مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 431 آذار 2007
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

خصائص خطاب السرد في روايات إبراهيم الكوني ـــ د.محمد الباردي

1 ـ إن العالم الروائي الذي بناه إبراهيم الكوني في رواياته ينظمه سارد لاشك أنه واسطة بين القارئ والمؤلف الفعلي ولكنه لن يكون واسطة محايدة. وهو صوت يتحدث ويحكي وعين ترى وتصف. وضعه إزاء مروياته ثابت لا يتغير. وإذا أردنا أن نحدد هذه الوضع بمفردات الإنشائيين قلنا إنه خارج القصة، غيري القصة. فهو بهذا المعنى لا نرى لـه حضوراً داخل القصة التي يرويها وهو بطبيعة الحال لا علاقة لـه بالأحداث، إذ لا يشارك فيها فهو. المتكلم دائماً. وإن استعمل ضمير الغيبة فلا يحيد عنه البتة. وهو بهذا المعنى السارد الأول وليس موضوعاً للسرد.‏

1.1 ـ تبدأ رواية "المجوس" بهذه الجملة السردية "لن يذوق طعم الحياة من لم يتنفس هواء الجبال. هنا فوق القمم العارية، يقترب من الآلهة يتحرر من البدن ويصبح بمقدوره أن يمدّ يده ويقطف البدر أو يجني النجوم. من هذا الموقع يروق لـه أن يراقب الناس في حضيضهم، يتسابقون بنشاط النمل فيظن أنهم قد حققوا المعجزة. ينزل إلى أرضهم فيجد أنهم دراويش أشقياء، يجدّون في البحث ولكنهم لا يجنون سوى الباطل. كم يبدو سعيهم مضحكاً وقبيحاً من المنازل العليا"(1). وتبدأ رواية "السحرة" بهذه الجملة السردية" عندما لاح في الأفق، يعتلي ألسنة السراب الزرقاء بدا عملاقاً مثل مارد ينوي أن يشق الفضاء، أو جبل عمودي سقط من السماء وغاص في مياه تفيض بها الصحراء كلما حلت القيلولة. استمات الشبح. جاهد الغلالات الزرقاء. عاند لعبور المستنقع الفاجع. حاول أن يتخلص من فخ لم يكتب لعابر أن ينجو منه يوماً ولكن المسافر لا بدّ أن يمضي إذا أراد أن يعبر المتاهة. وما على الصحراء إلا أن تتدفق بألسنتها النارية الزرقاء وتدفع في وجهه بأمواج بحر كاذب فاجع هو أقسى وأقدر على الغدر من كل البحار العظيمة التي تناقلت سيرتها ألسنة الرواة، وردّدها أهل الصحراء في الأساطير"(2) وتبدأ رواية "نزيف الحجر" بالجملة التالية "لا يروق للتيوس أن تتناطح أمام وجهه إلا عندما يشرع في الصلاة مع حلول العشية وتزحزح القرص الملتهب عن العرش في قلب السماء مودعاً مهددا بالعودة في الغد لتمام مهمته في إحراق ما لم يستطع إحراقه اليوم. يحشو "أسوف" ذراعيه في رمل الوادي ويبدأ في التيمم لإنجاز صلاة العصر"(3).‏

تؤكد لنا بدايات الرّوايات الثلاث وضع السارد الذي وصفنا، خارج القصة ـ غيري القصّة. وهو وضع ثابت كما أشرنا. ولكنه وضع يحمل بعدا قصديا. فالسارد يريد أن ينفصل كلياً عن مروياته ويتخذ لنفسه مسافة فاصلة بينه وبينها تسمح لـه بأن يبلور صوته الخاص، بل خطابه الرّاجع لـه بالنظر. وهو إذ يكون فوق مروياته دائماً، يصوغ قولـه بكلّ حرية. ولا يكون مضطراً إلى التورّط مع شخصياته والتحدث بلسانها ضرورة. ولذلك تكثر في روايات إبراهيم الكوني تلك المقاطع السردية التي هي من باب الوقف والاستراحة. وهي مقاطع متنوعة ولكنّها ترجع بالنظر إلى السارد وحده. فعندما يقول على سبيل المثال "أمناي، إله القبلي، حفره الريح في فجّ بين أعلى جبلين شمال "تينبكتو" رأسه معمّم بقناع حجريّ موشى بطبقة من الحصى يغطي العينين وينسدل حتّى الأنف المكابر المنصوب إلى أعلى، نحو السّماوات..."(4) نجد أنفسنا إزاء خطاب خاص بالسّارد. وهو في هذه الحالة خطاب وصفيّ وقيمته ليست في وظيفته السردية التي تبدو لنا قليلة الأهمية إذ يمكن الاستغناء عنها دون أن يؤثر ذلك في مسار السرد ونموه بل في القول الذي يريد السارد أن يصوغه حول الصحراء. كذلك يمكن أن نقرأ هذا المقطع من رواية "السحرة" "أهل التيه يأتون دائماً. لا يفلح الجدب في اعتراضهم، ولم يوقف القبلي أسفارهم لم ترهبهم قلة الزاد ولم يعترفوا بالظمأ. اعتنقوا ديانة الأسفار، فصار لهم التجوال وطناً. ويقول العرّافون والسحرة القدامى.. إنّ الهجرة امتياز موقوف على أهل الصحراء. ولولا هذه العقيدة، لما كان أهل الصحراء أهلا لأن يحملوا لقب أهل الصحراء.."(5). وهو مقطع يؤكد الفكرة التي إليها أشرنا. والظاهرة المتعلقة بوضع السارد ليست جديدة في الرواية العربية ولكنّ تواترها وشساعة المساحة النصية التي تملؤها هما اللذان يثيران الانتباه. ومرد ذلك في اعتقادنا يعود إلى أمر أساسي وهو أنّ السارد يعرض نفسه في أغلب الروايات التي كتبها إبراهيم الكوني باعتباره صانع سيرة الصحراء ومؤلفها. فهو إذ يروي حكايات ويقدم شخصيات بشرية أو غير بشرية ويعبر عن أحداث، إنما يكتب سيرة الصحراء. وإذ هو مؤلف السيرة وصانعها فإن صوته السردي يتجلى عالياً ويتحول إلى كائن لا نراه ولكننا نسمعه ونتبع أصداء صوته التي تهيمن على العالم الروائي. إن السارد في روايات إبراهيم الكوني يستبد بالنصّ وهو حاضر فيه حضوراً مستمراً. يرفض أن يختفي وراء شخصياته أو أن يوهم بذلك. فهو المتصرف في القول اللاعب بالسرد. وهو في النهاية في وضع مريح يتيح لـه حرية واسعة للتحرك وتحديد المسافات بينه وبين مروياته. يبتعد ويقترب. يرفع صوته ويخفضه. يضيق الرؤية ويوسعها.‏

2. 1 ـ إنّ هذا الحضور القويّ للسارد يكشف عنه المتلفظ السردي فاللغة في هذه الروايات تؤدي وظيفتين مزدوجتين. فهي من ناحية تتعلق بموضوعها، تخبر عنه وتشخصه وتحيل عليه وهي من ناحية ثانية تتعلق بمتلفظها، تعبّر عنه كذلك وتشخصه وتحيل عليه. فعندما تبدأ رواية "المجوس" بهذه الجملة التي أوردناها سابقاً" لن يذوق طعم الحياة من لم يتنفس هواء الجبال. هنا فوق القمم العارية، يقترب من الآلهة، يتحرر من البدن ويصبح بمقدوره أن يمد يده ويقطف البدر أو يجني النجوم" تكشف اللغة عن طبيعة متلفظها وهو السارد وعن رؤيته للحياة وعن موقفه من الوجود. وكم هي المقاطع السردية التي يظهر فيها صوت السارد ليعبر عن نفسه ويقول فكرة ويشخص موقفاً لـه من الحياة. وبالتالي فنحن عندما نقرأ هذه الروايات نقرأها من وجهة نظر السارد وبرؤيته الشخصية للعالم والأشياء ويمكن أن نقدم المثال التالي من رواية "المجوس" الغمامة الشفافة التي يتقنع بها "ايدينان" الضّال ازدادت قتامة ونزلت من البرج السماوي الأول إلى البرج الثالث. فجرد القبلي الجبل من جلاله وغموضه وغطرسته وأجبره أن يتحلى بالتواضع ويتشبه بقرينه الجنوبي الأقصر قامة. حامت فوق الجبل سحابة من التجهم والعبوس استمرت أياماً قبل أن يتمخّض الأفق عن الهباء والغبار.."(6). في هذه الجمل السردية تكثر التعابير الاستعارية "الضال ـ يتقنع ـ جلال ـ غطرسة ـ التواضع ـ سحابة من التجهم والغموض). وهي تعابير تعكس رؤية السارد الذاتية للأشياء ولا ترتبط بحقيقة الموضوع الذي تتحدث عنه وهو جبل إيدينان وقد هبّت عليه ريح القبلي. كذلك يمكن أن نذكر هذا المثال من رواية "السحرة" "بعيداً، بعيدا. على امتداد الخلوة الرمادية الصارمة. تدفق الفيض بفتنة التبر. واستعادت أشجار الطلح ظلالاً خسفتها الظهيرة فتمددت على الحضيض في قامات سخية كأنها أجرام المردة. تكاثف القطيع والتحم في دائرة. ارتفعت ذيول الغبار وتصدت للفيض السّخي، فازدهر نسيج الذرات وتبدّى من خلال الضوء كغلالة فاتنة"(7) إنّ هذه الجمل السردية لا تختلف في أسلوبها عن الجمل السابقة. إذ يهيمن عليها التعبير الاستعاري الذي يعكس رؤية السارد للإطار الطبيعي الذي يصفه. وهي رؤية ذاتية صرفة، توجه القراءة توجيهاً صارماً. وهو ما يجعلنا نلحّ على ذاتية السرد في هذه الروايات. فالعالم الروائي لا يشخص موضوع السرد وحده بل يشخص أيضاً قائله تشخيصاً قوياً. وإذ نلحّ على أهمية الظاهرة فلكونها ظاهرة مهيمنة ومتواترة وإن أعدت سمة أساسية من سمات الرواية التقليدية(8). فالسارد منذ البداية يعلن أنه ليس موضوعياً ولا محايدا. وبالتالي فهو الذي يفرض وجهة نظره على مروياته ولا يسمح لها البتة باستقلالية الحضور لتموضع العالم. وهذا يعني في النهاية أن السارد ليس داخل القصة ولا مشاركاً فيها ولكنه قريب من مروياته يغمرها برؤيته الأسطورية للعالم.‏

3. 1 ـ "إن مختلف الأشكال الأدبية تقلد الواقع بدرجات مختلفة جداً. وتتيح ا لواقعية الشكلية للرواية تقليداً مباشراً للتجربة الفردية مستوعبة داخل محيطها الزّمكاني، مباشرة تفوق ما تقوم به الأشكال الأدبية الأخرى. ومن ثم فإنّ مواضعات الرواية أقل تشدداً في منظور الجمهور من معظم القراء، منذ القرنين الماضيين، يجدون في الرواية الشكل الأدبي الأكثر قدرة على إشباع رغباتهم في توافق بين الحياة والفنّ"(9). ولكنّ روايات إبراهيم الكوني ليست روايات واقعية بمعناها الاصطلاحي. أو قل ليست واقعية وصفية إذا رمنا استعمال المصطلح الذي صاغه فيليب هامون وحدّد مفهومه(10).‏

فالسارد في هذه الروايات لا يشخص واقعاً بل يشخص أسطورة أو واقعاً مؤسطرا. في هذه الروايات يمتزج العقلي باللاعقلي، ويختلط الطبيعي بما فوق الطبيعة ويلتبس الممكن باللا ممكن إذ يهدم السارد الحدّ الفاصل بين الإنساني واللا إنساني وبين البشري والحيواني وبين العقلاني واللا عقلاني ليؤسس عالم الأسطورة الذي يسعى إلى تشخيصه في هذه الأعمال الروائية التي حللناها. تحدث تزيفتان طودوروف عن أشكال التعامل السردي مع الخارق من الأحداث والشخصيات وصنفها إلى أنواع ثلاثة.. الفانطاستيكي والغرائبي والعجائبي(11). ونحن في هذا السياق نقبل أن ندرج عدداً كبيراً من مرويات هذه الأعمال ومواضيعها في إطار العجائبي. ففي حالة العجائبي "لا تثير العناصر فوق طبيعية أي انفعال خاص لدى الشخصيات الروائية أو لدى القارئ الضمني ذلك أن ما يميز العجائبية ليس مجرد موقف تجاه الأحداث المروية بل طبيعة هذه الأحداث في حدّ ذاتها"(12). ولكن العجائبي باعتباره نوعاً سردياً لا يكون خالصاً دائماً. ولذلك تحدث طودوروف عن أنواع من الأدب العجائبي منها العجائبي الخرافي (ألف ليلة وليلة) والعجائبي المبالغ فيه والعجائبي المتصل بما هو قادم من بلاد غريبة والعجائبي المتصل بالأدوات الغريبة(13). وهي تصنيفات لم تعد تقنع الباحث كثيراً وتحتاج إلى إعادة نظر. ومع ذلك يمكن أن نتحدث في هذه الروايات عن العجائبي الأسطوري. إن الخارق في مستوى طبيعة الأحداث وطبيعة الشخصيات والزمان والمكان ينبع من الأسطورة. فعلى القارئ الضمني أن يقبل هذا العالم الأسطوري الذي يرويه السارد. وهو عالم لا معنى لـه خارج منطق الأسطورة. ولذلك يمكن أن نقول إنّ البرنامج السردي الذي يتوخاه السارد(14) يقوم على تشخيص الأساطير. ولذلك تكثر على لسان السارد عبارات من نوع "هذا ما ترويه الأساطير عن ذلك الاجتماع الخفي" (15) و"هل أذكرك بالأسطورة" و"عاد الزعيم إلى الأسطورة"(16) و"ظل يعيد عليها هذه الأسطورة سنوات"(17). إنّ مثل هذه العبارات تعني في ما تعني أن الحياة التي تعيشها الشخصيات الروائية مسطرة في حدّ ذاتها. في القسم الثاني من رواية المجوس وفي الفصل الثالث الذي يحمل عنوان "واو الأرض وواو السماء" نقرأ عنوانين مهمين هما "إخبار الأسطورة الأول "و"إخبار الأسطورة الثاني". في المقطع الأول تتحقق الأسطورة للمهاجر عندما كان تائهاً في الصحراء إذ تظهر لـه مدينة واو من الخفاء. "جاءت السماء بواو نفسها وأرست أسوارها المهيبة عند قدميه أسفل المرتفع الرملي.. رفع رأسه وشاهد أضواء واو اللعوبة، تضيء وتختفي، تقترب وتبتعد، تغمز وتتوارى، في إغراء العذراء. ظنّ أنه يقف على مشارف الملكوت فانتظر ملك القصاص واستعد للحساب. هذا من عجيب واو أيضاً"(18). وفي المقطع الثاني يروي السارد قصة المهاجر الثاني الذي ظهرت لـه واو فوجد نفسه في ضيافة أهلها ولكنّ نفسه سولت لـه سرقة ثلاث كؤوس من الذهب ولمّا رحل اكتشف أنها تحولت إلى نحاس "لم يصدق عينيه وكذّب خبرته التجارية الطويلة في التعامل بالذهب والمعادن في أسواق الواحات. قصد تجار الذهب واختلى بتاجر عجوز سبق أن تعامل معه في صفقات تجارية في زيارات سابقة. امتحن العجوز البضاعة في النار وأعاد الكؤوس للتاجر قائلاً إنها نحاس، والغانية المنسوجة من فسيفساء الجواهر تحولت إلى غانية بائسة، مطفأة، منسوجة من حبات الخرز الأعمى.. فيا أهل الصحراء، إذا فتحت لكم واو أبوابها فاخرجوا منها عراة، لأنكم عراة دخلتم إليها"(19). ولئن وظف المؤلف في جلّ أعماله الروائية الخيال وطاقته الإبداعية الخلاقة في بناء أسطورة واو فإنه يعمد في أغلب الأحيان إلى تسريد بعض الأساطير الإفريقية أو المنسوبة إلى الهنود الحمر أو بعض الأساطير الدينية التي تروى في الكتب السماوية. من ذلك أن المؤلف يصدر المقطع الرابع والثلاثين من رواية السحرة وعنوانه "الحوار" بأسطورة من أساطير الطوارق "السماء مرعى تجاور فيه" "طامت" (الناقة) صغيرها "آورا" (الحوار)، الأم ترعى في الجوار، ا لوليد شقي مشدود إلى شجرة بعقال مفتول من عهن. ولكنّ الشقي يتوثب ولا يكف عن المحاولة. ويوم يتمكن من الإفلات، وفكّ القيد الهزيل ويصل إلى الضرع، يحين المعاد وتقوم الساعة.." ثم يسرد هذه الأسطورة ويجعل من الناقة والحوار شخصيتين أساسيتين من شخصيات رواية السحرة.(20) وفي المجوس يصدر المؤلف المقطع الثاني من الجزء الثالث بأسطورة من أساطير الهنود الحمر نقلاً عن جيمس فريزر "الغصن الذهبي.. الفلكلور في الثورة" "عجن الإله جسد الإنسان من الطين وصعد إلى السماء لكي يعود لـه بالرّوح لإحيائه، تاركاً خلفه الكلب لحراسة البدن أثناء غيابه في هذا الوقت جاء إبليس ونفخ في الكلب ريحاً باردة فخدرته. دثره بغطاء من فرو حتى يضعف يقظته. ثم بصق على بدن الإنسان وغمره بالقاذورات إلى حدّ جعل الإله يشعر باليأس لاستحالة تطهير الجسد من العفن الشيطاني. من هنا قرر الإله أن يقلب جلد الإنسان ويجعل ظاهره في باطنه. هذا هو سبب عفونة باطن الإنسان"(21). وسيسرد المؤلف هذه الأسطورة عندما يروي تطور شخصية أوخا في صراعه مع أوداد.‏

نضيف إلى ذلك كله أن سارد إبراهيم الكوني يبني أحياناً رواية بأكملها على أسطورة مركزية واحدة. فإذا كانت أسطورة واو شائعة في روايات كثيرة ويبدو أنها لا تستند إلى مرجعية محددة فإن رواية السحرة تقوم أساساً على أسطورة قرطاجينة معروفة. فتانيت ربّة في مدفن عظماء قرطاج وهي ربّة الخصوبة تحافظ على دلالتها الأسطورية وتصبح عاملاً سردياً هاماً في الرواية ويعرّفها المؤلف في الهامش بأنها (إلاهة الحب والخصوبة عند قدماء الليبيين(22). يحمل بطل الرواية جبّارين قلادة في عنقه تحوي رمز تانيت "تفحص الرّسوم فوجد خمس قطع مربعة حظت (كذا) بالرّموز واحتلت وسط القلادة وحوصر الحصن بقطعتين مثيلتين، آه مثلث تانيت، يحمي الاسم من الجهتين.. نعم لابدّ أن يكون جبارين هو الذي يرقد الآن بين يدي الإلهة تانيت"(22). وستحمي العلامة حاملها من الشرور "لقد أصبت الجني بعلامة تانيت، نحرته بالعلامة"(23). ثمّ تظهر علامة تانيت في شكلها المثلث على عظمة كتف قطعة اللحم لتنبئ بأنّ الوديان ستفيض بالسيول "تفقد الجسم المثلث الذي يخرقه عرق يشطره إلى نصفين غير متساويين لأن العرق يلتزم أحد الجانبين ليترك فضاء فسيحا لبقع العتمة، للخطوط الخفية، للنمنمات الغامضة، للآيات، للنبوءات.. أخيراً عاد الكاهن من ملكوت المعبد وتفوّه بالعبارة الصغيرة ـ ما أخبر به الرّعاة حق.. الوديان ستفيض بالسّهول"(24) ثم تظهر العلامة على فصّ الخاتم وقد وجد البطل الروائي نفسه في بلاد الجنّ فأنقذته مرة أخرى "القبس الخفي هو الذي سطع على فص الخاتم ليريه البشارة. كانت محفورة بصفوف من الأحجار الملونة التي لم ير لها مثيلاً قبل اليوم. كلّ ذرة لها لون يختلف عن لون الذرة التي سبقتها، وتليها ذرة لها لون ثالث يختلف عن اللتين السابقين، وعلى هذا التنسيق تمضي النمنمة البديعة حتى تكتمل في جسد الرسم.. أطلق الشيخ الآمر الصارم.. اخرج"(25). وفي نهاية الرواية تتحقق دلالة الأسطورة عندما يهطل المطر ليعلن موعد الخصوبة "استوت الأرض وانطلقت تجري نحو الجهات الأربع. ارتفعت إلى أعلى حتى اقتربت من السماء استعارت منها النجوم، وفرشتها على صدرها حجارة. صنعت من الأفق طوقاً مزموما. وصلت لممالك الشّمال فقاسمتها الممالك مما ملكت وأرسلت لها سحب المطر.‏

اغتسلت بالضوء. وتحممت بالمطر بعد الضوء. ففاحت بعطر الّرتم وأنجبت من جوفها الترفاس"(26).‏

إنّ ما نودّ أن نؤكد عليه في النهاية هو أن سارد روايات إبراهيم الكوني يعمد إلى تشخيص الأساطير وبذلك يخرج هذه الروايات عن الواقعية بمعناها الاصطلاحي.‏

2. يعرض المؤلف نصوصه في هذه الروايات معتمداً أسلوب التقطيع. تنبني الروايات الثلاث التي اعتمدناها في هذه الدراسة على عدد من المقاطع تختلف شكلاً من رواية إلى أخرى.‏

1. 2. تقوم الرواية الأولى التي كتبها إبراهيم الكوني "نزيف الحجر" على ستة وعشرين مقطعا سردياً. وهي مقاطع غير مرقمة ولكنها تحمل عناوين مختلفة من حيث بنيتها الشكلية. فقد يكون العنوان مركبا جزئياً (الأيقونة الحجرية ـ زائر الغسق ـ ثمن العزلة) أو نواة اسنادية كاملة (شيطان اسمه الإنسان ـ شبح من الهملايا ـ لن يشبع ابن آدم إلا التراب) أو لفظاً واحداً (البنية ـ النذر ـ الهاوية ـ العظاية ـ التحول) ومرة واحدة يقترح المؤلف عنوانين مختلفين للمقطع الواحد وهو المقطع الثاني في الرواية الذي يحمل عنوان "الصلاة أمام النصب التذكاري (العسّاس). على أننا نلاحظ أن العناوين التي تأتي في شكل ألفاظ مفردة هي العناوين المهيمنة في هذه الرواية. في هذه الرواية سعى المؤلف إلى الموازنة بين هذه المقاطع المختلفة. فجلّ المقاطع تتراوح بين ثلاث وست صفحات من صفحات الكتاب باستثناء القليل منها الذي كاد ينحصر في صفحتين اثنتين (نذكر على سبيل المثال مقطع العظاية ومقطع التحول) ولذلك يمكن أن نقول إنها مقاطع قصيرة مما يسرع السرد ويقرب بين النوايات السردية. ثمّ إن العناوين ذات صلة موضوعاتية بمقاطعها. وهذا يعني أنّ العنوان هو علامة دالة على موضوع المقطع ومحتواه السردي. فالمقطع الذي يحمل عنوان البنية على سبيل المثال يروي الحالة التي كان عليها بطل الرواية "أسوف" نتيجة ما تلقاه من تربية، إذ ربّاه أبوه على الخوف من الناس فوصفته أمّه بأنه بُنَيَّة لعدم قدرته على المواجهة "أمّه معها حق. هو بنية. الرجل لا يهرب من لقاء الرّجال. الحياء للبنات"(27) ولذلك ظهر لفظ العنوان في المتن ذاته.‏

كذلك تظهر صيغة عنوان المقطع "لن يشبع ابن آدم إلا التراب" في نهاية المتن عندما هدد قابيل أسوفا وهو يطلب منه أن يدل على سكن الودّان" فأجابه أسوف بتعويذته في إصرار طفولي ـ لن يشبع ابن آدم إلا التراب"(28).‏

تبدو لنا هذه المقاطع وحدات سردية قائمة بذاتها، تحوي عددا من الوظائف السردية المغلقة داخلياً. بمعنى أن للوحدة السردية بدايتها ونهايتها وبين البداية والنهاية تنحشر الوظائف السردية لتنشئ مرويا خاصاً أو مضموناً سردياً متكاملاً. فالمقطع الأول على سبيل ا لمثال يبدأ بهذه الجملة السردية "لا يروق التيوس أن تتناطح أمام وجهه إلا عندما يشرع في الصلاة"(29). وينتهي على هذا النحو" في اليوم التالي، اكتشف أن المعزاة الشقية التي خرجت عن القطيع وقادته إلى كهف الجنّ الأكبر، قد خنقها الذئب في تلك الليلة، فتذكر كيف تخلت عنه الظلمة وهربت ظلها عند لجوئها إليها بعد سقوطه من الصخرة"(30). وبين البداية والنهاية مجموعة من الوظائف السردية نحصرها في ما يلي ـ وقوف أسوف للصلاة ـ تناطح التيوس ـ انقطاعه عن الصلاة ـ أسوف يقف أمام صخرة في وادي "متخندوش" ليؤدي فريضة الصلاة ـ وصف الصخرة وما عليها من رسوم ـ استرجاع أقوال أبيه عن الجنّ الذين يسكنون الكهوف ـ محاولته تسلق الصخور كي يلبس قناع الجني ـ سقوطه".‏

في بعض المقاطع ترتب الوظائف ترتيباً زمنياً مسترسلا وتترابط ترابطاً زمنياً واضحاً، ويطابق فيها زمن القصة زمن الحكاية. يبدأ المقطع الذي يحمل عنوان "زائر الغسق" بهذه الجملة السردية "استطاع أن يحشر الأغنام في الكهف الكبير قبل أن يصل الزوار"(31) وينتهي بهذه الجملة السردية "خيل إليه أن ضحكاتهما وهمساتهما ما زالتا تترددان في صخور الوادي.. ضحكات وهمسات أزعجته دون أن يفهم السبب. أحس بقلبه"(32) وبين جملتي البداية والنهاية مجموعة من الوظائف السردية المترابطة ترابطاً سببياً (وصول الرجلين ـ الترحيب ـ الإعلان عن غرض الزيارة ـ طلب البحث عن آثار الودّان ـ رفض البدين أكل لحم الماعز ـ إخراج الأواني والصحون والأمتعة ـ البحث عن الحطب ـ عودة أسوف إلى أغنامه ـ خروج الرجل لتفقد الوديان القريبة). وفي مقاطع أخرى يختل الترتيب الزّمني. في بعضها تظهر علامة دالة على المفارقة الزمنية، ففي المقطع الذي يحمل عنوان "الصلاة أمام النصب الوثني (العسّاس)، تتخذ المفارقة الزّمنية شكلاً استرجاعياً تدلّ عليه العبارة "تذكر عندما جاء رجال مصلحة الآثار منذ سنوات بقافلة من السيارات"(33) وعندئذ ينقطع السارد عن الزمن الحاضر وهو يصف بطله أسوف الذي ينهي صلاته، ليعود إلى الماضي البعيد عندما جاء رجال مصلحة الآثار وعرضوا عليه وظيفة حراسة وادي متخندوش بمرتب شهري. لكنّه قبل الوظيفة ورفض المرتب "أنا أحرس الوادي. أنا أحرس كلّ وديان مساك صطفت بدون فلوس. ماذا أفعل بالفلوس في مسالك؟"‏

(34) وفي المقطع المعنون بـ "شيطان اسمه الإنسان" ينطلق السارد من وضع تأملي قصير (القلب دليل من لم يعاشر الناس في فهم الناس.."أيدي" مثل القلب لا يخدع) لـه دلالة الحاضر الزّمني ليعود إلى الماضي ليرسم علاقة أسوف بوالده قبل أن يموت (أبوه أيضاً أوصاه بالقلب قبل أن يموت. كان يجلسه أمامه في ضوء القمر في ليالي الصيف.."(35). وثمة مقطع استرجاع لبعض أحداث الماضي يبدأ بهذه العبارة "وكانت لـه تجربة مع الودّان وإذا حاولنا النظر في العلاقة الزّمنية بين المقاطع، نلاحظ أنها لا تحترم الترتيب الكرونولوجي المعروف. فالمقاطع تشدّ بينها المفارقات الزّمنية غير المنتظمة ذلك أن المقاطع الأولى (الأيقونة الحجرية ـ الصلاة أمام النصب التذكاري ـ زائر الغسق) تبدو متتابعة تتابعاً زمنياً ثمّ ينقطع التتابع في المقطع الذي يحمل عنوان البنية ليعود في المقطع الموالي شبح من الهملايا، لينقطع من جديد (النذر ـ الهاوية ـ كلمة السرّ ـ العظاية ـ التحول ـ رحلة الجسد ـ النقيضان ـ راقد الرّيح) ثمّ يعود السّارد إلى حكاية أسوف مع الرّجلين وهي الحكاية الأصلية في الرّواية طيلة بقية المقاطع لا يشذّ في ذلك إلا مقطع واحد هو مقطع "العهد".‏

يؤدي بنا هذا التحليل إلى أن الكاتب في هذه الرواية الأولى التي ألفها انخرط على مستوى البناء المقطعي في الأسلوب الذي تتوخاه الرواية العربية الحديثة المتمثل في الخروج على خطية الزّمن. ذلك أن بناء المقاطع يخضع أساساً لكيفية تعامل الروائي مع الزمن. وإذا كان الالتزام بخطية الزمن سمة من سمات الرواية التقليدية فإنّ تقطيع الزمن الذي يؤدّي بدوره إلى تقطيع السرد سمة أساسية من سمات الحداثة الروائية. ولكن إلى حدّ سيلتزم إبراهيم الكوني بهذا التصور في بناء المقاطع في رواياته الأخرى؟‏

2. 2. في رواية "المجوس" يبدو بناء المقاطع على مستوى الشكل أكثر تعقيداً. قسّم المؤلف روايته إلى أربعة مقاطع كبرى سمّاها أجزاء. وقسم كل جزء من الأجزاء الأربعة إلى مقاطع صغرى معنونة. فالقسم الأول يحوي أحد عشر مقطعاً هي على التوالي (القبلي ـ شيخ الطريقة ـ الرّسول ـ القرين الضّال ـ طائر الفردوس ـ أهل الردّة ـ واو ـ بنو آوى ـ الميعاد ـ الرؤيا ـ الدّرويش ـ ). وكل مقطع صغير من المقاطع يقوم على مجموعة من المقاطع الدّنيا تكون هذه المرّة مرقمة. فالمقطع الصغير الأول (القبلي) على سبيل المثال ينبني على أربعة مقاطع دنيا. وعلى هذا النحو تمضي بقيّة المقاطع.‏

وما يلفت الانتباه في مستوى بناء المقاطع أن المؤلف يتبع خطة مدروسة واضحة. فلئن كانت أجزاء الرواية تكاد تكون متساوية في عدد صفحاتها باستثناء الجزء الأخير، فإن الكتابين يبدوان لنا متوازيين مقطعياً. فالقسم الأول والقسم الثالث يتضمن كلّ واحد منهما أحد عشر مقطعاً ثانوياً. والقسمان الثاني والرابع يحوي كلّ قسم منها ثلاثة مقاطع. وهكذا يتوازى الكتابان. كما نلاحظ أنّ المؤلف يلتجئ أحياناً قليلة إلى توزيع بعض مقاطعه الدنيا إلى مقاطع أقل حجماً. فالمقطع الثالث عشر من القسم الأول يوزع إلى ثلاثة مقاطع معنونة. أ ـ مراثي العذارى ب ـ مراثي الفتيان. ج ـ مراثي الفرسان. بيد أنّ الاختلال يكون في مستوى توزيع المقاطع الصغرى إلى مقاطع دنيا. فهاهنا لا يتقيد المؤلف بحدّ معين ولذلك جاءت متراوحة بين الطول والقصر. أقصر المقاطع يتضمّن أربعة مقاطع دنيا وأطولها يحوي ستة وعشرين مقطعا. وما نستنتجه في النهاية أن المؤلف على وعي شديد بأهمية التقطيع في هذه الرّواية وقد اتبع فيه خطة هندسية واضحة على مستوى الشكل.‏

وإذا نظرنا إلى هذه المقاطع في مستوى ترتيب وظائف السرد فيها وانتظامها الزّمني، ندرك أنها تميل عموماً إلى ضرب من التتابع الحدثي السببي. وقليلة هي المقاطع التي تخرج عن هذا السياق وتحدث تقطيعاً زمنياً أو سردياً. وهذا يعني أن المفارقات الزمنية بين زمن الحكاية وزمن القصة أو زمن الحكاية وزمن الخطاب قليلة. فعندما ننظر على سبيل المثال في المقاطع الأولى من الجزء الأول للرواية نلاحظ أن المقاطع الأربعة الأولى (القبلي ـ شيخ الطريقة ـ الرسول ـ القرين الضال) هي مقاطع متكاملة. وهي جميعاً تحقق نواة سردية مركزية في الرواية. في المقطع الأول يروي السارد مجيء الأميرة "تينيرى" من آير لتجاور الزّعيم في السهل. وقد عاد من هجرته إلى صحراء الحمادة بعد موت الفقيه. وفي المقطع الثاني يملأ السارد ثغرة سردية في المقطع الأول عندما يروي حكاية الفقيه التيجاني مع الزعيم وقبيلته. ثم يواصل السارد في المقطع الثالث ما كان قد بدأه في المقطع الأول عندما يروي استقبال الزعيم لرسول الأميرة. وفي المقطع الرابع والأخير يعود السارد مرة أخرى إلى حكاية الفقيه التيجاني ولكنه ليسرد هذه المرة كيف قُضي على مملكة شيخ الطريقة "وعندما قضى الجيش الخفيّ على مملكة شيخ الطريقة أشار إصبع الاتهام إلى الجبل لأن نقطة ضعف شيخ الطريقة في جهله بما يعنيه أن تملك في أمتعتك صندوقاً من التبر"‏

(37). وبعد هذه المقاطع ينقطع السارد عن ذكر حكاية الفقية ليواصل سرد تتابع الأحداث. فالمقطع الموالي (طائر الفردوس) يتحرك السرد في اتجاه شخصية مركزية جديدة ظهرت ظهوراً خافتاً في المقطع الأول وهي شخصية أوداد التي سيكون لها شأن مع الأميرة. وبالتالي فإن السرد في هذا المقطع يدفع في اتجاه تطوير العلاقة بين الشخصيات والتبشير بمعالم الحبكة التي تقوم عليها الرواية، إذ يصف ملامح شخصيته الأسطورية ويحدد علاقتها بالأمّ وبالدّرويش وبابنة العمّ التي لم تطلب منه الطلاق بل "هاجرت مع أهلها إلى مراعي" "مساك ملت" وهو لم يذهب إلى الإمام ليطلقها. استمر يتطاول في القمم الحجرية، يصغي لطائر الفردوس ويرقب السهول من عليائه في السّماوات بعد شهور جاءه الرّعاة بالبشارة. الحورية المهجورة أنجبت لـه وريثاً يخلفه في قلبها"(38). وفي المقطع الموالي "أهل الردة" ينتقل السارد إلى تشخيص الحالة التي أصبحت عليها سلطنة "تنبكتو" فاختفاء الذهب ضرب التجارة وحركة القوافل مع الشمال توقفت والناس جياع(39). وهذه الحالة هي التي دفعت بآخر سلاطين "تنبكتو" إلى التفكير في الهجرة وبناء واو الجديدة في سهول الحمادة ولذلك هرب ابنته الأميرة لتجاور الزعيم وتشرع في بناء المدينة الجديدة وتسويرها. وعلى هذا النحو تتتالى الأحداث لتبلغ ذروتها عند إعلان القطيعة بين الزعيم والسلطان وقد بنيت واو الجديدة. وتنفرج الحبكة في نهاية الرواية عندما تزول هذه المدينة ويعود الزعيم إلى حياته القديمة. ويتقاطع هذا الخيط السردي المحكم البناء مع خيوط سردية ثانية تتعلق ببعض الشخصيات المركزية في الرواية أهمها ما يتعلق بشخصية الدّرويش وما يتعلق بالثالوث (الأميرة تينيرى وأوخا وأوداد). إنّ ما نريد أن نؤكد عليه يتمثل في أنّ الاسترجاعات السردية قليلة في هذه الراوية. وتقطيع السرد محدود وثمة ميل إلى مطابقة زمن القصة لزمن الحكاية. وهذا كله يعني أن ترتيب المقاطع السردية يراعي الحبكة وأن الحبكة بدورها تنمو نمواً يقوم على التواصل وليس على الانقطاع.‏

3. 2. لا تختلف رواية "السحرة" في مستوى بنائها المقطعي الشكلي كثيراً عن رواية "المجوس". أربعة مقاطع كبرى هي قوام هذه الرواية. وهي كلها تحوي ستة وأربعين مقطعاً رئيسياً. والمقاطع كلها وقد جاءت معنونة، موزعة على جزأين توزيعاً متشابهاً ويكاد يكون متساوياً. فالجزء الأول من الرواية يقوم على مقطعين كبيرين (أو قسمين). يتضمّن المقطع الأول تسعة مقاطع رئيسية. ويتضمّن المقطع الثاني ثلاثة عشر مقطعاً. وكذا الشأن بالنسبة إلى الجزء الثاني. ففي الجزأين يتجاوز عدد المقاطع في القسم الثاني عددها في القسم الأول. لكننا لاحظنا أنّ بعض العناوين المتعلقة بمقاطع الجزء الأول تتكرر. فمقاطع (الحية ـ ا لدّائرة ـ الحجر) تتكرّر عناوينها بين القسم الأول والقسم الثاني. فهي الحية أ والدائرة أ والحجر أ في القسم الأول. وهي الحيّة ب والدّائرة ب والحجر ب في القسم الثاني. كما لاحظنا أن بعضها في القسم الثاني يتكرر (الخروج أ ـ الخروج ب ـ والخروج ج). أما في الجزء الثاني فقد لاحظنا أنّ عنوان مقطع واحد يتكرر (العلامة أ والعلامة ب). ولكننا لاحظنا كذلك أنّ عنواني مقطعين ذكرا في الجزء الأول يتكرران وهما الخروج د. والدائرة ج.‏

إنّ هذه الملاحظة الشكلية تؤكد أمرين أساسيين. عناية المؤلف بمسألة التقطيع وإدراكه لأهميته في البناء الروائي ثم إصراره على التماسك السردي أو تماسك ا لشكل بصفة عامة. إذ لا يمكن الحديث عن انحلال للشكل الروائي كما تروج لـه الحداثة الرّوائية في الأدب العربيّ المعاصر. تتأكد هذه الملاحظة الأخيرة عندما ننظر في بناء الوظائف السردية.‏

يبدأ القسم الأول من الجزء الأول بالمقطع الرئيسي "بورو" وهو مقطع طويل يقوم على عشرة مقاطع جزئية. في المقطع الجزئي الأول يقدم السارد بطله الرئيسي "بورو" وهو يعبر الصحراء ويمضي لاستقبال المهاجر وفي المقطع الثاني يلتقي بورو المسافر ويدرك أنه توأمه "والآن أنت توأم المسافر. أنا هو المسافر والمسافر هو أنت"(40). ويواصلان معا الرّحلة في الصحراء" خلفه مشى المسافر حائراً ولكن الخوف من العار جعله لا يترنح"(41). وفي المقطع الثالث ينشغل السارد بتحديد العلاقة بين بورو وقرينه (المسافر) وهما يستريحان بعد تعب الرحلة (صنع لـه وسادة من تراب عند الجذع ـ أنصت بورو لمناورات القبلي في دغل الفروة ـ تنتقل العدوى إلى الجمال فتستجيب الحيوانات للاستنفار ـ تقلب المسافر واستلقى على ظهره ـ عاد بورو إلى الموقد وواصل معاندة الزند ـ الحروف الخمسة المحروسة بمثلثين من مثلثات تانيت نجحت في استجلاب النار من قعر المجهول).‏

وفي نهاية المقطع ينخرط السارد في استطراد طويل يمتدّ على المقاطع الثلاثة الموالية، يبدأ بهذه العبارة "في تلك السنوات تعلم أن يتسلى بالغناء في المراعي، لأنه كان قد عشق الأشعار كما عشق الجمال"(42). وينتهي بهذه العبارة "هناك في رحاب الماضي، حيث ينطبع الأجداد بقامات المردة على صدور الصخور المطفأة، ويستعير الصيادون العظماء ليس أقنعة الودّان فقط، أو قرونها، أو أجسامها الجليلة وإنما هيبتها أيضاً"(43). ثم تتواصل الوظائف السردية متلاحقة في المقاطع الأربع الأخيرة. في هذا الاستطراد يعود السارد إلى ماضي الشخصية المركزية "بورو" ومن خلال مجموعة من الأفعال السردية وبعض الحكايات يسعى إلى تحديد طبيعة هذه الشخصية الأسطورية (حلوله في الحوار ـ قتله ودفنه ثمّ خروجه من القبر بعد موت دام أيّما ـ ظهور مولا ـ مولا ومنحه إيّاها الرّغيف الذي طهاه). لاشك أن استطراداً كهذا يقطع السرد ويحدث المفارقة الزّمنية بين زمن الحكاية وزمن الخطاب. ولكنه يختلف عن الاستعمالات المعروفة في الرّواية الحديثة أسلوباً وغاية.‏

أسلوباً يهيئ السارد قارئه للعودة إلى الوراء بعبارات عديدة معروفة في هذا السياق (في تلك السنوات ـ هناك في رحاب ـ يومها ـ في ليلة من الليالي ـ لا يذكر السحرة للرقع تاريخا ـ تذكر ـ قبل أن يدخل على الحسناء تذكر ـ الحنين إلى حوار الطفولة لم ينطفئ منذ اختطفه الغناء ـ في السّنوات الأولى من زمان طواه النسيان ولم يعد يذكره أحد ـ في تلك الليلة ـ استدار الزّمان..) وهي كلها إشارات زمنية تنبّه القارئ إلى الخروج من الحاضر والعودة إلى الماضي وهي عودة تأتي على سبيل الاستطراد. فالحدث يحيل على حدث سابق والصورة ترجع إلى صورة قديمة والفكرة لها بدايتها في زمن سابق. إنّ أسلوباً كهذا لا يضع القارئ أمام مواجهة زمنية حادة كما تفعل عادة الرواية الحديثة وإنما توحي بأن الماضي امتداد للحاضر، يبرّره ويفسره ويرجعه إلى أصوله.‏

وبالتالي ثمة امتداد زمني والأسطورة لا تعترف بالقطيعة الزمنية. فالأسطوري "يشمل الماضي والحاضر والمستقبل ويخترق تبعاً لذلك كل ثقافة من الثقافات مهما كان موقعها من التاريخ"(44).‏

وغاية، تبدو لنا هذه المفارقات الزمنية المحدودة وقد جاءت على سبيل الاستطراد في شكل خطاب خاص بالسّارد من خلاله يسعى إلى أن يؤرخ لمروياته ويقدم عنها صورة كلية. هي صورة أسطورية لا شك ولكنها متكاملة العناصر. فالمفارقات الزمنية ـ على قلتها ـ لا تعكس وعياً حاداً لدى الشخصية بالزمن وإحساسها بالتمزق وتعارض الرؤى بقدر ما تجسد وظيفة السارد التاريخية وهو يقدم نفسه على أساس أنه حامل لتاريخ الصحراء ومبشر بزمنها الأسطوري. إنّ الخلاصة التي نريد أن نتوقف عندها هي أن نظام المقاطع في روايات إبراهيم الكوني نظام صارم البناء ولكنه لا يعكس مفارقات زمنية واضحة، واسعة وحادة. فالسرد يتقدم دائماً في اتجاه اتمام عناصر الحكاية والعودة إلى الوراء لا تكون إلا على سبيل الاستطراد في مستوى المقاطع الدنيا وهو استطراد تاريخي باعتبار أن السارد يسعى إلى أن يعرض صورة كلية عن أسطورة الصحراء.‏

بيد أن هذا الاستطراد يباعد بين نوايات السرد كثيراً. فعلى سبيل المثال نلاحظ أن السارد في رواية "المجوس" يقدم رسول الأميرة إلى الزعيم في الصفحة الخامسة عشرة ولكن المقابلة لا تتم على مستوى السرد إلا في الصفحة الحادية والأربعين وينتج عن ذلك أيضاً أن السارد يهمل شخصيته طويلاً أحياناً إذ يلهيه الاستطراد عن مواصلة حكاية الشخصية. فالزّعيم أوكل لأوخا مهمة وضع التحصينات حول البئر في الصفحة الثالثة عشرة من الرواية ذاتها ولا يعود السارد إلى ذكره إلا في الصفحة الأربعين. ثم إن الانتقال من مقطع رئيس إلى آخر يكون في أغلب الأحيان بدون رابط سببيّ مباشر أو رابط حدثي ظاهر. إذ يدخل السارد في استطراد مبرره أحياناً اشتراك في التيمة أو الموضوع. وهو ما يوسع هذا التباعد بين نوايات السرد ويجعله سرداً بطيئاً ويقترب السرد الروائي من السرد التاريخي إذ ينشغل السارد بتفسير الأحداث وبتقديم المبررات الملائمة لها.‏

ولاشك أن هذا المبدأ (تباعد السرد) لا تحبّذه الرواية الواقعية التقليدية على حد رأي ف. هامون‏

(45) الذي يعتقد أن إنشائيتها تقتضي ضرباً من الاستعجال عندما تقارب بين نوايات السرد. ولكنّه أيضاً أسلوب لا تجسمّه الرواية الحديثة التي تخلت عن الحبكة ولم تعد هذه المسألة من إشكالياتها المركزية.‏

3. 2 إن السارد في روايات إبراهيم الكوني كائن ورقي مستبد بالنص. فهو يروي وينقل الأحداث ويفسرها ويبررها وينظر لها. والسؤال الذي يطرح والمتعلق بالمقامات السردية هو كيف يروي السارد مروياته وعلى من يعول في سرده وما علاقة المقام السردي بزمن القصة؟.‏

1. 3 في كل روايات إبراهيم الكوني ثمّة مقام سردي رئيسي واحد. طرفاه سارد خارج القصة ـ غيري القصة ومسرود لـه ضمني. وإذا كان السارد في المدونة المحدودة التي اعتمدناها يتجلى من خلال صوته فإننا لم نلحظ حضوراً نحوياً للمسرود لـه. وبالتالي فإن المسرود لـه الضمني هو بدوره خارج القصة (ليس طرفاً في الأحداث المروية) يلتبس بالقارئ الضمني وقد يتماهى معه كل قارئ حقيقي. هذا المقام السردي ليس معيناً زمنياً أو مكانياً.‏

وإذا كان من الطبيعي أن يكون المقام لاحقاً للمرويات فإن المدة الزمنية الفاصلة بين زمن رواية هذه الأحداث وزمن وقوعها لا يمكن تحديدها. وإذا اعتبرنا أن زمن القصة هو زمن أسطوري فإن المدة الفاصلة بين زمن المقام السردي (زمن رواية الأحداث) وزمن وقوعها مدة ممتدة امتدادا لا نهائياً. فعندما يتحدث السارد مثلاً في "المجوس" عن ملك الجنّ الذي يريد أن يستقر برعيته في الأرض ويبني لشتلتهم وطناً(46) لا ندرك زمن هذا الحدث ولو على سبيل التقريب وكذا الشأن في رواية السحرة عندما يقول السارد "يروي الرعاة في تادارات أن الطفل والطفلة اللذين أنجبهما آكا من جنيته الحسناء كانا توأمين.."(47) إذ لا نستطيع أن نحدد في أي زمن وقعت الحادثة. والنتيجة هي أن المدة الزمنية التي تجري فيها الأحداث لا يمكن حدّها وبالتالي فإن موضع المقام السردي الزمني في علاقته بمروياته غير ثابت. إذ يدنو أحياناً من الحدث ولكنّه أحياناً أخرى يتباعد عنه تباعدا لا نهائياً.‏

2.3. إنّ هذا المقام السردي الرئيسي هو المقام المركزي المهيمن. فالحكايات التي تروى يرويها هذا السارد الذي يتردد صداه كلما تقدمنا في قراءة النصّ. ولذلك لا مجال للحديث عن تعدد السردة والإشكاليات التي يطرحها كما يبدو لنا في الرواية الحديثة. ولذلك يمكن أن نقول إن المقامات السردية الداخلية أو المضمنة محدودة. فعلى سبيل المثال يتضمن مقطع الحصن من رواية "السحرة" مقاما سردياً قصيرا، سارده الراعي والمسرود لهم الرعاة وموضوع السرد حكاية "بابا" والذئب(48). كما تتضمن رواية "المجوس" مقاماً سردياً داخلياً عندما يروي الزعيم لحكماء القبيلة الروايات الثلاث المختلفة والمتعلقة بإحدى الشائعات(49). وتحوي كذلك رواية "نزيف الحجر" مقاماً سردياً داخلياً سارده أبو البطل والمسرود لـه البطل ذاته وموضوعه قصة الأب مع الودان(50).‏

ولكنها مقامات محدودة وقصيرة ولا تتيح ذاك التلاعب بين المقامات السردية وتبادل الأدوار بين المتلفظين الذي تمارسه الرواية الحديثة(51). ومع ذلك فكثيرة هي الحكايات و الأحداث التي يكون فيها السارد من الدرجة الأولى مجرد ناقل وتتضمن مقامات سردية ضمنية لا يصرّح السارد بطرفيها(السارد والمسرود لـه) وهي مقامات نستنتجها من عبارات على نحو "يروى أيضاً أن أصوات الطبول.. ما هي إلا نداء الصحراء الرّملية للمطر"(52) أو "يقولون أن مملكة تانس هي واو الموعودة "(53) أو "ويروى أن عواء الوداع استمرّ عاما كاملا"(54) "يروى في الصحراء أن "وانتهيط" اللئيم هو الذي أنقذ "تامدّورت" وحررها من أسر الحجر"(55)" تناقل الرعاة في الحمادة أن الساحر تنقل في صحراء الشمال(56) أو كذلك "يؤكد الرّواة" "وكثيرون أكدوا" و"ورد في السيرة القديمة"(57) "وتناقل الأجيال عن الأجيال كيف ابتعد الزعيم"(58). إنّ هذه العبارات توحي بأنّ السارد الرئيسي هو مسرود لـه في هذه الحكايات التي يرويها وهو مجرد ناقل لها. ولكنّ المقامات السردية المتعلقة بهذه الحكايات والأحداث مجهولة الهوية، تنسب إلى المجهول أو إلى أعوان سرديين لا يمكن التحقق من هويتهم (رعاة ـ رواة ـ أجيال ـ أساطير) وبطبيعة الحال والأمر على هذا النحو لا يمكن أن نتحقق من الزمن الذي سردت فيها ولا من المكان الذي فيه رويت. وكم هي كثيرة مثل هذه العبارات في المدونة التي اعتمدناها. إنّ هذا النوع من السرد والذي هو أقرب إلى السرد الخرافي يقوي حضور السارد في حكاياته ويؤكد أنه لا صوت يعلو على صوته.‏

3.3. ينتج عن ذلك كله أن يهيمن السرد المفرد في هذه المدونة التي اعتمدناها. فالحدث دائماً لا يقع إلا مرة واحدة ولا يروى كذلك إلا مرة واحدة. فالسارد لا يعدد الروايات ولا يكرر رواية الحدث الواحد. لاشك ـ كما لاحظنا ـ نقرأ عبارات على نحو (يرددون ـ يروى ـ تناقل ـ الرعاة) وهي عبارات توحي بأن الحدث الواحد قد روي مرات كثيرة قبل أن يصل إلى السارد (من الدرجة الأولى). ولكن هذا الافتراض لا يتجسد على مستوى السرد. إنّ هذا النمط من السرد تحبذ الرواية التقليدية أن تنتهجه وفيه يكون السارد ـ عادة ـ مقتصداً فيروي الحدث الذي وقع مرة واحدة بدون إعادة أو تكرار. وهو في الحقيقة نوع من التواتر لا يمكن أن تستغني عنه أية حكاية تروى ولكن ميزة الرواية التقليدية في احتكارها لـه وعدم السعي إلى تنويع علاقات التواتر. وهو ما تسعى الرواية الحديثة إلى تحقيقه وجعله عنصراً هاماً من عناصر إنشائيتها(59). إن رواية إبراهيم الكوني هي رواية أحداث بالدرجة الأولى. ولذلك ينشغل السارد بالتصنيف والترتيب والتنضيد. ونظراً لغزارتها فإنه لا يجد الفرصة لإجراء لعبة تعدد الروايات. ثمّ إن غايتها الأساسية هي كتابة ملحمة الصحراء بأبطالها وحكايتها وأحداثها الأسطورية. ولذلك يهمه أن يتقدم السرد دائماً في اتجاه بناء هذه الملحمة ولا يجد الفرصة للإعادة والتكرار اللذين ينتجان ضرباً من الشعرية الحديثة في الرواية المعاصرة وهو ما تحبّذه رواية إبراهيم الكوني.‏

4. إن صيغة السرد عموماً تكون حكاية أفعال وحكاية أحوال وحكاية أقوال وحكاية أفكار. والإشكالية المركزية في هذا المستوى من التحليل بعدما أثرنا طبيعة التشخيص في روايات إبراهيم الكوني عامة ولا سيما من خلال هذه المدونة المحدودة التي اعتمدناها تنحصر في هاتين المسألتين الأخيرتين.‏

1. 4 إنّ ما يلفت الانتباه في هذه الروايات أهمية ما يمكن أن نسميه بحكاية الأفكار. ذلك أن السارد كثيراً ما يقطع السرد ليسترسل في خطاب فكري يتعلق بالصحراء وبحياة الناس فيها كأن يقول مثلاً في "نزيف الحجر" "القلب جليل من لم يعاشر الناس في فهم الناس. القلب هو النار التي يهتدي بها البدوي في صحراء الدنيا كما يهتدي التائه في الخلاء بنجم "أيدي"، كل النجوم تتحول وتنتقل وتبدل مكانها وتغيب. أما هو فيبقى ثابتا حتى الصباح"(60). أو يقول كذلك في "المجوس" "ولكن الخبراء أكدوا أن الصحراء عندما تتلثم بالعتمة والحداد فإن أكثر السحب جودا بالمطر سرعان ما تتخلى عن عزمها وتسلم الأمر للقبلي وتروي العجائز أن الخصمين الأبديين قد قاما من قديم الزمان بتقسيم الصحراء، فأصبحت الصحراء الجنوبية منطقة نفوذ القبلي وفاز المطر بالحمادة الشمالية ولم يخل الطرفان بالميثاق إلا في حالات نادرة"(61). ويقول أيضاً في "السحرة" على سبيل المثال "وإذا كان الزمان الذي يروق للشيوخ الحكماء أن يسموه حكيماً، فقد أصدق القول وأبرَّ الوعد دائماً، فإنه عايش فواجع الجدب في النجوع ورأى كيف يقترف الجوع في ا لقبائل فظائع تفوق في وحشيتها تلدّد الشمس بقطع الحجارة واستطعام ألسنة السراب لطين الحمادة الأحمر"(62).‏

إن خطاب السارد هاهنا يكاد يكون خطاباً مستقلاً خاصاً به. وتكاد تكون الأعوان السردية الأخرى مجرد تبرير لهذا الخطاب الفكري الذي يقوله السارد عن الصحراء ففي هذا المثال "ولكن إرادة الحياة عرفت دائماً كيف تنتصر، فغلبت الأمهات تدابير الآباء. وقد سمع جبارين السحرة يثنون على هذه الإرادة الغامضة سراً، ويعترفون أن أهل الصحراء مدينون لها عبر الدهور بالبقاء على قيد الحياة.."(63). ينطلق السارد من إنشاء صلة بين الفكرة وبطل الرواية ولكنه سرعان ما يهمل بطله ويسترسل في خطاب فكري طويل يمتد على أكثر من ثلاث صفحات. إن هذا الخطاب الفكري المتواتر الذي يتخلل سرد الأفعال، يقدم معرفة بعالم الصحراء، أساليب عيش وثقافة وأساطير ولكنها ليست معرفة محايدة بل تتخذ في أغلب الأحيان بعدا تبشيريا. كأن السارد من أهل الصحراء يتبنى ثقافتهم ويشيد بحياتهم ولذلك يكون الخطاب الفكري مجالاً لتحليل الأبعاد الفلسفية والوجودية بل والميتافيزيقية أحياناً. وبذلك يضع الإطار الفكري العام الذي تنخرط فيه أعمال الشخصيات وسلوكاتهم. ففي هذا المقطع القصير من رواية "السحرة" قال السحرة إنها أنبل من المحبة لأن في المحبة انتظاراً لمحبة مقابل المحبة. قالوا إنها أنبل من الجود، لأن الجود صيت والصيت نفوذ، والنفوذ دائماً سلطان السلاطين في كل زمان. قالوا إنها أنبل من الفضيلة لأن الكثيرين من أهل الاعتزال رأوا فيها زلفى لسلطان الخفاء. والزّلفى رياء حتى لو كانت قربانا لسلطان الخفاء. قالت عنها أنبل من النبل لأنها نواح لا يرجى من ورائه رجاء وصلاة بلا غفران وحنين بلا وصال. قالوا إن النبل لم يسم نبلاً إلا عندما وجدت الشفقة، فلم تكن نعتا لهذه الخصلة الجليلة، ولكنها صارت هي النبل، كما جبت قبلها بقية الفضائل، فصارت محبة، وجودا وفضيلة وكل أمر كان ناموس الأسلاف به مبشرا، وله داعية"‏

(64)، يسترسل السارد في التعليق على صفة أخلاقية من صفات بطله وردت في نهاية المقطع السابق" صورة الطفولة وحدها استطاعت أن تهز وتنتزع من صدره أنبل عاطفة عرفها الإنسان الشفقة (64). إنه إذن مقطع قائم بذاته جاء على سبيل الاستطراد هو من باب حكاية الأفكار على الرغم من أنه ينسب هذه الأفكار إلى السحر (قال السحرة ـ قالوا ـ قالوا) ولكننا يمكن أن نحذف عبارة قال السحرة ولاشيء يتغير من فحوى هذا المقطع. فهو في النهاية كلام السارد وهو يتبنى قيم الصحراويين ويبشر بناموس الأسلاف ويدعو لـه.‏

2. 4. وفي ما يتعلق بالمسألة الثانية، فقد لاحظنا هيمنة الخطاب المنقول في روايات إبراهيم الكوني. فلا يكاد يخلو مقطع من حوار قد يقصر ويطول. إن الأسلوب المباشر يبدو أكثر الأشكال محاكاة إذ فيه يتظاهر السارد بإعطاء الكلمة حرفياً لشخصياته المتحاورة وهذا يعني أن المشاهد تكثر وأحياناً تطول شأن المشهد الذي يؤنثه الزعيم والسلطان. وهو يحتل المقطع الثانوي الأخير من الجزء الأول من رواية "المجوس". يبدأ المشهد بمقدمة تحوي وظيفة سردية تتمثل في دعوة السلطان للزعيم" لم يستغرب عندما استدعاه السلطان" ثم وظيفة وصفية عندما يصف السارد المكان في القصر الذي استقبل فيه السلطان الزعيم "استقبله في القصر، في دار واسعة، تتوسطها الأعمدة، مفروشة بالسجاد العجمي الأحمر. فوق البسط تناثرت وسائد جلدية مزخرفة بالنقوش، محشوة بالرّيش والوبر. على الجدران علقت الأدوات الحربية.. أما السرج نفسه فاستقر عند قدم العمود الحجري المركزي في قلب الدار، مزينا بالمفارش الجلدية وألبسة القماش والكتان"(65). ثمّ مجموعة من الوظائف السردية الصغرى (جلسا متقابلين ـ جاءت الجارية بمبخرة نحاسية ـ وضعت المبخرة بينهما على الفراش ـ تابع الشيخ خيوط الدخان..) ثم بعد ذلك يبدأ الحوار بين الرجلين وهو حوار يقطعه تدخل السارد وهو ينسب الكلام إلى صاحبه من نوع (تكلم السلطان ـ الزعيم لم يجب ـ استمر السلطان ـ اعترف السلطان ـ مال نحو الزعيم وأضاف بلهجة غامضة ـ رفع السلطان رأسه وسأل بفضول ـ ضرب السلطان يدا بيد ـ قال السلطان بنبرة حادة). ولكنه في حقيقة الأمر يصف أوضاع الكلام والظروف النفسية الحافة بالمتكلمين ومدى الانفعال الذي يحصل عندهما. ولاشك أن السارد يدرك طول مثل هذا الحوار وثقله على القارئ ولذلك نراه يقطعه بواسطة جمل سردية قصيرة تضفي عناصر جديدة على المشهد كأن يصف دخول الجارية الثانية وهي "تحمل طبقاً نحاسياً أيضاً مليئاً باللبن"(66) وأثر ذلك في أحد المتكلمين "قال في نفسه إن هذا النحاس مصنوع من تبر تينبكتو الذي يسبكه شياطين الحدادة. فوق الطبق استقر وعاء شاي نحاسي (وربما ذهبي) وكوبان من الزجاج مملوءان بالرغوة إلى منتصفهما.."(67). أو يصف حركة يؤديها أحد المتكلمين تساعد على تحديد هويته وعقيدته الاجتماعية (استدار ليواجه الزعيم فانحسر لثامه الأزرق عن صدره، فبرزت القلادة الأسطورية المضفورة بالسلسلة الذهبية الكثيفة. في نهاية السلسلة، فوق السرة، تدلى المفتاح السري، تعلوه نقوش سحرية.." (67). وهو أسلوب كثيراً ما يتكرر‏

(68). وإذا كان الأمر على هذا النحو فإن الخطاب المسرد أو المروي يقل في هذه الروايات التي اعتمدناها. وهو خطأ أبعد الحالات مسافة عن المحاكاة وأكثرها اختزالاً فقد نعثر على عبارات مثل "قال لها كلاماً كثيراً من هذا النوع وارتكب تخطأ قاتلاً فنسي أن ينبه الفتاة (التي كانت مفتونة به) إلى أنه استعار النصّ من معجم البوذيين، فكانت النتيجة أن اتهمته بالجنون وتخلت عن عشقه"(69)، وفيه يسرد الراوي حواراً مفترضاً بين البطل والفتاة ولكنها ظاهرة فنية محدودة جداً.‏

5. ومع ذلك ثمة ظاهرة فنية حداثية تميز روايات إبراهيم الكوني وهي ظاهرة العتبات النصية. وكم هي كثيرة في روايات إبراهيم الكوني تلك النصوص القصيرة التي تسبق المقاطع السردية. إذ لا تكاد تخلو رواية من روايات المدونة من مجموعة من العتبات واضعها المؤلف هذه المرة وليس السارد. تمثل هذه العتبات النصية المرجعية الفكرية التي يعتمدها الكاتب في تأليف أعماله الروائية وهي مرجعية فكرية واسعة ومتنوعة. فهي نصوص دينية من القرآن الكريم والعهد القديم وإنجيل متى وإنجيل يوحنا وهي مصادر أدبية عربية قديمة (النفري ـ الحلاج ـ أبو حيان التوحيدي ـ ابن خلدون ـ ابن سينا ـ الجاحظ ـ ابن حوقل ـ المسعودي ـ ابن رشد ـ أبو منصور الثعالبي) ومصادر ثقافية أوروبية قديمة وحديثة (الشاعر الروماني أوفيديوس ـ هيرودوت ـ سوفوكليس ـ توماس مان ـ دانتي ـ جون شتاينبك ـ إدجار آلان بو) وهي دراسات تتعلق بالحضارة الليبية الإفريقية عامة (أوغستو توسكي "الطيور الليبية" ـ ابن فضل الله العمري "مملكة مالي وما معها" ـ هيرودوت "التاريخ") ودراسات في علم الإناسة (هنري لوت "لوحات تاسيلي" ـ روبارت موزيل "إنسان بدون خصال") وبعض أساطير الهنود الحمر نقلا عن جيمس فريزر ـ من أسطورة الطوارق) ونصوص صينية قديمة وبعض المؤلفات الفلسفية (نيتشه "هكذا تكلم زاردشترا"). إنّ ما يلفت الانتباه حقاً كثرة هذه النصوص القصيرة المجتثة من نصوصها الأصلية والتي جاء بها المؤلف وانتقاها لتخدم مروياته أو مواضيعه السردية. إنّ تواتر هذه النصوص يتيح للباحث في هذه الروايات قراءة أفقيه تمكنه من تحديد الرؤية الفكرية التي يتبناها إبراهيم الكوني مؤلف هذه الروايات وهي رؤية خارجة عن السرد ولكنها تعانق رؤية السارد. وإذا أمكن أن نقول إنّ واضع هذه العتبات وداعيها هو المؤلف فيمكن أن نقول إذن إنّ رؤية المؤلف الفكرية تتطابق مع رؤية السارد.‏

1. 5 عندما ننظر في عتبات النصّ داخل الرواية الأولى التي كتبها إبراهيم الكوني نجدها تحوم حول مجموعة من الأفكار الرئيسية منها مأساة الإنسان الثانية وهي قصة قابيل وهابيل والنصّ مقتبس من العهد القديم ـ سفر التكوين ـ الإصحاح الرابع وفيه تركيز على لعنة الإنسان عندما أدرك الربّ حجم المأساة فلعن قابيل القاتل "فالآن ملعون أنت من الأرض التي فتحت فاها لتقبل دم أخيك من يدك. متى عملت الأرض لا تعود تعطيك قوتها. تائها وهارباً تكون في الأرض" ومنها البعد الأسطوري للحياة والكون من خلال حقيقة قرآنية" وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير في السماء إلا أمم أمثالكم" والحياة البدائية التي تعيشها بعض القبائل الصحراوية في جنوب ليبيا" في جنوب ليبيا أعالي النسامونيين، يعيش الجرامنت في بلاد غنية بالوحوش، وهم قوم يهربون من الناس يخشون مخاطبتهم، لا يستعملون أي سلاح ولا يعرفون الدفاع عن النفس، ومنها مأساة أوديب كما يرويها سوفوكليس "يتسكع في الأدغال بين شقوق الجبال ـ مثل ودان أنهكته الأحزان ـ يريد أن يفلت مما كتب ـ في اللوح المحفوظ ـ ولكن تظل نبوءات القدر ـ تحوم فوق رأسه أبد الدهر "وانقراض التقوى والنص من العهد القديم" خلص يا رب لأنه قد انقرض التقى، لأنه قد انقطع الأمناء من بني البشر". إنّ هذه النصوص عندما تقرأ قراءة أفقية نستنتج أنها تحدد رؤية المؤلف الميتافيزيقية للوجود. إنّ الحياة كما نعيشها الآن نجسة بسبب التباس الروح بالرغبات الجسدية والمادية. ووظيفة المبدع هي العودة إلى أعماق الإنسان الميتافيزيقية بحثاً عن النقاء وتجسيداً لحرية النفس واستقلالها عن الجسد والمادة. وبذلك يحقق الأبدي في أنبل معانيه. وتلك هي المهمة التي يسعى أبطال روايات الكوني إلى أدائها وهم يغامرون في رحلتهم الأبدية المأساوية.‏

2. 5 إنّ عتبات الروايتين الأخريين لا تخرج عن هذه الفكرة المركزية. ففي "المجوس" يمكن أن نقرأ "الريح تذهب إلى الجنوب وتدور إلى الشمال. تذهب دائرة دورانا وإلى مداراتها ترجع الريح (العهد القديم ـ سفر الجامعة). ـ "إياكم والأنبياء الكذبة، يأتونكم بثياب الحملان وهم ذئاب خاطفة (إنجيل متى)" ـ "عجن الإله جسد الإنسان من الطين وصعد إلى السماء كي يعود لـه بالروح لإحيائه، تاركا خلفه الكلب لحراسة البدن أثناء غيابه، في هذا الوقت جاء إبليس ونفخ في الكلب ريحاً باردة فخدرته. دثره في غطاء من فرو حتى يضعف يقظته، ثم بصق على بدن الإنسان وغمره بالقاذورات إلى حد جعل الإله يشعر باليأس لاستحالة تطهير الجسد من العفن الشيطاني. من هنا قرر الإله أن يقلب جلد الإنسان ويجعل ظاهره في باطنه. هذا هو سبب عفونة باطن الإنسان (من أساطير الهنود الحمر).‏

وفي "السحرة يمكن أن نقرأ كذلك" توعدوا السماء باللعنات ـ كفروا بالأصل البشري، باليوم، بالساعة ـ باليد، بالنطفة التي خلقتهم (دانتي، الكوميديا الإلهية)" "لقد كانت الصحراء دائماً وطن الرؤى السماوية (روبرت موزيل)" نحن نخطئ إلى حد الجنون عندما نعتقد أن الإنسان، في حياته الحاضرة أو الآتية يعني في الكون شيئاً أكبر من ألواح الوديان الحجرية التي يعاندها ويعاملها بالاحتقار، رافضاً أن يرى فيها الروح لمجرد أنه لا يلاحظ حركة هذه الروح (إدجار آلان بو)" قال، ففعلت وعدت إلى موضعي الذي كنت أراه منه. فأقبل يخرج ما شاء الله تعالى ثم أخذ (الجرذ) دينارا فأدخله، فلما عاد ليأخذ ديناراً آخر فلم يجد الدينار، أقبل يثب في الهواء، ثمّ يضرب بنفسه الأرض حتى مات (الجاحظ)".‏

إنّ هذه الأمثلة وهي كثيرة تتصل بدورها بهذا العد الماورائي لحياة الإنسان. وبهذا الصوت البشري الذي يدعو إلى حياة روحية نقية متجردة من دنس المادة والعلاقات البشرية الدنيئة. وهذه الدعوة لا نجد صداها إلا بالعودة إلى الطبيعة والحياة البدائية بعوالمها الروحية والأسطورية والسحرية وهو ما يشكل المضمون السردي في روايات إبراهيم الكوني.‏

بيد أن عتبات النص تقرأ بدرجة أولى قراءة عمودية. ولذلك فهي تكون مداخل خطابية لمقاطع الرواية. ومن الجدير بالملاحظة أنّ هذه العتبات ـ على كثرتها ـ لا تغطي كامل مقاطع الروايات التي تحدثنا عنها سابقاً. فهي تظهر عند مقطع معين وتختفي عند مقطع آخر. وهي في ظهورها وانقطاعها لا تخضع لتصور معين أو تنظيم خاص. ويبدو أنها رهينة المضمون السردي لهذا المقطع أو ذاك.‏

ذلك أن ذاكرة المؤلف الثقافية تحضر وتغيب ولا تستجيب بالضرورة لكل مضمون سردي.‏

إن العتبتين النصيتين الأوليين اللتين ظهرتا في الرواية الأولى "نزيف الحجر" هما بمثابة مدخل خطابي للرواية كلها. العتبة الأولى آية قرآنية من سورة الأنعام "وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير في السماء إلا أمم أمثالكم" والعتبة الثانية نصّ ديني كذلك مقتبس من سفر التكوين ـ الإصحاح الرابع وهو متعلق بقصة قابيل وهابيل. والعتبتان تترجمان المضمون السردي برمته في هذه الرواية.‏

فالعتبة الأولى تعرض رؤية للكون لا تميز بين الإنسان والحيوان. وهذا يعني أن الحيوان لا يقل قداسة عن الإنسان، وهذه الرؤية تتصل بالمضمون السردي في الرواية. فحبكة الحكاية تقوم أساساً على قداسة الودّان، فهو حيوان مقدس لـه بالإنسان البدائي علاقة وجودية. ويكون موضوع صراع بين أسوف، الرجل البدائي الذي لم ينخرط في المدينة والحضارة المادية وبين قابيل المدني المنهج، آكل اللحوم الجشع. والعتبة الثانية تكاد تكون لائحة للرواية كلها. ذلك أن الحكاية يمكن أن تكون إلى حد بعيد تشخيصاً لهذا النص الديني. فإذا كان قابيل قد قتل أخاه في النص الديني، فكذا فعل قابيل الرواية (هكذا سمى السارد هذا المدني المتهمج، عندما قتل أخاه الإنسان أسوف. "ألقى القاتل بالرأس فوق لوح من الحجر في واجهة الصخرة، فتحركت شفتا أسوف، وتمتم الرأس المقطوع المفصول عن الرقبة ـ لا يشبع ابن آدم إلا التراب"(70).‏

3. 5 كذلك تظهر في رواية "السحرة" عتبتان نصيتان هما بمثابة مدخل خطابي للرواية كلها. العتبة الأولى مقطع من كتاب "زهرة السوسن" لهرمان هيشه "كل ظاهرة فوق الأرض رمز. وكل رمز هو بوابة تلجها كل روح اكتسبت قابلية التسلل في أحشاء العالم، حيث أصبح أنا وأنت، النهار والليل، كلا واحد. يتصادف هنا وهناك، في طريق الحياة، أن تعترض الإنسان بوابة مشرعة، كما يحدث أن تراود الإنسان فكرة أن كل شيء جلي هو رمز. وفي مكان ما وراء هذا الرمز تقيم الروح والحياة الأبدية. ولكنّ قليلين جداً أولئك الذين يلجون هذه البوابة ليرفضوا الجلي الجميل في سبيل واقع الأحشاء الشفّاف" والعتبة الثانية جملة من رسالة يوليس الثانية إلى أهل كورنثوس" نحن غير ناظرين إلى الأشياء التي ترى، بل إلى التي لا ترى. لأن التي ترى وقتية وأما التي لا ترى فأبدية". ولا يخفى أن موضوع العتبتين واحد هذه المرة. ومفاده أن الحياة ظاهر وباطن وأن الظاهر يخفي الباطن وأن حقيقة الإنسان في حياته الروحية الأبدية. إنّ هذه الفكرة المركزية ستسردها الرواية في الحكاية التي ترويها فالبطل الروائي "بورو" سيعيش تجربته الوجودية وهو يعبر الصحراء ليكتشف في النهاية ذاته الحقيقية عندما "هتف بصوت عال.. أبي.. هذا أنا أخيراً."(71) بيد أنّ المؤلف لا يلزم نفسه دائماً بمثل هذه المداخل الخطابية فروايته الشهيرة "المجوس" على سبيل المثال لا تبدأ بعتبة نصية ولكن العتبة الأولى تظهر تحت عنوان المقطع الأول من القسم الأول "القبلي" ونصها من العهد القديم ـ سفر الجامعة" الريح تذهب إلى الجنوب وتدور إلى الشمال. تذهب دائرة دورانا وإلى مداراتها ترجع ا لريح" وهي تتصل اتصالاً وثيقاً بالمحتوى السردي للمقطع المذكور فكما الريح تذهب إلى الجنوب وتدور إلى الشمال جاءت الأميرة "تينيرى" من آير (الجنوب) لتستقر في الحمادة (الشمال). وبالتالي تصبح علاقة العتبة النصية بمتنها علاقة بلاغية استعارية. وكذا الشأن بالنسبة إلى المقطع الموالي في هذه الرواية. فالمؤلف يضع عتبة نصية للمقطع الذي يحمل عنوان "شيخ الطريقة" والعتبة هي "إياكم والأنبياء الكذبة، يأتونكم بثياب الحملان وهم ذئاب خاطفة "(من أنجيل متى). والاستعارة واضحة جلية تتصل بالفقيه القارئ، موضوع المقطع السردي وقد جاء يدعي التقوى والصلاح ليتحول إلى زعيم سياسي يتعامل بالتبر ويتحكم في الرقاب. ولكن مثل هذه العتبة تحمل موقفاً مسبقاً مع الشخصية الروائية وتوحي بمصيرها. إذ سيكشف القارئ والشخصيات الروائية معاً أن الفقيه كان كاذباً وقد انتهى إلى الهلاك شأن كل الأنبياء الكذبة.‏

كذلك يتشح المقطع الأول "بورو" من رواية "السحرة" بعتبة طويلة نسبياً من مقدمة ابن خلدون تتعلق بوصف حياة البدو وطريقة معاشهم "وأما من كان معاشهم في الإبل فهم أكثر ظعنا وأبعد القفر مجالاً، لأن مسارح التلول ونباتها وشجر ها لا يستغني بها الإبل في قوام حياتها عن مراعي الشجر بالقفر وورود مياهه الملحة والتقلب في فصل الشتاء في نواحيه فراراً من أذى البرد إلى دفء هوائه، وطلبا لماخضِ النتاج في رماله، إذ الإبل أصعب الحيوان فصالاً ومخاضاً وأحوجها في ذلك إلى الدفء، فاضطروا إلى إبعاد النعجة، وربما زادتهم الحامية عن التلول أيضاً فأوغلوا في القفار عن الضعة منهم، فكانوا لذلك أشدّ الناس توحشاً". وإذا كانت العتبة النصية تتحدث عن أهمية الإبل في حياة البدو فإن المضمون السردي في المقطع المعني يتصل اتصالاً مباشراً بالإبل وأهميتها في حياة "بورو"والقبيلة التي يعيش فيها "لأنه خرج من جوف قريني البعير، فهو أدرك سراً آخر برغم صغر سنه، فهم بدون أن يستعين بعقول الكبار أن الجمل، أو الحوار الصغير هو قرينه أيضاً. اكتشاف السرّ بدأ بكلام غامض سمعه من العقلاء عندما يتسامرون في الأمسيات، ماذا نساوي بدون إبلنا؟ الإبل هي الحياة، بها نتعيش، وهي نركب، وبها نستعين"(72). ونذكر مثالاً ثالثاً من رواية "نزيف الحجر". فمقطع "ثمن العزلة" تسبقه عتبة نصية من لوحات تاسيلي لهنري لوث" ويتشاءم أهالي تاسيلي من صيد الموفلون (الودان). فيتمتم الصياد بالتعاويذ السحرية ويضع حجراً على رأسه. ويتقافز على أربعة قبل أن ينطلق في رحلة الصيد. "فالعتبة هنا تمهد للمضمون السردي في المقطع إذ يهلك أبو أسوف لأنه لاحق ودانا بغية اصطياده "لقد كسر الحيوان المسكون رقبته كما كسر هو يوماً رقبة ذلك الودان الذي انتحر"(73).‏

إن الخلاصة التي نريد أن نؤكدها هي أن القراءة العمودية للعتبات النصية في علاقتها بالمقاطع السردية تكشف أنها تبني علاقة عضوية بمضمونها السردي وهذه العلاقة تتنوع من مقطع إلى آخر ومن رواية إلى أخرى.‏

6. إنّ الخلاصة النهائية التي يخرج بها البحث وهو ينظر في التقنيات السردية التي وظفها إبراهيم الكوني في أعماله الروائية التي حللناها هي أننا إزاء تجربة في الكتابة تختلف عن أهم التجارب الإبداعية التي تمثل نقاط تحول في مسيرة الرواية العربية الحديثة. وإذا اعتبرنا التجريب الفني أهم ما يميز حداثة الرواية العربية المعاصرة أمكن لنا أن نجزم أن رواية الكوني ليست رواية تجريبية. إذ لا تتبنى مقولات الحداثة الروائية تبنيا كاملاً. لاشك أن مؤلف "المجوس" اعتنى بظاهرة التقطيع عناية خاصة وعدد الحكايات داخل الحكاية الكبرى في كل رواية من رواياته. ومال إلى ضرب من تقطيع السرد. وأكثر من العتبات النصية. وهي كلها ظواهر حداثية في كتابة الرواية المعاصرة إلا أنه كان إلى جانب ذلك أميل إلى إعادة صياغة تقنيات في السرد تميز الرواية التقليدية.‏

ولعل أبرز هذه التقنيات ما يتعلق بوضع السارد ورؤيته ووظيفته وبطبيعة الحكاية التي يرويها، فهي حكاية لا تخلو من حبكة، وهي حكاية تنشد الكلية إضافة إلى طبيعة الشخصيات الروائية التي أعاد سلطتها داخل النص الروائي وقد تضخمت بأعمالها الأسطورية. نضيف إلى ذلك كله استبدال المرويات المعروفة في الرواية العربية المعاصرة بمرويات جديدة غير مطروقة بصفة كافية. وهي تتعلق بالصحراء باعتبارها فضاء للأحداث المروية وبالأسطورة باعتبارها رؤية للكون والحياة استطاع المؤلف أن يوظفها في أقصى طاقاتها الإبداعية. وإذا أكدنا على أهمية الخطاب الأيديولوجي الذي يحمل بعداً ميتافيزيقياً وقد هيمن على رواية إبراهيم الكوني، وبعداً سياسياً يتمثل في الدفاع الخفي عن ثقافة الطوارق باعتبارهم أقلية سياسية وثقافية في الصحراء الكبرى، أمكن القول إننا إزاء ما يمكن أن نسميه بما بعد الحداثة في الرواية العربية المعاصرة. إنّ رواية الكوني هي رواية ما بعد الحداثة ويمكن أن نختزل سماتها في الملاحظات التالية.‏

عودة السرد إلى تماسكه.‏

عودة السارد إلى ممارسة سلطته.‏

استبدال المرويات السائدة بمرويات جديدة.‏

هيمنة الخطاب الأيديولوجي.‏

توظيف السرد للدفاع عن ثقافة الأقليات.‏

الهوامش:‏

1) المجوس، الجزء الأول، دار التنوير للطباعة والنشر، ط2، 1992، ص9.‏

2) السحرة، الجزء الأول، الدار الجماهيرية للنشر والتوزيع والإعلان، 1995، ص 13.‏

3) نزيف الحجر، رياض الريس للكتب والنشر، الطبعة الأولى، 1990، ص9.‏

4) المجوس، الجزء الأول، ص 131.‏

5) السحرة، الجزء الأول، ص 377.‏

6) المجوس، الجزء الأول، ص 39.‏

7) السحرة، الجزء الثاني، ص 11.‏

8) انظر كتابنا في "نظرية الرواية" منشورات سيراس، تونس 1996، ص 147 ـ 148.‏

9) أيان واط، الواقعية والشكل الروائي في "الأدب والواقع" كتاب مشترك، تعريب عبد الجليل.‏

10) ؟؟؟؟؟؟؟؟ للطباعة والنشر، مراكش 1992، ص 34.‏

14) يبدو البرنامج السردي باعتباره نمط تبدّل حالة منطلقاً لصياغة نظرية وإجرائية لأشكال الفعل البسيطة والمركبة وهي سابقة لإدراجها في عالم زمكاني مخصوص انظر.‏

Semiotique. Dictionnaire raisonne de la theorie du langage.‏

15) المجوس، الجزء الأول، ص 28.‏

16) المصدر ذاته، ص 216 ـ 217.‏

17) المصدر ذاته، ص 225.‏

18) المجوس، الجزء ص 310 ـ 311.‏

19) المصدر ذاته، ص 318.‏

20) انظر السحرة الجزء الثاني، ص 251 وما بعدها.‏

21) المجوس، الجزء الثاني ص 91.‏

22) السحرة الجزء الأول، ص 26.‏

23) المصدر ذاته، ص 246.‏

24) المصدر ذاته، ص، 470 ـ 471.‏

25) المصدر ذاته، ص 548.‏

26) المصدر ذاته، ص 430.‏

27) نزيف الحجر، ص 43.‏

28) المصدر ذاته، ص 115.‏

29) المصدر ذاته، ص 9.‏

30) المصدر ذاته، ص 14.‏

31) المصدر ذاته، ص 19.‏

32) المصدر ذاته، ص 25.‏

33) المصدر ذاته، ص 16.‏

34) المصدر ذاته، ص 17.‏

35) المصدر ذاته، ص 23.‏

36) المصدر ذاته، ص 41.‏

37) المجوس، الجزء الأول، ص 56.‏

38) المصدر ذاته، ص 68.‏

39) المصدر ذاته، ص 72.‏

40) السحرة، الجزء الأول، ص 21.‏

41) المصدر ذاته، ص 22.‏

42) المصدر ذاته، ص 33.‏

43) المصدر ذاته، ص 54.‏

44) نزار حبوبة، المساءلة والتأويل في الفكر والأدب دار الإتحاف للنشر، 2004، ص 59.‏

45) راجع الكتاب المشترك، الأدب والواقع وبالخصوص مقال ف. هامون.‏

46) انظر المجوس، الجزء الأول، ص 51.‏

47) انظر السحرة، الجزء الأول، ص 159.‏

48) المصدر ذاته، ص 122 ـ 123.‏

49) انظر المجوس، الجزء الأول، ص 274.‏

50) انظر نزيف الحجر، ص 29.‏

51) انظر كتابنا، سحر الكتابة، مركز الرواية العربية 2005.‏

52) المجوس، الجزء الأول، ص 14.‏

53) المصدر ذاته، ص 281.‏

54) المصدر ذاته، ص 300.‏

55) السحرة الجزء الأول، ص 180.‏

56) المصدر ذاته، ص 295.‏

57) المجوس، الجزء الأول ص 106.‏

58) المصدر ذاته، ص 323.‏

59) انظر كتابنا سحر الحكاية ص 130 وما يليها.‏

60) نزيف الحجر، ص 27.‏

61) المجوس، الجزء الأول، ص 14.‏

62) السحرة، الجزء الأول، ص 82.‏

63) المصدر ذاته، ص 111.‏

64) السحرة الجزء الثاني، ص 114 ـ 115.‏

65) المجوس، الجزء الأول، ص 343.‏

66) المصدر ذاته الصفحة ذاتها.‏

67) المصدر ذاته، ص 347 ـ 348.‏

68) انظر على سبيل المثال المقطع الثاني عشر من السحرة، الجزء الثاني ص 39 وما يليها.‏

69) نزيف الحجر، ص 125.‏

70) المصدر ذاته، ص 155.‏

71) السحرة، الجزء الثاني، ص 432.‏

72) السحرة، الجزء الأول، ص 32.‏

73) نزيف الحجر، ص 38.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244