مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 431 آذار 2007
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

مركزية الانتماء الوطني في شعر نزار قباني ـــ د.مها خير بك ناصر

أولاً: عتبة البحث‏

الفكر جوهر ذو كمون حركي لا يتمظهر بذاته، بل تحتويه لغة تضمر مسارات فكرية منبثقة عن اصطدام اللاوعي بالمؤثرات الخارجية، فتنغلق تراكيب هذه اللغة على أسرار النفس الإنسانية بكل أبعادها وتجلياتها وأحلامها وطموحاتها وآلامها وانكسارا تها، شريطة أن تكون لغة قادرة على اختزال ما يمكن أن يرشح به العقل ويتبناه المنطق. واللغة العربية التي أسرّ إليها، و بها، نزار قباني كانت مستقرًا لفاعلية حركة فكره وتجسيدًا لقوانين‏

المتحرك الذاتية المتحكمة بطبيعة مساراته وعلاقاته وارتباطاته الشريانية والوريدية.‏

جاءت لغة نزار قباني بسيطة مباشرة ينظمها إيقاع ذو ميكانيكية تتجلى فيها مشاعر الذات المبدعة في لحظة فذوذية معينة، حيث تتحرر الذات من قيود الدبلوماسية الأدبية، وترتاد فضاءات شعرية تحرّض على الإفصاح عن حقيقة ما تفرزه مصداقية علاقات العوالم الداخلية بالعوالم الخارجية، فأضمرت نصوصه الشعرية حقيقة شخصيته ونرجسيته ووطنيته وانتماءاته بكل تجلياتها الأدبية والفكرية والسياسيّة والاجتماعيّة والوطنيّة والإنسانيّة، ولكن هذه النصوص على الرغم من بساطتها ومباشرتها الأدائية، فلقد تمايزت بخصوصية التنظيم والتركيب والإيقاع والترميز والتشفير، فكانت المعاني الظاهرة تحجب وراء ظلال التراكيب جوهر التفكير النزاري، فمنح لغته طاقة إغراء تدعو إلى مقاربة النصوص بغية الكشف عن المخبوء، كونها لغة قابلة للتأويل والتشريح والتفسير.‏

إن اللغة قوة كشف تسهم في معرفة أحد الحدود المجهولة في معادلة الانتماء الإنساني الكوني وما يصاحبها من صراع نفسي واجتماعي ووطني، وتضمر أشكال الفعل الحركي الناتج عن تصادم الذات المبدعة بمؤثرات العالم الخارجي. ولغة نزار الشعرية أفصحت، في محطات كثيرة من شعره، عن انتمائه الوطني، وعن رفضه لتخاذل بعض الأنظمة العربية وعن خيبته، وآلامه وجراحاته واغتيال أحلامه، فضمّن خطابَه وجعَه العربيّ، وشعوره الإنساني الكوني، فتسللت إلى قصائده أسماء بلدان وعواصم ومدن عربية وعالمية تبرهن عن ارتباط نزار الوجداني ببعضها، وعن انتمائه الحضاري إليها، ولكنّ دمشق كانت الأكثر حضورًا في كل ما كتب.‏

يفصح شعر نزار السياسيّ عن شعوره بالإحباط القومي، في واقع عربيّ منكسر ومنهزم، واقع تتآكله الانقسامات، وتتحكم بحركته سلطة قمعية فرضت غربة على سلطة الفكر الهادفة إلى خلق مسارات إبداعية لا نهاية لها.. وبانتفاء سلطة العقل يضمحل الوعي وتتعطل إرادة الحرية وفاعلية الخيار، وتخسر الذات العربية كمون الأصالة، وتتعقد إشكالية الانتماء إلى عروبة أتعبت وجدان الشاعر، فانسكب قلقه بوحًا، احتضنته لغة ترسم نزفًا لزمن عربيّ ينوح في إيقاع حزين، مسجلاً العجز والذل وأشكال القمع وتنوع التبعية، من دون أن يتلاشى الأمل بانبعاث حقيقيّ تفعله دمشق كونها بدء الفكر وبدء العروبة.‏

ثانيًا: إشكالية الانتماء إلى الفضاء العربيّ‏

تفرض الأصالة الفنية خلق أثر فني يعكس ماهية إسقاط الوقائع و المرئيات والظواهر الوجودية على ذات الفنان، من جهة، ويضمر طبيعة الفعل الحركي المحرض على عملية الخلق والإبداع، من جهة ثانية، وبالتالي فلكلّ نص إبداعي رؤى فنية خاصة ممهورة بثقافة خالق النص، وبديناميكية التلقي وكيفية تفاعلها ومطاوعتها، للطاقات اللغوية القادرة على نقل التجربة الفنية وصياغة معادلاتها، كون اللغة الأداة المحفِّزة على تجسيد المنتج الفكريّ في أشكال فنية متمايزة.‏

يضمر شعر نزار السياسي إشكالية معقدة تختصر في مدلولها معاناة الانتماء، وبين الانتماء واللا انتماء يتفجر غضبه على واقع عربي مفكك، أجزاؤه كنتونات ودكاكين ومراكز صرافة وصالونات حلاقة ومنتديات للرقص والتطبيل، فتحوّل الوطن العربي إلى " مربع خانات كالشطرنج"(1)، مما دفع به إلى التشكيك في التاريخ العربيّ، وفي ثقافتنا المتوارثة، وفي الروايات البطولية، فكان الشعر ملجأ يهرب إليه وبه من انتمائه العربي:‏

سامحونا إن شككنا..‏

في نصوص الشعر والنثر التي نحفظها‏

وحديث السيف..والرمح...وفي (كان) و(كنا)‏

سامحونا إن هربنا..‏

من بني صخر..وأوس....‏

ومنافٍ.. وكليبٍ..‏

سامحونا إن هربنا(2)‏

ويتطور الشك إلى يقين في مرحلة متقدمة مصحوبة بالنضوج والوعي الجمعي، وممهورة بالحكمة، فيؤكد على عدم مصداقية الأقاصيص والأخبار العربية عن النخوة والنجدة والعزة والإباء والفداء والسخاء والشجاعة، نتيجة ما يشاهده على مسرح الواقع العربي من سواد واستبداد وظلم وقتل وتفكك وأحقاد وقمع فكري و همجية وكفر واغتيال للإبداع وافتراس للكتابة؛ ليصل إلى نتيجة، في نهاية قصيدته(تاريخنا ليس سوى إشاعة)، تختزل القيم العربية بالإشاعة، ففضح هشاشة المقدس المروي في التاريخ العربي، وأسقط بلاهة وببغاوية التغني بالبطولات والقيم، كونها صارت صفات غير مقبولة، تطلق على شخص للنيل منه:‏

ثم اكتشفت عندما دخلت في الكهولة..‏

بأن نصف ما قرأته‏

في حصة التاريخ‏

ما كان سوى إشاعة(3)‏

لم يأت هروبه من التاريخ العربي، وشكه بأخبار البطولة هدفًا سعى إليه الشاعر، بل جاء نتاجًا للنكسات المتتالية التي أفرزت واقعاً نفسيًّا سيّئًا، تجلى في إدمان الحزن والوجع والطعن واللعن والشنق والضياع، فلا يرى نفسه في أي مكان، إلاّ في فضاء اللغة الشعرية الذي كان الملجأ والبلد، وحقق فيه انتماءً يوحّده بالأنا الراغبة في معرفة ذاتها بعيدًا عن التشوهات الخارجية، في عملية من البوح الصادق:‏

إني أقول الشعر_ سيدتي_‏

لأعرف من أنا(4)‏

هذه النتيجة التي تختزل معاناة نزار القومية فرضها واقع قمعي، لا يسمح للإنسان العربي فيه أن يصنع تاريخه، بل يُفرض عليه التاريخ من دون إرادة، فكانت قصيدته( تقرير سري جدًا..من بلاد‏

( قمعستان)(5)، توصيفًا دقيقًا لزمن عربي محاصر بمطامع( يهودستان) وأميركا، أنتج مجموعة من المدجنين والمروضين والمنافقين والجبناء، مهمتها تشريع القتل النفسي والاعتقال الفكري، فيتساءل:‏

هل ممكن أن يعقد الإنسان صلحًا دائمًا مع الهوان(6)‏

يقترن كلام نزار على الصلح والهوان بمعطيات اجتماعية وسياسية، يبرهن من خلال توصيفها على مصداقية صورة التشققات والانهزامات في كيان الأمة، فالقومية العربية لم تعرف إلاّ الإخفاقات الدائمة التي تؤكدها طبيعة التلاقي العربي القائم على التطبيل والتزمير وانعدام القضية، بدءًا من القبيلة مرورًا بالطقس الديني والثقافيّ والسياسيّ وصولاً إلى الثروة النفطية التي ضاعفت من إذلال الإنسان العربيّ:‏

طبلة..طبلة..‏

وطن عربي تجمعه من يوم ولادته طبلة‏

وتفرق بين قبائله طبلة..‏

أفرادُ الجوقة، و العلماء، وأهلُ الفكر،‏

وأهل الذكر، وقاضي البلدة..‏

يرتعشون على وقع الطبلة..‏

الطرب الرسمي يجيء كساعات الغفلة‏

من كل مكان..‏

والطرب النفطي يحاول تسويق الإنسان‏

سعرُ البرميلِ الواحدِ أغلى من سعر الإنسان(7)‏

اتسمت مواقف نزار، من انتمائه العربي، بالرفض والإيجاب، فهو يرفض الممارسات السياسية والثقافية والاجتماعية التي شوّهت أصالة الأمة، وهو في الوقت عينه ينغرس في قضايا الأمة يتلمس آلامها، ويكشف عن اضطراباتها وتخلخل بنيتها بصدق وشفافية وثبات، مضمنًا لغته الشعرية النقد والأمل، الجمال والقبح، الهواجس والرؤى، المخاوف والتطلعات، الماضي والحاضر، في محاولة تهدف إلى إبراز البشاعة، وما يتولّد عنها من نتائج مشوهة، فكان خطابه الانتمائي ينطق باسم ال"أنا" وال"نحن"، ويتضمن استصراخًا ينبّه إلى موطن الداء، فهو، كما يقول د. خريستو نجم، يتماهى " لا شعوريًا بالذات العربية فيوحد بين قصورها وقصوره، وذنوبها وذنوبه حتى إذا أدانها أدان معها نفسه"(8)، ففي قصيدته" المهرولون" (9) يعلن انتماءه إلى" النحن" العربية التي شوهها توقيع سلام الجبناء مع إسرائيل، ولكنه انتماء يضمر دعوة إلى رفض سلام " أدخلنا في زمان الهرولة" بعد أن فقد العرب معنى الفرح الحقيقي والحراك الفاعل ومات الإحساس بالرعب أو الخجل لأنّ عروق الكبرياء أجدبت:‏

سقطت آخر جدران الحياء.‏

وفرحنا...ورقصنا‏

وتباركنا بتوقيع سلام الجبناء‏

لم يعد يرعبنا شيء..‏

ولا يخجلنا شيء..‏

فقد يبست فينا عروق الكبرياء..‏

ولكن هذا التماهي لم يكن، كما اعتقد خريستو، نجم نتاج الشعور بالإحباط العاكس "العدوانية المتجهة نحو الخارج أو المرتدة إلى الذات"(10)، بل هو انعكاس صادق عن رغبته في انتمائه إلى عروبة سليمة من الأمراض السياسية والاجتماعية والثقافية، عروبة لها شخصيتها القومية غير الملوثة بالتهويد،وغير المتهافتة على حيازة،النساء والغلمان، وغير اللاهثة وراء مغريات وافدة، لا لون لها، ولا هوية، عروبة ترفض الركوع على أبواب المستهزئين والمستهترين بطاقات شعبنا الفكريّة والثقافيّة والقتاليّة و بالمفاهيم والقيم، التي كرّسها فكرٌ عربيٌّ متمرد، حرٌّ، غاب عن ساحات الفاعلية القومية لصالح إبراز إسرائيل التي استطاعت أن تهّود بعض من بأيدهم القرار:‏

كيف إسرائيل لا تذبحنا؟‏

...‏

ما الذي تخشاه إسرائيل من بعض العرب‏

بعدما صاروا يهودًا؟؟...(11)‏

أمام هذا الواقع العربي المتردي؛ قوميًّا وأخلاقيًّا وحضاريًّا ارتدّ الشاعر في مواقف كثيرة نحو أناه الذاتية الداخلية المنبثقة من أصالته الدمشقية العربية؛ ليعلن غربته في زمن عربي أضاع لـه هوية انتمائه القوميّة. ولما كانت الهوية كيانًا معنويًّا وعاطفيًّا واجتماعيًّا، ووجوديًّا وإنسانيًّا وكونيًّا، فإنّ نزار الطالع من النبض الدمشقيّ العربيّ لا يرفض انتسابه إلى الأنا الجمعية العربية، بل ينبّه إلى أهميّة التمسك بهوية توحّدنا، وتكسبنا قوة الجماعة، في عالم لا قيمة فيه للفرد من دون انتماء، حتى في علاقات العشق وتبادل الإعجاب:‏

هل من الممكن، يا سيدتي، أن تعشقيني‏

وأنا من غير تاريخٍ..ومن غير هوية..(12).‏

يربط نزار فقدان الهوية بالغربة النفسية والفكرية والعقائدية في مجتمع يجهل مفهوم التغيير، ولا يلتقط إشارات ريح الثورة، فهو مجتمع سكونيّ، لا يحرّكه سلب ولا إيجاب، وبالتالي فهو غريب بين أهله، ولكنّ الغربة المشحونة بالكبرياء تولّد ريح الرفض لواقع قائم، كونه واقعًا يسعى إلى تجريد الإنسان من كرامته، وإرغامه على السير في قافلة المطبلين والمزمرين، وهو إذ يرفض أن يكون واحدًا من هؤلاء، و يشعر، في الوقت عينه، بعجزه عن التغيير، فإنّ الحل الأمثل، بالنسبة إليه، يكون بالتخلي عما يربطه بصور الذل والتبعية، وبإعلان خروجه على أشكال الانتماء العربي المأجورة والمرتهنة، وبإصراره على التسلح بالكرامة:‏

واقفًا عند مهب الريح وحدي.‏

رافضًا أصلي، وفصلي، وجذوري القبلية..‏

من أنا في زمن لم يستطع مضغ خيط واحد من كبريائي؟؟(13)‏

بين طرفي التماهي والرفض، و" الأنا" و"النحن" وما يصطرع بينهما من هموم يفرضها واقع عربيّ مأزوم، أضمرت قصائد نزار أنماطًا متنوعة من الاضطراب والقلق والرفض والتمرد والدعوة إلى ثوابت يؤسس عليها الحاضر من أجل مستقبل عربي مشرق، فهو المسكون في عروبة، غرستها دمشق في عروقه، لم يستطع أن يخفي خيبته في لحظات وجدانية تضج بالألم، لأنّه لمس تفريغ العروبة من المضمون والجوهر، ولمس أنّ الحديث عنها محبوك بالوهم، فانبرى يلقي الضوء على أمكنة التشققات في البنية القوميّة، ويقدّم الأدلة والبراهين من خلال عرض صور مذلة عن الواقع، فيتخذ من خريطة الوطن العربي الدليل الأوّل والأهم على التشرذم والتفكك والانقياد والظلم، فهذه الخريطة، في رأيه، تشكّل فضيحة تتباهى بها حواجز ومخافر حوّلت الشعوب العربية إلى نعاج يتحكم بها قصّابون من يوم احتقر العرب قدراتهم، ورهنوا سيوفهم، وتاجروا بشرفهم، وجعلوا القضية سرابًا، فكانت قصيدته في تونس "أنا يا صديقتي متعبٌ بعروبتي"(14) تتويجًا لإحباطات متتالية عانى منها الشاعر:‏

أنا يا صديقتي مُتعبٌ بعروبتي‏

فهل العروبةُ لعنةٌ وعقابُ؟‏

....‏

وخريطةُ الوطن الكبير فضيحةٌ‏

فحواجزٌ..ومخافرٌ..وكلابُ‏

والعالم العربي.. إما نعجة‏

مذبوحة، أو حاكم قصّابُ‏

والعالمُ العربي يرهن سيفه‏

فحكاية الشرف الرفيع سرابُ(15)‏

إذا كان كلام نزار قباني على الإحباط العربي عامًا وشاملاً، في معظم شعره السياسيّ، لكنّه لم يتردد في الإفصاح عن صدمته بموقف مصر التي كانت رمزًا للعروبة، مصر جمال عبد الناصر المجسد،( في أكثر من قصيدة نزارية كتبها يمدح فيها عبد الناصر)، جبل الكبرياء، وصورة المعلم الكبير، والقائد الملهم؛ هذه المصر العظيمة تطعن الثوابت القومية في وجدان الشاعر، فيستفهم بتعجب ودهشة عن قبول مصر أن تتلون بهوى يهودي، وتلتزم بتعاليم توراة أباحت القتل والتخريب والدمار، فكان الصلح معها تشويهًا للمفاهيم القومية والدينية، ومبعث رفض وثورة على الوضع القائم، تجلّى انفعالاً وجدانيًّا في أسلوب استفهاميّ مصحوب بإخبار وتأكيد وإثبات، يضمر قلقه وألمه وتعجبه وخيبته:‏

من ذا يصدّق أنّ مصرَ تهوّدت‏

فمقامُ سيدنا الحسين يبابُ‏

ما هذه مصرُ..فإنّ صلاتها‏

عبريّةٌ، وإمامها كذّاب(16)‏

إزاء ما أصيبت به مصر من جرح في أصالتها، يستشعرُ نزار عمق المعاناة التي عصفت بمصر العظيمة، مصر التي تبقى بنظره كبيرة، وقدر الكبار، عبر التاريخ، أن يضمِّدوا الجراح بألم صامت:‏

آه يا مصرُ..كم تعانين منهم‏

والكبيرُ الكبيرُ..دومًا يعاني (17)...‏

فإذا كان نزار عاتبًا على مصر، فهو أكثر عتبًا على بلاد النفط، لأنّها لم تستخدمه من أجل القضايا القومية، بوصفه طاقة قومية يمكن استخدامه سلاحًا في وجه الدول الصناعية التي تسعى إلى الحصول على نفطنا، غير أنّ هذا السلاح كان سببًا في تقويض هيكل القيم والأعراف العربية، فأصاب مقتلاً من الأخلاق والأصالة:‏

كان بوسع نفطنا الدافق في الصحاري‏

أن يستحيل خنجرا..‏

من لهب ونار‏

لكنه..‏

وا خجلة الأشراف من قريش‏

وا خجلة الأحرار من أوس ومن نزار‏

يُراق تحت أرجل الجواري (18)‏

لقد كان لفلسطين، في رأي نزار، حق في النفط العربيّ، ولكنّ هذا النفط صيغت منه عباءات الحرير، وأضيئت به ليالي المجون، وتسبب بقتل الضمير والأحاسيس والمشاعر والسجايا:‏

قتل النفط ما بهم من سجايا‏

ولقد يقتل الثريَ الثراء(19)‏

لم يستطع هذا الواقع على الرغم من شناعته أن يحرر نزار من انتمائه العربي، فهو المدمن عشق العروبة، لا يمنعه الحبّ من إبراز عيوب المعشوق رغبة منه في تثبيت مفاهيم قومية يجب احترامها والعمل على تدعيمها، فكان حبر قلمه، في جانب رئيس من شعره، أمطار سحاب الألم والوجدان القومي المحمومة بتوصيف الواقع المأساويّ وتداعياته السياسيّة والثقافيّة والحضاريّة. فكيف رسم الإطار الخارجي وتفصيلات هذه التداعيات؟‏

ثالثاً: تداعيات الواقع العربي المأساوي؛ سياسيًّا، واجتماعيًّا، وثقافيًّا‏

اتسمت اللغة الشعرية" النزارية" بالجرأة والوضوح والصدق، وحسن التصوير وعمق الدلالة المنبثقة من وضوح في الخطوط والألوان، كونها لغة تنظم علاقة الشاعر بقضاياه القومية، فتجلت حاجته إلى التعبير عن هذه العلاقة بتعابير تضمر خلاصة المعاناة التي أنتجها الصراع ما بين عالمه الداخلي المستبطن مثالية التصوّر الفكريّ وعوالم خارجية تصرّ على فرز كم هائل من التشوهات على المستويات جميعها، فلم يسع نزار إلى عملية توفيق بين ما هو واقع، وبين ما يرغب في وجوده، فنقل بصدق وأمانة ما لمسه من مشاهد الذل المنتشرة على مساحات لا بأس بها من العالم العربي، والتي كانت، في رأيه، نتيجة حتمية للتعاطي السياسي المخجل، وغير الإنساني، فوجد في بعض السياسيين ممثلين ومقايضين وانتهازيين ومتاجرين بمصير الأوطان، ولم يُخفِ رغبته في رحيلهم مستخدمًا أسلوبًا استفهاميًّا، لـه دلالة زمانية، ليضيء على جوانب قومية وإنسانية، تاجر بها بعض الزعماء العرب من أجل مصالح ذاتية، بعد أن استغلوا نقاط الضعف في شعوبنا، وأباحوا ديارنا للغاصبين:‏

متى سترحلون؟‏

..‏

كانت فلسطين لكم‏

دجاجة، من بيضها الثمين تأكلون...‏

كانت فلسطين لكم‏

قميص عثمان الذي به تتاجرون‏

طوبى لكم..‏

على يديكم أصبحت حدودنا‏

من ورق...‏

فألف تشكرون..‏

على يديكم أصبحت بلادنا‏

امرأة مباحة..‏

فألف تشكرون (20)‏

إنّ رغبة نزار في رحيل السياسيين المقامرين ليست نتاج عاطفة، بل هي مطلب وطنيّ وقوميّ وإنسانيّ، برهن على صحته من خلال إبراز المعطيات السياسية والثقافية والاجتماعية المتوفرة في حيثيات القضية:‏

1_المعطيات السياسيّة‏

عرّى نزار القوى السياسية العربية المستسلمة للإغراءات الخارجية، ورأى أنّ هؤلاء السياسيين حوّلوا العالم العربيّ إلى غانية (21) بعد أن تاجروا بشرفه وقامروا بثرواته وسرقوا أمنه وسلامه ومعتقداته الأصيلة، وقضوا على الطموح العربي، والبطولات العربيّة، واغتالوا أحلام الصغار والكبار، وانتهكوا كل فكر مقدّس، فهم، في رأيه، سارقون وكفرة:‏

سرقوا منّا الزمان العربيّ‏

سرقوا فاطمة الزهراء من بيت النبيِّ(22)‏

ظهرت نقمة نزار على رموز السلطة المتاجرة بثروات الشعوب العربية منذ بداياته الشعريّة، ولم يتغيّر رأيه في القيمين على آبار النفط، وهو بقدر ما يرفض استخدام ثروات النفط على الملذات، يغضبه صمت بعض أمراء النفط على التجاوزات والجرائم والانتهاكات التي تقوم بها إسرائيل في القدس وغيرها من المدن العربية، فحرّض على الخنوع العربيّ؛ لأنّه أفقد الرموز العربية شخصيتهم المعنوية، وفرّغ وجودهم ومقامهم من القيمة والفاعلية، وصارت الدول الكبرى تستخدمهم لتمرير مخططاتها، فكانت قصيدة "الحب والبترول" صرخة جريئة في وجه أمراء النفط، إذ تجاوز بها البرتوكول الأدبي والدبلوماسي، وأبرز غضبه في كلمات، لها دلالات سياسية وقومية واجتماعية وإنسانية، وأشار إلى دور بعضهم السلبي، وأضاء على نتائج تخليهم عن قضايا الأمة وانسحاقهم تحت مغريات الدول العظمى التي اغتالت طبيعتهم الإنسانية، وأرغمتهم على المقايضة بكلّ مقدس:‏

تمرّغ يا أمير النفط..‏

فوق وحول لذاتك‏

كممسحة..‏

تمرغ في ضلالاتك‏

...‏

فبعت القُدس..‏

بعت الله..‏

بعت رماد أمواتك‏

كأنّ حراب إسرائيل لم تُجهض شقيقاتك‏

ولم تهدم منازلنا..‏

ولم تحرق مصاحفنا..‏

ولا راياتها ارتفعت..‏

على أشلاء راياتك‏

....‏

متى تفهم؟‏

متى يستيقظ الانسان في ذاتك؟(23)‏

إنّ التخاذل السياسيّ يضعف من أحقية قضايانا الوطنية و الإنسانية؛ لأنّ العدل الدوليّ لا تحدد ماهيته الأمم المتحدة وفق معطيات شفافة، بل تفرضه عدالة دولية تصوغ معادلات للعدل تتغير وتتبدل وفق مصالحها، فبالقوة يُفرض مفهوم العدل. ولما كانت الشعوب العربية مقهورة و مقموعة، وسلاحها الصبر فهي لن تنعم بعدالة الأمم المتحدة التي أرخ لانحيازها نزار في بداية الخمسينات وما تلاها من أحداث أساءت إلى سلامة العرب وأمنهم واطمئنانهم، لأنّ الأمم المتحدة، منذ نشأتها، برّرت الاعتداءات الإسرائيلية، ومارست شفقة مصحوبة بالاستغباء للشعوب العربية، فهي التي سكتت على الاستيطان الإسرائيلي، وهي التي حولتنا إلى متسولين على أبوابها، وهي التي سكتت على مجازر قانا 1996 وهي التي تشجع على جرائم الحرب في لبنان كله عام 2006، فالذي قاله نزار عن الأمم المتحدة في أواسط القرن العشرين لا يزال ساري المفعول في القرن الواحد والعشرين:‏

من آخر الأرض، من السعير‏

جاؤوا إلى موطننا الصغير‏

موطننا المسالم الصغير‏

فلطخوا ترابنا‏

وأعدموا نساءنا‏

ويتموا أطفالنا‏

ولا تزال الأمم المتحدة‏

ولم يزل ميثاقها الخطير‏

يبحث في حرية الشعوب‏

وحق تقرير المصير‏

والمثل المجردة (24)‏

رسم نزار من خلال نصوصه الشعرية نماذج متنوعة من المعطيات السياسية، التي خلقت تداعيات و نتائج سلبية على مستقبل القومية العربية، وأضاء على جوانب سلبية نتج عنها استلاب الإنسان العربي، سواء أجاء ذلك بالتصريح المباشر، أم بالتكثيف الدلالي، وحمّل أميركا مسؤولية ما أصابنا بسبب مطامعها و مخططاتها الهادفة إلى السيطرة على بترول الخليج:‏

يا سادتي...إن المخطط كُلّه من صُنعِ أمريكا، وبترول‏

الخليج هو الأساس، وكلّ ما يبقى أمورٌ جانبيه‏

ملعونة أمّ السياسة..‏

كل القوانين القديمة والحديثة عندنا ضدّ الضحيّه (25)‏

تأسيسًا على معطيات سياسية لانهاية لها يرى نزار أن السياسيين العرب ينفذون أوامر أمريكا التي" تجرب السوط فيهم وتشد الكبير من أذنيه" (26)، فيصرخ شاعرنا الدمشقي:‏

"لا..ليس هذا وطني الكبير" (27)‏

2_المعطيات الاجتماعية‏

تضج نصوص نزار بمعطيات سياسية أفرزت معطيات اجتماعية تشير إلى التشويهات الفاضحة والمشوهة للوجه الحضاري لأمتنا، كونها معطيات تنم عن البؤس، وعن موت الكرامة وعن تجاهل المفهوم النضاليّ، لأنّ القمع السياسي أدخل الشعب في حالة من اللاشعور، وشيّأ المواطن العربيّ، بعد أن سحق ذاتيته وحّوله إلى آلة تتحرك بتحكم خارجي، وأدخل المجتمعات العربية في حالة التسطح المفرغة من القيمة الفاعلة، ومن المعنى الوجودي، ومن الغاية والهدف، و عندما تنتفي الغاية والهدف، نتيجة اضمحلال الشخصية المعنوية، يصير المرء مستلب الإرادة ويخسر مقومات الرفض، فيتعايش مع الواقع القمعي، ويدمن العقل أشكال القهر والقمع والذل، وتتعطل الطاقات، و يصير قبول الظلم والإذعان عادة تتحكم في أذهان الجماعة المسيرة المستسلمة:‏

يا بلادًا تستعذب القمع..حتى صار عقل الإنسان في قدميه"(28)‏

لقد كان القمع السياسيّ وما رافقه من ضغوطات عالمية؛ اجتماعية وحضارية وثقافية، سببًا رئيسًا في خلق حالة تغريب بين الفرد العربي و أصالته و موروثه الثقافي وعاداته وتقاليده ومفاهيمه، لأنّ أساس تشكُّل معطياته السياسيّة العالميّة الجديدة، يقوم على فرضية حضارية استلابية، لا تتحقق إلاّ بعزل الشعوب الأصيلة عن موروثها واستبداله بمفاهيم مغايرة، تقطع الفرع عن الأصل، بغية تطويع الفكر و تهميش القيم، و التحضير لقبول نتائج أية معادلة جديدة، وهذا ما سعت إليه دول خارجية و قيادات داخلية، غايتها أن يألف الإنسان العربيّ المظاهر الجديدة، على حساب الحضور الفاعل لعاداتنا وتقاليدنا، لصالح الوافد الغريب، وهذا ما يبرّر سيطرة المنتج الثقافيّ الغربيّ والأميركيّ على حياتنا، وتحكّم الدولار بأسواقنا وعقولنا، واهتمامنا بموارد النفط، حتى" صار النفط أغلى من الإنسان"،(29) وارتمى العرب أذلاء عند أقدامه(30)،".‏

يرى نزار أن المجتمعات العربية عجزت عن المحافظة على أصالتها، وفي الوقت عينه لم تستفد من الحضارة الوافدة، فالرجال العرب استبدلوا وأد المرأة، بحصارها فكريًّا وجسديًّا، وحولوها إلى سلعة يتاجرون بأنوثتها، وسعوا إلى تهميش ثقافتها في عصر الأقمار الصناعيّة(31)، و أًصيب المجتمع العربي بانفصام في شخصية أبنائه، فالعالم الغربي يدعو إلى الحرية والديمقراطية والسيادة وشعوبنا ترضى أن تعيش محاصرة " كالنمل والجرذان(32)"، وهي، أيضًا،مصادرة في تفكيرها وآرائها وثقافتها، فالكلام ممنوع، والنقاش محرّم في مواضيع الفقه والنحو والصرف والشعر و النقد والفلسفة، فسُجن العقل العربي، وخسر إنسانه قيمته، حتى رفضته الموانئ والمطارات، لأن جواز السفر العربي محتقر في نقاط العبور الأجنبية والعربية، فأي انتماء إلى مجتمع تطالعك أمام كل نقطة ضوء فيه إشارات حمراء تحول بينك وبين التقدم الفكريّ الإنسانيّ. إنه واقع دفع بنزار قباني إلى الاعتراف بفقدان الانتماء، ومن ثمّ الترحم على العرب:‏

أحمر..أحمر..أحمر‏

...‏

يا صديقي:‏

لا تسر وحدك ليلا..‏

بين أنياب العرب..‏

أنت في بيتك محدود الإقامة..‏

أنت في قومك مجهول النسب..‏

يا صديقي:‏

رحم الله العرب!!! (33)‏

عندما يكون الواقع الاجتماعي مأزومًا، كونه مؤسسًا على القمع والقهر والتكاذب والانبطاح والصنمية والتلقي السلبي، فإن المنتج الثقافي يفصح عن معطيات ثقافية سلبية تؤكد ارتهان المثقف العربي، وضياع رسالته الثقافية.‏

3_المعطيات الثقافية‏

تزخر بنية النص النزاري بصور الشعراء والكتاب والمثقفين الخاضعين لسلطة حولتهم إلى أبواق، فشوّهوا قدسية الرسالة، وتناسوا دورهم البنائيّ والحضاريّ، وأسقطوا الفكر في وحول النفاق السياسيّ، وجعلوا من الأديب بهلوانًا، مهمته التبخير والرقص والدعاء بالنصر للسلطان (34) فصار المثقفون باعة متجولين يبيعون شعرهم على عتبات البلاطات وجعلوا الكتابة حرفةً، ودعاية ووهمًا وسرابًا(35)‏

استحضر نزار في شعره رموزًا ثقافية عربية يبثها أوجاعه، ويكشف لها عن عمق المأساة الثقافية التي فرضها مثقفون شاركوا في ذبح الشعر، وإلغاء رسالته الروحية، فحوّلوه إلى مادة مفرّغة من الروح والقيمة والطهر والشفافية، وجعلوه بضاعة للمتاجرة تُعرض للبيع كقينة فقدت حريتها وكرامتها،(36)، فهم، في رأي نزار، خراف تابعة منقادة، و جبناء يخافون صوت الحقّ والحقيقة، ووثنيون يركعون عند فضلات حاكم لا يبحث: "عن مبدع. وإنما يبحث عن أجير"..(37)‏

لما كان المنتج الثقافي يخضع في الكثير من صياغته إلى طبيعة العناصر الاجتماعية التي تتحكم بإنجاح التجربة الفنية وأشكال معادلة الخلق الإبداعي، فلقد لمس نزار تأثير النفط على الأدباء العرب الذين يتسابقون إلى تدبيج مدائح خالية من العاطفة والقيمة، وتشير إلى أنّ أصحابها أقل علمًا ومعرفة من الأميين، ولذلك يقدم نزار نصائح للذين يرغبون في استرضاء أمراء النفط فيقول:‏

لو شاءت الأقدار أن تكون كاتبًا‏

يجلس تحت جبة الصحافة النفطية.‏

فهذه نصائحي إليك:‏

1_أدخل إلى مدرسة ٍتُعلّم الأميّة.‏

2_اكتب بلا أصابع...وكن بلا قضية.‏

3_امسح حذاء الدولة العلية.‏

4_اشطب من القاموس كلمة الحرية (38)‏

أكّد الشاعر في قصائد سابقة على أنّ هؤلاء الأدباء المنبطحين على أعتاب السلاطين جاحدون بنعمة الخالق، لأنهم لم يوظفوا طاقات العقل ولم يستثمروها من أجل قضية الإنسان، فهل كان عمل هؤلاء ،كما يقول نزار، مما يُغضب الله؟:‏

..‏

إنّ أقصى ما يُغضب الله‏

فكرٌ دجنّوه...وكاتبٌ عِنيِّنُ (39)‏

تشير المعطيات الثقافية التي رصدها نزار قباني إلى تلاشي الوعي الثقافيّ العربيّ، وذلك نتيجة خلل في فهم حقيقة الانتماء، و جهل في تقدير الحرية الفكرية، وتشظي الأنا العربية، وضياع إحداثياتها. فهل استطاع نزار أن يُقدّم حلاً يساعد على الخروج من الظرفي والآني، أم كان مُنظِّرًا؟‏

رابعًا: شبكية ثوابت الانتماء والرؤى المستقبلية‏

لم يقدم نزار حلولاً على المستوى السياسي أو الاجتماعي أو الثقافي، بل حاول أن يجعل من تجربته القومية بسلبياتها وإيجابياتها تجربة كليّة من خلال كشف الحقيقة التي تؤسس لحركات التحولات التاريخية والتي تعكس مشروع الشاعر المستقبلي، هذا المشروع الذي حافظ على ثبات بنوده وفرضياته في مقابل تطبيقات عملية وميدانية تبرهن على سلامة آرائه وصحة أفكاره، فكانت الكلمة، في رأيه، هي الملجأ والأساس و الحل والوطن، وهي أنثى العطاء والحنو والخلق والتجديد (40) فاحتضنت كلماتُه أفكارَه ورؤاه وطموحاته وتطلعاته وثوابته القومية والوطنية التي لم يتخل عنها في خلال مسيرته الشعرية الطويلة، فتداخلت في قصائده الثوابت والرؤى في شبكية من العلاقات، تتحرك بفعل رغبته في انتماء إلى قومية سليمة من الخلل والتهميش والقمع والتبعية.‏

ا_الثوابت الوطنية والقومية‏

إذا كان نزار يقف موقفًا عدائيًا ثابتًا من السلطات القمعية التي تتبوأ قمة الهرم الاجتماعيّ والسياسيّ والثقافيّ، وتمارس سلبيتها على شرائح المجتمع، فلقد كانت مواقفه من إسرائيل وأميركا أكثر ثباتًا وبروزًا، فانبرى من موقف قومي يُشرّح الكيان الإسرائيلي، ويفضح أفكاره ومعتقداته وسلوكية مؤسسيه، بغية تحرير الواقع العربي من التخاذل، والتمسك بالأصالة التي تنبت الرجال وتؤسس لمستقبل مشرق، فأسقط نزار بكلماته قناع الهيبة الكاذب عن وجه إسرائيل، وفضح أخلاقية الشعب اليهوديّ، متخذًا من والد"راشيل" (41) رمزًا لقذارة اليهود وعبادتهم للمال وسوء أخلاقهم عبر التاريخ، فسرد حقيقة توافدهم من أصقاع الأرض إلى فلسطين، وركّز على وحشيتهم التي انكشفت في القتل والإجرام، والتخريب، فهم في نظره " سلالة الكلاب"، واغتصابهم الأرض لا يخيف، لأنّ الأجيال القادمة المنبثقة من أصل الجذر العربي ستحرر الأرض، ومن ثمّ فالشاعر يهزأ بغرور إسرائيل وعنجهيتها المكتوبة بهمجية التخريب والتدمير والإرهاب:‏

يا آل إسرائيل، لا يأخذكم الغرور‏

عقارب الساعة إن توقفت‏

إن اغتصاب الأرض لا يخيفنا‏

..‏

قطعتم الأشجار من رؤوسها‏

وظلت الجذور (42).‏

لم يهادن نزار في كرهه واحتقاره لإسرائيل، ورفضه للدور الأميركي في خلق غطاء دائم لسرقة إسرائيل لوطننا ومصادرة بيوتنا والإساءة إلى معتقداتنا، وأعلن عن ثقته بالنصر لأن أميركا " ليست الله العزيز القدير"(43)، ولأنّ الشعوب العربية لها في تاريخها وقفات عز كتبها أبطال عظام.‏

تبنى نزار القضايا القومية وتمسّك بثوابته الوطنية، فحاول تحرير الواقع العربيّ من ركام التخاذل والضعف والهزيمة، وحرّض على إنعاش الكرامة باستحضار الرموز العربية من الذاكرة التراثية الجمعية، وجعلها تتحرك بفاعليتها من خلال الصور والدلالات، فأبرز دورها التاريخي في تسطير الأمجاد والبطولات، والتضحيات، من دون أن يلغي دور الأبطال الذين قاوموا الاحتلال في القرن الماضي، فكان لجميلة بوحيرد وأمثالها موقع الإجلال والإكبار في شعره.‏

انغرس نزار في انتماء وجداني إلى اللحظات المضيئة والمشرقة من تاريخنا، فأثمر ارتباطه بقوميته أنساقًا نصية تحفل ألفاظها بالدلالات، و تتواشج حروفها في نوتات إيقاعية موسيقية تتبنى، نفسيًّا، الشعور العام الذي أنتج الحدث، فجاء نصه وحدة لا تتجزأ في الموضوع والشعور والدلالة والموسيقى الداخلية؛ لأنّ " الحافز الإيقاعي يؤثر على اختيار الكلمات وترتيبها، ومن ثم في المعنى العام للسياق" (44). ولما كانت جميلة بوحيرد تجسد النبض الحقيقي للرفض، فلقد تعانقت الكلمات في إيقاع موسيقي واحد يشير إلى الثبات، وفي الوقت عينه تصدح كليته الموسيقية بضربات بحر الخبب الذي استخدمه اليازجي في تصوير طبول الحرب في ترجمة الإلياذة، كما استخدام نزار قافية ختمت في السطر الأوّل من هوية التعريف بساكن، ليشير إلى الثبات والقوة في دلالة اسم الرمز البطولي" جميلة بوحيرد" ثم يتابع الإيقاع الموسيقيّ للقافية بياء المتكلم تدل على كسر يُضمر التواصل بين المنطوق والمسكوت عنه :‏

الاسم: جميلة بوحيرد‏

تاريخٌ ترويه بلادي‏

يحفظه بعدي أولادي‏

تاريخ امرأة من وطني‏

جلدت مقصلة الجلاّد. (45)‏

إذا كان البناء، في نظر نزار، باستحضار الرموز واستئناف قيم الماضي الجوهريّة، فهو يأمل في خلق مستقبل لـه قيمة كلية جوهرية، أساسه فكر حر أصيل، ينزع إلى حرية حقيقية تبزغ من رحم الرفض والخروج على قرارات القوى الخارجية، وهذا مشروط، في رأيه، بتفعيل صوت العقل وصوت النفس في اللحظة عينها، مما يساعد على إزكاء الحقد الحارق الذي يقف حائلا دون تحويل جميع العرب إلى لاجئين(46)، لذلك يحرّض على ولادة الجيل الغاضب، المغامر، المغاير، المقدام، الصادق، العملاق،المعجون بالكبر والعزة والإباء بغية تحقيق النصر وإعادة الأرض المغتصبة:‏

نريد جيلاً غاضبا‏

نريد جيلاً يفلح الآفاق‏

...‏

نريد جيلاً قادمًا مختلف الملامح‏

لا يغفر الأخطاء... لا يسامح‏

لاينحني..لا يعرف النفاق..‏

نريد جيلاً، رائدًا، عملاق(47)‏

يتجلى تعلق نزار بالقيم والفداء، من أجل القضية المحقة والعادلة، في استعادته المتكررة لرمزية، ملحمة كربلاء، فهو إذ يكشف عن الواقع العربي المستسلم لإخفاقات فكرية وعقائدية مريرة، يضيء على حدث تاريخيّ كان مظهرًا مشرقًا للذات العربية الإسلامية التي رفضت الاستسلام لسلطة دنيوية، من أجل أن تفرض مفاهيم ثابتة تكرّس الصراع العقائدي العنيف بين قطبي الحاكم والمحكوم، فكان الجنوب رمزًا لهذا الصراع العقائدي، بين عدو طاغية وقضية وجود محقة وعادلة، فألبس الجنوب عباءة كربلائية، يفوح منها طيب ملحمة تسطر آيات النصر على الباطل والتفكك والانهزام، وتعيد إلى العرب عزتهم وكرامتهم:‏

يا لابسًا عباءة الحسين‏

,و شمس كربلاء‏

..‏

يا سيد الأسياد، يا ملحمة الملاحم‏

..‏

سيذكر التاريخ يوما قرية صغيرة‏

بين قرى الجنوب،‏

تُدعى(معركة).‏

قد دافعت بصدرها‏

عن شرف الأرض، وعن كرامة العروبة‏

وحولها قبائل جبانة‏

وأمةٌ مفككة.(48).‏

هل استطاع نزار بعينه الثالثة، ورؤاه الشعرية أن يستشرف فعل المفهوم البطولي لملحمة كربلاء؟ هل أراد أن يجعل من كربلاء رمزًا مشحونًا بحركة الثورات الحقيقية الهادفة؟هل أراد أن تكون كربلاء نموذجًا تتبنى معناه ودلالاته المدن العربية؛ الشهادة أو النصر؟ وهل يطالب بانتصار القضية والكرامة والمبادئ؟‏

تأسيسًا على مجموعة من الأسئلة فإنّ كربلاء تتمثل، اليوم، في المدن الجنوبية حيث تقترن الشهادة بتثبيت المفهوم القيمي للكرامة والإباء والحق، بغض النظر عن حجم الكارثة المادية والبشرية التي تحاول النيل من عزم الجنوبيين، لأنّ المطلوب ليس الوصول إلى السلطة شأن الحركات السياسية ذات المنافع الآنية، بل هدفها انتصار مفهوم الشهادة من أجل الدفاع عن القضايا المحقة، ومن ثمّ كتابة النصر من منطلق كربلائي، يخلّص النفوس من الخوف، ويشحنها بإيمان يحرر من سلطة الإرهاب الدوليّ والعالميّ، ويكرّس المعنى الحقيقي للانتماء،‏

انطلاقًا من رمزية كربلاء وارتباطها بشخص الحسين يأمل الشاعر أن يتبنى قيادة المقاومة في الجنوب حسيني الهوى يعيد إلينا ما فقدناه من كرامة وإباء ووحدة دينية ووطنية‏

إني أحبك..‏

يا التي اختزنت بعينيها بحيرات الجنوب‏

ظلي معي..فلربما يأتي الحسين‏

وفي عباءته الحمائم، والمباخر، و الطيوب‏

ووراءه تمشي المآذن، و الربى‏

وجميع ثوار الجنوب(49)‏

لم تكن كربلاء، في شعر نزار، مكانًا جغرافيًا بل هي رمز للشهادة يقودها بطلٌ متحرر من المصالح الذاتية، ولذلك تتكرر كربلاء في الجنوب، و تتوالد عبر تقنيات تحوِّل الجنوب إلى رمز للمقاومة والشهادة والنصر والكرامة والولادة، فكانت" قانا"، في رؤاه الشعريّة، ولادة جديدة لمفهوم كربلاء، وربط الحديث عنها بالحديث عن كربلاء، بوصفها حالة متقمصة من الرمز الكربلائيّ" كل من يكتب عن" قانا" فسوف يسميها كربلاء الثانية"، وآمن أنّ الخروج على الراهن السلبي يكون بتمثل كربلاء في كل زاوية من الوطن العربيّ، إذا رغبنا في رفع راية الحق والفداء من أجل تسطير النصر:‏

وطني!‏

يا أيها الصدر المغطّى بالجراح‏

وطني..‏

من أنت؟ إن لم تنفجر‏

تحت إسرائيل، صندوق سلاح(50)‏

2_ الرؤى المستقبلية‏

حاول نزار أن يؤسس على ثوابته الوطنية والقومية رؤية ديناميكية تحرّض على صناعة مستقبل قوامه الشك بالراهن المهيمن، والرفض لكلّ ما يهدد إلغاء ثوابته، وهذا مشروط، في رأيه، بإبعاد الثقافة عن تأثيرات السلطة، وبخاصة النفطية منها، التي حاولت أن تشتري الثقافة والصحافة والإعلان والإعلام:‏

أيا طويل العمر:‏

..‏

لا أحد يريد أن يسرق منك جبة الخلافة‏

فاشرب نبيذ النفط عن آخره‏

واترك لنا الثقافة..(51) .‏

تبدأ حرية الثقافة في شعر نزار من حرية التفكير والتعبير، وتثبيت مفهوم ثقافي، قوامه فكر حر يرفض أن يكون بوقاً، ولذلك لم يسخّر شعره للمدح القبليّ أو السياسيّ، فالشعر لم يكن ليمجد نظامًا بل أوطانًا،(52) وهو، في رأيه، أرفع قدرًا من أن يقبل الأيدي، بل على السلاطين أن تقبل يدي الشعر،(53) و من المعيب أن يُستخدم الشعر مطية، ومهنة في أيدي الزواحف والجبناء، ليستعطوا به على أبواب أصحاب السلطات السياسية والمالية من أجل كسرة خبز، لأنهم بذلك يحطون من قيمة الشعر:‏

و إذا أصبح المفكر بوقًا‏

يستوي الفكر عندها و الحذاء(54)‏

يصبو الشاعر، من خلال مواقفه، إلى تطهير المثقف العربي من قروح الذل والقمع، ويدعوه إلى التعالي على جراحاته، و العمل على التحرر من طغيان المصلحة الذاتية الآنية، فهو المسؤول عن خلخلة الجمود الثقافي، وبعث الحياة الإبداعية الفاعلة في نبض الشارع العربيّ، وهذا مشروط بعدم الارتهان ونبذ النفاق و التحرر من ازدواجية الفكر، والعمل على خلق حركة فكريّة فاعلة، تتجاوز سكونية العلم إلى ديناميكية الفعل المعرفيّ، من دون اكتراث بالهجمات النفسية ونتائجها الآنية الذاتية:‏

زعموا أنّني طعنت بلادي‏

وأنا الحب كلّه والوفاء‏

..ما احترفت النفاق يوما..وشعري‏

ما اشتراه الملوك والأمراء‏

...كم أعاني مما كتبت عذابا‏

ويعاني في شرقنا الشرفاء(55)‏

يستثير نزار المفكرين والمبدعين، ليفعّلوا دور الكلمة القادرة على تحرير الإنسان العربيّ من التشيؤ والتبعية والصنمية، ويتبنوا الكلمة المشحونة بروح الثورة و بإرادة القوة، وبفاعلية الشك والسؤال، الكلمة القادرة على توليد زمان ومكان عربيين أكثر حضورا وتألقًا، الكلمة القادرة على توليد الثورة المحيية، بوصفها كتابا مقدسا يمنحنا المعنى الحقيقيّ للوجود، فلهؤلاء المثقفين تكون القداسة ويكون التقدير والإجلال:‏

من أهداني سفر الثورة،‏

كنت لـه دومًا عبدا(56)‏

يربط نزار الرؤى المستقبلية بوجود المبدع الذي يمحو إخفاقات الحاضر العربي، ويتجاوز تراكماته السياسية والاجتماعية والثقافية، من دون أن يهدم نوافذ ذاكرته الاسترجاعية، المنغلقة على اللحظات المظلمة و المضيئة.‏

ضمن هذا المكون الفكري والوطنيّ والحضاريّ والثقافيّ تبدو دمشق متفردة في ثبات وجدانيّ وعاطفيّ وإنسانيّ وكونيّ وحضاريّ وتاريخيّ؛ إنها بدء التكوين والنشوء والارتقاء، فهي الأصل والمركز والمنطلق لجميع مسارات التكوين والخلق والحركات الفكريّة والثقافيّة والنضاليّة، وعلاقته الانتمائيّة بالعروبة تبدأ من دمشق العروبة، حيث يسقط الشك على عتباتها:‏

ودمشق تعطي للعروبة شكلَها‏

وبأرضها، تتشكّلُ الأحقابُ(57)‏

خامسًا:دمشق و مركزية الانتماء، حضاريًّا وثقافيًّا وفكريًّا‏

يحفل النص النزاري بالدوال المرتبطة بذاكرته الدمشقية، فدمشق تنتصب في ضميره ووجدانه رمزًا للأصالة، وقوة خلق وتحويل وتغيير وتثبيت القيم وانبعاث اللحظات الإبداعية، فتتألق دمشق في شعره قدراً يعيد تكوين الأمكنة، وحركة الزمان، وتضمن ديمومة التغيير والارتقاء:‏

مزقي يا دمشق خارطة الذل‏

وقولي للدهر: كن....فيكون‏

شام..يا شام..غيري قدر الشمس.‏

وقولي للدهر: كن..فيكونُ..(58)‏

يعتقد الدارسون أنّ نزاراً أحبّ بيروت، وجعل منها موطنه الفكريّ والعاطفيّ والحضاريّ، ولكنّ هذا الحب، في رأيي، لم يبلغ مستوى الحميمية الانتمائية المركزية التي شغلتها دمشق بين قطبي الوعي و اللاوعي، على الرغم من صدق العلاقة التي جمعته ببيروت، فباح بحبه شعرًا يضمر تعلقه الوجداني والعقلاني ببيروت ولبنان، وبخاصة في أثناء الحرب الأهلية.‏

أحبّ نزار لبنان من منطلقين؛ أولاهما وطنيّ قوميّ، وثانيهما ثقافيّ حضاريّ، ورشح حبُّه قصائد وجدانية تضج بالعشق والتعظيم، " فبيروت ست الدنيا" وهي رمز حضاريّ وملتقى فكريّ، لذلك عاب نظرة العرب المادية إليها، لأنّ علاقتهم بها تماثل علاقتهم" بمحظية"، فعتب عليهم لأنهم هربوا إليها من صحاريهم، ويوم وقعت في حريق الحقد والغضب والحرب تركوها ونقلوا نشاطهم إلى مكان آخر، وهذه الصورة لا نعثر عليها في كلامه على دمشق، فهي بدء الجمال والعروبة والكون، أما علاقته بلبنان فلم تأخذ هذا العمق، بل نلمس في إحدى قصائده بأنه يربط وجود لبنان بوجود حبيبته، فإذا ارتحلت فلا لبنان:‏

لبنان..‏

كان أنتِ...يا حبيبتي‏

ويوم ترحلين عن صدري..‏

فلا لبنان(59) .‏

لا يجوز إنكار محبة نزار للبنان، غير أنّ هذا الحبّ الكبير، شأن أي حبٍّ في حياة نزار، يتلاشى أمام عشقه الدمشقيّ المنبثق من عاطفة العقل وعقل العاطفة، فانبثق هذا الشعر من فاعلية وعمق هذه اللحظات المدهشة والاستثنائية، وليس من جبرية غامضة، فأسقط نظرية إليزايت درو التي تقول بأنّ الشعر ينبع:"من جبرية غامضة تكمن في اللاوعي، ومن تنظيم صناعي تام الوعي، كونه عملية تختلط فيها الحياة باللغة، ويتزاوج المبنى والمعنى، ويلعب فيها كل من التنقيح والطبع دورًا مهمًا"(60) ، فشعر نزار الدمشقي خرج من إرادة واعية متصالحة مع اللاوعي، ومع لغة تفتح لـه أسرار العشق بين الألفاظ والمعاني، ليصوغها أنساقًا تتناغم فيها الدلالات والموسيقى والعاطفة والصور في أروع نموذج يعكس عمق الانتماء إلى المكان والزمان الدمشقيين:‏

يا دمشق، التي تقمصتُ فيها‏

هل أنا السرو، أم أنا الشربين؟‏

أم أنا الفل في أباريق أمي‏

أم أنا العشب، والسحاب الهتون؟‏

...‏

أهي مجنونة بشوقي إليها‏

هذه الشام، أم أنا المجنون؟‏

...‏

شام...يا شام...يا أميرة حبي‏

كيف ينسى غرامه المجنون؟ (61)‏

توحي حركة السياق بنبض العشق بين مفردات تكاملت في الأداء الدلالي، وتناغمت في الإيقاع الموسيقي وتماثلت في المنطوق الصوتي، لتجسد الوحدة الكلية العقلية، والذهنية، والنفسية والعاطفية في الكيان النزاري الذي تحكمت بلغته وصوره علاقته بدمشق" المتقمص فيها"، لأنّ روحه وعقله ووجدانه في دمشق، حيث تجد هذه الروح الجسد الأمثل والأكمل والأعظم لتتحرك به وفيه، فهل تحكّمت دمشق بطبيعة صياغة النص الدمشقي عن إدراك من نزار؟‏

يقول ريتشاردز في كتابه العلم والشعر" يستطيع الشاعر أن يستعمل الألفاظ استعمالاً ناجحًا، ولكنه لا يدري كيف تتم هذه العملية،"(62) " لكنّ نزار كان يعلم أنّ لغته تتحكم بها علاقته الواعية وغير الواعية بدمشق،وعشقه الصامت والعميق لها؛ لأنّه مسكون فيها(63) مدمن سكناها، ولا حياة ولا إحساس لـه إلا بانتمائه إليها، فإذا كان هذا جنوحًا و اتهامًا، وخروجًا على العرف يستحق الاستجواب، و جوابه سؤال وجداني تقريريّ، يحيل الجواب إلى محاكميه، بتكرار لفظي يجسد إلحاحه على تثبيت وتأكيد هذه العلاقة،لأنّ التكرار، كما تراه نازك الملائكة " هو إلحاح على جهة مهمة في العبارة يُعنى بها الشاعر أكثر من عنايته بسواها"(64):‏

يا سادتي:‏

..‏

هل واحد من بينكم‏

أدمن سكنى الشام؟‏

رواه ماء الشام..‏

كواه عشق الشام‏

تأكدوا يا سادتي‏

لن تجدوا في كل أسواق الورود وردة كالشام(65)‏

لقد حمل نزار حبه لدمشق في وجدانه وعقله، وأدبه وتفاصيل حياته، فتسللت المفردات الدمشقية كالحلم والطيف العزيز، واستقرت في مفاصل أجساده النصية، تصريحًا وتلميحًا، إظهارًا وإضمارًا، لتؤكد على انغراس نزار في أبجديته الأولى، التي قال عنها في إحدى المقابلات الصحفية: " هذه اللغة الشامية التي تتغلغل في مفاصل كلماتي، تعلمتها في البيت _ المظلة الذي حدثتكم عنه.... لقد سافرت كثيرًا بعد ذلك، وابتعدت عن دمشق موظفًا إلى السلك الدبلوماسيّ، نحو عشرين عامًا، وتعلّمت لغات كثيرة أخرى، إلاّ أنّ أبجديتي الدمشقية ظلّت متمسكة بأصابعي، وحنجرتي، وثيابي. وظللًّت ذلك الطفل الذي يحمل في حقيبته كلّ ما في أحواض دمشق، من نعناع، وفل، وورد بلدي. "(66)، فهو الطفل الدمشقي، في صدق ارتباطه بالأشياء، وحميمية انتمائه إلى أصالته الدمشقية، التي تشده إلى تفاصيل ذاكرة تعيده إلى طعم عروسة الزعتر، ورائحة الياسمين، وعبق تراب الوطن، وصباحات بلاده بكل ما توحي به من الحنو والدفء، والقداسة والحرية.‏

التصق نزار بجغرافية الأمكنة الدمشقية، ولم تستطع مدنية الغرب أن تتغلب على ذاكرة تختزن تفاصيل زمن دمشقي يفيض بالحب والحنين والشوق، فنقشت تضاريسها في عاطفته ووجدانه وعقله، وحملها معه إلى كل فنادق العالم التي دخلها، ونامت معه على سرير واحد(67)، فرافقته التفاصيل الدمشقية في جولاته، لتتمثل لـه كيانًا سويًا في أي مقام حضاريّ، فهو إذ يستنطق ذاكرة التراث الأندلسيّ، ينشر،في حضور طيف دمشق، رائحة الفل والريحان، ويستحضر حنو البيت الدمشقي القديم، ويسقط على حسناواتها عراقة الجمال الدمشقي العربي. إنها دمشق الشاخصة في أي مشهد حضاري أصيل،إنها النبض الحي في ذروة انتماء نزار قباني الجسديّ والوجدانيّ والفكريّ والروحيّ:‏

ودمشقُ..أين تكون؟ قلت ترينها‏

في شعرك المنساب نهر سواد‏

في وجهك العربي، في الثغر الذي‏

ما زال مختزنا شموس بلادي‏

في طيب( جنات العريف) ومائها‏

في الفل، في الريحان، في الكبَّاد...(68)..‏

شغلت دمشق، في رأيي، فضاءات الإدراك والإحساس والحب النزاري، وصار للجمال معايير ثابتة تحدد نسبها بالقياس إلى كمال الجمال الدمشقيّ، فعندما تبلغ الحسناء مرحلة راقية من الحسن والأنوثة، والكبرياء والرفعة والإدراك، فهي تقترب من الشبه بجمال دمشق، ولكنها لن تبلغ روحية هذا السمو والرقي الجماليّ، لأن لدمشق خصوصية رمز حضاري، وتفرد الرفعة الإيمانية.‏

ألا حظتِ...كم تُشبهين دمشقَ الجميلة؟‏

....‏

ألاحظت كم أنت انثى؟‏

...‏

ألاحظت أنّك صرت دمشق..‏

بكلّ بيارقها الأمويّة‏

أحبك مرفوعة الرأس مثل قِباب دمشقَ(69)‏

ترتقي الخصوصية الحضارية و الدينية إلى التأكيد على أن دمشق معجزة الكون، وما وجودها في الكون، إلاّ ليكسب الدنيا جمالاً وتمايزاً وفرادة، فهي روح الجمال، والروح يستعصي إدراك أبعادها وجوهرها على كل إبداع وفن ونحت وتقليد:‏

يا شامُ. يا شامة الدنيا، ووردتها‏

يا من بحسنك أوجعت الأزاميلا (70)‏

لقد أدمن نزار عشق الشام، عن وعي وإرادة، فدمشق ليست كبقية المدن؛ إنّ نهرها أصل انبثاق أنهار العالم، وحركة بردى، الذي يسكن عاطفة نزار كالسيف، بدء حركة زمن مفتوح بين قطبي البداية والنهاية(71)، وكذلك بيوتها تتمايز في هندستها(72)، إنها بيوت مرتفعة على أساس عاطفي، قوامه المحبة والتلاصق الحتمي، والتجاور الطبيعيّ، والتكامل الإنساني، و التعاون الوجودي، فهي بيوت تتقن التقاط الأسرار وحفظ معانيها، إنها قارورة عطر تعبق حاراتها وزواريبها بأسرار الجنة، التي التقطها نزار من بيته في" مئذنة الشحم"، الذي يقول عنه: "هذا البيت _ المظلة ترك بصماته واضحة على شعري. تمامًا كما تركت غرناطة وقرطبة واشبيلية بصماتها على الشعر الأندلسي "(73)،‏

تشهد علاقة نزار بدمشق بعدًا أسمى من الالتصاق بجغرافية و تفاصيل المكان، إنها الضمير الذي يحاسب ويقسو، ويسائل إذا ما خان صاحبه عهد الكرامة والعزة والبطولة والإقدام والصدق والتضحية بالنفس من أجل القضايا الوطنية، لأنّ دمشق تكسب أبناءها قيمًا أصيلة، لينشأوا وطنيين شرفاء، يكرهون السرقة والقتل والعمالة، وفي الوقت عينه تعلمهم كيف يتبنون فعل المقاومة والاغتيال من أجل مصلحة الوطن، ولذلك يدعو إلى التخلص من المتاجرين بحرية إنسان بلاده، ويرى في قتلهم فعلاً يستحق الاعتراف به، كونه عملاً قوميًّا يهدف إلى تطهير الأمة من الصراصير والطفيليات(74)، الذين شوهوا أزمنة العشق بالسرقة والقمع والقتل والأمية، فكيف يتجاهل آلام شعبه ويطفئ جذوة العشق الوطني الذي أججته دمشق في قلبه؟ وهل يبقى للحب معنى إن لم يكن مباركًا من أطياف الولـه الدمشقي الوجداني؟ وهل يحّول فعل انتمائه إلى قلق أمام محاكم دمشق العاطفية العادلة التي استمدت قوانين عدالتها من طبيعة لا تعرف الغش ؟‏

يا سيدتي:‏

ماذا أفعل لو جاءتني أمي في الأحلام؟‏

ماذا أفعل لو ناداني فل دمشق‏

وعاتبني تفاح الشام(75)‏

ترتقي دمشق في شعر نزار إلى مرحلة تتجاوز معها شكل المكان، و فرادة الطيب، وحرية الفكر ورمزية الجمال، وهيولى الضمير، وجوهر الانتماء، إنها بدء البدء؛ فهي الطهر والسلام والنقاء، و من فيض عطرها يستمد الطيب معناه، ومن جداول مائها تبدأ حركة الحياة، ومن فاعلية حنوها تعلّم البشر معنى الحب، ومن بيارق فتوحات خيلها تجسدّت معاني البطولة والشجاعة والإقدام. إنّ الدهر يبدأ من دمشق، فهي أصل التعارف والتواصل الإنساني، وهي التي أهدت العالم إنسانها وأبجديتها:‏

الفلً يبدأ من دمشق بياضه‏

وبعطرها تتطيب الأطياب‏

والماء يبدأ من دمشق..فحيثما‏

أسندت رأسك، جدول ينساب‏

والحب يبدأ من دمشقَ..فأهلنا‏

عبدوا الجمال، وذوبوه..وذابوا..‏

والخيل تبدأ من دمشق مسارها‏

وتشدّ للفتح الكبير ركاب‏

والدهر يبدأ من دمشق..وعندها‏

تبقى اللغات، وتُحفظ الأنساب(76)‏

تأسيساً على كل المعطيات التي يتسلح بها نزار ليبرهن على أزلية دمشق وأبديتها، وفضلها على الدهر والكون والحياة والحضارات، فلا عجب أن تكون دمشق، وحدها، قادرة على إعادة المفهوم الفقهيّ الحقيقي للعروبة، فهي أصل الفصاحة وهي أصل الصدق والتبيين والإبانة، وهي نبض الثورة والتغيير وعنوان الكرامة، إنّها صانعة القدر، وصاحبة القرار:‏

علمينا فقه العروبة يا شام‏

فأنت البيان والتبيين(77)‏

تمثل علاقة نزار بدمشق مثلاً أعلى للانتماء الوطني، فعلى الرغم مما أفرغه نزار من شحنة عاطفية في شعره، لم يتغير مسار انتمائه، ولم يتلّون بأي وطن أو حضارة عاش فيها وعايشها، إذ بقي مشدودًا إلى المركز العاطفي والفكري والثقافي والحضاري الذي أكسبه قيمة وجود و أصالة انتماء، فكانت المقدمة" الوضوء بماء العشق والياسمين"(78) تكريساً جديدًا لمثالية وفرادة هذه العلاقة.‏

أفرز عنوان المقدمة دلالات ورموزًا تنغلق على سرّ العودة إلى دمشق، في المفهوم الباطني النزاريّ، فالعودة إليها حاجة روحية، ليتطهر من غبار التنقل والارتحال، ويصير قادراً على أداء صلاة، فاتحتها ذاكرة استرجاعية تؤهله للدخول في لحظة عبور آنية نحو ماضٍ يقبض عليه ويضعه في موازاة الحاضر، فتتحرك الصور في وحدة الزمان والمكان وتقدح كمونه العاطفيّ، وتفجر مساحات الصمت وتتساقط الكلمات حبًا دمشقيًّا، قوامه قوة انتماء إلى محدودية الولادة، وفيزيائية حركية تقوده نحو أمام لا ينفصل عن وراء يضمن لـه سلامة العودة وفاعلية الاختراق.‏

عبقت كلمات نزار، بعد الوضوء بماء العشق والياسمين وتلاوة فاتحة العودة والتبرك من الأمكنة، بطعم عروسة السفرجل وشراب التوت وطيب صابون الغار ولذة القضامة والجانرك واللوز الأخضر، وخصوصية مقهى النوفرة وسوق الهال وسوق الجمعة، وقصر العظم و حمائم الجامع الأموي، وقبر صلاح الدين وشبابيك الحارات الدمشقية، وسوق البزورية العابق بسحب البهار وغمائم القرنفل واليانسون وماء الورد، وخفايا زُقاق معاوية وأصوات عربات الخيل، وحكايات مقاهي الربوة، وعيون مقابض الأبواب النحاسية، وروعة السقوف، المطرزة بالقيشاني، وقصة(الطرخون).‏

إنّ الرحلة الارتدادية في تضاريس الذاكرة لم تكن ليقلب بها نزار ركام حضارة غربيّة مُصنَّعة، بل ليتقرب من مقدس بأضحية الرجاء، فتؤدي دمشق فعلها الثقافي، وتعيد إليه طبيعته فينفض ما علق بالذاكرة من صور وطيب، تسقط قيمتها عندما تنتعش الذاكرة بموروثها الطبيعي الأصيل ويعود عصفور الشام الأخضر، وحبة القمح والوردة الدمشقية، والشاعر المجنون، إنه القمر الدمشقي المشرد الذي آن لـه أن ينام على فراش ويتغطى ببطانية صوف مصنوعة من أريحية الشعب الدمشقي، عله ينام بهدوء بعد أن هجره النوم لقرون.‏

تشّكل هذه المقدمة، مع "القصيدة الدمشقية"(79)،جوهر الانتماء في وجدان نزار وعقله وإرادته الواعية، وبخاصة عندما تكشف الدراسة الفنية لبنية النصين عمق العلاقة بين نزار ودمشق، لأنّ تشكّل البنية اللغوية يخضع إلى وحدة المؤثرات في التجربة الإبداعية المنصهرة في مختبر لغويّ، لـه استقلالية ذاتية يكتسبها من خصوصية العلاقة بين الشاعر وموضوعه، وهذه الخصوصية تتحكم في إنتاج التراكيب بلاغةً وصرفًا ونحوًا وإيقاعًا.‏

تُظهر محاولة بسيطة، تقوم على استنطاق المعاني المحتجبة وراء ظلال التراكيب، دور المؤثرات، الواعية وغير الواعية، في صياغة الأجساد النصية النابضة بروحية الانتماء إلى دمشق، سواء أكان ذلك في طبيعة تشكل الأنساق البنيوية، أم في منطقية تطبيق قوانين اللغة ودلالاتها.‏

أولاً _ المقدمة‏

بعد الوضوء بماء العشق والياسمين، يعلن استعداده الروحي للدخول في رحلة حج تطهره من تعب الغربة والارتحال، فيسترجع صوتُه أصالته، وتتغير جغرافية جسده لتكتسب حياته معنى روحيًّا يمنحه قوة الخلق والتوليد، وبذلك يصير قادرا على الدخول في ذاكرة استرجاعية تنغلق على طقوس ورموز ودلالات وأسماء أمكنة، لم تستطع الحضارة الغربية أن تلغي إيمانه بها، وتتخذ الرحلة نسقًا فنيًّا قوامه الترتيب المنطقيّ:‏

1_ عودة الانتصار والبحث عن نقطة البداية‏

2_الدخول في ذاكرة البريد القمعية‏

3ـ عودة إلى رحم التشكل الاجتماعيّ و الفكري والثقافي والعاطفيّ‏

النتيجة رفض الحضارة الغربية الأصالة = رفض الوافد الغريب‏

4_الدخول في صحن الجامع الأمويّ‏

العادات الدمشقية + المظاهر الدينية = حالة روحية‏

5_ عودة إلى البيئة الدمشقية ( سرير الولادة)‏

بالإنغراس في تفاصيل الأمكنة التي لم تعوض عنها أمكنة الغر‏

الحقيقة = إنه سمكة مياه وجودها دمشق‏

6_التجول في الحارات الدمشقية الضيقة = طقس الاحتفاء‏

العيون العسلية‏

النجوم‏

تسلم عليه‏

الحمائم‏

القطط الدمشقية‏

7_التغلغل في سوق البزورية عملية انعطاف للحركة الروحية الاسترجاعية للشعور بالتفوق‏

8_المجيء من تاريخ الوردة الدمشقية وضحكات النساء الشاميات= التعليم الطبيعي معرفة الطريق إلى الله‏

9_ فتح جوارير الذاكرة= (الأب+ عربات الخيل+ بائعي الصبار+ مقاهي الربوة + حمام الخياطين+البيوت الدمشقية)‏

10_النتيجة :‏

البيت الدمشقي خارج على نص الفن المعماري‏

11_الانعطاف نحو ذاكرة الاغتراب = ارتباط بدمشق‏

12العودة المقرونة بالحرية والأصالة الثقافية والكبرياء‏

13_ الانعطاف نحو الذاكرة الثقافية == حاضر وماض يتقاطعان‏

14_تقمص شخصية المتصوف =بساطة وعظمة الرسالة‏

تسيطر على نزار في نهاية المقدمة حالة التجلي الصوفي ويتحول خطابه في دلالات الألفاظ وإيقاعاتها إلى ترميز وتشفير ديني، يجعل من أهل دمشق بني هاشم، وعندما يبلغ هذه المرحلة من التجلي يتشبه بقمر بني هاشم، " أنا قمركم المشرد... يا أهل الشام"، ولهذه الصورة رموز ودلالات وإشارات دينية لا يمكن حصرها.‏

النتيجة:‏

فعل أصالة الذاكرة الدمشقية= تكريس للأصالة الدينية =انتصار روحي‏

تضمر عودته إلى دمشق نصرًا روحيًّا، يحدد مستواه بثلاث زوايا تؤسس على أصالة الانتماء إلى الأسس:‏

_ العائليّة والاجتماعية‏

_ التعليمية والتربويّة‏

_ الفكريّة والثقافيّة‏

تتحرك ذاكرة نزار الدمشقية ضمن هذا المثلث، في مسارات تتوازى وتتقاطع، حيث مارس فيها، وبها، فعل الدخول في طقس التجوال والبحث ومن ثمّ الكشف عن سرّ معرفيّ يربطه بدمشق.‏

ثانيًّا:القصيدة الدمشقية‏

تبدأ القصيدة بحرف تنبيه، دلالته بعث الحياة في ذهن المتلقي، ليكون قابلا، بيولوجيًّا ونفسيا، لاستقبال الرسالة والتقاط إشاراتها الظاهرة في موسيقى التأليف الكلامي ومعانيه المباشرة، ومن ثمّ مقاربة دلالاتها النفسية المضمرة في خصوصية البناء اللغوي.‏

تُغري القصيدة بدراسة بنيوية و جمالية وأسلوبية وسيمائية، ولكن سأكتفي بإبراز بعض الدلالات اللغوية التي أسست جانبًا من العمارة الفنية لبنية القصيدة، والتي يمكن توظيفها في الكشف عن ارتباط القصيدة جسديًّا وروحيًّا باللحظة الإبداعية المتمخضة عن انصهار وتوحد بين الشاعر وموضوعه.‏

ترتسم دمشق في عقل نزار ووجدانه رمزًا للثبات وبدء الحركة، ولعلّ هذا الإيمان الواعي وغير الواعي تحكّم في إنتاج النص النزاريّ الدمشقيّ، إذ يشير عدد الجمل وطبيعتها في مطلع القصيدة ونهايتها إلى أنّ دمشق انغرست في عقل نزار منطلقًا أساسًا لحركته التي لا تنتهي، فالبيت الأوّل مؤلّف من أربع جمل اسمية وجملة فعلية، والبيت الأخير مؤلف من أربع جمل فعلية وجملة اسمية، والجملة الاسمية كما قال سيبويه(80) تفيد الثبوت والفعلية تفيد الحركة، وهذه القراءة يمكن تطبيقها على بنية القصيدة كاملة للوصول إلى نتائج أكثر دلالة، ومن أمثلتنا على ذلك استخدام الحاء المضمومة في القافية والروي، فمن دلالات الضمة، كما قال ابن جني(81) التحقق والثبوت والتمكن والإسناد، ولعل هذه الأمثلة تفتح أبوابا لدراسة العلاقة بين نزار ولغته.‏

إنّ دمشق فعل انتصار الأصالة، ومركزية انتماء تجلت في مواقف لا حصر لها في شعر نزار، فجاءت التراكيب اللغوية، تتبنى نتائج اختبارات سياسية واجتماعية وثقافية وقومية وإنسانية خضع لها الفكر النزاري، فأغنت تراكيبه اللغوية بخصوصية يمكن مقاربتها بدراسة تشابك وتشكل أنساقها الفنية والإيقاعية، وطبيعة صياغة واستخدام القوانين النحوية والصرفية، وهذه دراسة فنية علمية منطقية تفصح عن حقيقة المنطوق الشعري الذي تركه نزار قبانيّ.‏

خامسًا: نقطة على سطر‏

عصفت بنزار قباني عواطف وطنية وقومية وعربية وإنسانية، وكانت قضية المرأة من أهم القضايا التي حاول نزار توصيفها، ولكنّ موضوعاته المطروحة لم تتحرر من البيئة الدمشقية التي تركت في نفسه جرحًا يروّي شعره، فكانت دمشق حاضرة في أنفاس نزار تتألق عشقاً وحياة.‏

تجلى انتماؤه بوحا صادقا يستقر في تراكيب تختزل تفاصيل الحياة الدمشقية، وتضاريس حاراتها وجغرافية أمكنتها، فاحتفظ في ذاكرته أسماء نساء بلاده، وعبق فلها وياسمينها وريحانه، وتراتيل مآذنها، وعطر أسواقها، فرسم من دمشق مدينة كونيّة تخصّب الحضارة العالمية، بفعل ثقافي إنساني يكرس دورها في تثبيت المفاهيم والقيم.‏

أضمرت لغة نزار الشعريّة حنينه وتعلقه وانغراسه الوجداني بدمشق، فاختزلت هذه اللغة ثمرة تجاربه الإنسانية، وجسّدت مستقرًا لفاعلية حركة فكره المرتبطة بمساراته وعلاقاته وانتماءاته الشريانية والوريدية، فلم يتحرر نزار من عشقه الدمشقي، عن وعي وإرادة، على الرغم من رحلاته وتجواله وعمله الدبلوماسي فهو مسكون بعشق دمشقي، يقيّده بقدر ما يحرره ويعيد تكوينه في لحظات خلق وإبداع لا نهاية لهما، فكانت دمشق مركز انتمائه الوجداني والاجتماعي والنفسي والعاطفي والإنساني، فلم يطمح إلى وطن كوني مطلق، بل جعل من دمشق الوطن الكونيّ.‏

(1) _ نزار قباني المجموعة الكاملة، ج6، ص 51.‏

(2) _ج6،ص 302.‏

(3) _م.ن،576.‏

(4) _م.ن، ص 329.‏

(5) _م. ن،ص27.‏

(6) _م.ن،ص 30.‏

(7) _م.ن،ص134‏

(8) _خريستو نجم، النرجسية في أدب نزار قباني، دار الرائد العربي، بيروت،ط1،1983،ص355.‏

(9) _نزار قباني، تنويعات على مقام العشق، منشورات نزار قباني، بيروت،ط1، 1996، ص253‏

(10) خريستو نجم، النرجسية...،ص 353.‏

(11) _تنويعات، ص 270.‏

(12) _نزار قباني، تنويعات نزارية، منشورات نزار قباني، بيروت، ط1، 1996،ص 164.‏

(13) _م.ن، ص 165.‏

(14) _ نزار، ج3، ص629، وقد ألقيت هذه القصيدة في مهرجانات الأمانة العامة لجامعة الدول العربية، عام 1980.‏

(15) _ ج3، ص 643.‏

(16) _م.س.ك،ج3، ص 644.‏

(17)، م.ن ص482.‏

(18) _ م، س، ك، ج3، ص87.‏

(19) _م,ن،ص 405.‏

(20) _م، س،ك،ج3، ص 110_111.‏

(21) _ج3، ص 237.‏

(22) _ج3، ص 487.‏

(23) _ م.ن، ص 67_68.‏

(24) _م.ن، ص 31.‏

(25) _ ج3، ص 233.‏

(26) _ج6، ص 47.‏

(27) _ج6، ص51.‏

(28) _ج6،ص 48.‏

(29) _ج3_ص 482.‏

(30) _ ج6، ص 46.‏

(31) _ج3، ص143_145‏

(32) _ج3_ ص 92.‏

(33) _ ج6، ص 136_143.‏

(34) _ج3_ ص 477.‏

(35) _ج3، ص 156.‏

(36) _ج3، ص 477.‏

(37) _ج6،ص 400‏

(38) ج6، ص 253.‏

(39) _ج3، ص 443.‏

(40) _ج6،ص167.‏

(41) _ ج3، ص 29.‏

(42) _ج3، ص176.‏

(43) _ج3، ص 181.‏

(44) _ رينيه ويليك وأوستن وارن، نظرية الأدب، ترجمة محي الدين صبحي، المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب، دمشق 1972،ص 280.‏

(45) _ ج3، ص57.‏

(46) _ ج3_ ص148.‏

(47) _ ج3، ص 95.‏

(48) _ج6، ص72.‏

(49) _ ج6، ص81.‏

(50) _ج3، ص 338.‏

(51) _ج6،ص 408.‏

(52) _ج3،ص 510.‏

(53) _ ج6،ص49.‏

(54) _ج3؛ ص 401.‏

(55) _ ج6،ص409.‏

(56) _ج6، ص213.‏

(57) _ ج3،ص635.‏

(58) _ج3،ص 440_444.‏

(59) _ نزار قباني، المجموعة الشعرية،منشورات نزار قباني، بيرؤوت، ط3، 1973، ص713.،‏

(60) _ إليزابت درو، الشعر كما نفهمه ونتذوقه، ترجمة ابراهيم محمد الشوس، مكتبة منيمنة، بيروت، 1961، ص 101.‏

(61) _ج3، ص 432_433_438.‏

(62) _ ريتشاردز، العلم والشعر، ترجمة مصطفى بدوي، الأنجلو المصرية، د.ت، ص31.‏

(63) _ج3، ص 432.‏

(64) _ نازك الملائكة، قضايا الشعر المعاصر،دار العلم للملايين، بيروت، ط6،1981،ص 276.‏

(65) _ج3،ص 128.‏

(66) _نزار ثورة وحرية، ج1، ص43. نقلاً عن صحيفة الديار الأحد 12،ت1،1997.‏

(67) _م.ن، ص44.‏

(68) _ ج3، ص571‏

(69) _ ج3، ص466.‏

(70) _ ج3، ص 517.‏

(71) _ ج3، ص506_ 517ز‏

(72) _ج4ن ص 427.‏

(73) _نزار قباني، ثورة وحرية،ج1، ص 42.‏

(74) _ج3،ص 135.‏

(75) _ج6، ص 197.‏

(76) _ج3، ص 634_635.‏

(77) _ج3، ص 443.‏

(78) _ المقدمة التي افتتح بها الشاعر أمسيته الشعريةالتي قدمها في معرض الكتاب الدولي بدمشق بتاريخ 22/9/1988، ج6،ص409.‏

(79) _ ج6_ص441.‏

(80) _ سيبويه، الكتاب، ج1، ص 161_166_168.‏

(81) _اب جني، الخصائص، ج2،ص 225_227.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244