مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 431 آذار 2007
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

التناص في شعر أبي تمام قصيدة "الحق أبلج" نموذجاً ـــ حكمت النوايسة

أولاً: المفهوم:

"لقد اتفق على اعتبار مصطلح التناص قد ظهر للمرّة الأولى على يد الباحثة الفرنسيّة جوليا كريستيفا، في عدة أبحاث لها كتبت بين 1966 ـ 1967م، وصدرت في مجلّتي tel-quel وCritique وأعيد نشرها في كتابيها (سيموتيك) و(نص الرواية)"(1) ثم تناوله النقاد وشابه الغموض والتشويش حتى عام 1976 عندما نشرت مجلة (ويبتك) الفرنسية عدداً خاصاً من إشراف (لوران جيني) حول التناصات intertextuopites حيث اقترح جيني تعريف التناص بـ "عمل تحويل وتمثيل عدة

نصوص يقوم بها نص مركزي يحتفظ بزيادة المعنى"(2).

وحسب مارك أنجينو، فإن "من الباحثين الممتازين الذين هيئوا لها الطرح النظري الكفيل باستعمالها بكيفية صارمة وإجرائية، بول زمتور، وميخائيل رفاتير(3)، فزمتور يشير إلى أن جدلية التذكّر التي تنتج النص حاملة آثار نصوص متعاقبة تدعى بالتناص، وميخائيل ريفاتير تبنّى صيغة التناص في آخر أعماله عن الأسلوبيّة" على مستوى افتراض تطابق متعادل بين الشكل والمضمون، فمرجعيات النصوص هي نصوص أخرى، والنصّية مرتكزها التناص"(4) مع أنه استخدم التناص لخدمة أسلوبيته الأدبية.

وقد ترسّخ هذا المصطلح في القارة الأمريكية على يد فردريك جابسون الذي دعا عام 1975 إلى مقاربة تناصيّة لنقد نورثوب فراي وغريماس نقداً ماركسيّاً(5).

وإذا كان العديد من النقاد قد تناول هذه الكلمة فإنها ما زالت تشذ عن أي إجماع(6)، ولم تتوفر إلى الآن منهجيّة صارمة يمكن الاطمئنان إليها نموذجاً تطبيقياً للتناص.

وما تزال الأسئلة ملحة حول هذا المفهوم، فهل يعني علاقة النص بنصوص أخرى؟ هل يعني التفاعل؟ هل يعني التعالق المقصود مع نصوص أخرى؟ أم هو دراسة التعالق نفسه؟ هذه الأسئلة التي تكتنف هذا الحقل حاول بعض النقاد العرب الإجابة عنها من خلال محاولاتهم دراسة العلاقات النصيّة في الأدب العربي؛ فمحمد مفتاح في كتابه (تحليل الخطاب الشعري ـ استراتيجية التناص) ـ يقول: "إن الدارسين ـما عدا بعض الاتجاهات المثالية ـ يتفقون على أن التناص شيء لا مناص منه؛ لأنه لا فكاك للإنسان من شروطه الزمانية والمكانية ومحتوياتهما، ومن تاريخه الشخصي، أي ذاكرته، فأساس إنتاج أي نص هو معرفة صاحبه للعالم، وهذه المعرفة هي ركيزة تأويل النص من قبل المتلقي أيضاً"(7).

ونلاحظ بالمقولة السابقة أنه يعني بالتناص العلاقة بين النص وبقيّة النصوص، وأعتقد أن اثنين لم يختلفا ولن يختلفا في أن النص لا يمكن إيجاده من اللاشيء، ثمّ إن تحديد التناص بهذا الفهم يجعل درسه ناقصاً حتى لو أجمع جميع النقاد على نص واحد؛ لأن علاقة النص مع النصوص الأخرى علاقة لا نهائيّة تبدأ بالأصوات ولا تنتهي بالدلالة.

وفي محاولة لحصر  المفهوم فإن محمد مفتاح(8) يحدّد أشكال التناص فيقسمها قسمين: سمّى الأول التمطيط، ويضع تحت بابه الجناس بالقلب والكلمة المحور، والشرح، واستخدام النواة المحورية، أو القول المنقول، والاستعارة والتكرار، والشكل الدرامي، وأيقونة الكتابة. أما القسم الثاني فإنه يسميه الإيجاز، وهو عنده الإحالة إلى التاريخ من خلال أحداث أو رموز أو نصوص تاريخية، ويقول نقلاً عن حازم القرطاجني: "الإحالة المحضة الإيجاز، وهذه هي التي تحتاج إلى شرح وتوضيح ليدركها المتلقي العادي؛ إذ لا يذكر فيها الشاعر إلا الأوصاف المتناهية في الشهرة والحسن، والأوصاف المتناهية في الشهرة والقبح"(9).

وبهذا الفهم للتناص، فإن مسميات مختلفة ومصطلحات في النقد العربي القديم يمكن إدراجها تحت باب التناص كالتضمين، والسرقة والاستشهاد، والإيجاز، والتأثر وغير ذلك، وعلى سبيل المثال، أورد النص التالي لابن رشيق القيرواني حول السرقة، يقول "هذا باب متسع جداً، ولا يقدر أحد من الشعراء أن يدعي السلام منه، وفيه أشياء غامضة إلا عن البصير الحاذق بالصناعة، وأخرى فاضحة لا تخفى على الجاهل المغفّل"(10) ومن الملاحظ على هذا الحديث عن السرقة أننا نفهم منه العلاقة بين النص والنصوص الأخرى؛ إذ إن السرقة بمفهومها الدقيق لا ينطبق عليها حديث القيرواني السابق، ونستطيع مقارنة هذا النص مع ما أورده محمد مفتاح حول اتفاق الدارسين على أن التناص شيء لا مناص منه(11).

ومن العرب الذين تناولوا التناص سعيد يقطين في كتابه (الرواية والتراث السردي) حيث يقول تحت عنوان أنواع التفاعل النصّي: "إن هناك صنفين من أصناف التفاعل النصي، أما الأول فهو التفاعل النصي الخاص، وهو أن يقيم نص علاقة مع نص محدد، كأن يسير نص في المدح مثلاً على منوال نص آخر معروف، وأما الصنف الثاني، فهو التفاعل النصي العام، وهو "ما يقيمه نص ما من علاقات مع نصوص عديدة مع ما بينها من اختلاف على صعيد الجنس والنوع والنمط، كأن يأخذ قصيدة شعرية فنجد الشاعر يوظف فيها مختلف مكوّناته الأدبية والثقافية في صورة شعرية تفاعل فيها مع شعراء سابقين، وفي أمثال أو أحاديث أو آيات ضمنها أو اقتبسها مستعملاً ما (نقله) عن غيره للدلالة على المعنى نفسه أو معطياً إياه دلالات جديدة أو مناقضة تماماً"(12).

ومن هنا نلاحظ حسب سعيد يقطين أن التضمين والاقتباس، والتأثر، كلها تقع ضمن مسمى التناص، ولا يبتعد هذا الفهم عن فهم محمد مفتاح للتناص الوارد سابقاً.

ونعثر على بحث أكثر منهجية وصرامة في التناص، قدّمه الباحث الناقد رجاء عيد منشور في مجلة علامات في النقد، وحول تعريف التناص يقول: "فالتناص ـ هنا ـ حضور نستشفه بواسطة خبرة عميقة بالنصوص الأدبية، وهذا الحضور النصي يحتاج إلى فراسة تتبّع، وإلى بصيرة وتبصّر؛ فقد تندمج البنيات المتناصة في بنية النص كإحدى مكوناته، لا يدركها سوى القارئ المنفتح في قراءاته على نصوص متعدّدة"(13) وهذا الفهم لا يبتعد كثيراً عمّا أورده ابن رشيق حول السرقة من حيث أهميّة ثقافة المتلقي،وكأنّ النصّين يطرقان قضيّة واحدة.

ورجاء عيد في بحثه هذا يعدّد صوراً من التناص منه الموافق حيث يتوحد المتناص مع النص على شكل موجة تحضنها موجات أخرى، وتكون الموافقة باللغة؛ إذ تستخدم اللغة نفسها التي استخدمها النص القديم.

ومما يعدّده رجاء عيد تناص التحوير، الذي يكشف حالة من حالات السخرية الأليمة من خلال النقيض، ثم تناص الموافقة الذي يهدف إلى توكيد مقولة قديمة، وهو إذ يعدد هذه الأشكال، فإنه يهدف إلى الوصول إلى قيمة التناص لمنهج تحليلي، فهي ليست "مقصورة على تجاوز أسوار المصطلحات التراثية السابقة (المعارضة ـ التضمين ـ السرقة)، وإنما يفتح التناص لما هو أرحب من محدودية ابتناء نص على نص، فمن مجالاته المقترحة العكوف على مقاربة تحليلية لتماهي التحولات ـ مسار التبدلات، وكيفية التمثل لنص سابق، ومدى حضوره في نص لاحق(14)، فالعلاقات النصية عنده "غير أحادية السمة مع نصوص أخرى؛ فقد تكون علاقة تحويل أو تقاطع أو تبديل أو اختراق"(15) ومن هنا فإننا نرى أن ما نسميه بالتناص وندرسه ضمن هذا البحث، يجب أن يكون هادفاً إلى تقديم إضافة جديدة على ما سبق، كأن يكون حاملاً رؤية الشاعر، أو حاملاً الخطاب الشعري أو موجهاً لهذا الخطاب من خلال ما يستثيره لدى المتلقي، وهذا النوع من التناص المقصود الممنهج.

وقريب مما ذهبنا إليه قول رجاء عيد: "إن انتزاع القول المضمّن من سياقه كما في نماذج متعدّدة ـ تراثية ومعاصرة ـ لا يكون تناصاً له خطره حين يرد استشهاداً مجانيّاً، أو تداعياً حيث يظل كلاهما لصقاً إضافياً أو وشياً أو تزييناً"(16).

وقريب من ذلك ما ذهب إليه د. عبد النبي اصطيف، حيث قال: "والقضية الأكثر حيوية وأهميّة وخطورة في مسألة تفاعل النصوص هي أن النصوص لا تتفاعل بوصفها مجرد نصوص، ولو كانت كذلك لصح النظر إلى تفاعلها على أنها مجرّد اقتباس أو تضمين أو تأثر بمصادر معينة، يستطيع أن يحدّدها القارئ الخبير المطلع، ولكنها تتفاعل بوصفها ممارسات دلالية متماسكة، إنها تتجاور وتصطرع، وتتزاوج وينفي بعضها البعض الآخر، أو باختصار عندما تتفاعل نصيّاً، تتفاعل بوصفها أنظمة علامات متماسكة لكل منها دلالته الخاصة به، وهذه الأنظمة عندما تلتقي في النص الجديد، تسهم متضافرة في خلق نظام ترميزي جديد، يحمل على عاتقه عبء إنتاج المعنى أو الدلالة في هذا النص"(17).

وبهذا الفهم للتناص سيسير البحث في قصيدة أبي تمام التي مطلعها:

الحَقُّ أبلَجُ وَالسُيوفُ عَوارِ

 

 

فَحَذارِ مِن أسَدِ العَرينِ حَذارِ

وقالها في مقتل الأفشين... تركيزي على نص واحد هو محاولة لكشف وظيفة التناص، ومدى تناغم التناصات المتعدّدة في النص الواحد إنتاج الدلالة المطلوبة، وبذلك فإنني من خلال التعريفات السابقة للتناص، والعلاقات النصيّة، أعرّف التناص بأنه العلاقة المقصودة بين نص ونص آخر أو نصوص، أو قصص أو حوادث تاريخية، تهدف إلى حمل دلالة أو رؤية أو غير ذلك من الأهداف التي يكشفها النقد، وإنما أردت حصر المفهوم بهذا التعريف حتى أكون أكثر صرامة في التعامل مع شاعر كأبي تمام تشرّب لغة القرآن وأشعار العرب، حتى إنه لا تكاد تخلو قصيدة أو مقطوعة له من تأثر أو تضمين.

ثانياً: النص

1 ـ تسويغ التناص.

2 ـ وتناص التسويغ.

هذه القصيدة قالها أبو تمام في مدح المعتصم وتعزيته بعد أن قضى على الأفشين، كان له مكانة مهمّة عند المعتصم، وفي القصيدة يمدح المعتصم، ويصف ما قام به الأفشين من (غدر)، ثمّ يصف قتل الأفشين وحرقه، ويحرض المعتصم على قتل أهل الأفشين، وقومه، ثم ينصح الخليفة بأن يشدّ الخلافة بابنه هارون (الواثق).

وبناء القصيدة جاء متنامياً تنامياً تفسيرياً بعدّة ذروات، دون أن يكون هناك ذروة مَفصلية تشكل مرتكزاً للنص؛ نظراً لتعدد موضوعاتها؛ فقد كانت تعالج قضية واحدة من عدّة جوانب، فالمعتصم قد وثق بالأفشين، والأفشين قد قام بأعمال تعزز هذه الثقة والمكان بقلب المعتصم، منها قضاؤه على بابك الخرّمي(18)، ثمّ إن دسيسة وقعت بين الأفشين والمعتصم، حيث صوّر الأفشين متربصاً بالخلافة، وصوّر المعتصم متربّصاً بالأفشين، فرأى كل منهما انقباض صاحبه، فصار شكّه يقيناً، إلى أن قبض المعتصم على الأفشين فقتله وأحرقه(19).

وأبو تمام إذ يقول هذه القصيدة بهذه المناسبة، فإنه يطرقها من جميع الجوانب مبرزاً بشاعة الغدر وصوره، مستثمراً التاريخ والثقافة الإسلامية في ذلك، ومن هذا الجانب؛ فإن الدراسة تهدف إلى رصد التناص أولاً، ثم الكشف عن الوظيفة التي يؤديها ثانياً، ثم الكشف عن العلاقات القائمة بين التناصات المختلفة في النص.

ومن أجل توضيح منهج الدراسة فإنني سأركز على التناص الواضح من خلال الإشارات التي ترد في النص، تاركاً التناصات الأخرى من لغة وتشرّب صورة؛ لأنني أظنّ ـ في جانب اللغة ـ أن لغة أبي تمام متأثرة تأثراً كبيراً بلغة القرآن الكريم، وكذلك التصوير عنده، فأبو تمام يتشرّب الكثير من تصوير القرآن الكريم في نصوصه، ولا أظنُّ في ذلك تناصاً موجهاً بقدر ما فيه من تأثر أملته ظروف تشكّل الملكة اللغوية والمعجم الشعري لديه.

أما الأحداث التاريخية والقصص، فإنها بنظر ـ عند أبي تمام ـ تعد استثماراً مدروساً يؤدي خدمة معنويّة في النص، لذا فإن تركيزي في هذه الدراسة سيكون عليها.

مبرّرات التناص

يقول أبو تمام:

الحَقُّ أبلَجُ وَالسُيوفُ عَوارِ

 

 

فَحَذارِ مِن أسَدِ العَرين حَذارِ

مَلِكٌ غَدا جارَ الخِلافَةِ مِنْكُمُ

 

 

وَاللهُ قد أوصى بحِفظِ الجارِ

نلاحظ أن أبا تمام يحذر في البيت الأول من غضب الخليفة، وسطوة الحق، ويستثمر في البيت الثاني الآية الكريمة ]وبالوالدين إحساناً، وبذي القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى[(20) فهل جاء هذا التناص مجّانيّاً؟

العمل الذي جاء به الخليفة لا بدّ له من مبرر شرعي، والمبرر الشرعي هو أنه جار الخلافة، والله قد أوصاه بحفظ جاره، إنّه استثمار لإضفاء القدسية على عمل الخليفة.

ثمّ يقول:

يا رُبَّ فِتنَةِ أمَّةٍ قَد بَزَّها

 

 

جَبّارُها في طاعَةِ الجَبّارِ

جالَت بِخَيدَرَ(21) جَولة المِقدارِ

 

 

فَأَحَلَّهُ الطُغيانُ دارَ بَوارِ

فهذه الفتنة في خدمة الدين، في خدمة الله وطاعته؛ إذ إنّها أودت (بخيدر) وكشفت غدره، وهنا نجد تناصاً مع قوله تعالى: ]وأحلّوا قومهم دار البوار[(22) وهذا التناص يوظّف من أجل دمغ الأفشين بالطغيان, فلنتأمل المقارنة الآتية بين البنية النحوية والدلالية للآية الكريمة، والبنية النحوية والدلالية لجملة أبي تمام:

القرآن الكريم: ]وأحلّوا قومَهم دار البوار[.

جملة أبي تمام: وأحلّه الطغيان دار بوار.

ولا يخفى أن أبا تمام قد جعل الأفشين منقاداً للطغيان، والكفر، مسلوب الإرادة له، وفي ذلك إنقاص من قيمته حتى بكفره، وفي ذلك إبعاد للتصوير الذي يبيّن كفر الأفشين، هذه خدمة أفادها التناص اللغوي.وسوف نرى أبا تمّام يؤكد هذا المعنى ويوظف معظم تناصاته بهدف تعميقه وتعميمه، يقول:

كَمِ نِعمَةٍ للهِ كانَت عِندَهُ

 

 

فَكَأنَّها في غُربَةٍ وَإسارِ

كُسِيَت سَبائِبَ لومِهِ فَتَضاءَلت

 

 

كَتَضاؤُلِ الحَسناءِ في الأطمارِ

وهذان البيتان قريبان من قوله تعالى: ]يعرفون نعمة الله ثمّ ينكرونها وأكثرهم الكافرون[(23) فالنعم التي كانت عند الأفشين كثيرة، غير أنها كانت غريبة وأسيرة عنده، لأنه ينكر كونها عنده، ويغلّفها بلؤمه، فتتضاءل كالفتاة الحسناء التي يخفي حسنها وجمالها ارتداؤها الأطمار (الملابس الباليه)، إن هذه الصورة صورة إنكار النعمة التي وردت في الآية الكريمة، وما يريده التناص والتصوير هو بيان المدى الذي كان يغرق فيه الأفشين من إنكار نعم الله، ونعم الخليفة عليه. وهذه النعم عند الأفشين:

مَوتورَةٌ طَلَبَ الإِلَهُ بثَأرِها

 

 

وَكَفى برَبِّ الثَأرِ مُدرِك ثارَِ

فالله ـ في هذا البيت ـ هو الذي يطلب من المعتصم أن يثأر للنعم التي ينكرها الأفشين، وفي ذلك إضفاء للقدسية على مقتل الأفشين، وسوف نرى أبا تمّام يرسم صورة الأفشين منافقاً، ويستثمر طاقته الثقافيّة في ذلك، يقول:

صادى أميرَ المُؤمنينَ بزَبرَجٍ

 

 

في طَيِّهِ حُمهُ الشُجاعِ الصاري

في هذا البيت يصوّر الأفشين (زبرجا)، غيوماً خادعة ملوّنة، وفي سريرته أفعى تتربّص بالخليفة، وهذا قريب من قوله تعالى: ]رأيت المنافقين يصدّون عنك صدوداً[(24)، فالصورة التي يرسمها صورة منافق، والمنافقون في الآية الكريمة ]يصدّون صدوداً[ وفي البيت نرى الأفشين (صادى) أمير المؤمنين، فالأصوات (ص.د.د.) مستدعاة من (صدد)، وعلى ذلك نرى أن صورة المنافق التي يرسمها أبو تمّام للأفشين مستمدة من صورة المنافق في القرآن الكريم، ولعل تساؤلاً يلحّ الآن: لم كلّ هذا الإلحاح على تصوير عمل الخليفة تصويراً دينيّاً؟

يقول أبو تمّام مستغرقاً في صورة المنافق:

مَكراً بَنى رُكنَيهِ إلاّ اَنَّهُ

 

 

وَطّدَ الأساسَ عَلى شَفيرٍ هارِ

ومن يقرأ هذا البيت يقفز إلى ذهنه قوله تعالى: ]أفمن أسس بنيانَه على تقوى من الله ورضوان خيرٌ أم من أسّس بنيانه على شفا جرف هار فانهار به في نار جهنّم والله لا يهدي القوم الظالمين[(25) وهذه الآية الكريمة قد سبقت بآيات تتحدّث عن مسجد الضّرار الذي أسسه ثلة من المنافقين يريدون من وراء عملهم شق وحدة المسلمين، وتفريق كلمتهم، حتى نزل الوحي مبلغاً عن رب العزّة ما يخفي المنافقون في أنفسهم من وراء هذا العمل، وبعد أن نتبيّن النص الغائب، فإننا نعرف معنى التناص معه، إنه تأكيد لصورة المنافق ـ المنافقين ـ واستغراق فيها، وإذا أردنا المقارنة بين النصّين فإننا نجد أفعال الأفشين التي قام بها في خدمة الدولة والخليفة بمثابة مسجد الضرار، عمل جيد أريد به الباطل، ونجد رد الخليفة على عمل الأفشين يقابل ردّ الرسول على المنافقين، إذ يقول أبو تمام في ردّ الخليفة على أعمال الأفشين:

حَتّى إذا ما اللهُ شَقَّ ضَميرَهُ

 

 

عَن مُستَكِنِّ الكُفرِ وَالإِصرارِ

وَنَحا لِهَذا الدينِ شَفرَتَهُ اِنثَنى

 

 

وَالحَقُّ مِنهُ قانِئُ الأَظفارِ

وهذان البيتان إذ يستمرّان في التناص مع قصّة مسجد الضرار، ونزول الوحي، والكشف عمّا بسريرة الأنفس المتربصة بالإسلام ووحدة المسلمين، فإنهما يتناصّان مع قوله تعالى: ]بل نقذف بالحق على الباطل، فيدمغه فإذا هو زاهق ولكم الويل مما تصفون[(26) وغير بعيد التناص اللغوي مع هذه الآية في صورة "والحق منه قانئ الأظفار" التي تثير في الذهن صورة "فيدمغه"، غير أن ذلك يتجاوز التناص اللغوي إلى التناص المعنوي، فيظهر ما يفعله المعتصم بالأفشين كأنه غضب من الله.

وفي الأبيات التالية نجد استثماراً لقصّة أخرى من قصص المنافقين، يقول:

هَذا النَبيُّ وَكانَ صَفوَةَ رَبِّهِ

 

 

مِن بَينِ بادٍ في الأنامِ وَقارِ

قد خَصَّ مِن أهلِ النِفاقِ عِصابَة

 

 

وَهُمُ أَشَدُّ أذىً مِنَ الكُفّارِ

وَاِختارَ مِن سَعدٍ لعين بَني أبي

 

 

سَرحٍ لِوَحي اللهِ غَيرَ خِيارِ

حَتّى اِستَّضاءَ بشُعلةِ السُوَرِ الَّتي

 

 

رَفَعَت لَهُ سَجفاً عَنِ الأسرارِ

في هذه الأبيات يستثمر القصّة التي حدثت في زمن الرسول r في اختيار عبد الله بن سعد بن أبي السرح كاتباً من كتبة الوحي، ثم قيل إنه يحرّف فيما يمليه عليه الرسول، حتى اكتشف الرسول أمره، فأهدر دمه، ثم شفع فيه عثمان بن عفّان....

والتناص مع هذه القصّة في هذا الموقف يعني أن أبا تمام يريد تعزية الخليفة بغفلته عن الأفشين، وبذلك يقدّم التناص وظيفتين:

الأولى: تأكيد صورة المنافق ملصقة بالأفشين.

الثانية: تسويغ غفلة الخليفة بإيراد قصّة المنافق مع الرسول، فكأنه يقول للخليفة: جلّ من لا يسهو.

وإذا كان الأفشين قد خدم الخليفة في مواقع سابقة، فإن الأبيات التالية سوف تعالج هذا الموضوع، يقول:

وَالهاشِمِيّونَ اِستَقَلَّت عيرُهُم

 

 

مِنْ كَربَلاءَ بأثقَلِ الأوتارِ

فَشَفاهم المُختارُ مِنهُ ولَم يَكُن

 

 

في دينِهِ المُختارُ بالمُختارِ

حَتّى إِذا اِنكَشَفَت سَرائِرُهُ اِغتَدَوا

 

 

مِنهُ براءَ السَمعِ وَالأبصارِ

وفي الأبيات السابقة يستثمر قصّة المختار بن أبي عبيد الثقفي، وكان قد ظهر بالكوفة، وزعم أنه يطالب بدم الحسين بن علي، فقتل أناساً، حتى اكتُشف أنه كذاب ومُموّه، وما يريده أبو تمام أن هذا المنافق الكذاب قدّم عملاً مهماً للهاشميين، وثأر لهم من قتلة الحسين بن علي، وشفا صدروهم، لكنّه لم يكن يقصد ذلك الأمر الذي أتاه، والهاشميون وإن أفادوا مما عمل فهم بريئون مما كان في سريرته، وكذبه ودجله، وإذا استبدلنا القصّة على مستوى النص وموضوعه ـ مقتل الأفشين ـ فذلك يعني أن الأعمال الجليلة التي قدّمها الأفشين ليست مقصودة، وبهذا فإن التناص إذ يعزّي الخليفة ويخرج حسرة الأعمال الجليلة التي قام بها الأفشين من قلبه، فإنه يوجّه خطاباً إعلاميّاً على المستوى العام، مستوى المسلمين؛ لأن الأفشين أحد القادة المهمّين، وربما يحدث قتله فتنة أو تذمّراً عاماً، فضلاً عن إن هذا التناص يقدّم صورة أخرى من صور المنافق.

وفي البيت الآتي نجد نموذجاً آخر من المنافق، وصورة أخرى من صور الغدر، يقول:

ما كانَ لولا فُحشُ غَدرَةِ خَيدَرٍ

 

 

لِيَكونَ في الإِسلام عام فِجارُِ

في هذا البيت يقدّم التناص دلالة جديدة على نحو جديد، فإذا كان في التناصات السابقة يقدّم قصصاً مماثلة ويوظفها لتعميق صورة المنافق كافر النعمة، فإنه في هذه المرة يستثمر حادثة تاريخية حدثت قبل الإسلام، وهي حرب الفجار، التي سميت بهذا الاسم لما استحلّ الحيّان ـ كنانة وقيس ـ من المحارم(27).

واستثمار حرب الفجار يقدم خدمة من خلال اللغة أولاً، حيث يصبح الأفشين فاجراً، أما الخدمة الثانية التي يقدمها التناص فهي: إن السابقة التي أقدم عليها الأفشين لم تحدث بكل التاريخ الإسلامي، فالأفشين أوجد بالإسلام ما لم يكن موجوداً فيه، عام الفجّار أو حرب الفجّار.

وفي الأبيات الآتية نجد صورة النار التي أحرق بها الأفشين، وصورة حرقه، يقول:

ما زالَ سِرُّ الكُفرِ بَينَ ضُلوعِهِ

 

 

حَتّى اِصطَلى سِرَّ الزِناد الواريِ

ناراً يُساوِرُ جِسمَهُ مِن حَرِّها

 

 

لَهَبٌ كَما عَصْفَرتَ شِقَّ إزارِ

طارَت لَها شُعَلٌ يُهَدِّمُ لفحُها

 

 

أركانَهُ هَدماً بغَيرِ غُبارِ

مَشبوبَة رُفِعَت لأِعظُمِ مُشرِكٍ

 

 

ما كانَ يَرفَعُ ضَوءَها لِلساري

صَلّى لها حَيّاً وَكانَ وَقودَها

 

 

مَيتاً وَيَدخُلُها مَعَ الفُجّارِ

فَصَّلنَ مِنهُ كُلَّ مَجمَعِ مَفصِلٍ

 

 

وَفَعَلنَ فاقِرَةً بِكُلِّ فَقارِ

وَكَذاكَ أهلَ النارِ في الدُنيا هُمُ

 

 

يَومَ القِيامَةِ جُلُّ أهلِ النارِ

في الأبيات السابقة يرسم أبو تمّام صورة أسطورية للنار التي أحرق بها الأفشين، فما مبرر هذه الصورة؟ ألا يعلم الخليفة بحرق الأفشين؟ ومن المستفيد من رسم صورة الحرق هذه؟

إن أسطرة النار هنا تُقدَّم لسببين، أما الأول فهو الخدمة الشكلية، فلوحة النار تتوسط لوحتين: اللوحة التي تسبقها وهي لوحة نفاق الأفشين وغدره، وكفره ومشروعيّة حرقه، واللوحة التي تليها والتي ترسم مكانة الأفشين عند المعتصم سابقاً، فلوحة النار تصعيد عن اللوحة الأولى ـ لوحة الغدر ـ وتوطئة للوحة الحسرة والندم على ما كان من مكانة للأفشين عند الخليفة، أما السبب الثاني، فهو معنوي، فقد أراد تسويغ الحرق بالنار من خلال ما يثبّته بحق الأفشين، بأنه من أهل النار الذين يعبدونها، فهل الأفشين من عبدة النار، أم كونه فارسياً هو ما جلب له التهمة هذه؟

إن البحث في ذلك يخرجنا عن موضوع بحثنا ـ التناص ـ لكنّ تثبيت لوحة النار هذه ومنظر الحرق مهم لأنه سينبني عليه ـ فيما بعد ـ بعض التناصات، يقول:

يا مَشهَداً صَدَرَت بفَرحَتِهِ إلى

 

 

أمصارِها القُصوى بَنو الأمصارِ

رَمَقوا أعالي جِذعِهِ فَكَأنَّما

 

 

وَجَدوا الهِلالَ عَشِيَّة الإِفطارِ

وَاِستَنشَأوا مِنهُ قتاراً نَشرُهُ

 

 

مِن عَنبَرٍ ذَفِرٍ وَمِسكٍ داري

وَتَحَدَّثوا عَن هُلكِهِ كَحَديثِ مَن

 

 

بالبَدوِ عَن مُتَتابعِ الأمطارِ

وَتَباشَروا كَتَباشُرِ الحَرَمَينِ في

 

 

قُحَمِ السِنينِ بأرخَصِ الأسعارِ

ونلاحظ في هذه البيات أن الأشياء تُزاح عن مدلولاتها، فيظهر الحرق بصورة احتفالية باهرة، فالجذع المحروق يصبح هلالَ العيد، وقتار الحرق يصير مسكاً وعنبراً، وخبر الحرق كخبر الأمطار عند البدو، وكبشرى رخص الأسعار في السنين القاحلة!!! هل تصوّر هذه المقطوعة مشهد حرق أحد قادة الجيوش الإسلامية في عهد المعتصم؟ هل تصوّر مقتل وحرق قائد تشير الكتب التاريخية إلى أنه كان الرجل المدلل في بلاط الخليفة؟ الرجل الذي كان له وحده الحق في الدخول على الخليفة بلا استئذان؟ أم أنها تصوّر حرق عدوّ طال بطشه وجبروته الناس كلّهم لتكون نهايته بهذا التأثير في حياة الناس ويرونه بهذه الصورة؟!!!!

إن النص ينفتح في هذه المقطوعة أو اللوحة على الحياة الشعبية، ويحيل إلى ما لدى المتلقي من ثقافة حياتيّة، وهو يقدّم مبرّراً شعبيّاً لحرق الأفشين، فالأمة تنتظره بقليل صبر، حتى أنهم تباشروا بهذا الحرق، وفرحوا به فرحهم بثبوت العيد، ومطر البادية، ورخص الأسعار، وربّما كان في لفظة (الحرمين) ما يشير إلى عام الرّمادة!!!.

وربما تجيب اللوحة التالية عن بعض هذه التساؤلات، ويبقى بعضها معلقاً لانفتاح النص على غير قراءة، وغير زاوية نظر، ففي اللوحة التالية يدخل النص إلى مكانة الأفشين سابقاً عند الخليفة، فإذا كان في التناصات السابقة يبيّن المبرر الشرعي، والمبرر الشعبي للحرق، فإن التناصات التالية تبيّن المبرر الأخلاقي ـ الشخصي ـ لذلك الحرق، ويمهّد للوحة بقوله:

كانَت شَماتَةُ شامِتٍ عاراً فَقَد

 

 

صارَت بهِ تَنضو ثِيابَ العارِ

فالشماتة مباحة في حال الأفشين، ولم تعد عيباً أو عاراً على الشامت....، كأن أبا تمام استشعر أنه إنما يشمت بالأفشين، وكأنه استشعر عدم تعاطف الثقافة الشعبية ـ التي استنهضها في اللوحة التي سبقت هذا البيت ـ مع ما يقوله بحق الأفشين، ولكي تكون الشماتة مسوّغة فلا بد من اللوحة الآتية التي يعالج فيها ما كان للأفشين من مكانة عند المعتصم، يقول أبو تمام:

قَد كانَ بَوَّأهُ الخَليفَة جانِباً

 

 

مِن قلبِهِ حَرَماً عَلى الأقدارِ

فسَقاهُ ماءَ الخَفضِ غَيرَ مُصَرَّدِ

 

 

وَأنامَهُ في الأمن غَيرَ غِرارِ

وَرَأى بِهِ ما لَم يَكُن يَوماً رَأى

 

 

عَمرُو بنُ شَأسِ قَبلَهُ بعِرارِ

هذه مكانة خيدر عند المعتصم، فقد أسكنه قلبه، وحنا عليه، وأشعره بالأمن والطمأنينة حتى أنه رأى به ابنا سقاه ماء الخفض، وفي ذلك تناص مع قوله تعالى: ]وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغيراً[(28)، والتناص هنا يقدّم خدمة شعريّة من خلال الإزاحة، فالمفروض أن يكون الخافض الابن لا الأب، لكنّه يقدم الأب خافضاً(29)، ثمّ يلخّص العلاقة والتناص بشخصيّة اشتهرت بحبّ ابنها، شخصيّة عمرو بن شأس الأسدي الذي أحبَّ ابنه حبّاً فائقاً، حتى أنّه فضّله على أمه (أو حبيبته)، وقال فيه لوحة شعرية اشتهرت عنه:

أرادَت عِراراً بالهَوانِ وَمَن يُرِد

 

 

عِراراً لَعَمري بالهَوان فَقَد ظَلَم

فَإنَّ عِراراً إن يَكُن غَيرَ واضِحٍ

 

 

فَإنّي أُحِبُّ الجَونَ ذا المَنكِبِ العَمَمَ

فَإن كُنتِ مِنّي أو تُريدينَ صُحبَتي

 

 

فَكوني لَهُ كَالسَمنِ رُبَّت لَهُ الأدَم

فالتناص هنا تناص تلخيص، جاء لتخليص المعنى وتعميقه في آن. أما المآل الذي آلت إليه هذه الرعاية فهو:

فَإذا اِبنُ كافِرَةٍ يُسِرُّ بكُفرِهِ

 

 

وَجداً كَوَجدِ فَرَزدَقٍ بِنَوارِ

وَإذا تَذَكَّرَهُ بَكاهُ كَما بَكى

 

 

كَعبٌ زَمانَ رَثى أبا المِغوارِ

كان الأفشين يضمر كفره في نفسه، ويجد في هذا الكفر وجداً كوجد الفرزدق بحبيبته نوار، ويأتي استدخال قصّة الفرزدق مع النوار حبيبته من أجل التلخيص والإبعاد في الوصف، وإذا كان ذلك الكفر لا يمكن له أن يظهر في حضرة الخليفة، فإنه في عداد الموتى، وإذا ما تذكّر الأفشين عبادته السريّة بكى لها، كما بكى كعب بن سعد الغنوي أخاه أبا المغوار، وهنا يستدخل قصّة سعد على سبيل الإبعاد في تصوير تلك العلاقة بين الكفر والأفشين، فهو لـه أخ وحبيبة، لكنّه يظهر غير ما يبطن من تلك العلاقة، وهنا تعود صورة المنافق للظهور من جديد.

أما في اللوحة التالية، فإن التناص سوف يوجه توجيهاً تحريضياً، من خلال تحريض المعتصم على استئصال شأفة الأفشين والقضاء على قومه، ولا بد للشاعر من البحث في التاريخ عمّا يمكن أن يسعفه في هذا المنحى التحريضي، فيجد قصّة السامري، وقصّة ثمود، يقول:

يا قابضاً يَدَ آلِ كاوُسَ عادِلاً

 

 

أتبع يَميناً مِنهُمُ بيَسارِ

ألحِق جَبيناً دامِياً رَمَّلتَهُ

 

 

بقَفاً وَصَدراً خائِناً بصِدارِ

وَاعِلم بأنَّكَ إنَّما تُلقيهِمُ

 

 

في بَعض ما حَفَروا مِنَ الآبارِ

لَو لَم يَكِد لِلسامِرِيِّ قبيلُهُ

 

 

ما خَارَ عِجلُهُمُ بغَيرِ خَوارِ

وَثمودُ لَو لَم يُدهِنوا في رَبِّهم

 

 

لم تَدمَ ناقَتُهُ بسَيفِ قُدارِ

وفي هذه اللوحة التحريضيّة يقدّم التناص خدمة الاحتجاج، ففي البيت الثالث نجده يطمئن المعتصم ـ منطقيّاً ـ إلى عمله بالأفشين وعمله المستقبلي بآله، ولكي يكون ذلك التحريض والتسويغ مقبولاً، فإن أبا تمام يتناص مع قصص القرآن الكريم، بقراءة جديدة لهذا القصص، فالسامري ما كان له أن يصنع العجل الذي عبده قوم موسى لو لم تكن القبيلة توافقه على ذلك، بل تشجّعه، فالتناص هنا تناص محاجّة.

وكذلك ثمود مع صالح عليه السلام، حيث طلبوا منه آية بينة يثبت بها نبوتّه، فقال لهم، هذه الناقة لها شرب يوم معلوم ولكم شرب يوم، وحذّرهم من الاقتراب منها أو الفتك بها، لكنّهم جمعوا رأيهم على التربص بها مستخدمين شتى الوسائل بما في ذلك إغراء النساء، إلى أن تمّ لهم ذلك على يد قدار بن سالف. والملخّص أنّ ما شجّع قدار على عقر الناقة قومه، ولو لم يشجّعوه على ذلك لما قام به!!

وعلى ذلك فإن قوم الأفشين هم من شجعه على أن يغدر، وهم بذلك يستحقون أن يفتك بهم الخليفة، والتناص هنا تناص محاجّة وتحريض.

وفي ما يأتي نجد النصّ يوجّه إلى صورة حرق الأفشين ثانية، ويستغرق في مشهد الصلب بصورة لافتة، يقول:

وَلَقَد شَفى الأحشاءَ مِن بُرَحائِها

 

 

أن صارَ بابَكُ جارَ مازَيّارِ

ثانيهِ في كَبدِ السَماءِ وَلَمْ يَكُن

 

 

للاِثِنَينِ ثانٍ إذ هُما في الغارِ

وَكَأنَّما اِنتَبَذا لِكَيما يَطوِيا

 

 

عَن ناطِسٍ خَبَراً مِنَ الأخبارِ

سودُ الثِيابِ كَأنَّما نَسَجَت لَهُم

 

 

أيدي السَمومِ مَدارِعاً مِن قارِ

بَكَروا وَأسروا في مُتون ضوَامِرٍ

 

 

قيدَت لَهُم مِن مَربطِ النَجارِ

لا يَبرَحونَ وَمَن رَآهُم خالَهُم

 

 

أبَداً عَلى سَفَرٍ مِنَ الأسفارِ

كادوا النُبُوَّةَ وَالهُدى فَتَقَطَّعَت

 

 

أعناقُهُم في ذَلِكَ المِضمارِ

جَهِلوا فَلَم يَستَكثِروا مِن طاعَةٍ

 

 

معَروفَةٍ بعِمارَةِ الأعمارِ

الجديد في هذه الصورة العميقة الساخرة أنها تتناول الحرق والصلب من حيث أثره في نفس الشاعر "ولقد شفى الأحشاء من بُرَحائِها"، ثم يصوّر هذا الحرق تصويراً كاريكاتورياً ساخراً، فالاثنان في كبد السماء ـ بابك ومازيّار ـ أحدهما ثنا الآخر، فمازيّار ثنى بابك في كبد السماء ثم ثُني جانبه، والتناص مع قولـه تعالى: ]إلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ إِذْ أخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ[(30)، هذه بداية الصورة الكاريكاتورية التي يستمر في رسمها، فيصور حالهما مصلوبين كأنهما انتبذا ليتحدّثا بخبر لا يريدان ذيوعه، وجلودهم لباس نسجته رياح السموم، مسودّة كأنها دروع من القار الأسود، والخشب الذي صلبوا عليه خيلٌ، لكنّها خيل من صنع النجار، يركبونها صباح مساء، لا يفارقون مكانهم ومن ينظر إليهم يخالهم مستعدين للسفر، ثم بعد هذه الصورة الساخرة يطرح الأسباب التي أودت بهم، فقد كادوا النبوّة والهدى، مما قطع أعناقهم، ثم إنهم خرجوا على طاعة أمير المؤمنين فقصرت أعمارهم.

وما بقي من القصيدة لا يحتوي على تناص له قيمته، ففي هذا الجزء من القصيدة يوجه النص إلى الخليفة بخطاب مباشر أردت إثباته هنا حتى تكون الدراسة قد شملت النص كاملاً، يقول:

فَاشِدُد بهارونَ الخَلافة إنَّهُ

 

 

سَكَنٌ لِوَحشَتِها وَدارُ قَرارِ

بفَتى بَني العَبّاسِ وَالقَمَرِ الَّذِي

 

 

حَفَّتْهُ أنجُمُ يَعرُبٍ وَنِزارِ

كَرَمُ العُمومَةِ وَالخُؤولَةِ مَجَّهُ

 

 

سَلَفاً قُرَيشٍ فيهِ وَالأنصارِ

هُوَ نَوءُ يُمنٍ فِيهِمُ وَسَعادَةٍ

 

 

وَسِراجُ لَيلٍ فيهِمُ وَنَهارُ

فَاقمَع شَياطينَ النِفاقٍ بمُهتّدٍ

 

 

ترضَى البَرِيَّةُ هَديَهُ وَالبارِي


لِيَسيرَ في الآفاقِ سيرَةَ رَأفَةٍ

 

 

وَيَسوسَها بسَكينَةٍ وَوَقارِ

فَالصينُ مَنظومٌ بأندَلُسٍ إلى

 

 

حيطان روميَّةٍ فَمُلكِ ذَمارِ

وَلَقَدْ عَلِمتُ بأنَّ ذَلكَ مِعصَمٌ

 

 

ما كُنتَ تَتَرُكُهُ بغَيرِ سِوارِ

فَالأرضُ دارٌ أقفَرَت ما لم يَكُن

 

 

مِن هاشِمٍ رَبٌّّ لِتِلكَ الدارِ

سُوَرُ القُران الغُرُّ فيكُم أُنزِلَت

 

 

وَلَكُم تُصاغُ محاسِنُ الأشعارِ

ففي هذه اللوحة كما هو واضح، يطلب الشاعر من الخليفة أن يجعل ابنه وليّاً للعهد، فهو العربي الصادق، الذي مجّ سلف قريش والأنصار، ثم يمدح الواثق (هارون) خاتماً القصيدة بمدح آل هاشم.

الخلاصة

تناص التسويغ

إذا كنا في ما سبق قد بيّنّا أن تناصات أبي تمام في هذا النص قد جاءت مسوّغة؛ لأنها أدت أغراضاً متعدّدة، منها الشرعية ـ وهذا أهمها ـ على فعل المعتصم، سواء أكانت شرعية دينية أم تاريخية أم أخلاقية، ومنها التلخيص، فإننا نكون قد أجبنا عن السؤال الذي يطرحه البحث حول ماهيّة التناص وجدواه لدى أبي تمام. بيد أن سؤالاً آخر قد تشكّل من خلال الدراسة، هذا السؤال هو: إذا كانت كل تلك التناصات قد جاءت لتبرّر فعلة الخليفة بقتل الأفشين فما هو دافع هذا التبرير، ولماذا كل هذا الإلحاح على إضفاء الشرعية الدينية والتاريخيّة والأخلاقية على عمل الخليفة؟

وقريب من هذا السؤال سؤالٌ آخر يطالعنا في إلحاح أبي تمام على إدانة الأفشين، وللإجابة عن هذه التساؤلات، لا بدّ من العود على بدء، فقد أوردت بعض المصادر التاريخيّة أن سبب مقتل الأفشين وشاية وسعيٌ بالسوء حصلا بينهما ـ الأفشين والخليفة ـ، ومن هنا فإننا ننفذ إلى مبرّرات التناص في هذه القصيدة التبريرية، فقد جاءت لتقضي على ما يتشكّل من ندم أو تساؤلٍ حول ذلك القتل. أمّا إلحاح أبي تمام على إدانة الأفشين، فإنه ينحى منحىً شخصيّاً؛ فأبو تمام قد مدح الأفشين في قصيدة سابقة على الأقل، وإذا قتل الخليفة الأفشين فإن أبا تمام يريد إبراء ساحته من ذلك المقتول، ويبعد ما قد يُتّهم به من علاقة بالأفشين أو ميل له، فإذا كان يعتذر عن غفلة الخليفة بالأمس في تقريب هذا المقتول، فإنه يعتذر في الوقت نفسه عن علاقة كانت ربطته سابقاً بهذا المغدور.

والإشارة الخاتمة لهذا البحث أن أبا تمام في تناصّه مع الدين والتاريخ والثقافة الحياتية والأخلاقية لم يكن اعتباطياً، ولم ترد تلك التناصات مجانياً، وإنما تضافرت مجتمعة لتشكّل الدلالة العامة في النص، بما يشبه العلامات الرمزية التي تشكّل الرسالة، وهذا هو التناص الذي يتجاوز مجرّد الاستشهاد أو الاقتباس أو غيرهما، وينفصل عمّا يمكن أن يسمّى بالأقنعة والمرايا.

الهوامش

(1) رولان بارت، أصول الخطاب النقدي، ترجمة أحمد المديني، دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد، 1989، ص 107

(2) المصدر السابق، ص 108.

(3) نفسه 108.

(4) نفسه والصفحة نفسها.

(5) نفسه، 111.

(6) نفسه، والصفحة نفسها.

(7) محمد مفتاح، تحليل الخطاب الشعري، الفكر الثقافي العربي ـ بيروت، 1986، ص 123.

(8) المرجع السابق، ص 129.

(9) نفسه والصفحة نفسها.

(10) ابن رشيق القيرواني، العمدة في محاسن الشعر وآدابه، باب السرقات وما شاكلها.

(11) محمد مفتاح، مرجع سابق، وقد سبق تناول ذلك في هذا المقال.

(12) سعيد يقطين، الرواية والتراث السردي، المركز الثقافي العربي، بيروت، 1992، ص 18.

(13) رجاء عيد، النص والتناص، بحث مستخرج من مجلة علامات في النقد، نادي جدة الثقافي، جدة، المملكة العربية السعودية، ج 18، مج 5، 1990، ص 184.

(14) المرجع السابق، ص 193.

(15) رجاء عيد، مرجع سابق، ص 193.

(16) نفسه والصفحة نفسها.

(17) عبد النبي اصطيف، التناص، بحث مستخرج من مجلّة راية مؤتة، مج 2 عدد 2، كانون الأول، 1993، جامعة مؤتة، ص 53.

(18) انظر: المنتظم في تاريخ الأمم والملوك، أبو الفرج بن الجوزي، تحقيق محمد عبد القادر عطا وأخيه، مراجعة نعيم زرزور، دار الكتب العلمية، بيروت، 1992، ص 76.

(19) انظر: وفيات الأعيان، والعقد الفريد، ومعجم الأدباء.

(20) سورة النساء، الآية 36.

(21) خيدر: الأفشين.

(22) سورة إبراهيم، الآية 28.

(23) النحل، الآية 83.

(24) النساء، الآية 61.

(25) التوبة، الآية 109.

(26) الأنبياء، الآية 18.

(27) ابن الأثير، الكامل في التاريخ، تحقيق أبي عبد الله القاضي، دار الكتب العلمية، بيروت، 1987، ص 468.

(28) الإسراء، الآية 24.

(29) وفي هذا نتبيّن كم كان أبو تمام فاهماً القرآن الكريم فهماً عميقاً، يتجاوز الفهم الأولي (السطحي)، فالمطلوب من الابن أن يخفض في الآية الكريمة لأن سياق الآية يشير إلى أن الابن يكون في مرحلة قوته، والأبوان في مرحلة ضعفهما ]إمَّا يَبْلَغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ) وقد صوّر الخليفة خافضاً لأنه هو الأقوى.

(30) التوبة، الآية 40.

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244