مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 431 آذار 2007
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

المكتبات ـــ نبيل السهلي

كانت فلسطين وما تزال جزءاً من الحضارة العربية والإسلامية التي تبوأت فيها المكتبات مكانة مرموقة في تاريخ الحضارة الإنسانية، وتشير بعض الدراسات الحضارية والتاريخية إلى عدم وجود تاريخ محدد وقطعي لبداية إنشاء المكتبات في فلسطين ومدنها المختلفة، في حين تؤكد دراسات أخرى إلى أن بروز ظاهرة المكتبة قد تبلور منذ الفتح العربي الإسلامي، وأخذت تلك الظاهرة تتطور لجهة توسعها وتزايد الاهتمام بالتعليم، وبالكتاب الذي اعتبره الشاعر المتنبي خير جليس في الزمان.‏

سنلقي الضوء في عرضنا المبسط على اتجاهات تطور المكتبات في فلسطين خلال الفترة العثمانية وفترة الاحتلال البريطاني، وصولاً إلى فترة الاحتلال الإسرائيلي التي تمتد منذ عام 1948 وحتى عام 2006، وفي هذا السياق تشير الدراسات التاريخية والحضارية بأن فلسطين شهدت كباقي بلاد الشام ظروفاً متغيرة ومتسارعة، حيث تغلغل وتعاظم الاستعمار فيها، واتخذ أشكالاً من السيطرة والتهميش الاقتصادي والسياسي والثقافي. وفي الجانب التاريخي نرى أن الدولة العثمانية قامت بمحاولات إصلاح في مجال التعليم في كافة أماكن سلطاتها بما فيها فلسطين، وأصدرت قانون في عام 1856 يدعو إلى نشر التعليم الإلزامي، وأخذت مدارس الدولة تنتشر في فلسطين، وتبع ذلك ازدياد عدد الطلاب في كافة المدن الفلسطينية، وتم إنشاء معاهد آثار في فلسطين، كما تم تأسيس عدد من المكتبات التابعة لتلك المعاهد، وبدأت الصحف تنتشر بعد عام 1908، وارتفعت وتيرة الاتصالات الثقافية بين فلسطين وأوروبا، حيث ساعد في ذلك تلقي العديد من العرب الفلسطينيين التعليم في معاهد أوروبية، وقد أسس على خلفية ذلك عشرات المكتبات في فلسطين، وكان من أهمها المكتبة الأحمدية التي أنشئت في جامع الجزار في مدينة عكا على الساحل الفلسطيني سنة 1196 هجري الموافق لسنة 1781 ميلادي، فضلاً عن مكتبة جامع يافا الكبير في سنة 1227 هجري الموافق لسنة 1812 ميلادي، لكن الأهم كانت المكتبة الخالدية في مدينة القدس التي تمّ إنشاءها في عام 1900 ميلادي، وهناك مكتبات تم تأسيسها في مدينة غزة وغيرها من المدن الفلسطينية، ومن الأهمية الإشارة إلى أن المكتبات الأجنبية التي تم إنشائها عبر الإرساليات في فلسطين ساعدت في أواخر العهد العثماني في إدخال مبادئ تنظيمية في العمل المكتب، لكن بقيت تلك المكتبات الأوروبية حكراً على بعض الأوروبيين والمستشرقين، وبالتالي كان تأثيرها ضعيفاً بين العرب الفلسطينين ومحدوداً.‏

وفي عام 1917 وقعت فلسطين تحت الاحتلال البريطاني، هذا الاحتلال الذي أحال مباشرة شؤون تعليم الطائفة اليهودية في فلسطين إلى الوكالة اليهودية، في حين أبقى شؤون التعليم العربي تحت سيطرته، وقد ساعد ذلك على قيام إسرائيل على 78 في المائة من مساحة فلسطين التاريخية، وقد توضح خلال فترة الاحتلال البريطاني النقص في مجال التعليم الرسمي خاصة في مجال المكتبات المدرسية وفي المكتبات الأخرى، ففي العشرينيات ظلت عشرات المدارس الفلسطينية دون مكتبات، وكانت الكتب غير مناسبة للتلاميذ، ولم تخصص سوى لاستعمال المعلمين، فضلاً عن ذلك لم تخصص سلطات الاحتلال البريطاني غرف للمكتبات المدرسية، ويشار إلى أنه لم تفتح أية مكتبات عامة للجمهور العربي الفلسطيني سواء من قبل حكومة الانتداب أو البلديات طيلة فترة الاحتلال البريطاني (1917 ـ 1948) وبهذا توضحت سياسات بريطانية الرامية إلى تجهيل الشعب الفلسطيني للانقضاض على أرضه واحتلالها ومحاولة طمس هويته.‏

لكن ذلك لم يمنع من بروز ظاهرة المكتبات العربية الفلسطينية الخاصة في مدن فلسطينية عديدة في القدس ويافا وحيفا والناصرة وعكا وغيرها من مدن فلسطين التي كان فيها العلم متطوراً مقارنة بباقي المدن غير المذكورة، ورافق ذلك إنشاء مكتبة خاصة ببعض دوائر سلطات الانتداب البريطاني، مثل مكتبة دائرة الإحصاء، ومكتبة العدل العليا، ومكتبة دائرة الزراعة، والأهم كان إنشاء مكتبة متحف الآثار الفلسطيني التي تم إنشائها في عام 1935، واحتوت المكتبة على سبعة عشر ألف كتاب بلغات متنوعة، ومتخصصة في التاريخ والآثار على وجه التحديد، ومن أهم المحتويات مخطوطات البحر الميت ولها قيمة أثرية وتاريخية فائقة.‏

وبعد نكبة 1948 صادرت إسرائيل وسيطرت على مئات المكتبات الفلسطينية العامة وآلاف المكتبات الخاصة، وكذلك فعلت بعد احتلالها للضفة الغربية وقطاع غزة، وفي الأراضي المحتلة عام 1948 لا يوجد للأقلية العربية هناك مكتبات عامة خاصة بها، ولكن بفعل الوعي العربي وظهور الأحزاب العربية في إسرائيل قد تكون هناك عملية توسع في مكتبات ومراكز بحث وصحف عربية مثل صحيفة الاتحاد والصنارة، وكذلك مواقع إلكترونية مثل موقع عرب 48 وموقع الحركة العربية للتغيير وغيرها، وشهدت الضفة والقطاع بعد إنشاء السلطة الوطنية الفلسطينية في عام 1994 تأسيس وانطلاق العديد من المكتبات الجديدة وبتقنيات حديثة نسبياً مقارنة بالمكتبات التي كانت سائدة أبان الاحتلال الإسرائيلي، وقد رافق ذلك إنشاء عشرات المدارس والجامعات الفلسطينية والصحف الحزبية وغير الحزبية، وفي هذا السياق يذكر أن إسرائيل اتبعت سياسات ممنهجة خلال فترة انتفاضة الأقصى محاولة لتجهيل الشعب الفلسطيني، فدمرت أكثر من عشر مدارس مع مكتباتها وكذلك ثمة مخاطر من آثار الجدار العازل على مستقبل الوضع التعليمي في الضفة والقطاع، حيث ستنعكس عملية الانتهاء من بناء الجدار على حياة الفلسطينيين الاقتصادية والاجتماعية الثقافية وبالتالي لن تشهد الأراضي الفلسطينية نهضة نوعية ملحوظة في المدى المنظور في مجال بناء وتطور المكتبات، الأمر الذي يتطلب جهداً عربياً على المستوى الرسمي والشعبي للحد من آثار الجدار العنصري وآثاره المدمرة على الثقافة والتعليم في الأراضي الفلسطينية.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244