|
||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
الوعي النقدي والتنظير الأدبي عند حنا عبود ـــ د.سعد الدين كليب يبدو الحديث عن حنّا عبود مجازفة، أو هو أشبه بالمجازفة. فليس ثمة باب واحد، فندخله متأملين أو دارسين أو ناقدين، ونرتاح إلى ما فعلنا. بل ثمة أربعون باباً عريضاً، وراء كل بابٍ حكاية رجل، عانى الثقافة وعياً وسلوكاً وهدفاً ذاتياً واجتماعياً، فكان أحد أبوابها ورهبانها في آن، عبر نصف قرن ونيف؛ وفي مرحلة هي من أشدّ المراحل كثافة، في تاريخ سورية، والبلدان العربية عموماً. حيث اشتداد حركة التحرر العربية وانكسارها، وارتفاع وتيرة المشروع الحداثي وانخفاضها؛ وحيث التحولات الكبرى في الثقافة والسياسة والمجتمع، مع بداية النصف الثاني، من القرن العشرين ونهايته. لقد عانى حنّا عبود، بوصفه مثقفاً نقدياً، كل ذلك، وعالجه، بهذه الدرجة أو تلك، وبهذا المنظور أو ذاك. فمن الترجمة للفكر الفلسفي والسياسي، إلى ترجمة النقد ونظرية الأدب؛ ومن نقد الشعر إلى نقد النقد؛ ومن النقد إلى نظرية الأدب وعلم الجمال، ومن هذين إلى دراسة الفكر الإنساني. وليس هذا فحسب. وإنما أيضاً من المنظور النقدي الواقعي، إلى البنيوي التكويني، إلى الأنثروبولوجي، إلى الأسطوري. وبهذا فإن المجازفة، في الحديث عن حنّا عبود، تبدو مؤكدة. فليس هناك موضوع واحد، يشتغل عليه، أو منهج محدد، يتابعه عبر مسيرته. أو مجال معرفي يدور في فلكه. بل هنالك باحث موسوعي يتناول ما يراه مفيداً أو ضرورياً، في هذه المرحلة أو تلك. ويعدّ العدّة لـه بشكل معرفي علمي معمّق، بحيث يخيل للمرء أن الباحث قد أمضى عمره في بحثه. ولعلّنا لا نبالغ إذا ما ذهبنا إلى أن السمة الموسوعية هي من أوضح السمات التي تتميّز بها أعمال حنّا عبود الذي يمكن اعتباره واحداً من الكتّاب الموسوعيين القلائل، في سورية. إذ أن كل موضوع يتناوله هو مشروع ثقافي ومعرفي، في بابه. ولهذا يصحّ القول إن عبود قدّم عدداً من المشروعات الثقافية والرؤى المنهجية والقيم المعرفية، التي تدلّل على موسوعيته من جهة، وعلى تطوراته المنهجية من جهة، وعلى خياره الثقافي الحداثي من جهة أخرى. وهو ما يجعلنا نتوقف وقفة كلية عامة، لا جزئية أو تفصيلية خاصة، أمام نتاج الناقد/ المنظّر، في محاولة، نرجو أن لا تكون مخفقة أو قاصرة، عن استيعاب أهم السمات والمراحل المنهجية التي اتسم بها ذلك النتاج، أو مرّ بها وعبّر عنها. ولكن قبل هذا، لابدّ من القول إن حنّا عبود واحد من أهمّ نقاد الشعر في سورية، تطبيقاً وتنظيراً. وهو من النقاد الأوائل الذين أسهموا في إخراج النقد الأدبي من ربقة الانطباعية والتجزئيبية والتقليدية عموماً، من أجل نقد منهجي تحليلي، يستند إلى النص الشعري والظاهرة الشعرية معاً، مسهماً في التوصيف بقدر إسهامه في التقويم. أي أن حنّا عبود لم يكن لـه دور مهم، في دفع حركة الشعر، في سورية، فحسب. بل إن لـه الدور نفسه، في دفع حركة النقد الأدبي أيضاً، سواء أكان ذلك من خلال تناوله الشعر السوري بالدرس والتحليل والنقد؛ أم كان من خلال الطرائق المنهجية المتبعة، في أعماله النقدية؛ أم من خلال ترجماته النظرية والنقدية. وهي جميعاً تتمحور حول الشعر الذي يمكن اعتباره المادة الجمالية التي يتحرّك فيها وعي عبود النقدي والتنظيري. فهو لا يكاد يولي الأجناس الأدبية الأخرى أيَّ اهتمام درسي، إلا ما ظهر عرضاً أو عفواً أو نوعاً من توسيع دائرة الحكم النقدي. بحيث تجيء الإشارات إلى الأجناس الأدبية وبقية الفنون توسيعاً لبعض الآراء والأحكام التي يستنبطها أو يطلقها على الشعر. وهي إشارات دالّة، بشكل لافت للنظر، على اتساع الثقافة والمعرفة بتلك الأجناس والفنون. غير أن هذا الاتساع لم يكن لـه أن يخرج الناقد من جمهورية الشعر. بل كان لـه أن أكّد الموسوعية فيه، وجعل أعماله النقدية مراجع معرفية بالشعر، ثقافية في بقية الأجناس(1). والحقّ أن الناقد/ المنظر كثيراً ما قدّم مدائح نثريةً للشعر، تجعل منه ـ أي من الشعر ـ الرحم والأفق: رَحِمَ البشرية وأفقها في آن معاً. يقول في كتابه " القصيدة والجسد": إن الشعر ملك الملوك، هو القصد، لأنه هو الأساس وهو المنشأ لكل الفروع والأنواع الأخرى"(1). ويقول أيضاً، في كتابه "فصول في علم الاقتصاد الأدبي": "يمكن تلخيص تاريخ البشرية بأنّه تاريخ الانتقال من الحسّ الجمالي إلى الشهوة الذئبية، من الإنسانية إلى الحيوانية، من الشعر إلى النثر"(2).. وهو ما يعني أن خلاص البشرية يكمن في الحسّ الجمالي أي في الشعر أو الأدب بكلمة أعمّ. يقول: "إن الأدب هو منقذ البشرية الوحيد. إنه نيكوليت التي تكشف عن أجمل أعضائها فتشفي البرص والمجدورين والمقعدين والمشلولين... بل تحيي العظام وهي رميم"(3). وبالاتكاء على فهمه الموسّع للشعر اقترح علم الاقتصاد الأدبي، في مقابل علم الاقتصاد السياسي. ولا نريد، هنا، الدخول في حوار مع ما جاء في هذا الكتاب، من نظرية أدبية وجمالية وفكرية، فلهذا موقع آخر، ولكن نريد التشديد على أن الشعر نصاً ومفهوماً هو المادة الجمالية التي تحرّك فيها وعي الناقد، عبر مسيرته المتطورة. بها يكنّي وإياها يريد. والطريف على الرغم من التطورات التي مرّ بها عبود، من منهج إلى آخر، ومن ناقد إلى باحث إلى منظّر؛ فإن الشعر بقي هو المادة الجمالية لوعيه وأحكامه وترميزاته. ألم نقل: إنه الرحم والأفق!؟ أما ما نقصده بترميزاته فهو أن عبود يوسّع مفهوم الشعر ليستوعب حيناً مفهوم الأدب، وحيناً مفهوم الفن، وحيناً مفهوم الجمال عامةً. وفي هذا الإطار تجدر الإشارة إلى أن ثمة خلفية نظرية جمالية، وراء مجمل الأعمال التطبيقية والتنظيرية التي أنجزها الناقد؛ قد تتلامح أحياناً، كما في "المدرسة الواقعية في النقد العربي الحديث" و"النحل البري والعسل المرّ"؛ وقد تبرز بقوة ووضوح، كما في "القصيدة والجسد" و"فصول في علم الاقتصاد الأدبي: ولعلّ هذا يكون واحداًَ من الملامح التي تميّز الاشتغال النقدي، عند حنّا عبود. هذا الاشتغال الذي يمكن تحديد ملامحه الكبرى، بالنقاط التالية: 1 ـ الموسوعية: ونقصد بها الاستعانة بمختلف المعارف، من أجل وعي الظاهرة المدروسة، وعدم الاكتفاء بحقل معرفي واحد أو حقول معرفية متقاربة؛ كما هي العادة في نقد الشعر أو النظرية الأدبية. إن عبود يحشد، في أعماله النقدية، ولاسيّما التنظيرية منها، عدداً من الحقول المعرفية التي لا يحشدها إلا ناقد موسوعي. مثلما نجد، في كتابه "القصيدة والجسد" حيث حقول الأنثروبولوجية والبيولوجية وعلم النفس والفيزيولوجية وعلم الجمال والميثولوجية، والنقد الأدبي والفلسفة والتاريخ...الخ. وإذا ما أشرنا إلى أن هذه الحقول لا تأتي لمجرد الاستئناس العلمي أو التحلية، بل يؤتى بها للتأسيس والتحليل ووعي الظاهرة المدروسة؛ فإن مسألة الموسوعية تبدو، عندئذ، سمة من سمات الوعي النقدي، عند الناقد، مثلما هي سمة أو ملمح من ملامح اشتغاله النقدي. وقد يخيّل للمرء أن هذا الملح خاص بما أنجزه الناقد، بعد أن نضج وتكاملت ثقافته ومعارفه، والحق أن هذا الملح يسم مجمل أعماله النقدية بدرجات متفاوتة، وإن برز بشكل ضاغط، في كتبه الأخيرة. 2 ـ الكلية: ونقصد بها تناول الظاهرة، في خصائصها الكلية الكبرى، من دون الوقوف عند ما هو جزئي أو عرضي فيها، وذلك في سعي من الناقد إلى الإمساك بما هو جوهري، في الظاهرة. فهو يعنى بالشعر لا بالقصيدة، وبالحداثة لا بالتجديد، وبالأشكال الكبرى لا بالأساليب، وبالأسس الناظمة لا بالتفريعات الشكلية. نلحظ ذلك واضحاً، في "النحل البري والعسل المرّ" حيث انصرف الناقد إلى دراسة الرؤى التي تمخّض عنها الشعر السوري، في علاقته بالواقع الاجتماعي ـ السياسي؛ وإلى دراسة الأشكال الفنية الكبرى التي حملت تلك الرؤى. أما اللغة الشعرية والصورة الفنية والبنية الإيقاعية وسواها من أسلوبية النص الشعري، فلم يكن لها إلا نصيب عابر. من منظور أن الناقد اتجه "في دراسة الشعر إلى رصد ذلك التشابه الذي يجمع بين "النزهات" من أجل رسم معالم عامة لهيكل الشعر السوري الحديث"(4). والشيء نفسه نلحظه في كلّ من "القصيدة والجسد" و"فصول في علم الاقتصاد الأدبي". إن ملمح الكلية كان لـه أثر بارز في ابتعاد الناقد حنا عبود عن الدراسة الأسلوبية أو الدلالية أو البنيوية ـ الشكلية أو عن المناهج النقدية التي خرجت من معطف دوسوسير. والتي تجعل من المادة اللغوية أساساً لها. في حين أنها لا تشكل، في وعي عبود النقدي، سوى تعبير عن الموقف الشعري من الواقع والعالم. وذلك في مختلف مراحله ـ أي مراحل الناقد ـ المنهجية. ونجد لزاماً علينا القول إن مقولة الكلية مقولة نسبية ترتبط بطبيعة التوجه إلى الظاهرة، وبطبيعة الظاهرة أيضاً. بمعنى أن دراسة اللغة الشعرية يمكن أن تكون دراسة كلية، إذا اعتبرت اللغة الشعرية ظاهرة قائمة بذاتها، وإذا تمّ التوجّه إليها من منظور خصائصها الكبرى. وكذا هي الحال بالنسبة إلى البنية الإيقاعية أو الصورية أو الأسطورية أو سواها. غير أن الكلية، في وعي عبود النقدي، ترتبط بكل من السياقية والتاريخية معاً، أي أن الناقد في تناولـه الكلي للظاهرة، يأخذ بالاعتبار السياق الاجتماعي والثقافي والجمالي، الذي تتواصل فيه الظاهرة وتتطور. أي يأخذ بالاعتبار مختلف التعالقات أو التجادلات التي تتمّ بين الظاهرة وسياقها. هذا من جانب، ومن جانب آخر، فإن الناقد غالباً ما يميل إلى الحفر الثقافي والمعرفي، في أصول الظاهرة المدروسة، وفي تحولاتها التاريخية، في سعي منه إلى وعي الثابت والمتحوّل فيها. وهو ما يجعل الوعي الكلي، عند الناقد وعياً جدلياً. بصرف النظر عن التوصيفات بالمادية أو المثالية. إن ثمة وعياً كلياً جدلياً، من حيث الأساس. أما تبديات هذا الوعي فمختلفة من كتاب إلى آخر. بل من فصل إلى آخر، في الكتاب الواحد. ولاشك في أن ربط الكلية بالسياقية والتاريخية لم يكن لـه أن يظهر بذلك الوضوح، لولا ملمح الموسوعية الذي أتاح للناقد جولاناً معرفياً وثقافياً في الظاهرة كلاً وسياقاً وعمقاً تاريخياً. مع التشديد على أن محور السياقية والتاريخية كان يختلف باختلاف المنهجية النقدية التي ينهجها الناقد. فمما هو اجتماعي إلى ما هو رؤيوي إلى ما هو أنثروبولوجي إلى ما هو ميثولوجي. وهو ما يحيلنا على الملح الثالث. 3 ـ المنهجية النقدية، أشرنا سابقاً إلى أن حنّا عبود من النقاد الأوائل الذين أسهموا في إخراج النقد الأدبي، في سورية، من ربقة الانطباعية والتجزيئية والتقليدية عموماً، من خلال النقد المنهجي التحليلي المستند إلى النص والظاهرة معاً. غير أن المرء لا يستطيع أن ينسب أعمال الناقد إلى منهج واحد، بسبب التطورات أو التحولات المنهجية التي مرّ بها الناقد، من جهة، وبسبب النظرة الموسوعية التي يتسم بها الناقد من جهة أخرى. إن المؤكد، عند عبود، هو الدرس المنهجي، أما طبيعة المنهج وطبيعة الأخذ بمقولاته وأطروحاته كافة، أو الأخذ به وتطويره عبر المسيرة النقدية، فهي من الأمور التي لا يمكن الجزم بها. إنه غالباً ما يترك مسافة للتأمل بينه وبين المنهج الذي يتبناه، في هذا الكتاب أو ذاك. وكأنه يميل إلى الإفادة من الآليات الإجرائية للمنهج، من دون أن يتبنى الأطروحات النظرية التي تتأسس عليها تلك الآليات، أو على الأقل، من دون أن يتبناها جميعاً. ولهذا يصعب اعتباره، على سبيل المثال، ناقداً أيديولوجياً، في مرحلته الواقعية ـ الماركسية، حين ظهر العديد من النقاد الأيديولوجيين في نقد الرواية والشعر في سورية والبلدان العربية. فقد أخذ من الواقعية بالنظرية المادية، وأهمل العديد من الأطروحات الواقعية أو نظر إليها نظرة مختلفة عما هي عليه في أمهات الكتب النقدية الواقعية، كالطبقية ونظرية الانعكاس، والارتباط بين السياسي والجمالي...الخ. نلحظ ذلك في كتابه "المدرسة الواقعية في النقد...". وكذا هي الحال، يصعب اعتباره ناقداً ميثولوجياً، بكل ما يعنيه المصطلح، على الرغم من أخذه بالنقد الميثولوجي. أما السبب في ذلك، فيكمن في ضغط وعيه الجدلي من جهة، وتلامح نظرية الانعكاس في ثنايا فهمه لهذا النقد. وهو ما يؤكد مرّة أخرى أن الموسوعية التي يتسم بها عمل الناقد تفرض عليه تلك المسافة التأملية، في المنهج وأطروحاتها النظرية، من دون أن تنفي عنه المنهجية النقدية التي نلمسها واضحة في أعماله. 4 ـ النظرية الجمالية، ونقصد بها التناول المعرفي للفن عامة، من منظور كونه موقفاً جمالياً من الظواهر والأشياء، يتبدّى في طرائق التفكير والتعبير في آنٍ معاً. ولا علاقة للنظرة الجمالية، في مفهومنا، بالنزعة الشكلية التي مرّت بتاريخ كل من الفن الحديث وعلم الجمال. تلك النزعة التي تخوّف الناقد من الاتهام بها، حيث راح يعرض بعض ملاحظاته، على النقد الواقعي. إذ قال: "وقبل أن نتهم بالنزعة الجمالية التي هي القاسم المشترك بين شتى مدارس الأدب وفنونه، نسارع إلى شرح المقصود بكلمة "جمال"(5). ثم يشرح ما يقصده بالجمال والمفهوم الجمالي والوعي الجمالي وعلاقة ذلك بالأدب والفن عامة. وما نريده نحن، في هذا المجال، هو أن الناقد قد توسّل بعلم الجمال، من أجل إنتاج معرفة بالنص والظاهرة الأدبية عموماً. بحيث يتم الربط بين كل من النص والموقف الجمالي والواقع والتقاليد أو الأنظمة الفنية المرعية والظاهرة الأدبية. نلحظ ذلك بدرجات متفاوتة، وبحسب الموضوع المدروس، في مجمل أعمال الناقد. ففي "النحل البري والعسل المرّ" يبني الناقد فهمه للتحوّل الجمالي من الشعر الكلاسيكي إلى شعر الحداثة ـ أو الشعر الحديث بتعبيره ـ على التحوّل من النظام إلى الحرية(6) التي لا تنفي مستوى ما من مستويات الضبط. وفي "القصيدة والجسد" دراسة جمالية بمنهج أنثروبولوجي. أما في "فصول في علم الاقتصاد الأدبي"، فثمة نظرية أدبية جمالية تنهض من المنهج الميثولوجي. ولن يعدم القارئ تلك النظرة الجمالية، في كتابه الفكري "الحداثة عبر التاريخ". لاشك في أن ثمة تطوراً، في النظرة الجمالية، عند الناقد، عبر مسيرته المعرفية والثقافية. بحيث لا يمكن الكلام على تلك النظرة، وكأنها ذات طبيعة محددة. غير أن ما نريده، هنا، هو أن تلك النظرة تعدّ من الملامح الكبرى، في وعي الناقد وفي اشتغاله النقدي. مع الإشارة إلى أن النظرة الجمالية تتكامل وملمح الكلية. إذ أن تلك النظرة لا يمكنها إلا أن تكون كلية في تعاملها مع الظاهرة المدروسة. وإلا فإنها سوف تقع في الشكلية أو التجزيئية أو القصور بشكل عام. وهكذا نلاحظ أن ثمة تكاملاً بين الملامح الكبرى للاشتغال النقدي، عند عبود. فكل ملمح يؤدي إلى الآخر، أو يستوجبه ويتكامل معه. من غير أن يعني ذلك أن الناقد لم يقع في نوع أو أنواع من التناقض، في إطار المرحلة المنهجية الواحدة، أو في حدود الأحكام النقدية، أو في سياق التحوّل من منهج إلى آخر، مما ليس مجال الحديث عنه، في هذا المقام الذي يسعى إلى إلقاء الضوء على الأطر العامة الناظمة للنقد تطبيقاً وتنظيراً، عند حنّا عبود؛ ولا يسعى إلى الحوار مع هذا أو ذاك من الأحكام أو الآراء أو التوصيفات النقدية التي طرحها الناقد، في أعماله المتعددة. ولاشك في أن هذا جدير بالمحاولة، ولكن في سياق آخر. أما المراحل المنهجية التي مرّ بها الناقد، فيمكن تحديدها، كما تمّت الإشارة إليها سابقاً، بأربع مراحل. وهي: المرحلة الواقعية ـ الماركسية، والمرحلة الرؤيوية (أو البنيوية التكوينية)، والمرحلة الأنثروبولوجية، والمرحلة الميثولوجية. وهي مراحل متوالية، بحسب المشروعات النقدية أو النظرية التي يتصدّى لها الناقد الذي غالباً ما كان يحمل بعضاً من متاعه، من المرحلة السابقة إلى المرحلة الجديدة. ينطلق حنّا عبود، في مرحلة الواقعية ـ الماركسية، من نظرية المعرفة المادية، في دراسة النشاط النقدي العربي الحديث بدءاً بجرجي زيدان وطه حسين، وصولاً إلى حسين مروة. أي يدرس الجهود النقدية ما قبل الواقعية والجهود الواقعية معاً، رابطاً إيّاها بالأساس الطبقي والوعي الاجتماعي من جهة، وبالتلاقح الثقافي بالغرب الأوروبي من جهة أخرى. يقول في ذلك: "من الواضح أن قيام المدارس النقدية تمّ بعد اكتمال عملية الفرز الطبقي الاجتماعي، بحيث تكوّنت مدرسة أو عدة مدارس لهذه الطبقة أو تلك وفق تجانس فئاتها أو تنافرها، أو طبقاً لهذا الظرف أو ذاك الذي تمرّ فيه الطبقة الاجتماعية. وقد تجد في الطبقة الواحدة مدرستين متناقضتين، فلا تستطيع تفسير هذا اللغز إلا بالعودة من الطبقة إلى الفئة التي تضع لنفسها خطاً مغايراً لخطّ طبقتها بعد أن اتضحت مصالحها المادية فجعلت تحمل المفهومات التي تناسبها في هذه المرحلة أو تلك"(7). ويقول في معرض الكلام على علاقة الفن بالواقع: "حتى الميثولوجيا اليونانية ليست سوى تفسير وتعليل للواقع... وهكذا نجد الواقع كالرحم الكبير منه تخرج أجنّة الميثولوجيا والخيال، كما نجد الواقعية بحراً محيطاً فيها تصبّ كل الفروع والمذاهب الأخرى"(8) وبما أن الأمر كذلك، فليس ثمّة فنّ أو عمل فني يستطيع أن يتنصّل من الواقع، بل ليس ثمة مدرسة نقدية، يمكن أن تنشأ بمعزل عن طبيعة البنية الطبقية في المجتمع. وإن يكن هذا لا ينفي عملية التثاقف وأثرها، مع الخارج. وعلى الرغم من ذلك، فإن الناقد يرى أن للبنية الفوقية، في المجتمع، أثراً حاسماً في نشأة الواقعية الاشتراكية. إذ يقول: "المتتبع لنشأة المدرسة الواقعية الاشتراكية، في المجال العالمي، يجد أن هذه المدرسة إما أن تنشأ في أعقاب فترة يكثر فيها المفكرون الواقعيون الذين يهيئون الجوّ لقبول النظرة الاشتراكية في الفن والأدب، أو تظهر بعد نشأة الأحزاب الاشتراكية السياسية، فتتعرّف على هذه النظرة من الأحزاب وتنطلق منها في تحليل الآثار الأدبية والفنية"(9). ولاشكّ في أن ثمّة بوناً واسعاً بين أن تكون المدرسة النقدية ـ الواقعية أو سواها ـ نتاجاً للبنية التحتية ـ الاجتماعية الطبقية ـ وبين أن تكون نتاجاً للبنية الفوقية ـ الأفكار والأحزاب. ففي الافتراض الأول نلحظ أن المدرسة النقدية انعكاس للبنية التحتية. وهي بهذا بنية فوقية. أما في الافتراض الثاني فإن تلك المدرسة النقدية انعكاس للبنية التحتية. وهي بهذا بنية فوقية. أما في الافتراض الثاني فإن تلك المدرسة هي تعبير عن الفكر أو الحزب. أي أنها ملحقة بالفكر الفلسفي أو الفكر السياسي. وهو ما يعني نفياً للاستقلالية فيها، وتهميشاً لها. وبصرف النظر عن مصداقية أحد الافتراضين أو عدمها. إذ في الحالين يتمّ إغفال الأساس العلمي، في النقد، من أجل إعلاء الأساس الطبقي أو الأساس الأيديولوجي، فإن الناقد حنّا عبود لا يميل إلى المداومة على مقولة بعينها. وهو ما ظهر واضحاً في موقفه من نظرية الانعكاس التي كثيراً ما تردّد في المداومة عليها. مع الإشارة إلى أن لهذه النظرية عدداً من الأنساق المادية والبيولوجية والاجتماعية والجمالية. وهي تشكل أساس نظرية المعرفة المادية. حيث نجد الناقد يأخذ حيناً بالأنساق كافة وحيناً يتخفف من بعضها، وحيناً يلمّح إلى قصورها في وعي الظواهر(10). فيذهب مثلاً إلى أن الواقعية الجديدة تتميّز بالانتقال من الانتقاء الجمالي إلى التكامل الجمالي وليس بانعكاس الواقع في الفكر. إذ "أن الواقعية الجديدة لا علاقة لها بالواقع إلا من حيث أنها رفض لهذا الواقع أو دحض لـه أو ثورة عليه"(11) وهو ما يدفعه إلى أن يهاجم النقد الأيديولوجي بقوله: "من هنا كان النقد الأيديولوجي أخطر نقد وأشقّه. فليس من السهل تحديد العلاقة بين الأيديولوجيا والأدب تحديداً قاطعاً"(12). ولعلّ في هذا ما يدفع بالناقد إلى التخفف من نظرية الانعكاس، حتى الحدّ الممكن، من أجل الدخول في نظرية الرؤيا أو البنيوية التكوينية التي هي أحد أشكال الجمع المبتكر بين التفسير الاجتماعي والتحليل البنيوي. وقد دخل الناقد في هذا المنهج، من دون إعلان نظري( *). حيث راح، في كتابه "النحل البري والعسل المرّ" يدرس الرؤيا وأنماطها في الشعر السوري الحديث، والأشكال الفنية التي حملت تلك الرؤيا، مؤكداً التداخل بين رؤيا يوحنا اللاهوتي ورؤيا الشعر الحديث التي "تعكس المعاناة المستمرة وتتوجس من مستقبل مظلم نتيجة هذه المعاناة المريرة"(13). أما ما هي عناصر الخلفية التي تتشكل منها رؤى الشعر الحديث في سورية، كما يرى الناقد، فهي: استلهام الواقع والانفعال الرومانسي والمخزون التاريخي وصورة المستقبل وتداعي الصور(14). إن هذه العناصر ذات أهمية متفاوتة، بحسب كل رؤيا أو كل شاعر. فمرّة يبرز هذا العنصر، ومرّة يبرز ذلك. والنتيجة أن ثمّة شعراً يقع في رؤياه القاتمة الكئيبة، تحت ضغط "المطالبة بأبسط حقوق الإنسان"(15)، وهو ما لم يفسح المجال للتخمّر الفني للقصيدة. أي أن الشعر السوري لا يرنو "إلى الانعتاق البشري الكلي، بصورته الفلسفية. لم يكن يطالب بهذه الدرجة من الانعتاق. إنه يطالب بالخلاص فقط من الجوع والاضطهاد... وعندما يهفو المرء إلى التحرر من أبسط أنواع القسر، فإنه ـ ولابد ـ يكون متمرداً ضجراً"(16). ومن ثمّ لن يأخذ الوعي الجمالي أبعاده، عند الشاعر السوري، أو في الشعر السوري، برأي الناقد(17)، الذي حاول أن يستعين ببعض مصطلحات علم النفس وأطروحاته، في تحليل الرؤى المطروحة، في الشعر السوري، مثلما حاول الاستعانة بمخزونه المعرفي، من أجل تأطير تلك الرؤى وتنسيبها إلى هذا النمط أو ذاك، منطلقاً في كل حين، من أن الرؤيا لا يمكن "أن تكون انعكاساً للواقع كما المرأة. إنها انعكاس للمعاناة، أي أنها رأي في الواقع، أو موقف منه"(18). ولاشك في أن هذا يتناغم مع ما يذهب إليه غولدمان، في مقولته حول "رؤية العالم" التي تمثّل بنية ذهنية جمعية، لا فردية، ولا أيديولوجية في آن. وذلك من منظور أنها ليست انعكاساً مباشراً مثلما الأيديولوجية، وليست تعبيراً عن رغبة الفرد أو نزوعه الذاتي. إن رؤية العالم هي الطريقة التي نعي بها العالم من حولنا ونكوّنه ذهنياً وفق تصوّر كلي ما. وهو ما سعى إليه الناقد، في دراسته للشعر السوري. ولكن من دون تحديد الأطر النظرية، لهذا المنهج. بل من دون الإعلان عنه أيضاً. حيث اكتفى الناقد بالإجراء المنهجي النقدي، منطلقاً من أن "الشعر والرؤيا صنوان حتى قيل لا شعر بلا رؤيا. ومع ذلك فإن شعراء كثيرين يولدون... ولكن بلا رؤيا فيموتون وهم أحياء"(19). ومن الرؤيا إلى الجسد نقلة واسعة، فمن وعي الشعر بنية ورؤيا، إلى وعي الشعر جذراً وأصلاً. حيث يذهب الناقد/ المنظر إلى الحفر في الجسد واستطالاته المادية والمعنوية، للبحث عن نظرية جمالية، تعيد المعنوي إلى أصله المادي، والمادي إلى أصله البيولوجي، مستعيناً، في ذلك الحفر، بأدوات بيولوجية من جهة وأنثروبولوجية من جهة أخرى. إنه يذهب إلى البيولوجي كي يعي نشأة الجمالي؛ ويذهب إلى الأنثروبولوجي كي يعي تحوّل الجمالي إلى حاجة مجتمعية. وهو ما يجعله يخصص حديثاً مطولاً حول الدماغ وأقسامه ووظائفها، وحول الحواس وطبيعتها ووظائفها وأهميتها في نشأة الفنون. إذ "أن أدقّ المعنويات تخرج من الجسد مثلما تصبّ في الجسد"(20)، ولهذا فهو يؤكد أن "من أهمّ أنواع المعرفة الجمالية التي قدّمتها العين للدماغ" الأبعاد الثلاثة والعلاقة بينها"(21). وأن الدور الجمالي لليد يكمن في تحوّلها من أداة غريزية إلى أداة عقلية. فـ"أول الأشكال الجمالية التي عثر عليها المنقبون كان تلك الرسوم التي نقشت على جدران "كهف الأخوات الثلاث" في أسبانيا. لقد غدا الإنسان جمالياً"(22) وكذا، فقد "لعب الشكل دوراً كبيراً أيضاً، فكان نافذة القيم الجمالية. ونعتقد أنه هو الذي حقق القفزة من النفعي إلى الجمالي. من الحيواني إلى الإنساني. الشكل هو الذي خلق حاسة الجمال"(33). ولأنه كذلك فلابد من أجل فهم العلاقة بين الشكل والحواس، من العودة إلى الانعكاس البيولوجي والمادي عموماً. يقول: "إن العالم الخارجي ينعكس في الدماغ عن طريق الحواس، وعلى الأخصّ النظر والسمع"(24). وعن طريق هذا الانعكاس من جهة والتحويرات التي قامت بها اليد من جهة أخرى، يتحوّل العالم الخارجي إلى مادة جمالية. "إن اليد أضافت من غنى الأشكال ما جعل الدماغ يعمل أكثر فأكثر على الاستفادة من الأشكال التي تقدّمها لـه العين. وصارت الأبعاد الثلاثة تتكشّف عن أشكال جديدة كالمنحني والمقعّر والمجوّف والمحدّب والناتئ والمنكسر...الخ، وهذه الأشكال لا توجد تماماً في الطبيعة"(25). وليس هذا فحسب. بل إن "اليد، وليس غيرها من الأعضاء، قامت ببناء البيت الشعري وترتيبه، عندما قامت ببناء بيت السكن وترتيبه"(26). مع الإشارة إلى أن الناقد/ المنظر يذهب إلى أن "البيت ـ الرحم المرئي ـ امتداد للجسد، إنه من صنع اليد، إنه التحول من النفعي إلى الجمالي. وكل ما ليس لـه علاقة بالجسد، أو كلّ ما ليس للجسد مصلحة فيه، لم يكن لـه أي تأثير في القصيدة"(27). مما يعني أن الناقد سوف يتابع بقية الحواس والأعضاء والغرائز كالأذن والهضم والجنس باحثاً عن امتدادها في القصيدة أو الشعر. لاشك في أن ثمّة محاولة جريئة في البحث عن الجمالي في البيولوجي، وإن كنا لا نستطيع اعتبارها رائدة في مجالها، ففي تاريخ علم الجمال الحديث، ولاسيما في أواخر القرن التاسع عشر، مع الانتصارات الكبرى للعلوم الطبيعية، محاولات شبيهة بمثل هذه المحاولة؛ كما أن ثمّة بعض الآراء، في علم الجمال الماركسي، ما يتقاطع مع هذه المحاولة. وإن تكن هذه المحاولة أكثر جرأة وتوسّعاً وتعمّقاً، في وعي الجمالي من المنظورين البيولوجي والأنثروبولوجي ولكن ما نريد قوله، في هذا الصدد، هو أن الناقد/ المنظر في انطلاقه من ذينك المنظورين، لم يكن يفارق الأسس العامة لنظرية المعرفة المادية. أما المرحلة الأخيرة فهي المرحلة الميثولوجية. حيث انتقل الناقد من الجسد إلى النمط الأعلى. أو من المكوّنات المادية إلى المكوّنات اللاشعورية الجمعية. وقد بدا ذلك بوضوح وحماسة، في كتابه "فصول في علم الاقتصاد الأدبي" الذي حاول فيه الناقد/ طرح نظرية أدبية جمالية كلية، لا للشعر أو الأدب أو الفن، بل للحياة الإنسانية عامة. وليس الأدب في هذه النظرية سوى رمز لما هو إنساني. وهو رمز يمثل كل ما هو جميل وحرّ وفطري، في مقابل الشهوانية السياسية ـ الاقتصادية والأخلاق الذئبية المبنية على تلك الشهوانية التي انحطّت بتاريخ البشرية إلى الدرك الأسفل من الدناءة الأخلاقية. أو كما يقول: "يمكن تلخيص تاريخ البشرية بأنه تاريخ الانتقال من الحسّ الجمالي إلى الشهوة الذئبية، من الإنسانية إلى الحيوانية، من الشعر إلى النثر"(28). ولهذا، فإن الشعر أو الأدب هو المنقذ الوحيد، من غيلان الاقتصاد ـ السياسي المعاصر. غير أن هذا المنقذ يستمدّ بنيته الذهنية والجمالية، من الأنماط العليا في اللاوعي الجمعي. إنها عودة أخرى إلى الحفر. ولكن ليس في البيولوجي، بل في الميثولوجي. فالأسطورة، كما يقول، "هي بالضبط المجتمع الواقعي الذي يجب أن يحلّ محلّ المجتمع الوهمي العابر الذي نعيش فيه. والأسطورة هي الحلم الإنساني، والحلم هو الواقع الذي نريده، فهو ليس فردياً بل رغبة جمعية. ولهذا كانت الأحلام واحدة لدى جميع البشر. ووظائف الأسطورة كثيرة يهمّنا منها التفسير والتحذير والتدبير"(29). يتكون علم الاقتصاد الأدبي، عند حنا عبود، من عناصر متآزرة. وهي: الفلز الأدبي، والواقع الاجتماعي، والأنماط الأولية، والصياغة الفنية والحرية(30). ولكن على الرغم من تآزر هذه العناصر، فإن العنصر الأبرز، في هذا العلم، هو الأنماط الأولية التي لابدّ أن تتبدّى في الأدب، شاء المبدع أم أبى. إنه علم جبري، وإن ذيّله الناقد بمصطلح الحرية. يقول: "فالأديب لا يستطيع أن يفعل ما يعاكس الأنماط الأولية وحتى لو استطاع إطلاق العنان لخياله الذاتي، فإنه سوف يجد نفسه مقيّداً بالأنماط الأولية لأنها تشكّل نظاماً عالمياً للأدب. ولو فرضنا ما لا يجوز فرضه وهو أن الأديب خالف هذه الأنماط فإن الناتج لن يصنّف في سجلات الأدب"(31). فثمة إذاً جبرية دينية أو أشبه بالدينية. حيث لا رادّ لقضاء الأنماط العليا. أما بقية عناصر الاقتصاد الأدبي، فتشتمل على قدر ما من الحرية، وإن يكن يسيراً. يقول: "إعادة إنتاج الأنماط الأولية هو هامش الحرية الذي يتحرّك فيه الأديب سواء في الأسلوب أو الفلز الاجتماعي أو حتى الأركان الميثولوجية للنمط إذ تخضع لشيء من الانزياح والتعديل والتشظي لتكون مقبولة من العصر. فهي من جهة زمنية ومن جهة أخرى غير زمنية"(33)، وهو ما يسوّغ القول إن "القانون الأدبي هو قانون العودة إلى الحياة الرحيمة"(33). لقد غاب الواقع الذي كان هو الرحم الكبير الذي تخرج منه أجنّة الميثولوجية والخيال، وغابت الرؤيا التي هي والشعر صنوان، وغاب الجسد ـ أو البيت ـ الذي هو الرحم المرئي. وحضرت الأنماط العليا بوصفها الحياة الرحمية الأولى، التي منها ينبثق الشعر والأدب والفن والقيم الجمالية والمثل العليا. وبها يغدو الأدب بنية تحتية قائمة بذاتها، لا بنية فوقية(34)، غير أن هذه البنية التحتية تتأسس على الماضي السحيق للبشرية، حين راحت الأنماط العليا بالتشكّل مكوّنة اللاوعي الجمعي. وعند ذلك، يحقّ للمرء أن يتساءل عن شرعية الحداثة أو جدواها أو إمكانية حدوثها، في التاريخ البشري قديماً أو حديثاً. فبما أن كلّ مستجد أو مستحدث أو حداثي، أو مبتدع، على صعيد القيم أو الفنون، لابدّ لـه من أن يخرج من ورقة التوت التي كان الإنسان البدائي يتستر أو يتزيّا بها. أقصد: أن يخرج من عباءة الأنماط العليا، فلا يمكن الكلام إلا على إعادة إنتاج مضمونات اللاوعي الجمعي. أي لا يجوز الكلام على الحداثة، في القيم والفنون إلا شكلياً. هذا ما كان الناقد/ المنظر حنّا عبود نفسه قد توصّل إليه في كتابه "الحداثة عبر التاريخ"، حين تحدّث عن صاحب المنهج الميثولوجي نورثروب فراي، قائلاً: "لم يخطئ من أطلق على مجهود فراي "النسق المخيف" أو "النظام المخيف" إنه لا يترك للحداثة، أو بالأصحّ للجديد، وليس للحداثة فقط، سوى هامش ضيق وهزيل هو الانزياح"(35). ويقول أيضاً في يونغ صاحب اللاوعي الجمعي والأنماط العليا: "المعروف عن الحداثة أن وجهها مصوّب إلى الأمام، أما حداثة يونغ فإنها تتجه بوجهها إلى الخلف. الحداثة استشراف مستقبل، أو على الأقل معاناة حاضر، أما حداثة يونغ فتسير في الدرب المعكوس. وهذه أول مرّة نجد فيها الحداثة في معادلة تضعها مع البدائية في طرفين متساويين"(36). نعترف أن هذه الإشارة لا تبلّ ريقاً للقارئ، ولا تستوعب إلا أطرافاً من المشروع النقدي والثقافي والفكري للناقد حنّا عبود. ولكن لم يكن بدّ، في مقام كهذا، من الالتفات إلى النواظم العامة لهذا المشروع المتعدد المتحوّل، وإلى المراحل الكبرى التي مرّ بها. إن كل مرحلة تحتاج إلى أضعاف هذه الصفحات فيما إذا أراد الدارس أن يتوقف بالتوصيف والتحليل والنقد والحوار، فما بالنا بمشروعات متوالية ومتخالفة إن لم نقل متناقضة؟! وما بالنا بناقد، لديه القدرة المنهجية والمعرفية على أن يتجاوز نفسه باستمرار!؟. ناقد، نستطيع أن نصفه، في مسألة المنهج والنظرية، بما كان قد وصف به جرجي زيدان، حين قال: "وجرجي زيدان يأخذ بالأحكام دون أن ينطلق من نظرية واحدة معينة تصدر عنها أحكامه. فهو أحياناً يذهب في تحليل الظاهرة مذهباً نفسياً، وأحياناً مذهباً بيولوجيا، وأحياناً مذهباً مادياً...الخ، فليس في كتبه ذلك الخيط الدقيق الذي نجده عند أصحاب المذاهب والنظريات"(37). ولسنا ندري إذا كنا محقين تماماً في وصف منقودنا ـ أقصد ناقدنا ـ بما كان وصف منقوده. ولكن يخيّل إلينا أن الرجل يركض وراء المعرفة، وكأنه موكّل بها. مما يجعله واحداً من أبواب الثقافة ورهبانها، في زمن، بات الممسك فيه بالخيار الثقافي كالممسك بالجمر حيناً وبالرمل حيناً آخر. على الرغم من تكاثر المنابر والقنوات والأجهزة الثقافية والإعلامية. * * * الهوامش: 1 ـ حنا عبود: القصيدة والجسد. اتحاد الكتاب العرب، دمشق ـ 1988 ـ ص10. 2 ـ حنا عبود: فصول في علم الاقتصاد الأدبي. اتحاد الكتاب العرب ـ دمشق ـ 1997ـ ص105, 3 ـ نفسه ـ ص83. 4 ـ حنا عبود: النحل البري والعسل المر ـ دراسة في الشعر السوري المعاصر. وزارة الثقافة ـ دمشق ـ 1982 ـ ص6. 5 ـ حنا عبود: المدرسة الواقعية في النقد العربي الحديث ـ وزارة الثقافة ـ دمشق ـ 1978 ـ ص255. 6 ـ حنا عبود: النحل البري والعسل المرّ ـ ص5. 7 ـ حنا عبود: المدرسة الواقعية... ـ ص7-8. 8 ـ نفسه ـ ص280. 9 ـ نفسه ـ ص51. 10 ـ نفسه ـ را: ـ ص254. 11 ـ نفسه ـ ص256. 12 ـ نفسه ـ ص257. 13 ـ عبود: النحل البري والعسل المرّ ـ ص35. 14 ـ نفسه ـ ص36-45. 15 ـ نفسه ـ ص117. 16 ـ نفسه ـ ص116. 17 ـ نفسه ـ را: ـ ص220. 18 ـ نفسه ـ ص41. 19 ـ نفسه ـ ص9. 20 ـ عبود: القصيدة والجسد ـ ص10. 21 ـ نفسه ـ ص63. 22 ـ نفسه ـ ص63. 23 ـ نفسه ـ ص66. 24 ـ نفسه ـ ص61. 25 ـ نفسه ـ ص68. 26 ـ نفسه ـ ص70. 27 ـ نفسه ـ ص74. 28 ـ عبود: فصول في علم الاقتصاد الأدبي ـ ص105. 29 ـ نفسه ـ ص22. 30 ـ نفسه ـ را: ـ ص19-32. 31 ـ نفسه ـ ص30. 32 ـ نفسه، ص:30. 33 ـ نفسه، ص: 79. 34 ـ نفسه ـ را: ـ ص81. 35 ـ حنا عبود: الحداثة عبر التاريخ ـ اتحاد الكتاب العرب ـ دمشق ـ 1989 ـ ص48. 36 ـ نفسه ـ ص41. 37 ـ عبود: المدرسة الواقعية... ـ ص8. (1) نقول ذلك على الرغم من أن الناقد أصدر كتابين في كل من المسرح والرواية. (*) تجدر الإشارة إلى أن الناقد لم يكن قد اطلع على ما أنجزه غولدمان، في البنيوية التكوينية، وإنما جاءت تطبيقاته متساوقة مع الأطر النظرية العامة لتلك البنيوية، ولهذا نجد أنفسنا مترددين بوصف هذه المرحلة بالرؤيوية أو البنيوية التكوينية. |
|
| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |