مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 431 آذار 2007
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

حنا مينة ـــ رئيس التحرير

صحيح أنني لا أعرف الأديب حنا مينة عن قرب و عن مصاحبة، ولكنني أعرف جيداً أنه لا يحتاج إلى قرب أو مصاحبة كي يُعرف.. إذْ متى كانت الأنهار تُعرف بالمصاحبة!! إنه كائن فطري أشبه بالغابات، أو الأنهار.. لا مهنة له سوى مهنة الكتابة تماماً مثلما لا مهنة لقرون الخروب سوى أن تمنح الآخرين الحلاوة الأبدية.‏

قرأته، وأنا آتي على خريطة الأدب في سورية.. فما وجدت موهبة كبيرة، بين أترابه ومجايليه، توازي موهبته المفطورة على التقاط الجمال وحشده في الأسطر.. ثمة فطرة في كتابته شبيهة بفطرة الغابات والأنهار.. فلا أحد بمقدوره أن يغمض عينيه عن جمال الغابات، ولا أحد من حقه أن يتساءل لماذا التفاوت بين قامات الأشجار هنا وهناك.. ولماذا هذه المنحنيات والتعرجات والاستدارات التي ترسمها الأنهار وهي تواصل عشقها للحياة..‏

يكفى المرء الذي منحه الله موهبة التذوق الجمالي.. أن يقرأ (ياطر) حنا مينة حتى يأخذه بملء الذراعين ويغمره بأنفاس المحبة الصافية.. ويكفي المرء وهو يجول بين رواياته، أن يرى فذاذة هذا الكائن المبدع وهو ينثر الجمال الاجتماعي كيفما دار في المكان والزمان، أو كيفما اختار من شخوص ومعان. إنه كائن أشبه بعباد الشمس الذي خصه الله بموهبة الدوران حول الضوء، من أجل (وفي الناس المسرة)... فالمجتمعات لولا الأدب، لظلت قيمها النفيسة في هجعتها الليلية طوال الأبد.‏

لا شيء في كتابة حنا مينة سوى الأرواح الاجتماعية، سوى اشتباكات الذات وهي تقاوم المادية، والسلوكيات الغبية، والجهل، لا شيء في كتابته سوى النوافذ، والدروب، والتشوفات التي تقود إلى الكينونات المحلومة. لا شيء فيها سوى الجمال الذي فاض عن حاجة الأشجار، والضفاف، والمدن، لا شيء فيها سوى السرانية التي لا تكتبها سوى ذات كوتها اجتماعية الناس بفتنة المعنى.‏

.. كتابة تساهر الناس ليس من أجل المواساة ، والاستمهال، والشفقة.. وإنما من أجل أن يتقدموا خطوة باتجاه الضوء.. باتجاه الفطرة السليمة.. فروايات حنا مينة مختبرات بشرية لرصد معاني القيم، ومعرفة الأدوار التي تلعبها في حياة الناس، وامتحان الأنفس وهي تواجه منزلقات التهافت، والخسة، والوضاعة.. وهي أيضاً، أي رواياته، أناشيد إنسانية لأولي العزيمة الذين لم تهزم أرواحهم المغرياتُ، والذين لم تتشابه عليهم الألوان..‏

حنا مينة، كبير في موهبته، وتجربته، كبير في حضوره وتأثيره.. لا ندّ له في سرديات العربية سوى نجيب محفوظ، رحمه الله، ويكاد يكون كل منهما مرآة لمجتمعه، ومرآة لموهبته، ومرآة للطالعين من بعده.. إنهما مرآتان استحواذيتان كالمدن المسحورة..‏

أنا فخور بأنني شربت من ينابيع حنا مينة، فصارت روحي مشبعة برواء نصوصه التي علمتني كثيراً، ولعل في طالع ما تعلمته منها، ومنه، العمل على الجمال، والإقناع، والوظيفية الاجتماعية، والإخلاص في العطاء، وعندي أن لا أب للعطاء المميز سوى الإخلاص الذي شوته.. نار الموهبة.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244