رفيقه، وبدأت أطراف عيسى الرايح تهتز مجاراة للضحك وسامية تبتسم مشدودة إلا أبو محمد. وجاهد أوباها ليوقف تيار ضحكه العالي أو تظاهر بذلك ليقول بألفاظ تفصل بينها مسافات ضاحكة:‏

ـ عندنا.. في.. مر.. اكش.. يقولون نفس العبارة ويقصدون بها.. شيئاً آخر..‏

وأخيراً غالب ضحكه وهو يقترب من أذن رئيف، ويهمس فيها بشيء أراد من دون شك ألا تسمعه سامية أبو عزيز. ولم يملك رئيف إلا أن يضحك بدوره. وتابع أوباها:‏

ـ ما كنت أعتقد أن شيئاً حقيقياً يمكن أن يوجد ويحمل نفس الاسم؟‏

الإجازات أعطت أكلها إذن! لم لا تكتب الصحف ذلك؟ لم لا تقول أن الضحك والدعابة توأمة للسلاح كتوأمة الشعر أو أكثر أصالة؟ ما يمنع من ذلك؟ المانع من دون شك قيراط تمويه وقيراط نفاق ومكاييل الكذب والمناورات! آه يا ابني يابو محمد. خفف. خفف عليك.. يا الله يا ابني يا أوباها المرح اسكت هذا البركان.. هيا..‏

ومد أوباها رقبته قليلاً ليتجاوز رئيف بنظرته نحو بو محمد متسائلاً:‏

ـ مالك يابو محمد؟ تفتح علينا.‏

ومد لـه كفه بحبات فستق ضاحكاً:‏

ـ خذ يابو محمد.. خذ من حب الفهم تفهم!‏

لم يتحرك أبو محمد نحو الكف المبسوطة، ورد في لا مبالاة:‏

ـ والله فاهم.. وفهمت الكثير.‏

التقط رئيف حبات الفستق من كف أوباها قائلاً غير ملتفت إلى بو محمد:‏

ـ يا أخي الفهم الكثير يضر.‏

وكأنما كان أبو محمد ينتظرها فرصة ليفرغ بعض ما به:‏

ـ ماذا تريدون؟.. أن أقيم عرساً.. جئنا من أجل معركة، هزيمة أو نصر.. هكذا قالوا لنا: تعالوا لمعركة نظامية من أجل الشرف والحق وما تشاء من هذا الكلام، فجئنا لنسقط في فترة من الرخص والإجازات السياحية.. لو عرفنا هذا، لو عرفت لانخرطت في خلية فدائية أو فرقة انتحارية..‏

كان يتكلم بحدة، وقد اختطفت يده الصحيفة لا شعورياً من عيسى الرايح وطفق يضغطها بكلتا يديه، وكأنما بوغت رئيف بهذه الحدة فقال ببعض هدوء:‏

ـ ومن قال أن هناك معارضة بين المعركة النظامية وأعمال الفداء؟ أنت هنا في جبهة والفدائي هناك في جبهة أخرى تتكاملان. ورد أبو محمد وقد أمست الصحيفة في يده عديمة الشكل:‏

ـ أنا هنا في رخصة سياحية لا أكثر.. كلنا كذلك.. ألا تتحدثون عن مآثر دمشق، وفستق حلب المكسر؟! ألا أسمع معكما وأجلس بجانبكما مشاركاً!؟ يبقى أن نعرج على مواخير بيروت وأوكار القاهرة، والاسكندرية وننسى.. ننسى مجازر أيلول (سبتمبر)، وآلاف الشهداء وملايين المشردين قديماً وحديثاً.. هه. وهو ذا فعل الفهم وحب الفهم بحق..!‏

تصاعدت الدماء حارة إلى وجه رئيف الأسمر الأمرد وأبو محمد يشير إلى حبات الفستق في يده كأنها صك اتهام أو دليل التلبس. لئن كان أبو محمد أسير نظرة ما، فرئيف أسير فستق مكسر.. نعم فستق مكسر ولكن بدم لا بسكر منذ صفاء يوم من أيام الجنى في ضواحي حلب حيث تمتد غابات الفستق الخالدة، وحيث وقف بعض نسوة وأطفال على طريق حلب ـ دمشق الرئيسي، وأمامهم أكوام من ألوان الفستق يبيعونها لسالكي الطريق.. في صفاء ذلك اليوم عَّن لبعض طائرات العدو أن تقوم بجولة سياحية حقيقية، وأن تتفضَّل بإفراغ حمولتها من النابالم والقذائف على غابات الفستق وأصحابها، لتتصاعد رائحة الفستق المكسر باللحم البشري المحروق وبالدماء.. أما اليوم فطائرات العدو لا تحلم بمثل تلك النزهة القصيرة في صفاء السماء أو غيمها. وهذا جزء، مجرد جزء من المعركة.‏

وعلق أبو محمد في لهجة خفت بعض حدتها:‏

ـ إننا نبالغ.‏

ورد رئيف:‏

ـ أبداً. هذه حقائق وأنت تعرفها. عدونا اليوم يحسب ألف حساب قبل أن يبعث بطائرة استطلاعية وعلى علو شاهق جداً..‏

ـ هيه.. مهلاً مهلاً.‏

قال أوباها ذلك، وقفز بخفة إلى حيث يقابل أبو محمد وهو يتابع:‏

ـ بمنطقك تريد أن تنطوي على الحزن، وأن تخوض المعركة أو تنتظرها أو تصنعها كما تشاء بوجه مقطب عبوس.. المعركة والحرب ليست عملاً فردياً ولا هي مأتم دائم..‏

ـ ولا هي عرس دائم..‏

ـ صحيح.. ولكنها تخطيط عام عليك أن تحتل فيه رقعتك بضبط وانضباط وكفى.‏

ـ ثم؟‏

وتلفت أوباها حوله ناظراً إلى رفاقه مبتسماً كأنه يغريهم بتأييده ثم أردف:‏

ـ ثم.. ثم تسير ضاحكاً إذا استطعت.. اسمع لو أمكنني أن أسير في جنازتي لما سرت إلا ضاحكاً!‏

كانت سامية قد تخلت عن أن تعود ببصرها إلى الكتاب مرة بعد أخرى تاركة عنان ضحكة عريضة ترسم غمازة صغيرة على خدها الأيمن، وهي تتابع حركات أوباها وأقواله:‏

ـ أقسم لك أن وفاة والدي عطلت لي مشروعاً رئيسياً لولا أني تداركته بالابتسام.. كنا شباب القرية على موعد ليلة الغد لنحيي رهاناً بيني وبين أحد المدعوين في النكتة والدعابة والحكايات بشتى ألوانها، على أن يلتزم المتخلف منا بإقامة مأدبة للجمع.‏

وكنت طيلة اليوم أزود جعبتي بالحكايات اختلق منها وأرص في ذهني. ولكن الموت يعاجل والدي فيشتت ذهني. وفي الجنازة وموكب الحزن، وفي المقبرة حيث عم الهدوء وجدتني أرنو إلى الحفار وهو يعمل في التراب حافياً نشيطاً يهيئ للموت ويضحك للحياة! أجل يضحك بحق، فقد توعده بعض الحاضرين بأنه سيكون حفار قبره عندما يموت، وأنه إذ ذاك لن يوسع له.‏

فضحك الحفار مخاطباً صاحبه: ستسبقني.. ووجدتني مشدوداً إلى مشهد الموت والحياة، مأخوذاً بنشاط الحفار وابتسامه وحركات رجليه الحافيتين.. ووجدت ذهني ينتعش، وتنبعث فيه حكاية هي بنت اللحظة، بنت الموت والحياة، وسرعان ما تتالت مثيلاتها..‏

تساءل عيسى الرايح بلهفة:‏

ـ ما هي؟ قل بالله.‏

ـ كان المقرئان في المقبرة قد جمعا في آخر النهار محصولاً طيباً عندما أسلم أحدهما الروح، فقام رفيقه يواريه التراب وعندما انتهى، انتبه إلى أن فردة (بلغته) تسربت داخل القبر، فعاد يحفر من جديد حتى إذا تبينها بجانب الجثة مد يده ليتناولها. أتدرون ماذا حصل؟ هتف به الميت هات نصيبي!‏

آه.. يا ابني يا أوباها عشت.. وأيمانك الكاذبة يغفرها الله.‏

ــ 11 ــ‏

قال أبو محمد في صوت تجاوز حد الهمس لجاره:‏

ـ زيارة روتينية.‏

كانوا مصطفين في وضع الراحة في انتظار أن تنتهي بعثة القيادة العامة من اجتماعها بقيادة الموقع وتفقدها له، لتستعرضهم ويؤدون لها التحية. ورد عيسى الرايح دون أن يلتفت إلى صاحبه:‏

ـ ما يدريك؟‏

ـ أراهن على ذلك.‏

ولم يرد عيسى الرايح بشيء. واستأنف أبو محمد كأنه يحدث نفسه، لكن كلامه كان مسموعاً جداً:‏

ـ يخيل إلي أن العرب نشاز هذا العصر.‏

ـ ألست منهم؟‏

ـ بلى، وتلك هي البلية.‏

وعلا صوت الرقيب أوباها من أقصى طرف الصف طالباً الصمت. الصمت ممكن ولكنه كوقفة الجنود صفاً أمام العلم ضحى اليوم يحرك قليلاً من صفحة حياتهم تحت السلاح والانتظار، ولكنه لا يمس الأعماق الراكدة، أعماقاً امتلأت إيماناً بأن تصنع مصيرها، ولكنها لا تجد فرصة لتحقيق ذلك. وقد تكون الفرصة أقرب ما تكون إليهم. لِمَ لا؟ غداً أو بعد غد.. لا مانع إلا أن يكون العرب نغمة النشاز الوحيدة في هذا الوجود كما يؤكد أبو محمد، وبذلك لا تأتي الفرصة المنتظرة أبداً أو تأتي معكوسة كسابقاتها، فيتوسع العدو من جديد في مناطق جديدة، أو تصطنع معارك بين العرب أنفسهم، ويبدو العدو دائماً أكثر معرفة بدقائق معنوياتنا مطمئناً إلى أننا سنصبح بعد فترة مطالبين بآخر ما رسمته مبادراته من حدود الهزيمة!‏

ـ إشاعات!‏

قالها عيسى الرايح دون أن ينظر إلى صاحبه وقد انحرف قليلاً برأسه إلى اليمين ليواجه الشمس بدل أن يتراقص عليه شعاعها المؤذي من خلال خفق العلم المرفوف..‏

ـ ما هي الإشاعات؟‏

ـ ما يروجه العدو وتكرره أنت.. حرب نفسية معروفة! وتفرس أبو محمد في الصفحة الموالية لـه من وجه صاحبه، كأنه يراه لأول مرة. لقد بدا لـه كل ما فيه طويلاً حاداً في وقفته الجانبية بجواره، أنفه وعظام خده والحاجب والذقن.. ثم تساءل:‏

ـ تتمنى ذلك أم تعتقده؟‏

كانت شمس الضحى قد ارتفعت هذا اليوم مع ميلاد حدث جديد بدا أنه يقطع بعض تيار الروتين الذي بدأت حياة فرقة الموقع تسير فيه منذ أكثر من شهرين. وقد ظهر أثر ذلك جلياً منذ انتهاء التمارين الصباحية المعتادة، عندما وصلت بعثة تفقدية من القيادة العامة.. لقد بدت شمس اليوم مبشرة ببعض اعتدال بعد أيام متوالية الحر.. واصطف حوالى الخمسين جندياً المكونين لفرقة الموقع في الساحة المحدودة وسط تحصينات الموقع، تتوسطها صارية العلم المرفرف في انتظار أداء التحية للزائرين المجتمعين بأفراد قيادة الموقع.. حدث جديد حقاً أنقذ بعض النفوس من الانصراف إلى أحاديث ثائرة أو هادئة معتادة مكرورة في جلسات رتيبة تبدأ بمجرد انتهاء الصباح، جلسات وأحاديث ما كان يقطعها شيء ويغذيها كل شيء: فترات الأكل، تفقد السلاح، قراءة بريد.. كل ذلك تغير اليوم ظاهرياً على الأقل بزيارة البعثة وبذلك تغيرت صفحة حياة الجنود، ولكن من المبالغة الشديدة الاعتقاد أن ذلك يمس أعماق الكثير منهم، أعماق زاخرة بعزيمة لا تجد مجالاً بتصريفها..‏

وارتفع صوت الرقيب أوباها آمراً وقد تجمد في وقفة الانضباط بمواجهة صف الجنود في أقصى الطرق، وقد احتقنت صفحة وجهه اليمنى احتقاناً شديداً بوقع أشعة الشمس المرتفعة عليها مباشرة وبدت آثار بثور حب الشباب في وجهه ثقباً غائرة مظلمة وسط الاحتقان.. وامتزجت قعقعة السلاح بضربة أعقاب الأحذية العسكرية الثقيلة في وقفة الانضباط والتحية، وبرزت ثلة ضباط بلباس الميدان تمر أمام الجنود المصطفين بعيون متفحصة، يسير خلفها أفراد قيادة الموقع.. واستمع الجنود إلى كلمة موجزة مركزة من أحد الضباط الزائرين، لكنها في الواقع لم تكن لتشفي ما تغلي به بعض الصدور.. جاءت كلماتها تحمل تهانئ القيادة للفرقة على الدقة التي تمت بها التحصينات وبناء الموقع كله.. والنظام.. والاستعداد.. وحملت كلماته وعداً بوصول عتاد جديد متطور وجنود.. وثقة بالغة في قدرة فرقة الموقع وجرأتها.. إلخ.‏

ـ سألتك إن كنت تتمنى ذلك أم تعتقده؟‏

ـ ما هو؟‏

ـ الحرب النفسية.‏

ـ بل أعتقده.‏

كان الجنود قد بدأوا يتفرقون صوب مراكزهم بعد انتهاء العرض الصغير.. ورنا أبو محمد جيداً إلى عيسى الرايح السائر إلى جانبه وتشابك بينهما حوار لم يكن فيه جديد على أحد منهما: العدو يشن علينا حرباً نفسية خطيرة.. جائز..‏

***‏

أصوات النقاش الدائر تقوى فتطغى على سطور الكتاب حيناً، وتخف حيناً آخر، فتلتمع من خلف سطور الكتاب عيون صبية مرتعبة في الظلام مكتومة متداخلة بعضها في بعض تحت أغطية الخيام على موعد مع الموت تمطره السماء في كل حين.. وتتداخل الحروف والكلمات تلوح من خلالها أشباح نسوة تترامى إلى كل صوب في الحقول باحثة عن ملجأ من غارات الموت..‏

وأشباح أخرى ملئمة تتصدى للموت بالموت.. أنبحث في الشعر عن أمل، عن عزاء أم هو موت آخر؟ لو أجاب أبو محمد لما تردد في أنه السقوط.. السقوط العام المطلق، النفسي والاجتماعي الذي تتردى فيه أمة بأجمعها أو جنس بشرى كامل عند ما يتفاقم التفاوت بينه وبين مستوى عصره.. السقوط الذي يتجلى جدلاً ونقاشاً وحماساً فارغاً واستجداء للسلام، ورفقة شعر وتوسد بندقية في ظلال هزائم وارفة واستعداداً لنصر تصنعه يدا كائن أسطوري بقوة غامضة مفاجئة، يقف فيها العالم أجمع قائلاً: أنتم يا أمة العرب أنبياء ومظلومون وأنت أيها العدو ظالم متسلط، فتنحسر هكذا أقدام الظلم عن أرض الأحرار! أليس هذا سقوطاً ونشازاً؟ ويكتب عليك يابو محمد أن تطفئ شعلتك في وهدة السقوط هذه رغم كل احتياطك ونتيجة خطأ لم تتعمده عندما سلكت درب الجندي النظامي بدل دروب الاقتحام والفداء! من صنع مأساة العرب؟ العرب أنفسهم. وهل يدركون ذلك؟ إنهم على كل حال يفعلون ذلك تحت آيات الشعر وآهات الطرب الحزين ومواسم التشاور! أحسن تعريف لهذا النشاز والسقوط ما قاله بعضهم: العرب يقضون نصف عامهم في الخصام ونصفه الآخر في التصالح! ولم يكن أبو محمد يشك في أن رفاقه أو أغلبهم هنا تحت السلاح، في نقاشهم الدائر وخلافاتهم المصطنعة إنما يعكسون ملامح النسخة الأصلية من أمة تقضي حياتها في الخصام والتصالح، وإذا خرجت عن ذلك فهي تنتظر.. تنتظر مجهولاً لا تصنع لـه كل ظروف الميلاد الطبيعي ليتشكل تقهقراً وخلافات وهزيمة..‏

كان أبو محمد منصرفاً كل الانصراف إلى خواطره، ملقياً ظهره بلا مبالاة على الحائط ممداً رجليه إلى الأمام، لا يكاد ينصت إلى شيء مما حولـه، لكنه يسمع كل شيء، يعرف كل سؤال وجواب.. وكل شيء مكرر لا يحرك ساكناً إلا أن الساكن يتحرك عندما يقول أحد الرفاق:‏

ـ فدائي وجندي شيء واحد.‏

كيف وبأي منطق يسوى بين حامل روحه على فوهة الرشاش وحد السلاح الأبيض، يجوس في خضم المخاطر كل لحظة من لحظات وجوده، وبين مستريح في وهدة انتظار طاعماً كاسياً؟! كيف يسوى بين من عرف مصيره، وخطط لهذا المصير منفذاً في كل لحظة خطته الصميمية صانعاً وجوده، وبين من ينتظر مسلسلات التشاور والخلاف والتصالح..؟‏

وصرخ أبو محمد بلا مقدمات‏

ـ هراء..‏

وأوقف تدخله المفاجئ تيار الشعر والنقاش، فطوت سامية كتابها دون أن تحفل بتعليم الصفحة، وتوقف رئيف عن أشعال سيجارته ويده عل عود الكبريت، وأبو على يزيح صحيفته جانباً.. بينما يرد عيسى الرايح:‏

ـ كلهم في المعركة والمعركة واحدة..‏

كان يؤمن بمن هم خارج الخنادق وخارج عمليات الاقتحام لكنهم في صميم المعركة في شوارع المدن ومسالك الأرياف والحقول، بلا سلاح ولا حتى شارة انضمام رسمية لهذه الجماعة أو تلك، ومع ذلك فهم في صميم المعركة.. وتاهت خواطره في معارج ساحرة قاسية تنبعث منها رائحة دخان، ويتسلل شعاع رقيق مؤلم وتصدر آهة خافتة جد خافتة..‏

ابتسم أبو محمد بسخرية حزينة مصدرها جرح الأعماق. عين الهراء. المعركة واحدة صحيح، لكن الأساليب والمواقف تختلف. الجندي يسير في ظل السياسة والفدائي في ظل الثورة.‏

السياسة خصام وتصالح ومناورة والثورة وحدة طريق، ويا ويل من أخطأ الطريق..‏

وتدخل أبو على بثقة وهدوء يقول:‏

ـ الثورة التي صنعت الفدائي هي التي صنعت الجندي، والامتثال لكليهما على نفس الدرجة من الأهمية..‏

لكن اندفاع بو محمد يقاطع كل شيء:‏

ـ الثورة يا حبيبي طريقها واضح.. ليست كلاماً ولا مناورات إنها حياة تجري وتتجدد ويجب أن تظل كذلك ولا تتوقف حتى تحقق كل أهدافها، لكننا في خضم المناورات نعمل على تجميد أطرافها شيئاً فشيئاً مثلما نحن الآن هنا وأمثالنا هناك في مواضع أخرى، إننا نمثل أطرافاً مجمدة.‏

ورد أبو علي باقتضاب:‏

ـ أنت مبالغ، وفوق ذلك فالامتثال مبدأ ثوري..‏

لم يرد أبو محمد بشيء إنها فقط طبيعة تدفعه للكلام أما هو فعلى يقين من أنه لن يقتنع. أغمض عينيه واستسلم لمتكئه على الحائط. الامتثال مبدأ ثوري، ليكن! فهو أسهل المبادئ تنفيذاً على الإطلاق عندما يكون أمراً بالتجمد والانتظار الطويل المميت.. ومهما يظل قلب الثورة نابضاً، فتجمد الأطراف سوف يدب نحوه، الثورة نار والحياة دم يجري ولا يتوقف.‏

وتقدم الرقيب أوباها نحو المجمع بخطو ثقيل بطيء وكلتا يديه على حزامه، وتساءل ما الأخبار؟ كأنه يستعجل الهجوم على موضوع النقاش.. حتى إذا رأى أن أحداً لم يبادر متطوعاً ليفصح عن شيء تناول صحيفة أبو علي وطاف عليها ببصره.. الجبهة الأولى والثانية تتحركان في عمليات دورية موفقة وغارات العدو على المخيمات.. وعمليات الاقتحام داخل الأرض المحتلة.. وبدأ صوت أوباها يرتفع مع الأخبار على نبأ مختصر لبعض العمليات الفدائية، ثم ما لبث أن قطع القراءة صائحاً:‏

ـ اسمع يا نائم يا أبو محمد.‏

لكن هذا لم يفتح عينيه ولم يكن نائماً، فعاد أوباها لقراءته حتى إذا رفع بصره التقى بنظرة سامية، فابتسم وهو يطيل التأمل في وجهها مما دفعها إلى تساؤل خفيف:‏

ـ هل من شيء يا حضرة الرقيب؟‏

لم يكف عن تأمله وابتسامه وهو يقول:‏

ـ نعم ولا.‏

ردت بنفس اللهجة:‏

ـ فهمت ولم أكد.‏

وضحك أوباها ملء شدقيه كما يضحك صبي بريء وعلق عليها:‏

ـ تلميذة نجيبة والله.‏

لم تغير سامية من لهجتها وهي تسأل من جديد:‏

ـ وما يثير الرفيق؟‏

ـ أنت الشيء الوحيد المنسجم في هذا الموقع!‏

ـ وكيف أيها الرفيق؟‏

ـ السلاح والكتاب.‏

ـ يعني؟‏

ـ يعني أن اللطف لا يفارق المرأة.‏

ـ هل من شيء آخر؟‏

ـ.. لا تكادين تبتسمين ولا تغضبين.‏

ـ وماذا تقترح؟‏

ـ أن تكون القيادة في العالم أجمع للنساء.‏

ـ وماذا يحدث؟‏

وتوقف كالمتعب، أو كأنه يعاني من عملية استنتاج عميقة ثم يقول:‏

ـ تصدر أمي رقية من أعلى كرسي السلطة أمرها السامي بأن يتزوج جميع الذكور قبل سن الرشد ليتأتى لها أن تتملى بطلعة أحفادها قبل حلول الممات، هادم اللذات ومفرق الجماعات!‏

أنهى كلامه بحركة مسرحية حقيقية بدا لها طيف ابتسامة يراود ثغر سامية، ما لبث أن اختفى وسامية ترد:‏

ـ لنتكلم في الجد.‏

ـ نعم؟‏

ـ يخيل إليّ أن لك ما تقول عن المرأة.‏

ـ نعم وكثير.‏

ـ ما هو؟‏

ـ ... عندما تغيب المرأة نتمناها وعندما تحضر نخشاها.‏

ـ نعم.‏

ـ وعندما توفيت زوجة فقيهنا في القرية، نطق لأول مرة بحكمة خالدة "لهلا يرحمك يا جب جب" مرتاحاً لأول مرة في حياته من مطالباتها!‏

وكأنما يئست سامية من أن تستدرجه إلى حديث جد فقالت:‏

ـ الثورة أيها الرفيق سوت وإلى الأبد بين المرأة والرجل في كل شيء.‏

وطفق أوباها يعرك جبهته المتحقنة مقطباً كالغائب في تفكير عميق، كأنه يحاول التذكر، ثم قال يائساً بخيبة مصطنعة:‏

ـ لم أقرأ مثل هذا في مدرسة أمي رقية!‏

قفز أبو محمد من متكئه فجأة، ونهض مبتعداً عن الجمع على نحو يشي بنفور من هذا الجو.‏

وعلق رئيف محيي ا لدين:‏

ـ أخونا في حالة.‏

وقام يركض للحاق به.‏

وتمتم أبو علي:‏

ـ كلنا مثله لكن!‏

لم يتمم فكرته أو أتمها لنفسه، فإن خطوات رئيف الراكضة، في وقعها على الأرض الترابية المدكوكة كان يضرب في قعر فصه الدماغي وفي تجويف قلبه.. ركض.. ركض وركض..‏

ــ 12 ــ‏

يستكين الصادي إلى ظل، و طير هوجاء العواصف إلى دوحة أمان، والعاصفة نفسها، أحمال التمرد المكثف المضغوط في أعماقها ما لم تتفجر فالأم تستكين؟‏

ـ تأمل معي.‏

قالها الملازم منير أبو سعد وهو يضغط على يد المقدم سلام وينعطف نحوه قليلاً بقامته الفارغة. وتوقف الرجلان يرقبان المشهد على بعد وعلق سلام:‏

ـ سبحان مغير الأحوال.‏

وتمتم أبو سعد.‏

ـ علامة خير..‏

كان الرجلان قد خرجا لتوهما من قيادة الموقع يطوفان به للتفقد وإصدار بعض التعليمات، وكانا على وشك أن يقطعا ساحة العلم نحو شرقي الموقع حين لمحا ما أثار انتباههما:‏

تمدد أبو محمد كالمستكين الهادئ إلى ظل سامية أبو عزيز جنباً إلى جنب متكئان بظهريهما إلى حائط الركن الجنوبي للموقع، وقد رسمت أمتعة الأصيل إلى جانبيهما على الأرض ظلالاً منتظمة طويلة لبعض الأبراج المرتفعة شيئًا ما عن التحصين، بما يطل منها من فوهات المدافع وأشباح فريق المراقبة..‏

مد أبو محمد رجليه أمامه على الأرض، متكئاً بهيكله على راحته يستمع، وعيناه تتقريان ملامح سامية الساحرة في قراءة من كتاب على ركبتيها.. أتستكين العاصفة إلى بحر هادئ أم إلى عاصفة أشد عنفاً وأعتى؟!‏

سار منير وسلام في جولتهما وحين ظهرا من جديد باتجاه الركن الجنوبي للموقع، كان أبو محمد قد بدأ يقرأ من كتاب رفيقته، بينما هي تنصت والظلال تكاد تغمر جلستهما. فخطا الضابطان نحوهما، وتوقفا على بعد خطوات في هيئة تدل على تبليغ أمر عسكري فوقف الرفيقان من جلستهما يؤديان التحية، كان سلام بالنسبة لهما رفيقاً قديماً مألوفاً، فقد ظهر بجانبهما منذ بداية إنشاء الموقع، أما منير فهو ملحق بالقيادة العامة، ولم يكن يتردد على الموقع إلا نادراً في مهام لا يعرفان عنها شيئاً، وإن كان ظهوره في الموقع منذ أسبوع أو أسبوعين أصبح مستمراً. قال المقدم سلام موجهاً كلامه للرفيقين المنتصبين في وضع التحية:‏

ـ الملازم أبو سعد يريد أن يبلغ شيئاً..‏

قال ذلك وتأخر خطوة إلى الوراء كأنه يترك الفرصة لزميله لتنفيذ مأموريته، بينما التوت يده لا شعورياً تكت عموده الفقري أسفل ظهره. وتأمل الملازم أبو سعد الجنديين ملياً وبمهل، كلا على حدة، ثم خط في كراسة صغيرة بيده وقال وهو ينقل نظره بينهما:‏

ـ لكما عندي مهمة.. لقاؤنا الليلة بعد العشاء.‏

تبادلوا التحية، وانصرف الضابطان، وظل أبو محمد يستشعر نظرات الملازم المركزة في عينيه وسأل رفيقته:‏

ـ عندك فكرة؟‏

كانت عيناها ما تزالان تتابعان شبحي الضابطين المنصرفين لإتمام جولتهما، وردت:‏

ـ لا. لكن..‏

قاطعها أبو محمد وكأنه يحدث نفسه:‏

ـ أرأيت في عينيه؟‏

ـ ماذا؟‏

والتفت إلى رفيقته مركزاً في عينيها، كأنه يريد أن يخترقهما ليظفر بالجواب.. لو فتحت عينا أبو محمد عبد الباقي (الوالد) لو طرفتا وركبتا في هيكل شباب متحرك لكانتا نظرات الملازم أبو سعد.‏

وردت سامية سؤالها القصير:‏

ـ ماذا رأيت؟‏

لا يدري. مجرد شعور غريب لا يبدو أن أحداً يشاركه فيه، وقد يكون لكل رفيق شعور مماثل على نحو ما، ولكن عمق النظرات الجامدة المسددة إلى أعماق الغيب طبع وجدانه هو وحده فيما يبدو.‏

***‏

أوقف المقدم سلام رفيقه الملازم أبو سعد وهما على عتبة الهبوط إلى خنادق الركن الجنوبي وسأله:‏

ـ لم يكن اسمها وارداً؟‏

ـ سامية؟ لا بأس. إنهما يتكاملان.‏

وابتسم سلام لابتسامة رفيقه وهو يعلق:‏

ـ المادة والروح!‏

ـ الشعر والساعد إن شئت!‏

وتاهت نظرات أبو سعد في أفق بعيد.. لقد كان يفتتح حصص الرياضة البدنية مع تلاميذه كل صباح بقراءات شعرية في الفضاء الرحب، وأناشيد.. لم يكن ينفذ تعاليم أحد، ولا كان يخامره حتى مجرد التفكير في أن تقوية البدن تفترض تقوية الوجدان. كان فقط يشعر بأن الأمور يجب أن تسير على ذلك النحو، وكان يجد متعة بالغة في ذلك.. وهزت بدنه قشعريرة كما لو اخترقه تيار قارس، واتقدت بين عينيه نار، نار ودخان يغشى رؤيته وأصوات تفجير ونداءات واهنة من أعماقه.. فتحرك رأسه كما لو كان ينبه كيانه، ويقتلع نفسه من الماضي اقتلاعاً، وسرعان ما خطا منحدراً نحو الخنادق، تتردد خلفه خطوات المقدم سلام.‏

ــ 13 ــ‏

الليلة الرابعة على التوالي يخرج فيها الملازم أبو سعد بمجموعة من أفراد الموقع في عملية دورية دون جدوى، كأن العدو غاص في قواعده إلى الأبد.‏

أشعة القمر تختفي واهنة وراء حجب غمام كثيف، وجو دافئ كذلك الذي يعقب أمطاراً بعد برد قارس، والأقدام تجوس خلال التلال بحثاً عن ريح العدو. تمركز رجال أبو سعد في أماكن متفرقة متقاربة في انتظار بارقة أمل عن إحدى الدوريات المعادية المتجولة. لقد اضطر القائد أبو سعد أن يضرب كل ليلة حذراً وبعمق أكثر اقتراباً نحو خطوط العدو أملاً في اللقاء المنتظر.. لهفه إلى لقاء العدو كان كفيلاً بأن يشفي غليل بو محمد وأمثاله ولو مؤقتاً.. إنه على الأقل حركة خير من الجمود في الموقع، وكان بود هذا وأمثاله لو يتقدم القائد بأكبر عمق نحو معاقل العدو المتقدمة ما دام العدو يبخل بدورياته.. بل بودهم لو هاجم القائد مواقع العدو الأمامية.. لكن القائد مع ذلك رغم كل لهفه على اللقاء.. لكنهم مع ذلك كانوا في موقف من يقدر احتياط القائد حق قدره، وما دام أبو سعد على هذه اللهفة للقاء العدو، فلا بد أن يتم ذلك، في عمق أقرب أو أبعد.. المهم أن يقع ذلك بأية طريقة وفي أية نقطة.. والمهم أنه بسبيل تحقيق رجاء عينين محدقتين بعمق في المجهول لا تطرفان.‏

وصدرت أول نأمة حذر وانتباه من الرقيب أوباها في الطرف الأقصى لمكمن المجموعة فزحف منحنياً نحو قائده يخبره. وصدر الأمر بتحرك حذر متفرق لإحكام كمين للدورية المعادية.. ثم توقف التحرك في وضع مناسب بإشارة من القائد أبو سعد.. وبدأت علائم دورية العدو تظهر: أشباح غامضة تسير بحذر منحرفة عن مكمن المجموعة المتربصة.. لم يأمر القائد بحركة أخرى رغم التقدم المنحرف لدورية العدو. وظلت الأجسام منبطحة في مواضعها على الأرض والخدود ملتحمة بأعقاب السلاح في انتظار لحظة سحرية من عمر الزمان الخالد.. وتظل دورية العدو تنعرج وتنحرف لتعود نحو واد صغير، وتصعد كثيباً في وجهة مباشرة لموقع المجموعة المتربصة. لتبشر العينان المتجمدتان في تحديقهما على المجهول فلحظة وشيكة الوقوع، وفوهة المدفع الرشاش الخفيف بيد بو محمد يتحرك على قائمته الثلاثية تدريجياً في اتجاه أهداف رجراجة لا يريد أن يخطئها.. لحظة لقاء ستتم وتتلوها لحظات.. فلتغمض عينيك في راحة يابو محمد الوالد.. شفيق ويا صلاح أبشرا أيها الشهيدان أبشروا جميعاً.. حرقة القائد أبو سعد تستعجل أن تنطفئ في لقاء النار.. النار والأدخنة وحرقة الأشلاء البريئة الممزقة والتهديم إثر غارة الموت على مدرسة الأبرياء تلاميذ وتلميذات أبو سعد في قرية بمشارف دمشق. وأصوات البراءة مكتومة تحت الأنقاض، محاصرة بالنيران، تأكلها النيران، تتعالى صائحة: أستاذ، أستاذ! أين يتجه الأستاذ وأي صوت يجيب؟ ضاع أزيز الغارة واستمر صوت التفجر يملأ السمع ونداءات الاستغاثة تنقش ملحمة هول وعذاب في ضمير المعلم.. أي نداء يجيب؟ ألا لتضع مهنة الحرف، ليغب نشيد عزة الوطن كلمات وأنغاماً، وليحيى الوطن بعز السلاح. ليلتحم جرحك الثاوي قليلاً يا تاجر الحميدية. عطفة كفيل بأن يرد بعض الدين، ويضع قطرة بلسم، ويبعث شعاع ضوء ينير قبر الطيار البكر العزيز. ونداء جماهيرك يا بيروت فلسطينية فلسطينية.. فلسطينية يستكين مرتاحاً إلى فولاذ النار، والصدر الفتى يحتضن أرضاً حبيبة فسيحة بلا حدود ترجع صدى نبضه بعيداً بعيداً في الأعماق، أنامل الشعر الدفاق يا طريق الشام الكبير المظلم، أنامل التطريز والتخريم على الزناد ونداء جماهيرك يا بيروت يضيع، يتلاشى.. لتملأ سمع الكون وتضج في ضميره بانتظام ثقيل وقعات خطو الظلم في أرض المشردين والمقهورين.. الفستق المكسر مزيج أشلاء ودماء على الطريق الطويل يطلب الدم الدم.. والنار النار، والنجوم..‏

النجوم عرس في السماء.‏

والبدر سلطان.‏

النجوم عرس في السماء.‏

والظلمة برنوس وقفطان..‏

لبيك يا نداء. وينهمر دفعة واحدة وابل الرصاص وتتهاوى أشباح كانت متحركة منذ لحظة وما كان العزم ليخطئها. لحظة ينحسر بعدها فعل المفاجأة ليحل التربص والتحين.. ويتحرك رجال القائد أبو سعد مغيرين مواقعهم واحداً واحداً في حركات تقدمية دائرية موسعة وسريعة لإحكام الطوق، حركات وتربص من هنا تقابلها من هناك حركات مماثلة في ضمير الغيب للإفلات أو الانقضاض قبل أن يأتي الرد حاقداً ناقماً. ليكن. ويجب ألا يسترد العدو أنفاسه. وينحسر ضمير الليل عن ضوء باهر أخاذ يطلقه القائد وينهمر على إثر إشعاعه الوهاج غيث الرصاص على مكامن دورية العدو. مرحى فالعيون المحدقة لا يمكنها أن تخطئ مصارع الثلة الأولى من جنود العدو وتستمر المناورات.. أحقاً أن الجندي بالسلاح الأبيض وحده قادراً على التحقق من إصابة عدوه؟ أحقاً أنه بذلك فقط يستطيع أن يتحسس توغل الفولاذ في حنايا الخصم؟ إلا أن الرمية الصادقة من بعيد تحقق نفس الإحساس. طلقة من القلب للقلب. ومن غيرك أيها الشيخ ميمون يعرف ذلك ويقدر دبيب الزمن بقيمة مطلقة أولية لا تستشعر.. وكثافة الغيم تنزاح عن جبين القمر مرسلة نوره على أرض اللقاء، يضيء بعض معالمها الناتئة المتعرجة. رغم الإصابات فمصادر إطلاق العدو دليل على وفرة أفراده وذخيرته، لكن وضعه غير مريح، ويجب أن يبلغ اللقاء منتهاه، قبل وصول إمدادات تعزز وضعه. وبالإمكان في أقل من نصف ساعة، الالتفاف على مكامن العدو، ودفعه إلى تراجع غير منتظم يكون فرصة الإجهاز الأخيرة.. لهفة القائد لن تقف دون ذلك، وحرقة النداءات في أسماع رجاله وغليان الصدور دوافع استماتة وتصميم.. والعجب كل العجب أن تأتي اللهفة والحرقة بنقيضها فتنطلق من فم القائد أمراً بالتراجع!‏

كان الرقيب أوباها قد اقترب من قائده منبطحاً بجانبه يهمس بخطة الالتفاف على العدو، وكانت ثم نفوس متوثبة لإتمام ذلك بإحكام وبأسرع وقت، والعجب أن يأتي صوت القائد واضحاً آمراً:‏

ـ نظم الرجوع.. أيها الرقيب!‏

وقبل أن يتفوه الرقيب أوباها بتساؤل أردف الملازم أبو سعد وهو يحدق في وجه صاحبه، وغمامة سوداء تنسدل تدريجياً على جبين القمر:‏

ـ نفذ الأمر.‏

وبدأ التلكؤ على الرقيب أوباها إلا أنه بدأ يتحرك نحو رفاقه، فلا بد من تنفيذ الأمر وبدون تبرير. وقبل أن يتحرك أوباها وضع أبو سعد يده على كتفه وهو يضيف:‏

ـ نحن مطوقون إن لم نفعل!‏

ـ كيف؟‏

واستدار أوباها إلى الخلف حيث أشار القائد وحيث بدت بالفعل على البعد أشباح تتحرك.. وبدأت عملية تراجع لم يكن منتظراً، دون أن يخف إطلاق النار لحظة واحدة. فقد كان أفراد المجموعة ينسحبون واحداً واحداً ملتزمين أقصى اليمين، حتى لا يصطدموا بالأشباح الغامضة وراءهم، بينما يستمر الباقي منهم في الرد على إطلاق العدو لتغطية الانسحاب.. وكان ثم احتمال في أن يقوموا بعد التراجع عبر خط يميني بتطويق مضاد لتك الأشباح الغامضة المتربصة وراء ظهورهم، أو يطلبوا إمدادات إذا لزم الأمر وتطورت المعركة. وظل الرقيب أوباها آخر أفراد المجموعة بجانب القائد قبل أن يصدر إليه أمر اللحاق بهم.‏

ــ 14 ــ‏

النجوم تستضيف في رحابة السماء وليداً جديداً، خيطاً هلالياً رفيعاً، وقلوب، قلوب لا يكاد يحدها حصر في رقعة لا نهائية يتسرب في أعماقها نوره السحري ويتضخم فيضاً نورانياً وهاجاً، يملؤها طمأنينة ودفئاً. وللمرة الأولى في حالة شبه استثنائية يلتقي أفراد فرقة الموقع في وجبة عشاء جماعية تكاد تضم الجميع ما عدا حامية قليلة منهم ظلت في أماكن المراقبة، وقد نصب خباء وسط الساحة قرب صارية العلم. كانت وجوه جديدة سورية وفلسطينية ومغربية قد التحقت بالموقع منذ أكثر من شهر، مع بعض العتاد الذي ما فتئ يصل حيناً بعد حين أخذ يتركز أخيراً في مدافع قوية قصيرة المدى مضادة للدبابات انتصبت في عدة أماكن من المواقع، ومدافع متنوعة قوية سريعة الطلقات لصد الغارات الجوية، ولقد علق أبو محمد على ذلك أكثر من مرة قائلاً:‏

ـ أحلامنا لم تتعد بعد تصورات للدفاع!‏

لقد كانت مشاعره متأرجحة بين بعض الرضى عن هذه العمليات الدورية الصغيرة التي أخذت تنتظم وتقوى حتى لتضم أحياناً أكثر من ثلاث مجموعات تخرج من الموقع متفرقة يتوغل بعضها أحياناً إلى أقرب نقطة من مواقع العدو وخطوطه الأمامية.‏

وقبيل بدء وجبة العشاء صعد المقدم هاشم عزت على طاولة وسط الجمع، وطفق يقرأ على الضباط والجنود تحايا وتهانئ القيادة العامة لهم بمناسبة الشهر المعظم. وبعد العشاء مع تناول الشاي والقهوة بدأت عملية توزيع وجبة السحور الجاهزة على الجنود تضم معها أصنافاً من حلويات وسجاير وبطائق تهنئة. كانت ثم في الجمع بدون شك قلوب تغمرها بهجة الشهر المعظم حتى الأعماق، وأخرى سادرة تمسها برفق ولا تكاد. مهما يكن فالرسالة الملقاة على حامل السلاح هنا لم تنجز بعد، وكل ابتهاج بمقدم موسم أو عيد ما هو إلا من قبيل تجاوز الواقع في انتظار ما طال انتظاره، هو من باب الانغمار في واقع أبدى يقتضي أن تسير الحياة في مجراها العام محققة حتمية لا تعبأ بشذوذ الحالات الخاصة في أفراد أو جماعات معدودة. وسرت في الجنود عدوى فتح العلب وقراءة العبارات المكتوبة على قطع الحلوى بدافع فضول أقوى عند ما بدا أن محتوياتها متباينة، فبدأوا يتبادلونها بتعاليق متنوعة.‏

ولكز عيسى الرايح رفيقه وهو يواجهه بإحدى العبارات التي كانت من حظه قائلاً:‏

ـ ألا تفتح يا بخيل؟‏

وهز أبو محمد كتفيه بغير اكتراث، لكن عيسى الرايح مضى في خطته مستأذناً:‏

ـ أتسمح؟‏

لم يكن في نظرة بو محمد ما يدل على احتفال بالأمر، فمضى عيسى الرايح يفتح علبة رفيقه ويستخرج بعض القطع من داخلها، يعرضها أمام عيني رفيقه ثم يدفع بها إلى الأيدي تتداولها، حتى تصل إلى مركز الجمع حيث اعتلى أحد الجنود طاولة من طاولات الأكل. وطفق يقرأ ما يصله من عبارات على قطع الحلوى بأشكال هزلية أو وقورة مبالغ فيها حسب كل عبارة، وما تقتضيه من تحريف تجود به عبقريته الخلاقة.. قلب آخر كان شارداً غائباً عن بهجة الجو، قلب الرقيب أوباها الذي يعاني من محنة خاصة منذ أيام، محنة عميقة غامضة لا يجد لها حلاً ولا فهماً. لقد بدأ بمثابة من يبصر ولا يفقه لساناً لما يدور. لذلك تكسرت محاولات رفاقه في دفعه إلى حلبة الهزل والإضحاك، على صخرة جموده وغيابه، كما ظلت تتكسر منذ أيام:‏

ـ لا حق لك في هذا يا أخي.‏

كان صوت سلام يستنكر حال أوباها في رفق وإشفاق، ورد هذا بما لا يدل على فهم أو بما يوحي بالتجاهل:‏

ـ ماذا؟‏

ـ هذا الابتئاس لا حق لك فيه.‏

مط أوباها شفتيه دون أن ينبس بكلمة. وأردف سلام:‏

ـ أتعلم؟ سيأتيك كتاب من والدي. لقد شكوتك..‏

وطافت بذهن أوباها صورته التي كونها من الشيخ ميمون، السرجان ميمون الركراكي فوجدها في أعماقه صامتة باردة لا تثير فيه ما كانت تثير من نداءات وأحاسيس. ورد في مجاملة ظاهرة:‏

ـ ليحفظه الله.‏

ـ سيكون حزيناً عليك.. جداً.‏

هدأت حركة الإضحاك، وبدأ الجنود يتفرقون، وبدأت دائرة النقاش تتسع بتزايد المتحلقين، وظل أوباها وحده غائباً عن موضوع الجدل، ولو أنه يواجه المناقشين مباشرة في طاولة الأكل. وبدت الطرق الخاصة في الإيمان من قبيل تعقيد الأمور في نظر عيسى الرايح: فالإيمان بسيط أو يجب أن يكون كذلك حتى يفهمه الجميع ويمارسوه.‏

وتمسك أبو محمد في الحين بهذه البساطة قائلاً:‏

ـ صحيح. وبهذه البساطة يبدو إلهي غير غيور من ملذاتي الصغيرة، وفي غير حاجة لأن يشهد مني عذابات الذات ومن ثم لا يكلفني قرابين ولا تضحية بالجسم لحساب الروح، وتبدو أوامره فعالة في تقديس كرامة الإنسان..‏

وتدخل هاشم عزت منتهزاً فرصة صمت في الحوار:‏

ـ عزل الإيمان عن الممارسات اليومية هو إغفال لدوره الاجتماعي وهو بالتالي تجريد غير معقول.‏

أكد سلام ذلك بعبارات أخرى مركزاً على دور المشاركة الاجتماعية في تجسيد الإيمان.‏

كانت نغمة أبو محمد تجد بعض صداها في نفس رئيف محي الدين، بيد أنه كلما تلمس معالمها الواضحة أفلتت منه أو هكذا يحس، وطيلة النقاش الدائر كان ينتظر أن يتدخل ولم تعوزه الفرصة بقدر ما أعوزته نقطة الانطلاق في الحديث فعندما يتحدث بو محمد يشعر رئيف بأنه سيقول بنفس الطريقة شيئاً مماثلاً لذلك يعتريه تأثر يعجز معه حتى عن متابعة فكرة رفيقه. حينئذ تغيب عنه نقطة الانطلاق، أما عندما يتكلم الآخرون فمسافة ما تفصل عنه مضمون أقوالهم ولذلك يتابعهم، ويفهم وجوه الاعتراض، ومتى وإن لم يتدخل.‏

إذن لقد أسلسل لـه قياد الأفكار أخيراً، وبدأت الموضوعات يجر بعضها بعضاً بلا انتهاء ولا حدود، وانفتحت حوارات فرعية على هامش الحوار الرئيسي.. وتدخل سلام كأنه يحرص على أن يكون للنقاش غاية، ويحاول في نفس الوقت أن يخفف من وطأة الجد الصارم، فقال وهو يشير طالباً الهدوء:‏

ـ ماذا لو عرضنا القضية على محكمة وانتهينا.‏

كان يلمح إلى سامية التي كانت مشتبكة في حوار آخر، فردت بهدوء:‏

ـ الإيمان بالنسبة لي قضية شخصية، ودوره الاجتماعي لا يتنافى مع ذلك.‏

ولم يترك سلام الفرصة لأصوات تداخلت محاولة أن تؤيد أو تعترض، ولكنه سار في خطة رسمها فيما يبدو لتغيير مجرى الحديث، فتساءل:‏

ـ ماذا لو تحدثنا عن الحب.. والإنجاب؟‏

نظرته كانت ما تزال مسددة إلى سامية، ولعله توقع أن يثير في الجو مرحاً، ولعله تصور ما يمكن أن يفعل شخص لآخر لو أراد أن يغير دفة الحديث، أو يثير في الجو دعابة كما كان رفيقه أوباها يفعل عندما كان على طبيعته الأولى. لكن سلام لم يكن لمثل ذلك، والدعابة نفسها وروح المرح شراع يجب أن ينفتح للريح المواتية لا لطقس راكد، أو أن فاتح هذا الشراع يجب أن يهيئ هذه الريح أيضاً. وما أشقها من مهمة في حالات الفشل التي يتحمل فيها الخائب وقع الأنظار المستنكرة. لو كان أوباها مكانه لأتخذ من هذه النظرات نفسها ريحاً لشراع المرح. ولكن هيهات. لم يكن سلام ميسراً لمثل ذلك، وسامية أبو عزيز ترد عليه بجد الجد، عن حبها الأكبر الأوحد للأرض، فلسطين. أتنجب الآن؟ إن آلاف الأطفال من أبناء أمها الأرض مشردون، وكلهم أبناؤها هي أيضاً وأخوتها. لكنها مع ذلك تؤمن بأنها يجب أن تنجب حقاً لا مجازاً ولا تشبيهاً.. وأن تنجب أكبر ما يمكن من عدد، بأقصى ما يحتمله كيان امرأة، تنجب ليحيا شعبها الخالد ومع أي كان بدون حب، تنجب لمجرد أن تنجب ولمجرد أن تحيا فلسطين.. لكن ذلك بالنسبة لها ولما اختارت من طريق لا يتم قبل أن تتحقق ثمرة الحب الأوحد، والإنجاب الأكبر: حرية الأرض السليبة وكرامة الإنسان المشرد.‏

لا لم تكن كلمات، إنه بركان تفجر غائصاً في اتجاه الأعماق، رددت الشفاه صداه. أرأيت؟ أرأيت يا ابني يا أوباها كيف يجرح قلب يحبك أشد الحب ويشفق عليك، قلب رفيقك سلام لمجرد أنك انسلخت عن طبيعتك الأولى واستغرقك هذا الحزن المقيم؟ أرأيت كيف يزيغ بصر سلام غير قادر أن يتحمل نظرات سامية النارية وما أثاره تدخله. أراد أن يحيل الجد دعابة فإذا به يكشف عن أخدود غائر حزين: أرأيت؟ أترى ولا تنجد؟ سامحك الله.‏

 

يتبـــــع

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244