مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 431 آذار 2007
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

ما يُشبهُ الخراب... بل هو الخراب ـــ حميد سعيد

كما ترى في صورةٍ قديمةٍ.. ما كُنتَ قد شاهدتهُ من قَبلُ..‏

أو ما لم تَكُنْ شاهدتَ..‏

.........‏

.........‏

هل أعرفُ هذه الوجوه.. هل مررتُ من هنا‏

وهل أقمتُ حيثُ تظهرُ الأشجارُ في نهاية الطريق؟!‏

أسئلةٌ تغيرِّ الصورة..‏

........‏

........‏

إنَّ ظلاً قاتماً... غَيَّبَ من في الصورة القديمهْ‏

وغَيَّبَ الطريقَ والبيوتَ والأشجارْ‏

لم يبقَ في الصورة غيرُ أثرٍ..‏

ما ظلَّ منهُ غيرُ ما أبقى الزمانُ... من بقايا دُولٍ دالتْ..‏

وما تبقى من بهاء مُدُنٍ هانتْ‏

ومن جمالِ امرأةٍ.. كانتْ‏

***‏

ما يشبهُ الخرابْ.. بل هو الخرابْ‏

الموتُ في انتظار كلِّ حيٍّ.. عندَ كلِّ بابْ‏

لا فرقَ بينَ ميتةٍ وميتةٍ... وبينَ مقتولٍ ومقتولٍ...‏

وقد تختلفُ الأسبابْ‏

لا أحدَ يدفع عن أحلامهِ.. وحشَ الكوابيسِ..‏

وعصفَ الملحِ والكبريتِ والهَبابْ‏

لا ثَمرٌ يقيمُ في ألوانِهِ الأولى.. الرمادُ سيّد المكانْ..‏

لا ماءٌ ولا سَرابْ‏

ما يشبهُ الخرابُ.. بل هو الخرابُ...‏

أفراسٌ.. تشبُّ في أعرافِها النارُ..‏

وتعدو دونَ وجهةٍ..‏

كأن ما كانَ وما يكون.. لغةٌ وحشيةٌ... حروفُها الحرابْ‏

في غفلةٍ تُدخِلُني الصورةُ في يبابْ‏

دمٌ على المسلِّة الأولى.. على الملحمةِ الأولىِ.. على القبابْ‏

دمٌ على المتنِ.. على هوامش الكتابْ‏

دمٌ على الثيابْ..‏

دمٌ على التُرابْ..‏

دمٌ على حدائقِ اللهِ.. على الجوريِّ والصَندَلِ والنعناعْ‏

.........‏

.........‏

هذا دَمٌ أعرفهُ..‏

كانَ معي على شواطئ الفراتِ.. في مقاهي الصيف‏

كانَ معي.. في الكرخ.. في الرشيدِ.. في الميدانْ‏

هذا دمٌ أعرفهُ..‏

لطالما رافقني ليلاً إلى السهرةِ في مضارب الأصحابْ‏

***‏

ما يُشبهُ الخراب.. بل هو الخراب‏

يقتلعُ الغزاةُ كلَّ ما أقامَهُ الأجدادُ في البلادِ..‏

مثلما تقتلعُ العاصفةُ الأشجارْ‏

وهبنا قاموسَهُ الحنظَلَ واستباح إرثنا الجميل.. في الكتابهْ‏

حَرَمَنا من ألفة الموت الذي يأتي رزيناً هادئاً..‏

يَنسَلُّ عَبرَ بابِ ليلنا.. كما الأحلام...‏

موتٌ صاخِبٌ هذا.. وفجُّ.. خَشنٌ.. يغتصبُ الفِناءَ والربابْ‏

موتٌ طائشٌ هذا.. بذيٌّ.. من خنادقِ الخواء.. جاءْ‏

إمبراطور السُعارِ.. يتخفّى خلفَ لُغَةٍ صفراءْ‏

يغتالُ أناشيدَ الصفاءِ في كتابنا...‏

يقولُ:‏

فعلُ الأُخوة الأعداء‏

إمبراطور السعار...‏

ليسَ غير السُمِّ في جرابهِ.. وليسَ غير الحمقِ في أهابهِ‏

ما يُشبه الخراب... بل هو الخرابْ..‏

يَعتزلُ المنشدُ.. من يسمعهُ؟!‏

عواصفٌ سودٌ ووهمٌ شرسُ.. ليلٌ خرافيّ وظلٌ فاجرٌ...‏

يعترف المنشدُ بالعجزِ.. أمن معجزةٍ تَهبهُ القدرةَ..‏

حتى لا يرى اليقظةَ في النومِ..‏

ولا اليمامةَ البيضاءَ في غرابْ‏

يعتزلُ المنشد...‏

في عُزلتهِ تأتي الأناشيدُ.. الرمادُ في أوراقهِ..‏

تُهاجرُ الحدائقُ الأولى إلى تُخوم العالم السُفليِّ..‏

تحتالُ المواويلُ على النومِ.. وتختارُ العصافيرُ الغرارْ‏

...........‏

...........‏

يسألني شَيخي عن الرصافة..‏

أقول.. كان ليلُها..‏

يسألني شيخي عن بغداد...‏

أقولُ.. كانت جَنَّة الدنيا.. ودُرَّةَ البلادْ‏

***‏

أسأل شيخي.. أيها العارف‏

أكنتَ تدري بالذي يجري!‏

يقول.. أدري وهو لا يدري‏

وما رأى الماءَ الذي يجري‏

ما يُشبه الخراب.. بل هو الخرابْ‏

مقابرٌ تقتحم الشوارع.. الموتى يعودون إلى البيوتِ‏

حفارو قُبورٍ.. يحملون وطناً إلى مملكة الموتِ...‏

وتأتي طائراتٌ دونما رويةٍ.. فتأكلُ الأطفال والأنهارَ والنخيلْ...‏

يعتذر الأمواتُ..‏

عما حَملوا من الشظايا...‏

عندَ باب الله.. قالوا: إننا نعيدُ هذه الهدايا‏

من أيِّ ماخورٍ أطلتْ هذه العاصفة الحمراءْ‏

من أيِّ معجم مُشوَّهٍ يمدُّ فعلٌ قذرٌ يداً جذيمةً..‏

ينتشر الوباءْ‏

كما ترى في صورةٍ قديمةٍ.. ما ليسَ في الصورةِ..‏

هذا مشهدٌ مختلفٌ..‏

يُوحِّدُ الضجيج بالظلِّ.. وتبدو الخنفساءُ في ثياب امرأةٍ..‏

وكل عاقرٍ تقول.. أنجبت ألفاً من الأطفالْ!!‏

تُستأجرُ الأحلامُ..‏

هذا مَشهدٌ مختلفٌ‏

إذْ يحلم الغُزاةُ... ثم يدعونَ أنَّها أحلامنا‏

من يأكلُ العوسجَ في الصيفِ.. عليه أن يقول.. إنه تفاحْ‏

والذي تنعق في دياره الغربانْ..‏

عليه أن يقول.. بُلبلٌ صيداح‏

لا تعجبي من كلِّ هذا.. يا نغيلَ...‏

كلُّ هذا من خصالِ الوطنِ المباح‏

.........‏

.........‏

تسألُني.. إن كان هذا الصخبُ الوحشيُ.. يغد وبَعدَ حين وطناً؟!‏

وينضجُ البر حيُّ في أوانهِ؟!‏

يعتذرُ القاتلُ للقتيلِ.. والقتيلُ للقاتل!!‏

يأمن الناسُ على أحزانِهم..‏

يا أنتِ.. يا حمّالةَ الأوجاعِ.. علمي الأطفالَ..‏

أنّ في بلادنا غرابْ‏

جاء به الأغراب‏

***‏

اللغة البيضاءُ تمتدُّ إليها النارُ...‏

صار الكركدنُ فرساً.. والبغلُ من سلالةِ البُراقِ..‏

والنغيلُ سيّداً..‏

أهذه مدينةُ السلامِ.. أم مملكةُ الذئابْ‏

ليس سوى الرمادِ والجَرادِ.. بين الصُلبِ والترائبْ‏

ليسَ سوى الغرائبْ‏

...........‏

...........‏

كما ترى في صورة قديمة.. ما كنت قد شاهدته من قبلُ..‏

أو ما لم تكن شاهدتَ..‏

ها أنت ترى في ما تبقى.. صفحةً سوداءْ‏

26/9/2005‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244