مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 431 آذار 2007
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

تقاسيم عصرية على مكابدات المعري ـــ خالد أبو خالد

طال الطريق.. وأقفرت مدن.. سيصعدني النخيل لكي يكابد ـ ما أرى ـ صادقت قوليَ لم تجادلني البلاغة.. أو تضيعْني الرؤى.‏

ما ضيعت من اختلافي في الذي اتفقوا عليه.. تغامرُ الرؤيا فيُتَّهَمُ اغترابي...‏

قاطعت ما اصطلحوا عليه.. وقيل منشقٍّ.. وساروا في جنازته ضحايا..‏

ـ أهي الكراسي في الكوارث... والكوارث في الكراسي...؟‏

ـ تلك أسئلتي ظماء.. في الأوابد.. والنحاسِ...‏

مشيت منفرداً بها .. وأضفت للأيام موسيقى...‏

وللشجر المدمى من نزيفي.. أصهر المعنى‏

فتندمج الوقائع.. بالرسائل.. في القصائد..‏

ثروتي... فرح صغير.. لا أتاجر بالمدائح.. والمآسي.. والمراثي...‏

أشتري ماس المرارة... مرة لأرى طفولتي الشقية... مرة لأرى البلادَ..‏

وكيف تختصر البلاد بكأس خمر.. ثم تشرب في الأماسي..‏

/ هذا جناه/ القادمون مع الغزاة.. / وما جنيت / سوى دم آخيته... ما بين دجلة... والفراتْ...‏

ماذا تقول غصون أوراقي.. التي احترقت على صدر العراقْ..‏

غادرته.. وحملت من أشلائه.. قلق النباتِ..‏

سَقَطْتُ من أعلى القصيدةِ...‏

ـ نهر من الفوسفور ينتهك السماءْ ـ‏

نار على عينيَّ ـ أعمى مرة أخرى ـ أصارع في الرداء إذا مشيت إلى الكتابة... لا رفيقٌ منصت.. أو خيمة... لا نخلة تعطي ... ولا سلوى ستؤنس لي طريقي.. لا أحدْ...‏

وحدي على الجسر المدمر... في الجسدْ‏

وحدي.. ويقلقني نعاسي...‏

هذا فراغ الروح من لغة القصائد ... والقصائد لا تجيب ... ولا تجيء.. وليس من سفر إليها...‏

أغلقتْ جهةٌ عليَ.. فأُغلقتْ كلُ الجهاتِ‏

تهجأتْ رئتي السماء... لكي أرى...‏

غامرت في الزمن البخيل... بلا مرايا... أو ولدْ‏

يتضامن الأعراب ـ من عجز ـ معي... يتبعثرونَ‏

على خرائطهم بقايا.. أو سبايا.. وانتهوا‏

بددا على تيه النوايا...‏

هل قلت: تطردني الظلال... فطاردتني؟...‏

قلت تطردني الكلاب... فمزقتني...‏

هاجرت كتبي إلي... فغربتني...‏

هاجر الشعراء من موت خيالي إلى‏

ترف التصوف... في الزوايا...‏

صوَّتَ الوراق في النسَّاخ... من وجعي.. وغابا...‏

ما تبقى في المتاحف سوف يصرخ باللصوص... صرخت ـ لا أحد ـ ستصرخ بي الجدارياتُ.. ألواح الكتاب... صرح بابلَ...‏

مكتبات الحكمة الأولى... حمورابي... الشرائعُ...‏

نينوى... صرختْ جميعاً... فانقذفت إلى‏

الخرابْ...‏

يا أيها الوراق.. صوِّرني.. ورتب سيرتي..‏

يا أيها النساخ.. أسقط من رسائلي التوجع.. والتفجعَ...‏

صوت أحبابي يئن على الربابْ...‏

علقت آخر ما تبقى فوق ظهري.. وانتشرتُ...‏

صراخ مكتبتي يلاحقني... يصارع ما يشاع على الجرائد والإذاعة والحكايا...‏

شجر من (الرند) الغريب... يمر بي كصدى الرسائلِ...‏

يكتب السرطان سيرته على شكل الطوائف... والعشائر‏

والجيوشِ...‏

ـ هنا أموت... ولا أموتْ...‏

يا أيها الشهداء... لو أني أموت....‏

يا ليل... يا ليلي الأخير... لأنت أول من أنادي... أنت آخر من أنادي...‏

ناحت عليَّ حمائم الصفصاف في الطقس المعادي...‏

صحت يا أمي الحزينة... واتكأت على السوادِ...‏

فدلني المطر البعيد إلى المعرّة..‏

طارت على دمي المسجى... في المجرة...‏

صاحت تناديني... التفت إلى القصيدة... في شمال سريرتي..‏

فلمحت قبرا... قلت قبري شاهدٌ‏

إني البريء... من البراءة... والخطايا...‏

ينحني عنقي لقلبي... لم يساورني إلى ذهبٍ... غرامٌ...‏

ثم لم أسجد على الصحراء... للصنم المزين بالنذور... ولم أفاوض... أو أساومْ‏

صدقت رؤاي... وما رأى أحدٌ سوايَ‏

فهل بكيت... وما بكيت... وهل رميتُ... وما رميتُ‏

فلم تحاورني بلادي...‏

إنني أبصرت ما لم تبصر الكلمات... ما لا يبْصرُ الناجون... والعرّاف... والآتونَ...‏

في صبري المديد أسير منفرداً... ومكسور الجوادِ...‏

رحلت في حلمي الجنوبي المثابرِ...‏

قلت يصعدني... فأصعده... تجاوزتُ البوادي...‏

سرت في ضوئي... وتتبعني القوافلُ...‏

سرت فيها سيدا... كدم الشهيد إلى الحمامْ...‏

ما ردني صوت قصي... خلبي... في الصدى...‏

سأذود عن روحي التفاؤل... والتشاؤم...‏

داولتْ حزني الرمال... وكنت أهجس بالجنوبِ... وبالجبال... وبالرجالِ...‏

تصاعد الفرح المخبأ في دمي... فهتفت للآتي... وما صدئ الغمامُ...‏

أعود وحدي... أو رهينا... للذي يأتي...‏

ويأتي في... الظلامْ...‏

في حكمتي قفلٌ ... ومفتاحٌ .. ودارْ‏

في حكمتي... حفرٌ وتنزيلٌ... لمن يدري... ولا يدري... على أرض الشآمْ..‏

سغب سؤالي... يكتسي بالصمت... أو طيريْ... يهاجر في قباب المكتباتِ...‏

سدى يقشش في المسافر... والمحاصر... في المكانْ...‏

وجدي.. يعذب وجدهُ...‏

فهل احتكمت إلى مجاز النهر... محتضراً لأبحث عن مداي..؟‏

هل احتكمت إلى بنات القهر... فاحترقت‏

يدايْ...‏

غابت علامات النهار... فَقَدْتُ ظلي إذ دخلت مشتتا مدن الغبار. فلم تجدني‏

أو أجدها...‏

ـ يا أم بادية الظباء... وحزن أمي... والحنين ـ إلى الفضاءْ ـ‏

أنتِ التي حفظتْ شجون قصيدتي...‏

ـ لو أنني كُفِّنتُ في بغداد... في دمها الأخير...‏

وكان أجدى... أن أقايض ما رأيت... وما كتبت... وما حفظت.. وما عرفت... بمن‏

تشظى في الحواري... من صغارْ...‏

يبس البكاء.. على البكاء... وما عصرت من الغناء على رغيفي...‏

هاجرتْ مني عناقيد الكلام إلى السبات...‏

غادرت نكبتيَ الجديدة في المسافة بين بابي والجدار ـ الصمت أجدى ـ الصمت موتك يا المعري‏

قلت أخلو تارة لهواجسي... أخرى لذاكرتي... وروحي...‏

وارتجلت حروف قافية... تعذبها جروحي...‏

قلت: احزن برهةً... ليعود لي بصري...‏

ـ يدق نوافذي مطر خفيف ـ ضج في أفقي نفيرٌ...‏

قال: جئتك من شمال النكبة الأولى‏

أجيء من الجنوبْ...‏

ـ يا صوت... هذا الصوت أعرفه... سيحملني لأنهضْ...‏

إني أقوم معي الضياءْ...‏

وهي الدروب نوافذي...‏

سأرى مسالكها... القريبة... والبعيدة... والسؤال..‏

اليوم أفتح كل باب للصغار... وللرجالْ...‏

... رُدوا على وجهي الحصيرْ...‏

وصلت مرفأي الأخيرْ...‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244